في سوريا.. البحث بين الوجوه

بعد كل ما جرى في البلاد التي اشترك كثيرون في تناتشها ونكبها، وبين فيديو المجزرة ومنظر الناس المنتظِرين والمتحلقين بيأسهم وأملهم، ما زال النظام وسط كل هذا قادراً على تذكير الجميع بأنه هو يملك المصائر ويحددها، يؤرجح المواطنين بين يأس وأمل، ويتركهم في النهاية خائفين...
2022-05-05

شارك
يعرضون عليه الصور أملاً بأن يتعرف على أحد المفقودين

ليس عيد سوريا كالعيد في شيء.. هؤلاء الذين تجمّعوا في ساحات دمشق لم ينزلوا للتلاقي في حرش العيد ولا لشراء الألعاب لأولادهم واصطحابهم إلى الملاهي. فأقاربهم وأبناؤهم، الكهول والصغار منهم، مفقودون ومسجونون أو ربما في حالة ما أسوأ من تلك الاثنتين، كثير منهم مجهولو المصير ولا يعرف أهلهم ما إذا كانوا أحياء أم أموات. لكنّهم قد نزلوا لملاقاة وجوه الذين خرجوا عشية العيد، يوم الأحد في الأول من أيّار / مايو 2022 بموجب "عفو رئاسي".. للتفتيش بين الوجوه عن وجه واحد يعرفونه أو – على الأقل – يعرفُ من يعرفونه!

أكثر 60 شخصاً أطلق سراحهم – بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان - يوم الأحد. بعضهم كان محبوساً في سجن صيدنايا الذي يبث اسمه الرعب في النفوس، نظراً للأهوال الرهيبة التي ارتُكبت فيه بحق السجناء. يقدّر أن 13 ألف شخص تمّ إعدامهم على مدى السنوات في ذلك المكان سيء السمعة، فهل يمكن تخيّل ما يعني ذلك؟ هل يمكن تخيل ما حصل قبل وبعد وخلال الإعدام؟ الرعب صار عملة يتم التداول فيها في سوريا. هذا ما يمكن تبيّنه في عيون الخارجين من الظلمات، ومنهم أشخاص تم اعتقالهم خلال أو حتى قبل اندلاع الحرب في سوريا، أي أنهم أمضوا عشرات السنين في السجن.

قبل يومين من إطلاقهم، كان الرئيس السوري قد أصدر مرسوماً يقضي بمنح عفو عام عن الجرائم "الإرهابية" المرتكبة قبل تاريخ 30 نيسان/ أبريل 2022 مستثنياً "الجرائم التي أفضت إلى موت إنسان"، بحسب بيان نشرته وكالة الأنباء المحلية. ويعتبر هذا العفو الأكبر منذ بداية الأزمة والحرب في سوريا.

على الأرض، كانت الترجمة أمواجاً بشرية من المتأمّلين بشذرة خير. مقابل 60 خرجوا من السجن كانت تنتظر آلاف مؤلّفة في الشارع، كلهم يمنّون النفس بأن يكون لهم نصيب في واحد من الستين. لقد ركضوا خلف شاحنة تحمل بعض المعتقلين باحثين عن أحبة لهم لأنّ النظام لم يعلن أسماء المفرج عنهم ولا تُهمِهم. كل شيء يتمّ بعشوائية تحتقر مشاعر الناس.

في الصورة ينظر أحدهم بعيون منهكة ووجع فارغ إلى صورة شمسية وأخرى يعرضها له أحد الأشخاص على هاتف محمول. يتحلّق حوله العشرات وكلهم يريدون معلومة. "هل رأيت فلاناً؟ هل تعرف فلاناً؟"، "تذكّر جيداً"... وكل هذا يجري بعد أيام فقط على خروج الفيديو الرهيب لمجزرة حي "التضامن"..

مقالات ذات صلة

بعد كل ما جرى في البلاد التي اشترك كثيرون في تناتشها ونكبها، وبين فيديو المجزرة ومنظر الناس المنتظِرين والمتحلقين بيأسهم وأملهم، ما زال النظام وسط كل هذا قادراً على تذكير الجميع بأنه هو يملك المصائر ويحددها، يؤرجح المواطنين بين يأس وأمل، ويتركهم في النهاية خائفين...  

مقالات من العالم العربي

إزالة المدافن الأثرية: كله مباح في مصر!

2022-05-19

"سيتمّ تدمير التاريخ والفن" بحسب المؤرخ مصطفى الصادق عندما سُئل عن رأيه في مشروع هدم الحكومة المصرية للمدافن التاريخية في المقطّم – وهي "مدن للأحياء والموتى" - إفساحاً لبناء جسر...