العراق: سيرة حرب الساسة والشيوخ في الأنبار الجديدة

صراع أبناء القبيلة انتقل خارج حدود الأنبار، وأبناء العمومة المتخاصمون لم تعد تتسع لخلافاتهم المحافظة الكبيرة، والمقاولات ما عادت تملأ العين والجيوب، وما كان غايةً فيما مضى، صار اليوم وسيلةً للوصول إلى غايات أخرى، أكبرها الجلوس على مقعد رمز السُنة الأوحد في العراق...
2022-04-28

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
محمد عمران - سوريا

حينها لم يكن للقبيلة رأي في السياسة، ولم تكن تجرؤ إلا على التدخل في حل النزاعات العشائرية بين الأفراد، والذهاب إلى بغداد، مشايخَ ووجهاء، كلَّما دعاهم حزب البعث أو الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، والعودة مرةً أخرى إلى مضايفهم محمَّلين بالهدايا والهبات العينية من القائد. ولكثرة ما كان ذلك يحدث أيام الحصار، صار يُطلق على شيوخ تلك الحقبة "شيوخ التسعينات" أو "شيوخ السلطة".

حينها، كان عبد الستار أبو ريشة ولداً "ناشزاً" للشيخ بزيع فتيخان، شيخ مشايخ قبيلة البوريشة (البوحسين العِلي) وكان عبد الستار يشتهر بكونه "مسلبجي" - قاطع طريق - يقف هو وعصابته من أبناء الشيوخ على الطريق الدولي السريع بين بغداد والأردن، ويأخذ الشاحنات المحملة بالبضائع مع حمولاتها، ثم يساوم أصحابها أو التجار على دفع ما يشبه الفدية، أو تفكيكها وبيعها بالتجزئة، وغالباً ما كان ذلك يحدث من خلال تهريبها إلى إقليم كردستان.

حربٌ ومقاولات وسياسة

جاءت الحرب عام 2003، وسقط كل شيء، ودخلت البلاد في الفوضى، ووجدت القبائل مكاناً شاغراً تركه حزب البعث فجأة، فتمدد نفوذها إلى السياسة، وصار للشيوخ رأي في السياسة والاقتصاد والأمن، واستحوذوا على محافظة الأنبار بالشراكة مع "الحزب الإسلامي" (الإخوان المسلمون) والجيش الأمريكي، وانتقل الشيوخ وأبناؤهم من المضايف والدواوين إلى القاعات الكبيرة والمؤتمرات الصحافية للحديث عن "العراق الجديد" الذي كانوا هم أحد أقطابه، خاصة في محافظة الأنبار، التي تُشكِّل القبائل نسيجها الاجتماعي.

على الضفة الأخرى كان تنظيم القاعدة يسيطر على الأرض في المحافظة، يسرح ويمرح ويفجر ويقتل ويختطف من يشاء وقتما يشاء، وكانت السلطة المكونة من "الحزب الإسلامي" وشيوخ العشائر والجيش الأمريكي محاصرة في كيلومتر مربع واحد في مركز مدينة الرمادي، وكانت المدينة خارج هذا الكيلومتر المربع في قبضة التنظيم والجماعات المسلحة الأخرى. الرمادي حينها كانت ساحة مفتوحة لحرب الشوارع.

شيوخ القبائل حديثو عهد في السياسة، ولأنهم كذلك عرف "الحزب الإسلامي" كيف يدير السلطة معهم، مستخدماً حيلة "المقاولات". ففي الأنبار ومنذ عام 2007، ازدهرت حياة الشيوخ وأقاربهم، وانشأوا شركات للمقاولات وتنفيذ مشاريع الإعمار في المحافظة.

في أيلول/سبتمبر 2006 قتلت القاعدةُ الشيخ بزيع فتيخان أبو ريشة، ثم اختطفت نجليه عبد الله وعلي من الرمادي ليُقتلوا بعدها في مدينة الفلوجة. وكانت محافظة الأنبار في الفترة بين عامي 2003 – 2007 خارج سلطة الدولة العراقية والجيش الأمريكي، لكنَّ ذلك لم يدم طويلاً، فقد قرر عبد الستار أبو ريشة الثأر لمقتل عائلته والكثير من شيوخ وأبناء عشائر الدليم على يد التنظيم، وأعلن عن تأسيس "مؤتمر صحوة الأنبار" (ميليشيا مسلّحة من أبناء القبائل) بدعم مباشر من الجيش الأمريكي (تسليحاً وتمويلاً)، ولم ينته عام 2007 إلا وفرضت "الصحوات" سيطرتها على المحافظة، وطردت "تنظيم القاعدة" إلى الصحراء الغربية، بعد مقتلة مشهودة قضى فيها المئات من قيادات ومقاتلي القاعدة.

مفاجآت ذلك العام لم تنته عند طرد التنظيم، ففي أيلول/ سبتمبر 2007 اغتيل عبد الستار أبو ريشة في مدينة الرمادي، وتبنى تنظيم القاعدة قتله، بعد أقل من عشرة أيام على لقاء جمعه بالرئيس الأمريكي حينها جورج بوش، الذي جاء في زيارة مفاجئة إلى قاعدة عين الأسد في الأنبار، ولم يلتق أي مسؤول عراقي عدا أبو ريشة الذي قاله عنه بوش أنه أحد الأبطال الذين ساهموا في طرد التنظيم.

نفوذ القبائل بعد طرد التنظيم تنامى حدّ أن صاروا يتدخلون في تعيين المحافظ، وتشكيل مجلس المحافظة الذي لا يخلو من تمثيل مؤثر لهم، وبدأوا يرشحون ممثلين قبليين لهم في انتخابات مجلس النواب العراقي، ويفوزون بمقاعد برلمانية، وصار أي مرشح للبرلمان يستخدم القبيلة وشيوخها في دعاياته الانتخابية، فمثلاً: كان بعض المرشحين يضعون صورة الشيخ علي الحاتم السليمان مع صورهم في اللافتات الانتخابية، إذ كانت – وما زالت - القبيلة بمثابة تزكية لأبنائها في الطريق إلى البرلمان. وصارت الحكومة العراقية والجيش الأمريكي يطلبان ودهم ومباركاتهم في المشهد السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي في محافظة الأنبار.

ولأن شيوخ القبائل حديثو عهد في السياسة، عرف "الحزب الإسلامي" كيف يدير السلطة معهم، واستخدم معهم حيلة "المقاولات". ففي الأنبار ومنذ عام 2007، ازدهرت حياة الشيوخ وأقاربهم، انشأوا شركات للمقاولات وتنفيذ مشاريع الإعمار في المحافظة، وأول ما تقاسموه مع الحزب الإسلامي عام 2007 - غير السلطة والمناصب - كانت 70 مليون دولار إضافية لميزانية المحافظة، و50 مليون دولار تعويضات، وستة الآف وظيفة محلية، كانت تُوزّع في مضايف الشيوخ لكسب الولاءات من جماهير تلك القبائل.

الحرب مرة أخرى

ظل "الإخوان المسلمون" وشيوخ القبائل يمسكون بعباءة الأنبار حتى عام 2014، عندما دخل تنظيم "داعش" مدن الأنبار وسيطر عليها مرة أخرى. وما لا يعرفه الكثيرون في هذا الحدث الكارثي، هو أن قادة تنظيم داعش هم مقاتلين سابقين وأمراء في تنظيم القاعدة، نجوا من المقتلة التي وقعت عام 2007، وهربوا إلى صحراء الأنبار، وتحديداً إلى وادي حوران، هنالك حيث أعادوا بناء عدتهم وعتادهم، وعادوا ليتمددوا مرة أخرى.

في أيلول/ سبتمبر 2007 اغتيل عبد الستار أبو ريشة في مدينة الرمادي، وتبنى تنظيم "القاعدة" قتله، بعد أقل من عشرة أيام على لقاءٍ جمعه بالرئيس الأمريكي حينها جورج بوش، الذي جاء في زيارة مفاجئة إلى قاعدة عين الأسد في الأنبار، ولم يلتقِ أي مسؤول عراقي عدا أبو ريشة، وقال عنه أنه أحد الأبطال الذين ساهموا بطرد التنظيم.

المثير أيضاً في سيطرة داعش على الأنبار، هو أنها جرت بعد أن سيطرت العشائر على المحافظة، وأجبرت الجيش والشرطة على إلقاء السلاح، بعد عام كامل من التظاهرات والاعتصامات ضد حكومة نوري المالكي في ولايته الثانية، والتي انتهت بقرار منه أن يُفض اعتصام مدينة الرمادي، وكان هذا الاعتصام لكل العشائر هناك. حينها قررت القبائل حمل السلاح في وجه الحكومة، وبعد أن خرجت المدن الثلاث الكبرى عن سيطرة الدولة: الرمادي والفلوجة والكرمة. جاء تنظيم داعش ودخل في أرتاله ومقاتليه، لتشهد الأحداث تطوراً خطيراً آخر، فهذه العشائر لديها ثأر قديم مع التنظيم، وسبق لها أن قاتلته وطردته إلى الصحراء بمساعدة الجيش الأمريكي، فإما أن تتحالف معه ضد الدولة العراقية، أو أنها تنسحب، أو تصطف مرة أخرى مع الحكومة التي ثارت ضدها.

قبيلة البوريشة (التي أسس شيخها عبد الستار أبو ريشة "الصحوات") اختارت أن تعود إلى حلفها مع حكومة نوري المالكي، وكانت القبيلة ممثلةً في الاعتصامات ضد حكومة نوري المالكي من قبل محمد خميس أبو ريشة، نجل شقيق عبد الستار، وشقيق عبد الستار الكبير، أحمد أبو ريشة. وسرعان ما صار لمحمد خميس أبو ريشة رتل كبير من المركبات العسكرية ومقاتلين من جهاز مكافحة الإرهاب يأتمرون بأمره ويتجولون في مدينة الرمادي التي عادت مرة أخرى إلى حرب الشوارع.

بعد أن أعلن محمد خميس أبو ريشة انضمامه إلى صفوف حكومة نوري المالكي، نشر تنظيم داعش صوراً له وهو يزورهم في الصحراء خلال الاعتصامات، وذكر التنظيم أن محمد خميس أبو ريشة ذهب إليهم ليعلن عن توبته وقتاله معهم ضد الجيش العراقي الذي كان محمد خميس يسميه "جيش المالكي". ومن أجل هذا أعلن التنظيم أن محمد خميس مرتد يجب قتله، وبالفعل لم تمرَّ أشهر قليلة حتى قُتل محمد خميس في تفجير انتحاري بمدينة الرمادي.

جاءت الحرب عام 2003، وسقط كل شيء، ودخلت البلاد في الفوضى، ووجدت القبائل مكاناً شاغراً تركه حزب البعث فجأة، فتمدد نفوذها إلى السياسة، وصار للشيوخ رأي فيها وفي الاقتصاد والأمن، واستحوذوا على محافظة الأنبار بالشراكة مع "الحزب الإسلامي" والجيش الأمريكي، وانتقل الشيوخ من المضايف والدواوين إلى القاعات الكبيرة والمؤتمرات الصحافية للحديث عن "العراق الجديد" الذي كانوا هم أحد أقطابه.

بعد سيطرة تنظيم داعش على محافظة الأنبار، ونزوح أهلها وتعرضهم إلى أكثر أشكال العنف والاضطهاد قسوة، ودمار مدنهم وقراهم، وتحولها إلى ساحة معارك بين القوات العراقية وتنظيم داعش، فقد مجتمع الأنبار الثقة بكل ممثليه في الدولة والبرلمان، وصار الناس يهاجمون الساسة ("الحزب الإسلامي") وشيوخ العشائر ويلقون باللائمة عليهم لما حل بهم، وكانت أخبار الفساد وسرقة أموال النازحين من قبل ساسة الأنبار وشيوخ العشائر كفيلة بالقضاء على أي مستقبل سياسي للإخوان المسلمين وشيوخ العشائر، وهذا ما حدث بالفعل.

محاولات في الليبرالية السُنية

بعد حرب أكلت المدن في محافظة الأنبار، طُرد التنظيم مرة أخرى من المحافظة، وبدأ الناس يعودون من مخيمات النزوح إلى أطلال مدنهم وقراهم، وكان الغضب والحزن هو ما يسيطر على مشاعر الناس من الخيانة التي تعرضوا لها على يد الحزب الإسلامي وشيوخ العشائر. حينها ظهر تيار سياسي جديد، أبرز قادته هما الشيخ خميس الخنجر وجمال الكربولي، وكل منهما هو رجل أعمال دخل إلى السياسة من باب محاولات في "الليبرالية السنية"، وكان هذا الدخول في ذلك التوقيت ذكياً بما يكفي لإغلاق أبواب القبيلة والدين "السني" وللولوج إلى السياسة.

أحد وجوه "الليبرالية السنية" كان محمد الحلبوسي، الذي تبين فيما بعد أنه وجهٌ مشوّه! عُيّن الحلبوسي محافظاً للأنبار بعد طرد تنظيم داعش، حينها كان عضواً مغموراً في البرلمان العراقي، قدم استقالته من مجلس النواب ليكون محافظ الأنبار المنكوبة، بدفع وتأييد من جمال الكربولي، ومنها انطلق الحلبوسي إلى نجوميته السياسية، ساعده على ذلك حاجة المجتمع الأنباري إلى شخصية يعوَّل عليها في تمثيله السياسي، وهذا ما أدركه محمد الحلبوسي، واستثمره في بناء مجده الذي سيوصله إلى تصدر المشهد السياسي السني، والظفر برئاسة البرلمان لولايتين متتاليتين، ثم الفوز (تحالف"تقدم") بثاني أعلى نسبة مقاعد في البرلمان العراقي بعد التيار الصدري في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

بعد سيطرة تنظيم "داعش" على محافظة الأنبار، ونزوح أهلها وتعرضهم إلى أكثر أشكال العنف والاضطهاد قسوة، ودمار مدنهم وقراهم، وتحولها إلى ساحات للمعارك، فقد مجتمع الأنبار الثقة بكل ممثليه في الدولة والبرلمان. وكانت أخبار الفساد وسرقة أموال النازحين من قبل ساسة الأنبار وشيوخ العشائر كفيلة بالقضاء على أي مستقبل سياسي للإخوان المسلمين وشيوخ العشائر.

سريعاً بدأت عمليات الإعمار للمدن المدمرة في محافظة الأنبار، خاصة مركز المحافظة، مدينة الرمادي، ومدينة الفلوجة، ثاني أكبر المدن في الغرب العراقي. وكان الحلبوسي ذكياً في تجيير مشاريع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) الخاصة بإعادة الإعمار لصالحه شخصياً، وساعده على ذلك خلو المشهد من منافسين له في إدارة المحافظة، وإزاحة الجيل السياسي القديم الذي تسبب بالنكبات للمحافظة وأهلها.

عام 2018 عاد الحلبوسي مرةً أخرى إلى البرلمان رئيساً لتحالف "الأنبار هويتنا" ومن خلال تحالف مع "القائمة العراقية" بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علاوي، فاستطاع الحلبوسي الفوز برئاسة البرلمان في منافسة ضمت وزير الدفاع الأسبق خالد العبيدي ورئيس البرلمان السابق أسامة النجيفي، ليكون أصغر سياسي عراقي يصبح رئيساً لمجلس النواب. لكن البرلمان لم يشغل الحلبوسي عن إدارة شؤون محافظة الأنبار، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وصلت حد الإشراف على كتابة البيانات الصحافية وتعيين مدراء الدوائر واستخدام المال السياسي لكسب الولاءات والإطاحة بالخصوم.

للحلبوسي جمهوره الكبير في محافظة الأنبار، وماكينته الإعلامية القوية، وله أيضاً سطوته ويده الضاربة ضد خصومه، وكل من له رأي معارض أو ناقد، ففي الأنبار وصل الحال بأن يُعاقب الموظف الذي ينتقد الحلبوسي بمنشور على فيسبوك بالنقل إلى أكثر المناطق النائية والبعيدة في المحافظة، مثل قضاء النخيب الحدودي مع المملكة العربية السعودية، أو قضاء القائم الحدودي مع سوريا، وهذه أكثر عقوبة "خبيثة" يمكن أن يتعرض لها من ينتقد "الريّس"، هكذا صار يُلقَّب الحلبوسي الآن في الأنبار.

إغراءات السلطة والنفوذ، وامتيازاتهما، وغياب المعارضة الحقيقية، جعل الحلبوسي زعيماً لا يمكن التشكيك به، أو انتقاده، أو معارضته، وبدأت جيوشه الالكترونية تروج له باعتباره رمز السنة الأوحد، والمنقذ الذي لولاه لظل أهل السنة في المخيمات، والريّس الذي حوَّل مدينة الرمادي إلى دبي، والسياسي القريب من قلوب الناس، والشاب الذي يمثل طموح شباب الأنبار والسنة، حدَّ أن بدأ المطربين يتغنون باسمه، والشعراء يكيلون له المديح بقصائدهم الحماسية، والشوارع تكتظ بصوره الكبيرة.

انقلاب من خارج البيت السني

بعد الانتخابات التشريعية التي فاز بها، حدث انقلاب على الحلبوسي، لكنه انقلاب جاء من خارج "البيت السني"، من الخصم الذي كان حليفاً له بالأمس، ومن خلال سيناريو أعجب من العجب نفسه. غير أن لا عجيب في العراق اليوم: "الإطار التنسيقي" (تحالف الأحزاب الإسلامية والمليشيات الشيعية الموالية لإيران) الذي خسر الأغلبية في البرلمان لصالح "تحالف السيادة" (التيار الصدري و"تقدم" و"عزم" والأكراد)، وبعد أن يأس من ضم محمد الحلبوسي والشيخ خميس الخنجر والأكراد إلى ضفتهم على حساب التحالف مع مقتدى الصدر، بدأوا بالانقلاب حتى على مبادئهم وجمهورهم، من أجل سحب البساط من الحلبوسي في المناطق السنية، خاصة في محافظة الأنبار. ولكن كيف حدث ذلك؟

في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وعلى مدى ولايتين (8 سنين) جرى استهداف الكثير من الشخصيات السنية البارزة، على رأسهم وزير المالية رافع العيساوي، ونائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، والنائب أحمد العلواني، والشيخ علي الحاتم سليمان، وذلك بعد اجتياح تنظيم داعش. وهؤلاء وغيرهم لُفّقت لهم تهم وملفات تتعلق بالمادة 4 إرهاب، التي من أجلها خرجت المناطق السنية بتظاهرات ثم اعتصامات ثم دخل العراق في الفوضى. وهذه المادة كان يستخدمها نوري المالكي لاستهداف خصومه واعتقالهم وتصفيتهم.

ما حدث بعد الانتخابات الأخيرة، وفوز الحلبوسي بولاية ثانية لرئاسة البرلمان، وانفراده بالزعامة في محافظة الأنبار، أن الإطار التنسيقي حرّك مياهاً آسنة، كانت راكدة منذ سنوات. ولأن الميليشيات ("الحشد الشعبي") خاصة ميليشيا "كتائب حزب الله العراقية"، ما تزال لها اليد الطولى في الملف الأمني في الأنبار، حركت بيادق القبيلة، خاصةً تلك التي لها تاريخ قريب في صناعة المشهد في المحافظة، قبيلة البوريشة، وتحديداً سطام أبو ريشة، نجل الشيخ مؤسس صحوات العراق، عبد الستار أبو ريشة، الذي بدأ بمحاولات لاستعادة مجد أبيه، تحت حماية ومباركة "الإطار التنسيقي" وميليشيا كتائب حزب الله العراقية التي ينتشر مقاتلوها في منطقة "طْوَي" لحماية بيت أبو ريشة ومضيفه هناك.

سطام بدأ الخصومة بوضوح شديد، وبما يتناسب مع موقف الخصوم من بعضهم، مؤسساً حسابه الشخصي على تويتر بتغريدة نشر فيها صورة محمد الحلبوسي مع شطر بيت من الشعر لأحمد شوقي: "مخطئٌ من ظنّ يوماً أنّ للثعلب دينا" ثم بدء حربه على الحلبوسي والشيخ خميس الخنجر، ومغازلة المرجعيات الشيعية، والتذكير بالتضحيات التي قدمتها عائلته في محاربة الإرهاب، وأنه أحق بهذا الإرث من السياسيين الفاسدين الذين سرقوا محافظة الأنبار من أهلها وعشائرها، ويريدون إدخالها في مختبر التطبيع مع الكيان الصهيوني إلخ.. من التغريدات التي تتطابق جداً مع الشعارات التي ينادي بها زعماء وساسة "الإطار التنسيقي".

حرب التغريدات، تقابلها حرب أخرى على الأرض، أكثر خطورة وأشد، نهايات آذار/مارس 2022: عبد الجبار أبو ريشة (مجّود) شقيق عبد الستار أبو ريشة، يهاجم بالأسلحة الخفيفة (كلاشينكوف) بيت المحافظ الحالي علي فرحان (أبو زيدون) حليف محمد الحلبوسي، وبيت قائد الشرطة هادي رزيج، وبيت رائد الفارس مدير الاستخبارات في محافظة الأنبار. على أثر ذلك داهمت قوة أمنية بيته واعتقلته، ثم توجهت إلى بيت سطام أبو ريشة لاعتقاله وفق مذكرة توقيف من القضاء، لكن قوة الفوج التكتيكي كادت أن تشتبك مع ميليشيا كتائب حزب الله العراقية التي انتشرت في محيط بيت أبو ريشة لحمايته، ما اضطر القوة الأمنية إلى التراجع.

سطام أو ريشة، ظهر في فيديو ناشد فيه الحشد الشعبي حمايته، وسرعان ما وجد الرد والاستجابة من القيادي في كتائب حزب الله "أبو علي العسكري" الذي قال إن "الشيخ سطام هو ابن الشهيد عبد الستار أبو ريشة وهو أمانة والده وجميع شهداء الأنبار العزيزة الذين قارعوا قوى الظلام، ومن يحاول الاعتداء عليه بدفع داخلي أو خارجي إنما يعتدي على جميع الأحرار في العراق"، وذكر العسكري "بأن سطام أبو ريشة لم يطالب لنفسه بمكسب أو سلطة، بل كانت مطالبه الأساسية هي رفع الظلم عن أهالي الأنبار، وكف يد البهلوان وزبانيته التي عاثت في العراق فساداً، لذا فإن حمايته ودفع الأذى عنه شيمة نتوقعها من رجال عشائر الأنبار الكريمة".

عودة الجيل الأول

ذهب "الإطار التنسيقي" إلى أبعد حتى من خيال جماهيره وأتباعه، عندما أغلق ملفات الفساد وقضايا الإرهاب المدان بها وزير المالية الأسبق رافع العيساوي، الذي عاد كما يعود الأبطال إلى الأنبار، وبدأ لقاءات سياسية واجتماعية مع المسؤولين القادة والشيوخ هناك. هذه الملفات، سواء ما يتعلق منها بالفساد أو بالإرهاب، كانت ملفات ملفقة ضده، بتأكيدات دائمة من قبل أعضاء في البرلمان العراقي، أمثال فائق الشيخ علي ومشعان الجبوري، وحتى وزراء مثل وزير المالية ووزير الخارجية بالتتالي هوشيار زيباري، الذي قال إن استهداف العيساوي هو سياسي بامتياز.

مثّلت هذه الملفات منذ لحظة اطلاقها إدانة لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، والخط الإسلامي الشيعي الموالي لإيران. وبإسقاطها عن المتهمين تتأكد طبيعة الاستهداف والتسقيط السياسي الذي كان وراءه حزب الدعوة وقياداته ضد خصومهم في المشهد السياسي.

إغراءات السلطة والنفوذ، وامتيازاتهما، وغياب المعارضة الحقيقية، جعل الحلبوسي زعيماً لا يمكن التشكيك به أو انتقاده أو معارضته، وبدأت جيوشه الالكترونية تروج له باعتباره رمز السنّة الأوحد، والمنقذ الذي لولاه لظلّوا في المخيمات، و"الريّس" الذي حوَّل مدينة الرمادي إلى دبي، والسياسي القريب من قلوب الناس، والشاب الذي يمثل طموح شباب الأنبار والسنة.

ما حدث بعد فوز الحلبوسي بولاية ثانية لرئاسة البرلمان في الانتخابات الاخيرة، أن "الإطار التنسيقي" حرّك مياهاً آسنة، كانت راكدة منذ سنوات. ولأن الميليشيات - وتحديداً ميليشيا "كتائب حزب الله العراقية" - ما تزال لها اليد الطولى في الملف الأمني في الأنبار، فقد حرّكت بيادق القبيلة، وخاصةً تلك التي لها تاريخ قريب في صناعة المشهد في المحافظة، قبيلة البوريشة. 

أكثر من ذلك، وبعد سلسلة طويلة من التغريدات واللقاءات التلفزيونية التي لم يترك فيها شتيمة لمحمد الحلبوسي والشيخ خميس الخنجر، أو تهمة بالعمالة والفساد والتطبيع مع إسرائيل إلا وألقاها بصوت عال، يعود إلى البلاد الشيخ علي الحاتم السليمان (أحد أمراء قبيلة الدليم) أشد خصوم نوري المالكي وحزب الدعوة والحشد الشعبي وبقية الميليشيات، وأبرز شخصية كانت تهاجم "حكومة نوري المالكي الشيعية الطائفية" والمتهم من قبل أنصار وأتباع إيران بأنه رأس الأفعى والمتسبب بدخول "داعش" إلى العراق. ثم يذهب بحماية مشددة من قبل قوات الأمن العراقية والحشد الشعبي إلى مقر إقامته في بغداد، ومن هناك تواترت الأخبار عن استضافته في بيت نوري المالكي!

علي الحاتم - وبعد أن التقى صالح المطلك نائب رئيس الوزراء في عهد المالكي، والسياسي السني الذي نُسي بعد مرحلة داعش، والمتهم بسرقة أموال النازحين - قال: "بعدما عانت الأنبار من مشاريع التطرف والارهاب وتحولت إلى مرحلة الهيمنة والديكتاتورية وتكميم الأفواه والفساد.. نعلنها من بغداد أن هذه الأفعال ستواجه بردة فعل لن يتوقعها أصحاب مشاريع التطبيع والتقسيم ومن سرق حقوق المكوِّن. وعلى من يدعي الزعامة أن يفهم أن هذه هي الفرصة الأخيرة". وهنا لا يحتاج المراقب للشأن السني كثيراً من التأويل ليعرف أن المقصود هو رئيس البرلمان محمد الحلبوسي.

صراع أبناء القبيلة انتقل خارج حدود الأنبار، وأبناء العمومة المتخاصمون لم تعد تتسع لخلافاتهم المحافظة الكبيرة، والمقاولات ما عادت تملأ العين والجيوب، وما كان غايةً فيما مضى، صار اليوم وسيلةً للوصول إلى غايات أخرى، أكبرها الجلوس على مقعد رمز السُنة الأوحد في العراق... وهذا ما لن يتحقق أبداً، وللجميع. 

مقالات من العراق

ماذا وراء الاشتباك بين السيد الصرخي وقادة الأحزاب الشيعية في العراق

لا يمتلك المرجع الديني الصرخي جناحاً مسلحاً مثلما هي حال بقية قيادات ومراجع الشيعة. وهو يضع نفسه خارج أسوار الطيف الشيعي، فمرجعيته جامعة لمختلف المسلمين. ويُنكر الصرخي الروايات التي تصنع...

للكاتب نفسه

تسويق الوهم.. تواطؤ الصحافة في الحروب

ميزر كمال 2022-03-26

بدأت الحرب الأمريكية-البريطانية الثانية على العراق في 19 آذار/مارس 2003 واستمرت حتى الاعلان عن "نهاية العمليات الكبرى" في الأول من أيار/مايو. نشارف اذاً على مرور 20 عاماً، أوقعت العراق في...