صانعات الحياة في العراق

صناعة الحياة من قلب المرارة والبؤس هي "الحرفة" التي تعلمتها النساء العراقيات على مد التاريخ. ومجدداً تُرِكن وحيدات لعقود بسبب الحروب والأزمات السياسية المتعاقبة، فكنّ معيلات عوائلهنّ، وكنّ معنوياً رأس الأسرة بعد غياب الكثير من الرجال بسبب القتل والخطف والهجرة. وهكذا أصبحن متمرسات في إدارة أنظمة تكافلية اجتماعية معقدة في العائلة الممتدة والحي والقرية والمدينة وبالتالي المجتمع ككلّ.
2022-04-19

ديمة ياسين

كاتبة صحافية، من العراق


شارك
نور بهجت - سوريا

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

إن مشينا هذه الأيام بمحاذاة نهر دجلة أو نهر الفرات في العراق، سنجد حتماً مجموعة من الشابات والشبان المتطوعات والمتطوعين يرتدون الكمامات ويغطون أيديهم بقفازات، يجمعون النفايات المتراكمة على ضفاف النهر في أكياسٍ كبيرة. يطلقون على أنفسهم اسم "سفراء النظافة"، ويقومون بما فشلت في توفيره بلديات مدنهم ومناطقهم.

تبدو النظافة في العراق فعل مقاومة لكل الإهمال والتخريب المتعمد الذي يحيط بالعراقيين في كل مكان، في الشوارع والدوائر والحدائق العامة والمدارس والجامعات. وإن استقلينا أيّ سيارة أجرةٍ في محافظة البصرة مثلاً - وهي مدينةٌ مهملةٌ بشكل خاص في الخدمات وتتفوق في هذا على غيرها من مدن العراق على الرغم من أنها مهملة هي الأخرى - أو قاربٍ للعبور في شطّ العرب - نلاحظ النظافة الشديدة لتلك السيارة أو ذلك القارب وتناقضها مع كل تلك الأزبال المتروكة في الطرق والشوارع وكمية الأتربة والأحجار المتراكمة منذ سنوات لبناياتٍ تُهدم ولا تُرفع أنقاضها، وبقايا سفن الصيد والسفن الحربية المتراكمة والمتروكة في شط العرب. هذا المسطّح المائيّ المهم وطريق الملاحة الوحيد للعراق كله، وكذلك مصدر رزق الصيادين في البصرة، قد تحوّل نتيجة الإهمال إلى مكبٍّ للنفايات وأكوام السفن الصدئة.

إلا أنَّ نظافة المساحات الشخصية والمبادرات التطوعية لرفع النفايات عن الفضاءات العامة، ليست فعل المقاومة الشعبي الوحيد مقابل فشل كل الحكومات المتعاقبة على العراق منذ الاحتلال الأمريكي عام 2003 في توفير حياة كريمة للعراقيين. فهناك الكثير من المبادرات التي ظهرت لسد حاجات مجتمعيةٍ ملحة. بعض تلك المبادرات جُوبهت بالتهديد من قبل الجهات المرتبطة بالأحزاب والميليشيات، ممّا أدى إلى إيقافها، ومن ضمنها مبادرةٌ مستقلةٌ لإعادة تشجير مدن العراق، خصوصاً بعد العمليات العشوائية والمنظمة في آنٍ لقطع الأشجار والنخيل وإزالة الكثير من البساتين لإنشاء مراكز تسوق (مولات) وبناياتٍ خاليةٍ من الذوق لفائدة أصحابها، فتصب في آلة الفساد التي نَخرت مؤسسات الدولة.

نتناول في هذا النص بعضاً من تلك المبادرات الكثيرة، وقد اخترنا عدداً منها فحسب لامتلاكها خلفيات وتجارب مختلفة. بعضها ما زال محصوراً بنطاقٍ صغير بينما توسع بعضها الآخر. وأما التركيز على مبادرات النساء بالذات فسببه أنّ النساء في العراق عانَين وما زلن يعانين من التهميش الكبير في المجتمع، وقد تُرِكن وحيداتٍ لعقود بسبب الحروب والأزمات السياسية المتعاقبة، فكنّ هنّ المعيلات مادياً الوحيدات لعوائلهنّ، وكنّ معنوياً رأس الأسرة بعد غياب الكثير من الرجال بسبب القتل والخطف والهجرة، الخ. وهكذا أصبحن متمرسات في إدارة أنظمة تكافلية اجتماعية معقدة في العائلة الممتدة والحي والقرية والمدينة وبالتالي المجتمع ككل. في كل أزمة مرت على العراق، تجد أنّ النساء خلقن منظومة اجتماعية متشابكة لتوفير الاحتياجات ومساعدة بعضهنّ البعض وتمكينهنّ. هذا ما حدث في الحروب العديدة التي مرت على العراق خلال نصف القرن الماضي، وأثناء الحصار الاقتصادي الذي دام 13 عاماً (1). وكان ذلك واضحاً أيضاً خلال ثورة تشرين/ أكتوبر 2019 حيث أدارت النساء منظومة مكتملة داعمة للتظاهرات والاعتصامات، من حماية وإطعامٍ وإكساءٍ وإسعافٍ وجمع تبرعاتٍ وإصدار مطبوعاتٍ خاصةٍ بأخبار التظاهرات وغيرها. حتى أنّ هناك نساء أتين إلى الساحة مع أبنائهنّ المتظاهرين ومعهنّ غسالات ملابس كهربائية، فكن يُدِرن عملية غسيل ملابس المعتصمين لا بأنفسهنّ فقط، بل بتجنيد عددٍ من المعتصمين لمساعدتهنّ!

1- تعليم وتوعية بيئية

• مشروع عَودة

بضحكةٍ خجولةٍ لم تستطع أن تخفي قوتها وحضورها الطاغي، جلست أمامي في إحدى مقاهي بغداد لتحكي لي قصتها. مَروة النعيمي عادت إلى بغداد بعد عدة سنواتٍ قضتها في ماليزيا مع عائلتها الصغيرة. منعها الزوج من إكمال شهادة الماجستير هناك وهي التي تحمل شهادة بكالوريوس هندسة الالكترونيات، ومع الشهادة رغبةٌ كبيرةٌ في العمل. محيطها المحافظ لم يسمح لها بالعمل في اختصاصها وكان يشترط عليها أن يكون مجالها مع النساء فقط. أرضت مروة رغبتها في اكتساب مهاراتٍ جديدةٍ بالبحث والقراءة والانخراط في دورات مجانية عن طريق الإنترنت، فتعلمت وأنجزت مشروعاً صغيراً في البيت للإنبات العضويّ، واشتركت بهذا المشروع في مسابقة Startup weekend في بغداد. فاز مشروعها بالمرتبة الأولى من أصل 250 مشروعاً. "عندما أعلنوا فوز مشروعي بالمركز الأول ظننت نفسي في حلمٍ، آمنت بقدرتي على إنجاز المزيد وتحقيق ما هو مميز، على الرغم من أنّني لم أسمع حتى كلمة مبروك من زوجي آنذاك، طليقي حالياً"، تقول مروة. اشتركت بعدها في ورشة "مواطن فاعل/ Active Citizen" في المعهد الثقافي البريطاني في بغداد، وهي ورشةٌ لتجريب إطلاق مشاريع خدمة اجتماعية صغيرة. كانت فترة الورشة 4 أشهر، ربطتها خلالها صداقة مع وفاء حمندي وحيدر زامل

وأطلقوا معاً مشروع "عَودة". "بدأت فكرة المشروع بأحمد، وهو مراهقٌ كان يعمل منظفاً في إحدى المدارس الحكومية، وكانت لديه رغبة كبيرة في الدراسة. فاتَح أحمد مديرة المدرسة وطلب منها تسجيله في المدرسة، لكنّها رفضت لعدم امتلاكه أوراقاً رسمية. توضح مروة بأن أغلب الأطفال المتسربين من الدراسة هم من النازحين من المناطق التي وقعت تحت سيطرة تنظيم داعش الإرهابيّ، وأنّ إصدار أوراق رسمية لهؤلاء الأطفال يتطلب الكثير من الوقت والجهد. وأنّ تلك المشاكل لا يعاني منها الأطفال العراقيون فقط، بل أيضاً أطفال اللاجئين السوريين الذين لا يُسمح لهم بالالتحاق بالمدارس الحكومية في العراق. فكان هذا سبباً رئيسياً في إطلاق مشروع "عَودة" والاستمرار به، دون أيّ مساعدةٍ من أيّ جهة وبدعمٍ شخصيّ بحت، بعد انتهاء ورشة "مواطن فاعل".

يهتم المشروع بإقامة دروس ونشاطات تعليمية للأطفال لمدة 4 ساعات في اليوم عن طريق اللعب والتعليم التفاعليّ، لضمان عدم مللهم سريعاً ولزيادة رغبتهم بالمواظبة على الحضور والتعلم. كان المكان الأول لهذه الصفوف هو بيت وفاء التي تبرعت بمساحةٍ منه لإقامة الدروس. وبالتنسيق مع بلديات بعض المناطق في بغداد ومع الشرطة المجتمعية، استطاعت القائمات على المشروع الحصول على أماكن في مناطق مختلفة من بغداد لتوسيع رقعته وإدماج عدد أكبر من الأطفال المتسربين من المدارس، وذلك بمساعدة عددٍ من المتطوعين، مع التركيز على المناطق الأقلّ حظاً وأيضاً المناطق التي استقرّ بها النازحون. بعد إنهاء 3 أشهر من الدروس العامة، تأتي مرحلة محاولة تسجيل هؤلاء الأطفال في المدارس بعد استحصال أوراقٍ رسميةٍ لهم ومساعدتهم في مستلزمات الدراسة، بالاشتراك مع مدارس "التعليم المسرَّع" وهو برنامجٌ يساعد على إعادة إدماج الأطفال الأكبر سناً في صفوفٍ تناسب أعمارهم بعد إخضاعهم لامتحانات تقييم.

• مشروع أصدقاء البيئة

كان أطفال "عَودة" هم أول المشاركين بمشروع "أصدقاء البيئة" الذي انبثق من المجموعة ذاتها. وهو مشروع توعيةٍ بيئيةٍ للأطفال، طُبّق إلى حدّ الآن في مدرستَين حكوميتَين. المشروع يهتم بتعليم الأطفال أهمية الحفاظ على البيئة ويعلمهم تطبيقاتٍ بسيطةٍ في الزراعة، لتنفيذها إما في مدارسهم أو في البيوت. "الأطفال يحبون اللعب بالطين والتراب، ونحن نستغل ذلك لنعلمهم كيف يكونون أصدقاء للبيئة ومحافظين عليها". تسترسل مروة: "كلّ واحدٍ من أعضاء الفريق لديه مهارة معينة وقابلية يستطيع تقديمها"، وتكمل قائلة "خلال أيام الجائحة، توقفت صفوف "عَودة"، فأصبحنا نعمل على توزيع سلّاتٍ غذائية على العوائل الفقيرة والمحتاجة التي تأثرت معيشيّاً خلال الحظر. كلنا في الفريق لدينا الدافع والرغبة في أن نُحدث تغييراً ما في ظلّ ظروف البلد البائسة. نحن نحاول "دسّ العسل في السم"، لأنّ ظروف الحياة في هذا البلد قاسيةٌ ومسمومةٌ".

• الذهب الأخضر GG

بتشجيعٍ من مجموعتها بدأت مروة العودة إلى شغفها الأساسيّ وهو إنتاج سمادٍ عضويٍ تام من مخلّفات الطعام الخفيفة من المطاعم والبيوت. فباشرت بمشروع Green Gold، أو الذهب الأخضر. وقد مثّل هذا المشروع العراق في عام 2019 في مؤتمر ريادة الأعمال الشبابية في الأردن. حلم مروة هو تحويل المشروع إلى مزرعة/ مؤسسة اجتماعية ربحية، لتمكين وتعليم النساء العاملات في الزراعة كيفية صناعة سماد طبيعيّ في أرضهنّ واستخدامه في الزراعة. تأمل مروة أن تساهم في تغيير الواقع الزراعي والممارسات البيئية التي تترك تأثيراً سيئاً على الزراعة في العراق، والتي تحدث بسبب قلة الوعي وقلة الإمكانيات وشحّ دعمِ الدولة. وتتمنى أيضاً المساهمة - حتى لو كانت محدودة - في مساعدة الفلاح للبقاء في أرضه، بدل هجرها إلى المدينة وتحوُله إلى مستهلكٍ غير منتج، وأنْ يساهم بتحقيق الاكتفاء الغذائي.

• أكاديمية "ذوي الهمم" في البصرة

طرح أصدقائي فكرة زيارة مدينة البصرة ـ وهي ثاني أكبر مدينة في العراق ولها جذور عميقة في التاريخ الثقافي والفني والسياسي للبلاد. زيارة البصرة بالنسبة لي كانت حلماً منذ الصغر لطالما تعطّل لعدة أسباب عادة ما ارتبطت بالظروف السياسية، سواء كانت الحرب التي عانت منها البصرة الكثير، أو ذلك الانفصال الاجتماعيّ والسياسيّ المحسوس وغير المرئيّ بين العاصمة والمحافظات الذي حدث في ظل النظام السابق، أو بسبب سيطرة الأحزاب الدينية على المدينة منذ عام 2003. إلا أنّ الوعي الذي أحدثته مظاهرات 2018 في البصرة و"حراك تشرين" 2019، أثار رغبة كبيرة خاصة عند الشباب، للتعرف على مناطق العراق المختلفة والانفتاح على كل ما يحمله هذا البلد من غنىً وتنوع كبير في الثقافات. كان الأصدقاء طوال الطريق يتحدثون عن أول حفل تخرجٍ لطلاب "أكاديمية المحاربين" في البصرة، وكيف توجّه الكثير من المصورين والمهتمين بالشأن الاجتماعيّ والمؤثِرين في وسائل التواصل الاجتماعيّ وبعض القنوات الإعلامية إلى البصرة لحضور حفل تخرج أطفالٍ من "ذوي الهمم." المصطلح يحمل ضمنياً رفضاً لتصنيف أشخاص ولِدوا بطبيعة جسمانية أو ذهنية مختلفة عما هو سائد، واصطُلِح قبلها على تسميتهم "بذوي الاحتياجات الخاصة" أو "أصحاب الإعاقة". فبدلاً من التركيز على ما ينقصهم، ركز هذا المصطلح على ما يبذلونه من جهدٍ لمواجهة تحدياتٍ في مجتمعاتٍ لا زالت تعاملهم على أساس اختلافهم.

بدأت تالة خليل، وهي صيدلانيّة في الأصل، فكرة "أكاديمية المحاربين" عام 2015 مع مجموعةٍ من الأطفال المرضى بالسرطان في مستشفى الأطفال التخصصي في البصرة. تطوعت في أن تجمع الأطفال في قاعة في المستشفى، وتقدم لهم فعاليات ونشاطات لتخفف عنهم ألم المرض ومعاناة العلاج التي تؤدي إلى انعزالهم وانقطاعهم عن الدراسة. تطورت فكرتها بعد ذلك إلى إنشاء مدرسة للأطفال "ذوي الهمم"، من الصمّ والبكم، والمصابين بالتوحد وأصحاب الاحتياجات الخاصة جسدياً وذهنياً، وهم فئة عادة ما ترفض المدارس استقبالهم لاحتياجهم لتعاملٍ خاص، فينتهي الأمر بهم إما في بيوتهم أو في مراكز عناية مُهملة ولا توفر لهم التعليم والترفيه، ويتحولون إلى عالةٍ على أُسرهم، على الرغم من إمكانية أن يكونوا أفراداً فاعلين في المجتمع، إذا ما توفرت الرعاية الكاملة لهم. قدمت تالة مشروعها لوزارة التربية فقوبل بالرفض. فوجدت طريقاً آخر وقدمت مشروعها للحصول على دعمٍ من البنك المركزيّ العراقيّ، الذي وفّر بدوره مبنىً لمدة 3 سنوات، أسست فيه تالة "أكاديمية المحاربين" وهي أول أكاديميّة مجانيّة في العراق تُعنَى بـ"ذوي الهمم". استقبلت الأكاديمية منذ عام 2018 المئات من الطلاب وتقدم، بمساعدة فريق من المتطوعين، برامجاً تعليمية خاصة وبرامج تنمية مواهب مثل الموسيقى والرسم والحِرَف اليدوية واللغة، وبرامج تأهيلٍ نفسيٍّ لمدة 3 سنوات، يصبح الأولاد بعدها قادرين على الاندماج مع المجتمع كأفرادٍ فاعلين فيه.

 تحدثت تالة في حفل التخرج الذي أقيم في استاد البصرة الدولي وحضره ما يقارب ثلاثة آلاف شخص، عن الصعوبات التي واجهتها لتأسيس الأكاديمية. وذكرت بعض الأمثلة لأطفالٍ كانت حالاتهم ميؤوس منها بسبب التنمر والإهمال والمشاكل الصحية، وهم الآن يتمتعون بصحةٍ جيدةٍ وسعداء بسبب البرامج والدعم الذي قدمته الأكاديمية لهم. "قبل 3 سنوات، وقف كل العراق في وجهي واتهمني بالجنون لأنني حاولت جمع هؤلاء الأطفال ومساعدتهم. اليوم أتيتُ بكل العراق ليرى ما يستطيع فعله هؤلاء الأطفال"، هكذا ختمت تالة كلمتها في الحفل الذي قدم فيه الطلاب نشاطات ومهارات فنية وعروضاً موسيقية وغنائية وعروض باليه وغيرها من النشاطات، تفاعل معها الحاضرون حد البكاء فرحاً في أحيان كثيرة.

2- تمكين وإحياء التراث

• جارة وماكينة خياطة صغيرة غيّرت حياتها

"سأحكي لكِ قصتي من البداية"، هكذا بدأت رغدة العزاوي، صاحبة "معهد لمسات للخياطة" في بغداد حديثها معي. تزوجت رغدة وهي قاصر وعانت في زواجها الكثير. رَوَت لي كيف أنّ جارتها أصرت على تعليمها الخياطة وأهدتها أول ماكينة خياطة، وبدأت ترى في الخياطة متنفساً يخفف عنها ثقل الحياة وصعوبتها. وجدت رغدة يوماً نفسها تجلس خارج منزلها محاطة بكل أغراضها الخاصة، بعد أن طردها زوجها من المنزل وهي حامل في شهرها التاسع. من ضمن تلك الأغراض كانت ماكينة الخياطة. تقول رغدة "جلست أنتظر أن يأتي أهلي لأخذي، وكان ذهني متعلقاً بتلك الماكينة التي أحسستُ أنها ستكون منقذتي". عادت الشابة مع عائلتها إلى منطقة سلمان باك التي تبعد حوالي 24 كلم جنوب العاصمة، وهي منطقة صغيرة، عدد سكانها لا يتعدى ال 120 ألف نسمة. استعانت بعمّها لإقناع والدها بتأجير محل صغير في الشارع نفسه الذي تسكن فيه مع أهلها، ليصبح لها وارداً مالياً من مهنة الخياطة لأول مرة في حياتها. طموح رغدة كان أكبر، فشدّت الرحال إلى بغداد مرةً أخرى، وبدأت تبني نفسها من الصفر. عملت في محل ملابس لفترة، ثم تعينّت كمدرّبة خياطة في إحدى معاهد تعليم الخياطة المعروفة في بغداد. وشقّت طريقها حتى افتتحت معهد خياطة صغير خاص تخرّج منه حتى الآن 46 امرأة، تعمل بعضهنّ اليوم في المهنة. تقدم رغدة دورات الخياطة للنساء بأسعار زهيدة، لأن ما تطمح له، حسب قولها، هو تمكينهنّ من الاعتماد على أنفسهنّ مادياً فيما بعد، كما مكّنتها جارتها التي علمتها مهنة الخياطة سابقاً. تقدم رغدة أيضاً دوراتٍ تعليميةٍ للخياطة عن بعد، عن طريق الإنترنت، بأجور رمزية جداً للنساء اللواتي يصعب عليهنّ الدوام في المعهد بسبب معوقات الحياة الاجتماعية وغيرها... حتى أصبحت تلك الدروس تستقطب نساءً من كل محافظات العراق ومن الدول العربية أيضاً. لكن ومنذ انتشار الجائحة وتأزم الوضع الاقتصادي العام، اضطرت لإقفال المعهد بسبب عدم قدرتها على دفع الإيجار، إلا أنّها نقلت دروس الخياطة إلى بيتها. وما زالت تأمل في أن تتمكن من استعادة المعهد، وتحلم في أن يصبح أيضاً مصدر رزقٍ لغيرها من المُدَرِّبات اللواتي يمكن تشغيلهنّ فيه.

• إنسانٌ بلا حدود

كان موعدي مع رفقة خليل، صديقتي التي تحمل شهادة دكتوراه في الفلسفة - وأستطيع أن أجزم أنّها تتنفس الفلسفة وتعيشها - في إحدى المقاهي في منطقة عريقة ذات تاريخ ممتد في بغداد. حدَّثتها عن بحثي عن مبادراتٍ لخدمة المجتمع تقودها نساء، فابتسمت وأخبرتني عن فريقها، "إنسان بلا حدود" التطوعي الذي تأسس عام 2015 ويعمل في محافظتي بابل والناصرية بالدرجة الأولى، وفي العاصمة بغداد، كما امتد الى مدينة الفلوجة والموصل. 

يعتمد الفريق على متطوعين شباب وضعوا أفكارهم وجهودهم لمساعدة الأقل حظاً في مجتمعهم، وعلى التبرعات المادية والتي يصدرون بها أوراقاً قانونية لضمان حق المتبرع والمستفيد. وقد تم من خلال هذه المبادرة بناء "مجمع الرحمة السكني" في الناصرية من 10 بيوت صغيرة سُلِّمت لعوائل لا سكن لها، بعقد لمدى الحياة، وفتح مشروع لتعليم الخياطة لأكثر من 50 امرأة في الناصرية أيضاً، ودعم مشاريع تمكين صغيرة (مثل شراء سيارة أجرة لرب عائلة محتاجة، أو شراء عربة نقل صغيرة لعائلة أخرى، أو توفير رأس مال مشروع خياطة أو صناعة يدوية لحلي وإكسسورات.. الخ، كمشاريع صغيرة تساعد العوائل، خاصة من بينهم المعتمدة على الأمهات الوحيدات، لتمكينهنّ من توفير لقمة العيش، إضافة إلى جمع تبرعاتٍ لتوفير علاجٍ لأمراض مستعصية، أو لشراء مستلزمات مدارس، أو سلّات غذاء للعوائل المتعفّفة، وشراء الأغطية والملابس لمخيمات النازحين الهاربين من تنظيم داعش في الفلوجة والموصل. 

معهد تعليم الخياطة في الناصرية

كما أقام الفريق عدة مشاريع تثقيفية وترفيهية للأطفال النازحين في بابل وبغداد، مثل مشروع السينما المتنقلة، ومشروع "الكوخ"، وهو مساحة آمنة لتعليم الأطفال الفن والرسم في المناطق الأقل حظاً. وهذه بعضٌ من النشاطات التي أنجزها فريق "إنسان بلا حدود" التطوعيّ في بعض مدن العراق التي عانى أهلها الكثير وما زالوا يعانون بسبب إهمال الحكومات المتعاقبة إلى يومنا هذا.

• "صُنع في العراق"

دفع شغفُ نور هاشم، التي تحمل بكالوريوس في العلوم السياسية، بالتراث العراقيّ والتصميم لبدء مشروع هيلي Hili الربحيّ عام 2017. والمشروع يعتمد كلياً على مواد أولية عراقية، وأيدٍ حرفيّةٍ عراقيةٍ معظمها من النساء (مثل حرفيات صناعة السجاد في محافظة السماوة جنوب العراق) وتصاميم مستوحاة من تراث وتاريخ العراق. وتعتمد هيلي أيضاً في بعض منتجاتها على مواد زُرعت محلياً بطريقة عضوية طبيعية، مثل الأعشاب والنباتات التي تدخل في صناعة الصابون والشموع.

• تمكين النساء بعد داعش

اختارت السيدة أم عماد، وهي التي فقدت أولادها في حرب تحرير الموصل من تنظيم داعش، أن تفتح مطبخاً أسمته "مذاق الموصل" لتجهيز الأكلات المطبوخة بوصفاتٍ موصليّةٍ بالتحديد وتوصيلها. المشروع يُدار بالكامل بكادر نسوي، وهدفه تشغيل النساء الأرامل، اللواتي تُركن يُعلن أسرهنّ وحيدات، في مدينةٍ تحاول النهوض من تحت أنقاض احتلالٍ إرهابيّ وحربٍ طاحنة. بدأ المشروع بسيدتين، وبعد سنوات قليلة فقط، أصبح مصدر رزق وتمكين لعشرين سيدة عاملة أرملة أو مطلقة، ليعتمدن على أنفسهنّ في توفير قُوتهنّ وقوت أولادهنّ.

***

المثل المعروف يقول: "لا تعطِ الفقير سمكة، بل علمه الصيد". هناك الكثير من مشاريع التمكين والمبادرات المجتمعيّة النسائيّة من كل أنحاء العراق لم تُذكر هنا، فذلك قد يحتاج إلى كتاب أو بحث مطوّل. ما ذُكِر هنا هو بعض المبادرات والمشاريع التي انطلقت بجهود نساءٍ تعلّمن من ظروفهنّ وتاريخ البلد الذي يعشن فيه، حرفةً توارثتها العراقيات منذ عقودٍ وأتقنّها، وهي صناعة الحياة من قلب المرارة والبؤس. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

1- قرار الأمم المتحدة رقم 661 الذي صدر في 6 آب/ أغسطس 1990 نتيجة الغزو العراقي للكويت، ونص على اقرار عقوبات اقتصادية خانقة. وقد تلته عشرة قرارات متتالية لتدعيمه. وهو استمر حتى 2003وتسبب بكارثة انسانية وموت نصف مليون طفل نتيجة فقدان الغذاء والدواء وانهيار كل المؤسسات الخدمية العامة. 

مقالات من العراق

للكاتب نفسه