محْرم بلقيس: شريان غير مرئي لتسرّب الهوية اليمنية

لا يزال "محْرم بلقيس" مليئاً بالنقوش غير المستكشفة. إنه أحد أسرار اليمن المستغلقة على محاولات الاستكشاف العشوائي، وهو الآن عرضة للنهب والسرقة والتدمير الممنهج والعدائي، شأنه شأن كل آثار اليمن القديم التي يستمر التحريض عليها باعتبارها "أوثان" يتوجّب على كل من يراها تحطيمها.
2022-04-14

لطف الصرّاري

قاص وصحافي من اليمن


شارك
معبد أوام عام 2013، تصوير: لطف الصراري

 "وليس الخبر كالعيان، فالناظر عن كثبٍ لحال آثار ونقوش معبد "أوام"، يجدها مبعثرة ملء البصر، في منظرٍ يوحش النفس ويُنزل فيها بأساً وحسرةً وتعكيراً". هذه فقرة من بحث خصصه أستاذ الآثار القديمة في جامعتي صنعاء وحائل، محمد علي الحاج، لمناشدة ما تبقى من الدولة اليمنية والغيورين على هدر آثار البلاد، من أجل إنقاذ أهم وأكبر موقع أثري في اليمن والجزيرة العربية. (1)

خلال الأجازة الصيفية للعام 2021، نزل الباحث الحاج برفقة ثلاثة من زملائه الآثاريين، لمعاينة الحال الراهنة لمعبد "أوام"، وأحدهم (حسين العيدروس) سبق له العمل مع بعثة "الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا" في التنقيب داخل المعبد منذ أواخر تسعينات القرن العشرين إلى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. كان ثالثهم مدير عام مكتب الآثار بمحافظة مأرب، صادق الصلوي. ووجد الباحثون الثلاثة في ردهات المعبد ما "يوحش النفس"، وهو أقل ما يقال لوصف ذلك العبث.

طيلة سنوات الحرب، ظلّ بعض النشطاء ومرتادي وسائل التواصل الاجتماعي يتداولون صوراً للعبث بمحتويات ونقوش معبد "أوام"، دون أن تقوم السلطات الحكومية بإجراءات حاسمة لوقفه. لذلك وجد أستاذ الآثار القديمة نفسه أمام مهمة بحثية غير مسبوقة، إذ عنوَن بحثه بـ"دعوة لإنقاذ آثار ونقوش معبد أوام (محْرم بلقيس) من النهبِ والتدميرِ والضياع". وإلى جانب التعريف بالأهمية الحضارية والتاريخية للمعبد، رصد الباحث ثمانية أشكال رئيسية من العبث بمحتوياته، داعماً توثيقه بأكثر من أربعين صورة حديثة، وأخرى قديمة للمقارنة، كما ألحقه بخمسة عشرة توصية لعملية الإنقاذ التي لا يجب أن تتأخر.

ما هو معبد أوام - محرم بلقيس؟

بحسب عالم الآثار اليمني الراحل، يوسف محمد عبد الله، فإن معبد "إلمَقَهْ بعل أوام"، "أكبر معبد (أثري) معروف في الجزيرة العربية قبل الإسلام"، وكان لفترة طويلة "المحجّ الرئيسي" للقبائل السبئية، واليمنية عموماً. أما تاريخ بنائه فيعود إلى "منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، على أقل تقدير" (2). شُيّد المعبد البيضوي على مساحة 5108 أمتار، بسور يبلغ طول محيطه 300 متر وارتفاعه يزيد عن 15 متراً، وعرض مدماكه ثلاثة أمتار ونصف. ويتفق غالبية علماء وخبراء الآثار الذين عملوا في التنقيب داخل المعبد وملحقاته، على أنه يشكّل أعجوبة هندسية ضمن تراث العالم القديم، علاوةً على كونه أكبر وأقدم مكتبة نقوشية في اليمن القديم.

مقالات ذات صلة

  يقع معبد "أَوام" أو "محْرم بلقيس"، بحسب التسمية المحلية، خارج مدينتي مأرب القديمة والجديدة، إذ يبعد عن الأولى قرابة خمسة كيلومترات وعن الثانية 10كم. وغالباً ما يتم الخلط بينه وبين "عرش بلقيس" حيث يقع معبد "برآن". لكن معرفة اسمَي المعبدين كفيلة بتوضيح الفرق بين "عرش بلقيس"/ معبد "برآن"، و"محرم بلقيس"/ معبد "أوام".

وفي تفسير الاسم "أوام" يرجّح دارسو النقوش المستكشفة في حرم المعبد، والتي يزيد عددها على ألف نقش حتى الآن، أنه قد يعني "المأوى" أو "الملجأ". وعلى الرغم من عوادي الزمن وعوامل التعرية الطبيعية والعبث البشري بمحتوياته، لا يزال "محرم بلقيس" مليئاً بالنقوش غير المستكشفة. إنه أحد أسرار اليمن المستغلقة على محاولات الاستكشاف العشوائي، وهو الآن عرضة للنهب والسرقة والتدمير الممنهج والعدائي، شأنه شأن كل آثار اليمن القديم التي يستمر التحريض عليها باعتبارها "أوثان" يتوجّب على كل من يراها تحطيمها.

هو أكبر معبد معروف في الجزيرة العربية قبل الإسلام، وكان لفترة طويلة "المحجّ الرئيسي" للقبائل السبئية، واليمنية عموماً. ويعود تاريخ بنائه إلى "منتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، على أقل تقدير.

وفقاً لتقديرات خبراء الآثار الزمنية لتاريخ بنائه، لا يزال معبد "أوام" يقاوم الفناء منذ 3500 سنة، أما وظيفته الدينية فاستمرّت حتى القرن الرابع الميلادي، وهو القرن الذي بدأ فيه انحسار قوة الممالك اليمنية وتفككها.

مراحل استكشاف المعبد

  في دراستيهما المشتركة، يشير الدكتور يوسف محمد عبد الله وسامي الشهاب، إلى أن أول رحالة أوروبي زار معبد "أوام"، كان الفرنسي توماس أرنولد، في العام 1843. وفي العام 1870، مرّ مواطنه جوزيف هاليفي من المكان نفسه، لكن النمساوي إدوارد جلازر كان أول من قام بذرع السور البيضوي للمعبد، وقدم وصفاً مفصلاً لهيكله القائم آنذاك: 1887-1888. وفي العام 1943، زار الصحافي السوري نزيه مؤيد العظم معبد "أوام"، وهو أول من التقط صوراً فوتوغرافية له. وبعده بأربع سنوات، مكث عالم الآثار المصري، أحمد فخري، سبعة أيام في مأرب طاف خلالها المواقع الأثرية في المحافظة، بما فيها "محرم بلقيس"، وفي كتابه "رحلة أثرية إلى اليمن"، الذي كان حصيلة زيارته تلك، أشار إلى هدم أجزاء من المعبد واستخدام أحجاره في بناء مرافق حكومية.

في أواخر الأربعينات من القرن العشرين الفائت، كان الشاب الأمريكي المتخرّج ويندل فيليبس، ينقب مع فريقه في جنوب أفريقيا ومصر. كان في السابعة والعشرين من عمره، وبخبرة سبع سنوات فقط في علم الحفريات الذي حاز شهادته فيه من جامعة كاليفورنيا عام 1943. وفي مطلع الخمسينات (1950-1951) انتقل فيليبس مع فريقه للتنقيب في بقايا عاصمة مملكة قَتَبان "تِمنَع"، القريبة من مملكة سبأ وعاصمتها "مأرب". في ذلك الوقت كانت "تمنع" ضمن الأراضي التابعة لشريف بَيحان، الذي كان وضعه السياسي - وبالمثل، سلاطين ومشائخ جنوب اليمن عموماً - لا يزال تحت "الحماية البريطانية"، بحسب المعاهدات التي أبرمتها الإمبراطورية مع حكّام الجنوب. مأرب كان لها وضع شبه مستقل، لكنها تابعة لسلطة "الإمام" أحمد حميد الدين الذي حكم شمال اليمن خلفاً لأبيه يحيى من بعد اغتياله في 1948، إلى قيام ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962.

الحرب لم تطلق آلتها لتدمير الإنسان فقط، بل هي تنشِّط عصابات تهريب الآثار إلى خارج اليمن مستغلّة حالة الرخاوة التي أصابت مؤسسات الدولة، وحالة التيه التي أصابت روح الإنسان في ظرف حساس كهذا.

في ربيع العام 1951، حصل ويندل فيليبس على تصريح من الإمام أحمد حميد الدين، بالتنقيب عن الآثار في مأرب، مدفوعاً بشغف استكشاف المعبد الذي يعتقد بأن ملكة سبأ الموصوفة في الدراسات الأكاديمية الغربية كـ"ملكة توراتية"، هي التي أسسته. ربما تجدر الإشارة هنا إلى الخلفية التوراتية التي طغت على أهداف الرحلات والبعثات الاستكشافية لغالبية الرحالة والعلماء الغربيين، ليس في اليمن وحسب، بل في كل المنطقة العربية وما جاورها من القارة الأفريقية. شواهد ذلك واضحة في الهدف الرئيسي للبعثة التي أرسلها ملك الدنمارك فريدريك الخامس إلى اليمن في مطلع العقد السابع من القرن الثامن عشر الميلادي: الحصول على "ترجمة أفضل للكتاب المقدس" بشقّيه القديم والجديد.

 جوزيف هاليفي هو الآخر تجوّل في المواقع الأثرية للجوف ومأرب بصفته سائحاً يهودياً من فلسطين جاء لزيارة أقاربه في اليمن، ورافقه في تجواله حاييم حبشوش، وهو تاجر من يهود اليمن كان يسكن صنعاء آنذاك. ويذكر المؤرخ زيد عنان في كتابه "تاريخ اليمن القديم"، أن هاليفي نسخ بعض النقوش القديمة في الجوف ومأرب بحروف عبرية، لأنه كان يخشى أن يكتشف رجال القبائل مهمته الحقيقية.

كان زيد عنان المشرف الحكومي المكلف من الإمام أحمد حميد الدين بمرافقة بعثة الرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا، أثناء تنقيبها في معبد "أوام" خلال موسم واحد لم يكتمل: 1951-1952. وفي تقديمه لكتابه المشار إليه، وصف عنان ويندل فيليبس بـ"اللص النصاب الذي جنى على دعائم محرم بلقيس وقد سقطت وتهدمت". ويضيف أن ما كان يهمّ فيليبس، هو "الحصول على النقوش مهما دمّر من القائمة"، وأن بعثته كانت تفتقر للمعدات والخبراء، وعندما ألزمه الإمام أحمد بترميم ما دمّره التنقيب العشوائي، "فرّ هارباً ومتلبّساً بجريمته إلى الأبد".

فريق ويندل فيليبس

كان فريق فيليبس مكوّناً من أستاذ اللغات السامية، ويليام فوكسويل أولبرايت (1891–1971)، وكان في رصيده حين شارك في تلك البعثة عدة دراسات "في الكتاب المقدس" بالعبرية والآرامية والفينيقية والآشورية والمصرية والأوغاريتية. وتولى نشر نتائج أعمال ذلك التنقيب في أربعة تقارير نشرت بين العامين 1952 و1958. الثاني في الفريق كان غوس فون بيك (1922-2012)، وهو تلميذ أولبرايت ودرس آثار الشرق الأدنى القديم في جامعة جون هوبكنز تحت إشرافه، ونتيجة لعمله في "جنوب الجزيرة العربية" والمواقع اللاحقة، أصبح مرجعاً رائداً في العمارة الطينية القديمة والمعاصرة حول العالم، كما انضم في العام 1959، إلى متحف سميث سونيان للتاريخ الطبيعي، وكان مسؤولاً عن معرض كبير مخصص لمخطوطات البحر الميت. وضمت البعثة أستاذ اللغة العبرية واللغات الشرقية بجامعة سانت أندروز، ألكسندر هونيمان (1907–1988)، والأب ألبرت جام (1916–2004)، الخبير في اللغات السامية القديمة. قبل عمله ضمن تلك البعثة ناسخاً للنقوش، كان ألبرت جام عضواً في جمعية الإرساليات الأفريقية، وبعدها صار باحثاً موصوفاً بالريادة في قراءة وتفسير وتصنيف النقوش اليمنية القديمة. 

كان في البعثة أيضاً امرأتان: الأولى غلاديس تيري، وكانت مديرة أعمال وسائقة، قادت فيليبس وأعضاء بعثته من القاهرة إلى كيب تاون. وفي اليمن، تولّت قيادة الشاحنة الخاصة بالبعثة واحتفظت بسجلاتها المالية، بينما عمل زوجها مصوراً. أما المرأة الثانية فكانت فتاة مصرية في التاسعة عشرة اسمها إلين سلامة، كانت تجيد إلى جانب العربية، الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والسريانية. ومن الأقوال المنسوبة لفيليبس عنها، أنه كان لها الفضل في بثّ "حسن النية" للبعثة أينما ذهبت، وأن دورها كان رئيسياً في الحصول على المعلومات التي لم يكن من الممكن الحصول عليها مباشرة من السلاطين والأمراء وكبار مشائخ القبائل في اليمن (3).

طغت الخلفية التوراتية على أهداف الرحلات والبعثات الاستكشافية لغالبية الرحالة والعلماء الغربيين، ليس في اليمن وحسب، بل في كل المنطقة العربية وما جاورها من القارة الأفريقية.

أثار ويندل فليبس ريبة رجال القبائل في مأرب، فمنعوا بعثته من الاستمرار في التنقيب، وما تزال القصة الكاملة لفراره مع أعضاء بعثته غير مروية، لكن الراجح أنهم فرّوا مخلفين وراءهم بعض المعدات والدفاتر. ويروي الشاعر والمؤرخ مطهر الإرياني، قصة طريفة كانت وراء إنجازه لكتابه "نقوش مسندية" (4)، بدأت حين دعاه صديقه القاضي علي عبد الله الكهالي إلى منزله ليطلعه على "مجموعة من الكتابات اليمنية القديمة". كان ذلك مطلع سبعينات القرن العشرين الفائت، وما إن جلس الضيف المؤرخ حتى أخرج له القاضي "أربعة كراريس مدرسية عادية"، وأخبره بأن مصدرها جندياً يعرفه كان ضمن الحراسة التي أرسلها الإمام أحمد لمرافقة بعثة فيليبس. قال القاضي لضيفه إن الجندي ادّعى أنه هو الذي نسخ تلك النقوش، لكن المؤرخ وقارئ النقوش القديمة الحصيف، استنتج أن الجندي استحوذ على الكراريس من مخلفات البعثة بعد فرار أعضائها. كان في مجموعة الكراريس تلك ما يزيد على مئة نقش، بحسب المؤرخ الإرياني الذي قام بمقارنتها مع مجموعة ألبرت جام، فوجدها متطابقة معها باستثناء 25 نقشاً، أحدها يذكر ملكة من حضرموت اسمها "مُلك حلك".

عود على بدء

 على الرغم من استئناف التنقيب في معبد "أوام" من قبل معهد الآثار الألماني بصنعاء (1996)، والرابطة الأمريكية للأنثروبولوجيا (1998-2006)، لا يزال "محرم بلقيس" مليئ بالأسرار التاريخية غير المستكشفة. عملت بعثة الرابطة الأمريكية هذه المرة برئاسة ميرلين فيليبس، شقيقة ويندل التي صرّحت بأنها فخورة بالذهاب إلى اليمن لاستكمال حلم أخيها الذي صار شغفها أيضاً. تسعة مواسم من العمل المشترك لم تكفِ لاستكشاف معبد "أوام"، ومنذ ذلك الوقت، بقي المعبد مسيّجاً بشبك حديدي مع كوخ مبني من ألواح الخشب المستطيلة بالكاد يكفي لحارس يقاوم هو الآخر تقدم العمر.

زرتُ المعبد في آب/ أغسطس 2013، وكان يكفي أن يكون معنا مرافق من سكان المنطقة ليسمح لنا الحارس العجوز الطيب بالدخول إلى بهو المعبد. كانت الأحجار المنقوشة متناثرة خارج المعبد وداخله، واستعجلنا المرافق بالخروج لأنه سمع صوت طلق ناري لم أسمعه بالطبع، لكنه كان متوجساً من مجيء بعض السكان القريبين من المعبد وكان بينه وبينهم "مشاكل" كما قال. يبدو أن محتويات المعبد كانت محمية حينها بتلك "المشاكل" البينية وبظل دولة كان يصل منه القليل إلى هناك. غير أن سنوات الحرب أتت على عشرات النقوش والنفائس الأثرية التي وثق اختفاءها أستاذ الآثار محمد علي الحاج، في بحثه المخصص للمناشدة من أجل إنقاذ ما تبقى من ذلك الأثر التاريخي العظيم. ولأن الحرب لم تطلق فقط آلتها لتدمير الإنسان، فعلى الأرجح أن عصابات تهريب الآثار إلى خارج اليمن، تنشط بدورها مستغلّة حالة الرخاوة التي أصابت مؤسسات الدولة، وحالة التيه التي أصابت روح الإنسان في ظرف حساس كهذا. شريان آخر تنزف من خلاله اليمن روحها وهويتها، لكنه نزيف غير مرئي ولا يأبه له أحد، تماماً كنزيف العقول الآثارية التي يرحل أصحابها كمداً وحسرة، ليس على ضياع الكنوز فحسب، بل على ضياع التاريخ وتسرّب هوية جمْعية من شأنها على الأقل، وضع الدليل إلى مخرج المتاهة. 

______________________

1) منشور بمجلة آداب جامعة الحديدة، العدد 11، أكتوبر- ديسمبر 2021: https://drive.google.com/file/d/1OrDJIhl_vvNoTFDHvaDOAHR1eYiQ9X5g/view
2) "معبد إلمقه بعل أوام (محرم بلقيس)، دراسة من واقع الاكتشافات الأثرية الجديدة"، يوسف محمد عبد الله وسامي الشهاب، مجلة "رواق التاريخ والتراث" العدد السادس 2018.
3) للمزيد من التعريف بأعضاء تلك البعثة: https://s.si.edu/3OeffCU
4) صدرت طبعته الثانية عن "مركز الدراسات والبحوث اليمني" في 1990. ولمطهر الإرياني عدة دراسات يقرأ فيها نقوشاً يمنية قديمة، منها "أنشودة من محرم بلقيس".  

مقالات من اليمن

للكاتب نفسه