"الكليم اليدوي".. صناعة تنهار في مصر

"الدولة كلها ماشية نظام تصوير"! حول الوعود الكاذبة التي لا تعمل على وقف تدهور صناعة الكليم اليدوي العريقة في مصر، وتكتفي بشعارات من قبيل "تتلف في حرير"، التي لا تغني عن جوع. تدهور السياحة والارتفاع الكبير في أسعار المواد الأولية من خيوط القطن والصوف، وعدم المساعدة على التسويق.. جعلت الانحدار مضطرداً، والاندثار مؤلماً.
2022-04-08

إسلام ضيف

كاتب صحافي


شارك
لوحة فنية من الغوبلان

أنوال خشبية وخيوط ملونة من الصوف الطبيعي وأنامل لأيادي ماهرة تنسج قطع فنية على أوتار النول. إنها صناعة الكليم والغوبلان، أحدى أهم الصناعات اليدوية التراثية التي عرفتها مصر.

ظلت الصناعات اليدوية لعقود قوة إنتاجية تشكل ثاني مصدر للدخل القومي المصري بعد القطاع الزراعي، وفي الوقت نفسه تصارع الحرف اليدوية وسط تراجع صادراتها من أجل البقاء أمام المعوقات التي تهددها بالاندثار بعد أن كانت الأسواق مفتوحة أمام منتجاتها. وقد أثرت الإجراءات الاقتصادية المتخذة على الإنتاج، فاغلقت العديد من الورش، واتجه العاملون للبحث عن مصدر رزق أخر لهم.

قلعة الكليم اليدوي

 مدينة "فوة" الواقعة أقصى شمال دلتا مصر بمحافظة كفر الشيخ، هي أحد قلاع صناعة الكليم اليدوي، حيث عمل معظم أبنائها في هذه الحرفة، واعتمد دخلهم عليها. يعود تاريخ إنتاج "الكليم" في المدينة إلى أكثر من 200 عام، وكانت تصدر منتجاتها إلى مختلف دول العالم قبل أن تبدأ المهنة في الانحدار.

ظلت الصناعات اليدوية لعقودٍ قوة إنتاجية وتشكل ثاني مصدر للدخل القومي المصري بعد القطاع الزراعي. وتصارع اليوم الحرف اليدوية وسط تراجع صادراتها من أجل البقاء أمام المعوقات التي تهددها بالاندثار بعد أن كانت الأسواق مفتوحة أمام منتجاتها. وقد توقف ما يقرب من 4000 مشغل يدوي عن العمل.

في "فوة"، كان يتم تخصيص الطابق الأرضي من المنازل داخل المدينة للأنوال اليدوية، التي كانت أيضا بمثابة مقار لتدريب الوافدين الراغبين في تعلم المهنة من المدن والقرى المجاورة. من داخل إحدى الورش الصغيرة بالمدينة يتحدث "عزيز درباله" أحد العاملين بالمهنة عن المجد الذي كان، ولم يتبقَ منه سوى بعض الورش محدودة الإنتاج، ويقول "توارثت المهنة عن العائلة منذ عام 1980، حين كانت شوارع المدينة ممتلئة بالورش والأنوال اليدوية قبل أن يغير أصحابها نشاطها وتتحول إلى محلات تجارية".

عزيز غربالة ينسج على النول اليدوي

قال عزيز أنه اضطر إلى التخلي بشكل جزئي عن المهنة والعمل خارج ورشته التي لم يعد يقضي فيها سوى ساعات عمل قليلة خلال يومه. لقد تغير الحال وأصبح الاعتماد على المهنة بشكل رئيسي أمر صعب للغاية في ظل الإرتفاع المستمر لأسعار الخامات ومشاكل التسويق وتراجع السياحة.

 قفز سعر الصوف المستخدم في التصنيع من 8 جنيه إلى 60 جنيه للكيلوغرام الواحد، كما وصل سعر خيوط السدى المصنوعة من القطن إلى 70 جنيه للكيلوغرام الواحد.

يصنع الكليم من مواد خام طبيعية كالأصواف والأقطان، حيث تبدأ مراحل تصنيعه بصباغة خيوط الصوف بالألوان المناسبة، ثم تجهيز النول عن طريق تعقيد الخيوط القطنية (السدى)، حتى يتهيأ للرسم والنسج. ومن أنواعه الكليم التقليدي الذي يستخدم كبساط للأرضيات، ولوحات ما يطلق عليه ال"غوبلان" المستمدة من التراث الشعبي وتحاكي الطبيعة المصرية.

سجادة تنسج من رسوم الورد

يوجد في وسط المدينة، مقر "الجمعية التعاونية الإنتاجية للخدمات الاجتماعية لعمال الكليم وأصحاب الأنوال"، المشهرة برقم 1 لسنة 1992. أكد القائمون عليها أن الدعم الحكومي لها قد انقطع منذ عام 2005. وفي الوقت الذي يتوقف فيه ما يقرب من 4000 مشغل يدوي عن العمل، لا تتمكن الجمعية من القيام بأي دور. خلق ذلك أزمة بطالة وعرَّض مئات الأسر لصعوبة العيش والتشريد. كما تراكمت على الصنّاع الديون وفوائد القروض البنكية المخصصة لشراء الأنوال للعمل عليها، بعد الانتكاسة التي ضربت السوق والإنتاج.

الجيل الأخير

"لم أحصد من صناعة الكليم شيئا حتى أورثها لأبنائي، بالكاد أستطيع توفير القوت الأساسي".. هكذا تحدث لنا "عم أحمد" صاحب ورشة تصنيع، بعد أن سألناه عن امكانية تعليم أبنائه المهنة. ظل الرجل يحكي لنا عن العوامل التي تحتم اندثار الصناعة وأمامه قطعة من الغوبلان لم يكتمل نسجها بعد، ويقول: "في السابق كان يعمل معي أكثر من صانع، لكنهم هجروا المهنة وقرروا الذهاب لمهن أخرى. أقف اليوم في المكان بمفردي أمام هذه القطعة التي تدخل شهرها العاشر على النول، وأنا لا اتشجع على إكمالها نظرا لصعوبة التسويق". ويؤكد "عزيز" (50 عاماً) بأن جيله أخر جيل تعلم المهنة وعمل بها.

أزمة التسويق

 التسويق هو أهم المشكلات التي تقف عقبة أمام سير الإنتاج. يواجه العاملون وأصحاب ورش التصنيع صعوبة في تسويق المنتجات في ظل استغلال التجار، وشراء المنتج بسعر قليل. وعلى الرغم من قيام الجمعية التعاونية في بدايات تأسيسها بدور تسويقي إلا أنها بعد ذلك توقفت تماماً عن لعب هذا الدور.

قفز سعر الصوف المستخدم في التصنيع من 8 إلى 60 جنيه للكيلوغرام الواحد، ووصل سعر خيوط السدى المصنوعة من القطن إلى 70 جنيه للكيلوغرام الواحد. ويلزم لتصنيع القطعة الواحدة 10 كيلوغرام من الصوف بتكلفة قدرها 500 جنيه، وخيوط السدى القطنية تكلّف حوالي 200 جنيه، ويتطلب تنفيذ القطعة من شهرين إلى ثلاثة أشهر، وتواجه معاناة في تسويقها بسبب ركود السوق.

ويسبب تراجع السياحة أزمة كبيرة، حيث كانت المنتجات تجذب السائحين ويتم تصديرها إلى دول العالم، فضلاً عن أزمة وباء كورونا التي تسببت في إرباك حسابات البلدان. يقول "خالد" (54 عاماً) أحد صناع الكليم والغوبلان: "يستلزم تصنيع القطعة الواحدة 10 كيلوغرام من الصوف بتكلفة قدرها 500 جنيه، وخيوط السدى القطنية تكلف حوالي 200 جنيه، بعد ذلك يتطلب تنفيذ القطعة وقت من شهرين إلى ثلاثة أشهر، وتواجه معاناة في تسويقها بسبب ركود السوق".

لوحة فنية من الغوبلان

من أجل "اللقطة"

"تتلف في حرير" هو عنوان المبادرة الرئاسية التي أطلقت لإحياء صناعة الكليم اليدوي، وهي بحسب العاملين "والعدم سواء". وكانت وزيرة التضامن الاجتماعي قد أعلنت عن توفير 500 نول لأهالي المدينة وتعهدت بتسويق المنتجات. يعتبر العاملون بالمهنة أن كل هذه الوعود التي تتحدث عن إعادة إحياء الصناعة كاذبة، ولا علاقة لها بواقع المهنة التي تمضي في طريقها نحو الاندثار.

قال لنا "عزيز" أنه تمت دعوته للعديد من المؤتمرات التي نظمتها جهات حكومية ونواب بالبرلمان، ولكنها كانت بلا أي جدوى. فقد عمد القائمون عليها إلى التقاط الصور فقط، وتتبخر الوعود بمجرد انتهاء كل هذه الفعاليات التي لا تستهدف إلا "اللقطة".

قصر ثقافة المدينة هو أيضا يتبنى مبادرة، بدعوى إحياء تراث الكليم اليدوي عن طريق انتداب الصناع لتدريب طلاب المدارس على الحرفة باعتبارها جزءاً من تراث المدينة.

قصر ثقافة فوة، الاولاد يطلعون على المهنة

المنتدبون من داخل قصر الثقافة قالوا: "لا أحد يأتي إلينا من أجل التدريب، بل من أجل التصوير"، مؤكدين على أن بعض المدارس الحكومية تأتي إليهم بغرض إلتقاط مجموعة من الصور للطلاب بجانب النول فقط. ويعبر أحدهم عن مرارة الواقع، فيقول "الدولة كلها ماشية نظام تصوير".. 

مقالات من مصر

السيسي وثمن دماء الفلسطينيين

حسام خليفة 2024-02-26

تضاعف الدين المصري، في السنوات الخمس الأولى من عهد "نظام يوليو 2013"، أكثر من خمسة أضعاف بحسب وزير المالية المصري آنذاك، عمرو الجارحي. بينما ارتفع إجمالي الدين الخارجي المصري إلى...

للكاتب نفسه