جرائم نظام من دون عقاب

ملف من إعداد "المفكرة القانونية" لفهم نظام الإفلات من العقاب في لبنان والإحاطة به، ليس فقط مُراقبة ما يحصل داخل المحاكم أو في كواليسها، بل بالأخصّ ما يبرز في الخطاب العامّ من سرديّات وسرديّات نقيضة.
2022-04-08

شارك

وجد اللبنانيّون أنفسهم بعد 17 تشرين، أكثر من أي وقت مضى، في موعدٍ شبه يوميّ مع نظام الإفلات من العقاب. هذا الموعد المُتكرّر حصل بدايةً في القضايا المتّصلة بالانهيار وسط مطالب متزايدة بردّ حقوق المودعين واسترداد الأموال المنهوبة، وعاد ليمتدّ لفترة أطول في سياق التحقيق في جريمة تفجير المرفأ.

 وقد شكّلت تلك المواعيد مُناسبات استثنائيّة لتعزيز الوعي العام بشأن نظام الإفلات من العقاب ومقوّماته ومدى ارتباطِه العضويّ بنظام الحكم، وهو وعي من شأنه، بفعل تمحْوره حول مبادئ العدالة، أن يأخذ طابعاً توحيدياً عابراً للقوى الطائفيّة المهيمنة. وعليه، وجدتْ تلك القوى نفسها أمام تهديد غير مسبوق، قوامه نشوء رأي عام وازن من شأنه زعزعة نظام الحصانات والإفلات من العقاب أو على الأقل تحميلها مسؤولية تبعاته مع ما لذلك من أكلافٍ سياسيّة. وعليه، لم تكتفِ تلك القوى بالتدخّل في المحاكم أو في كواليسها كما دأبتْ عليه من قبل، بل خصّصتْ طاقاتٍ مُضاعفةً لمواجهة تنامي الوعي العام والمساحة المُشتركة التي ولّدها بهدف طمس ذلك الوعي وإغراقه مجدّداً في كمّ من الاعتبارات السياسية والطائفية تمهيداً لنسف تلك المساحة المُشتركة بالكامل. فكأنّما تلك القوى وجدت ضالّتها في الدفاع عن نظام الإفلات من العقاب لإعادة فرض الشمولية السياسيّة الحاجبة لأيّ وعي عام: فلا صوت يعلو على قرقعة التناحر العصبي وصِراعات المحاور، ومنتهى أيّ قضية قضائية رفعت أو سترفع هو أن تتحوّل إلى ساحة جديدة لهذه القرقعة.

وانطلاقاً من ذلك، يصبح من الضروريّ لفهم نظام الإفلات من العقاب والإحاطة به، ليس فقط مُراقبة ما يحصل داخل المحاكم أو في كواليسها، بل بالأخصّ ما يبرز في الخطاب العامّ من سرديّات وسرديّات نقيضة. وهذا ما سنحاول إنجازه في هذا الملفّ الذي تعمّدنا أن نجمع فيه قضايا مُتباينة بهدف استكشاف المُشترك ما بينها بمعزل عن المعطيات الخاصّة بأيّ منها.

وما يزيد من أهمية إنجاز هذا الملفّ، هو قناعتنا بمحوريّته في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان. فكما لا يمكن فهم الماضي وانزلاقاتِه بمعزل عنه، لا يمكن بناء دولة تتوفّر فيها أدنى مقوّمات المساواة والعدالة من دون تجاوزه. فأنْ نعيش في نظام إفلات من العقاب يعني أنّنا نعيش في نظامٍ تسوده القوّة بمعزل عن أيّ بُعد أخلاقيّ، وتالياً في نظام تهيمن فيه مصالح فئوية لا يعقلها شيء وتضمحلّ فيه تماماً المصلحة العامة. وبذلك، تصبح اللامبالاة حيال احتمال تدمير الاقتصاد أو احتمال تفجير العاصمة نتيجة متوقّعة، طالما أنّ الكلّ مسكونٌ بالخطر الذي قد يتهدّد مصالح الأقوياء في موازاة تسفيه أيّ خطر قد يتهدّد المجتمع برمّته. وبذلك، يكون من المتوقّع أن نتحوّل إلى مجتمع من الضحايا، مجتمع يخضع لنظام لا يُعاقَب ولا يعاقِب.

بيداغوجيا الواقع

تمثّلت أوّل صدمات ما بعد 17 تشرين في اكتشاف اللبنانيين تحوّل المصارف من مُحترف بخدمتهم إلى سلطة تتحكّم بودائِعهم فلا يستفيدون منها إلّا بالقدر الذي ترتضيه، وهي سلطة لا تحدّها أيّ سلطة أخرى. وعليه، بَدَت المصارف وكأنّها تحجُب إفلاسها كشركة تجارية، بجبروتها كسلطة أمر واقع. وقد تضاعفت الصّدمة حين اكتشف الرأي العامّ أنّ هذه السلطة عمدتْ في موازاة حجز ودائعهم إلى إجراء حوالات إلى الخارج لصالح عددٍ من أصحاب النفوذ، بعدما فُهم أنّ ثمّة استحالة في تحديد هوية هؤلاء بفعل قواعد “السرّية المصرفية”. بمعنى أنّ هؤلاء لا يبقون فقط بمنأى عن المحاسبة القضائية وحسب، بل أيضاً بمنأى عن الضوء بحيث تبقى خطاياهم كلّها مخفيّة. فكأنّما السرّية المصرفيّة تخفي كمّاً هائلاً من جرائم الفساد، تماماً كما أخفَتْ المقابر الجماعيّة في الحرب كمّاً هائلاً من جرائم القتل.

مقالات ذات صلة

في ظلّ هذا الواقع، وحيال المطالب الشعبية بكفّ يد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بصورة فوريّة تمهيداً لمحاسبته على دوره في التسبّب بالانهيار، لمَعَ مفهوم “التّدقيق الجنائي”. وقوامُ هذا المفهوم هو تكليف شركة تدقيق (لا يتخيّل إلّا أنّها عالميّة) التّدقيق في حسابات مصرف لبنان كشرط مُسبق لبدء المحاسبة الإدارية والقضائية للحاكم وسائر القائمين على مصرف لبنان فضلاً عن مدراء المصارف. وقد أسهم هذا المفهوم عمليّاً في تمكين القوى السياسية كافة من إعلان تمسّكها بضرورة محاسبة هؤلاء ومن دون أن تحصل أيّ محاسبة فعليّة. وهنا أيضاً برزتْ ذريعة السرّية المصرفيّة كخاتم سحري لنسف المحاسبة أو على الأقل عرقلتها. فبِفعل هذه الذريعة، تمّ إفشال عمل الشركة المدقّقة المُختارة من حكومة حسّان دياب وإنهاء العقد معها وذلك في 26/11/2020. وقد احتاجتْ السلطات العامّة بعد ذلك إلى قرابة شهر لوضع القانون رقم 200/2020 بتعليق أحكام السريّة المصرفيّة لحاجات التّدقيق الجنائي. وفي حين حدّد هذا القانون مدة تعليق السرّية المصرفية بسنة واحدة (انتهت في 30 كانون الأوّل 2021)، فقد تعيّن انتظار منح الثقة لحكومة نجيب ميقاتي (أي تسعة أشهر أخرى) ليُعاد إحياء عقد التّدقيق الجنائي بذريعة عدم جواز تحقيق ذلك في ظلّ حكومة تصريف أعمال. وهي ذريعة واهية طالما أنّ المجلس النيابي الذي يمنح الحكومات الثقة أو يحجبها عنها، أعلن صراحة أولوية التدقيق الجنائي بما يمنح الضوء الأخضر لإنجازه من قبل أيّ حكومة حتى ولو كانت حكومة تصريف أعمال. ويُخشى أن يكون هذا التأخير قد تسبّب في نسف إمكانية التدقيق الجنائي وبخاصة أنّ مدة تعليق السرّية المصرفية انتهتْ في أواخر سنة 2021 بعد أسابيع من إعادة إحيائه من دون أن يتسنّى للهيئة العامّة لمجلس النوّاب النظر في اقتراح قانون بتمديد مهلة تعليق السرّية المصرفية على الرغم من توفّر الأكثرية المؤيّدة لمنحِه صفة العجلة.

بقية النص على موقع "المفكرة القانونية

مقالات من العالم العربي

نشيد الأرض

2022-05-14

إهداء إلى الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل الحرية والعدالة والكرامة، وإلى ذكرى الشهيدة شيرين أبو عاقلة الخالدة.