تسويق الوهم.. تواطؤ الصحافة في الحروب

بدأت الحرب الأمريكية-البريطانية الثانية على العراق في 19 آذار/مارس 2003 واستمرت حتى الاعلان عن "نهاية العمليات الكبرى" في الأول من أيار/مايو. نشارف اذاً على مرور 20 عاماً، أوقعت العراق في خراب عميم، وزلزت المنطقة بأسرها التي ما زالت تعيش تحت وطأة مفاعيلها حتى اليوم. النص عن التغطية الاعلامية لتلك الحرب التي تتكرر سماتها في كل الحروب، وآخرها هذه الدائرة في أوروبا الآن.
2022-03-26

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك

أحد أكثر المشاهد الراسخة في الذاكرة العراقية والعالمية عن احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، وانهيار نظامه، هو المشهد الذي يتسلق فيه جندي من المارينز تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس ببغداد، ثم يغطي رأس التمثال بالعلم الأمريكي، قبل أن يُسحب برافعة عسكرية ويسقط أرضاً.

الصور التي رآها العالم تُظهر حشداً من العراقيين يجرون التمثال ويضربونه بالأحذية ويرقصون فوقه، لكن ما لم تنقله الكاميرات آنذاك، تحدثت عنه دراسة للجيش الأمريكي فيما بعد، الدراسة التي كانت بعنوان (On Point: the United States Army in Operation Iraqi Freedom) كشفت أن الصحافيين الذين كانوا موجودين في ساحة الفردوس لحظة سقوط تمثال صدام حسين كانوا بعدد العراقيين الذين انتظروا سقوط التمثال للانقضاض عليه بالأحذية، وأن الجيش الأمريكي وظّف وجود الصحافيين المرافقين له لتصوير مشهد السقوط من وجهة نظر الولايات المتحدة. وقد استعمل الجيش الأمريكي مصطلح "Media circus/السيرك الإعلامي" لوصف التغطية الإعلامية لإسقاط التمثال، وهو مصطلح يشير إلى التغطية الصحافية الضخمة لحدث ما، من حيث عدد الصحافيين والمراسلين ووسائل الإعلام الموجودة في منطقة الحدث.

فلنذهب إلى الحرب!

قبيل غزو العراق 2003، اختارت وزارة الدفاع الأمريكية أكثر من 600 صحافي ليرافقوا الجيش الأمريكي في الحرب، أُطلق عليهم مصطلح (Embedded Journalists) هؤلاء الصحافيون يرافقون الجنود في مهامهم العسكرية، ويتوزعون على الوحدات القتالية التي تدخل إلى العراق، ويتلقون المعلومات والأخبار من الجيش الأمريكي حصراً، في مقابل ذلك، يحصلون على الحماية والمؤونة.

بينما كان "الصحافيون المضمّنون" يحزمون حقائبهم لمرافقة الجيش الأمريكي في حربه على العراق، كان وزير الخارجية الأمريكي حينها كولن باول يستعرض أمام مجلس الأمن، بكل الخداع والتضليل والمعلومات الكاذبة، تهمة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. حينها احتفت الصحافة الأمريكية بالتقرير الذي عدّته حقائق دامغة لا تقبل الشك، وبراعة منقطعة النظير من قبل وزير الخارجية. ولكن وبينما كان يحدث كلَّ ذلك، كان الصحافي تشارلز هانلي الحائز على جائزة بوليتزر، والذي يعمل مراسلاً خاصاً لوكالة أسوشيتد برس، قد نشر تقريراً مفصلاً في 6 شباط/فبراير 2003 (قبل شهر ونصف الشهر من الغزو) كشف فيه أنه زار رفقة مجموعة من الصحافيين كل المنشآت العسكرية التي ذكرها كولن بأول في تقريره أمام مجلس الأمن، ووجدها مغلقة، وما تزال تحت إشراف الأمم المتحدة منذ عام 1991.

قبيل غزو العراق 2003، اختارت وزارة الدفاع الأمريكية أكثر من 600 صحافي ليرافقوا الجيش الأمريكي في الحرب، وأُطلق عليهم مصطلح (Embedded Journalists). يرافق هؤلاء الصحافيون الجنود في مهامهم العسكرية، ويتوزعون على الوحدات القتالية التي تدخل إلى العراق، ويتلقون المعلومات والأخبار من الجيش الأمريكي حصراً، في مقابل ذلك، يحصلون على الحماية والمؤونة. 

ستيف ريندال الكاتب في منظمة (FAIRNESS & ACCURACY IN REPORTING) المراقبة والناقدة للتحيز في وسائل الإعلام الأمريكية، يقول في الفيلم الوثائقي (The War You Don't See) لجون بيلغر، إن تقرير تشارلز هانلي الذي يدحض كل الأوهام التي قدمها كولن باول، وصل إلى جميع غرف الأخبار الرئيسية في الولايات المتحدة، فكلها لديها خدمة أسوشيتد برس التي يعمل هانلي مراسلاً لها. لكن أحداً لم يهتم للتقرير، لأنه "لم يصلح للسيناريو" في حينها، السيناريو الذي يقول نحن ماضون إلى الحرب على أية حال.

ريندال يعتقد، أنه لو أن التغطية الإعلامية الجيدة والصحافة الجيدة يقولان الحقيقة للسلطة، لأحدث ذلك فارقاً هائلاً، ويؤمن أن الولايات المتحدة ما كانت لتذهب إلى الحرب لو أن وسائل الإعلام قامت بدورها وتحديها للأكاذيب حول أسلحة الدمار الشامل، وطرد صدام حسين للمفتشين عام 1998، وكل دعايات المحافظين الجدد التي أدت في النهاية إلى نشوب الحرب عام 2003.

حتى مع الذهاب إلى الحرب، واحتلال العراق، وانكشاف الوهم الذي باعه جورج بوش وتوني بلير للأمريكيين والبريطانيين والعالم على حد سواء، استمرت وسائل الإعلام والصحافة الغربية بدورها المنحاز وتغطياتها الإعلامية المزيفة للأحداث، بدءاً من التغطية المباشرة لإسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، ثم معركتي الفلوجة عام 2004، ومروراً بتعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب، وكل المجازر التي ارتكبها جنود الولايات المتحدة، وليس انتهاءً بإظهار الجيش الأمريكي على أن افراده أبطال خارقون، يحمون ويدعمون الحياة في العراق وأفغانستان.

وصل تقرير تشارلز هانلي الذي يدحض كل الأوهام التي قدمها كولن باول، إلى جميع غرف الأخبار الرئيسية في الولايات المتحدة، فكلها لديها خدمة "أسوشيتد برس" التي يعمل هانلي مراسلاً لها. لكن أحداً لم يهتم للتقرير، لأنه "لم يصلح للسيناريو" في حينها. السيناريو الذي يقول نحن ماضون إلى الحرب على أية حال.

نيويورك تايمز على سبيل المثال، كانت تنشر الأكاذيب حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وقد اعتذرت بعد سنة عن التضليل الذي مارسته للترويج للحرب، ولكن بعد ماذا؟ ومثلها فعلت صحف ومؤسسات إعلامية كبيرة في بريطانيا والولايات المتحدة: هيئة الإذاعة البريطانية BBC وصحيفة أوبزيرفر وCBS NEWS التي كان يقدم فيها المذيع الأمريكي الأشهر دان راذر برنامجه (AMERICA AT WAR)... وللمذيع راذر مقولة شهيرة نصها أن "جورج بوش هو الرئيس، وهو من يتخذ القرارات، وأنا بصفتي أمريكياً، في أي مكان يريدني أن أصطف، فليقل لي أين وحسب. هو من يوجه الدعوة".

أما مذيعو ومراسلو شبكة FOX NEWS فكانوا - على الهواء - يعبّرون عن مشاعرهم ووقوعهم في غرام طائرات "الخنزير البري"، ويطالبون باستخدام قنابل "ديزي كاتر" و"أم القنابل"، وهي من طراز "جي بي يو-43/بي" تزن 9,8 أطنان وتعتبر أضخم سلاح غير نووي في الترسانة الأمريكية، ووزنها يعادل وزن طائرة مقاتلة من طراز إف-16.

مذيع شهير آخر، هو بيل أوريلي، كان يخرج على شبكة FOX NEWS ليقول للمواطنين الأمريكيين: "نحن نتوقع من كل أمريكي أن يدعم جيشنا، إن لم تستطع فعل ذلك، فلتخرس!" عام 2017 طُرد من الشبكة بعد فضيحة تحرش جنسي، وكان رئيس الأخبار روجر إيلز طُرد عام 2016 أيضاً بعد فضيحة تحرش جنسي ودعوى قضائية رفعتها ضده المذيعة غريتشن كارلسون.

حب الأسلحة التي كان يُقصف ويُقتل بها العراقيون لم يكن حكراً على صحافيي FOX NEWS فمثلهم كان موفد MSNBC الصحافي هانسون حسين، الذي أعلن على الهواء وهو يقف على سطح حاملة الطائرات (يو إس إس ابراهام لينكون) وقوعه في حب الطائرة المقاتلة F/A-18 (سوبر هورنيت) وسبب وقوعه في حبها أنها "متعددة المهام" بحسب وصفه.

الصحافة كما يريدها المارينز

الصحافيون المضمّنون مع الجيش الأمريكي، كانت لديهم تعليمات وقواعد مكتوبة عليهم الالتزام بها خلال تغطيتهم الميدانية للحرب، لا يُسمح لهم بتجاوزها، ومن يفعل ذلك يفقد امتيازاته في مرافقة الجنود والحصول على المعلومة والحماية من الجيش من الأمريكي. ففي شهادتها عن تجربتها كونها صحافية مضمّنة مع الجيش الأمريكي، تقول الاسبانية مرسيدس غاليغو، مراسلة صحيفة El Correo وتلفزيون Telecinco الاسبانيين: "كان في إسبانيا أكبر شعور مناهض للحرب من أي بلد أوروبي آخر - كان 91 في المئة من المواطنين الإسبان ضد هذه الحرب - وبالتالي فقد أثّر ذلك على تغطيتي. كان عليَّ أن أكون حذرةً فيما أقوله وأكتبه، لا يمكنني أن أقف إلى جانب قوات المارينز، لأن القراء سوف يشككون في موضوعيتي كصحافية. الناس كانوا حساسين تجاه هذا الأمر، فهم مناهضون للحرب ومعادون جداً للولايات المتحدة. على الجانب الآخر، لا يمكنني إخبار مشاة البحرية بما أشعر به حيال الحرب لأنهم يبدؤون بمناداتي بـ "الصحافية الليبرالية" ويضعونني على القائمة السوداء".

لغاليغو صديق مقرب هو الصحافي الاسباني جوليو أ. بارادو، مراسل صحيفة El Mundo الاسبانية، الذي كان هو الآخر مضمّناً مع فرقة المشاة الثالثة، والذي قُتل في 7 نيسان/ أبريل 2003، خلال تغطيته لدخول الفرقة إلى العاصمة بغداد.

في اللوائح المكتوبة التي نشرها الجيش الأمريكي والخاصة بالتعليمات الموجهة للصحافيين المضمّنين مع جنوده، يشترط الجيش الأمريكي حصول الصحافي على الحصص الغذائية والعناية الطبية والنقل بمركبات الجيش، وتوفير الانترنت مقابل التزامه بتغطية النشاطات العسكرية والميدانية للوحدات القتالية التي يرافقها.

تحظر لوائح الجيش الأمريكي على الصحافيين استخدام معداتهم الخاصة في "البيئات القتالية والمعادية". وهم ممنوعون من استخدام وسائل نقل خاصة، وقائد الوحدة العسكرية هو من يسمح أو يمنع الصحافي من إرسال مادته الى المؤسسة التي يعمل بها، ولا يحق له ارسال أي معلومات أو وسائط (صور، فيديو، نص) إلا بعد عرضها على قائد الوحدة أو المسؤول في مقر القيادة.

تحظر لوائح الجيش الأمريكي على الصحافيين استخدام معداتهم الخاصة في "البيئات القتالية والمعادية"، وهم ممنوعون من استخدام وسائل نقل خاصة أو غير وسائل النقل العسكرية، وقائد الوحدة العسكرية هو من يسمح أو يمنع الصحافي من إرسال مادته الصحافية للمؤسسة التي يعمل بها، ولا يحق لأي مراسل مضمّن أن يرسل أي معلومات أو وسائط (صور أو فيديو أو نص) إلا بعد عرضها على قائد الوحدة أو المسؤول في مقر القيادة.

اشتق مصطلح "الصحافة المضمّنة" عام 2003، خلال غزو العراق، لكن هذا النوع من الصحافة قديم، وهو ينطبق على أي وسيلة إعلامية أو صحافي يرافق الجيوش في أوقات الحروب، ومن الأمثلة على المراسلين الحربيين المضمّنين ارنست همنغواي، الذي رافق الجيش الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.

في حربي عاصفة الصحراء عام 1991 وأفغانستان عام 2001، منع الجيش الأمريكي الصحافيين ووسائل الإعلام من مرافقته ميدانياً في عملياته العسكرية، واكتفى بتخصيص مواقع ثابتة لهم، يقيمون فيها ويتلقون منها المعلومات التي يزودهم بها الجيش عن سير المعارك. وبينما أثار هذا الإجراء غضب الصحافة في كلا الحربين، تلقَّت وسائل الإعلام والمؤسسات الصحافية بحماس بالغ موافقة وزارة الدفاع الأمريكية على تضمين الصحافيين مع وحدات الجيش التي ستشارك في اجتياح العراق، على الرغم من الشروط والقيود التي كان واضحاً أنها ستجعل من وسائل الإعلام والمراسلين الحربيين أدوات لتلميع صورة الغزو، وإظهار الجيش الأمريكي بمظهر المدافع عن الديمقراطية، والقوة التي جاءت لتحرير الشعب العراقي من قبضة صدام حسين الخ... وقد نجح البنتاغون في استثمار "الصحافة المضمّنة" لصالحه في الحرب على العراق، ولم يتردد الجيش الأمريكي في قمع ومنع أي وسيلة إعلامية "مضمّنة" حاولت أن تنقل صورة أخرى غير تلك التي يريد إظهارها في العراق.

عندما بثت CNN عام 2006 فيديو يظهر عمليات قنص لجنود أمريكيين في العراق، واجهت الشبكة حملة شعبية عنيفة، وانتقادات لاذعة من قبل المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة، وهاجم عدد من أعضاء الكونغرس شبكة CNN واتهموها ببث مواد دعائية لصالح "المتمردين"، وطالبوا وزارة الدفاع بإلغاء تضمين صحافيي الشبكة مع الجيش الأمريكي. ولم يمنع تبرير CNN من أنها اختارت بث الفيديو لأنه يقدم حقيقة ما يجري في العراق، لم يمنع البنتاغون من الرد على أعضاء الكونغرس بأنه سيدرس بالفعل طلب إلغاء تضمين صحافيي الشبكة مع القوات الأمريكية.

صحافة السيرك

عام 2005، نشر مجموعة من الباحثين دراسة بعنوان (Embedded Reporting During the Invasion and Occupation of Iraq: How the Embedding of Journalists Affects Television News Reports). قارنت الدراسة بين التغطيات الإخبارية المضمّنة وغير المضمّنة أثناء غزو العراق، وحللت محتوى الأخبار لكل من ABCوCBS وNBC وCNN أثناء الاحتلال، لفحص ما إذا كانت التقارير الإخبارية مختلفة بين الحالتين، فخلصت إلى أن القصص الإخبارية لشبكات التلفزيون المضمنة تنحاز أكثر في سياساتها التحريرية للجيش الأمريكي، وتظهر الجنود بصورة أكثر إيجابية، وتستخدم لغة صحافية ناعمة في الحديث عن مهام الجيش الأمريكي في العراق، وتروّج لانتصاراته كما في معركتي الفلوجة عام 2004، ومهامه القتالية في المناطق التي كانت تنشط فيها المقاومة.

بعد سقوط نظام صدام حسين، وإعلان الولايات المتحدة انتصارها السريع في العراق، وانتهاء الحرب، انخفضت أعداد الصحافيين المضمّنين مع الجيش الأمريكي سريعاً، فمع نهاية شهر أيار/ مايو 2003، انخفض العدد الكلي إلى 100 فقط بحسب ما كشفه المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية آنذاك بريان ويتمان.

كانت لدى الصحافيين المضمّنين مع الجيش الأمريكي، تعليمات وقواعد مكتوبة عليهم الالتزام بها خلال تغطيتهم الميدانية للحرب، ولا يُسمح لهم بتجاوزها. ومن يفعل ذلك يفقد امتيازاته في مرافقة الجنود والحصول على المعلومة والحماية من الجيش من الأمريكي.

ثم استمر العدد بالانخفاض. ففي عام 2005 كان هناك 48 صحافياً مضمّناً فقط، وانتهى الى تسعة صحافيين مضمنين كانوا يغطون مهام الجيش الأمريكي قبل اتفاق الانسحاب من العراق. ووفقاً لويتمان، فإن السبب الرئيسي لانسحاب الصحافيين المضمنين من العراق يعود إلى قرار وسائل الإعلام تقليل موظفيها في العراق لاعتبارات مالية، فوجودهم في العراق كان مكلفاً للغاية. وحين غادرت وسائل الإعلام المضمّنة، وهي مؤثرة في المجتمعات التي تخاطبها، لم يكن في حساباتها أن الانتصار الكبير الذي حققته الولايات المتحدة في العراق ثمنه العراق كله، وشعبه الذي ما يزال يدفع الثمن. وفي اللحظة التي كان مراسل BBC راجح عمر يتجول في بغداد لينقل دخول الدبابات الأمريكية إلى شوارع العاصمة ويؤكد "ترحيب وفرح" العراقيين بالتحرير، كان عراقيون آخرون في مدينة الرمادي يحفرون تسعة قبور لدفن 19 شخصاً من عائلة واحدة (غالبيتهم من النساء والأطفال) قصفتهم طائرة F-16، ليستمر من بعدها العراقيون بحفر القبور وإنشاء المقابر، فالموت والخراب والاقتتال الطائفي والفساد هي أكثر نتائج "التحرير" وضوحاً في العراق الجديد.

بروباغندا مدفوعة الثمن

هذا النوع من الصحافة كان قد خبره العراقيون قبل اشتقاق المصطلح الذي يدل عليه. فخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وبعد سبعة أيام على نشوبها، أصدر مجلس الأمن الدولي قراره 479 (28 أيلول/سبتمبر 1980) دعا فيه طهران وبغداد إلى التوقف فوراً عن استخدام القوة، وحل النزاع بالطرق السلمية، والقبول بأي وساطة أو مصالحة إقليمية أو دولية.

حينها لم تتأخر وساطة الرئيس الباكستاني محمد ضياء الحق، التي قبلها العراق، ووافق على وقف القتال - من طرف واحد - لإظهار "حسن النوايا"، وأعلن وقف إطلاق النار من جانبه لمدة ثلاثة أيام تبدأ من 5 تشرين الأول/اكتوبر 1980. لكنَّ مساعي الرئيس الباكستاني بإنهاء الحرب رفضتها إيران، وعاد الجنود إلى السواتر.

عندما بثت CNN عام 2006 فيديو يظهر عمليات قنص لجنود أمريكيين في العراق، واجهت الشبكة حملة شعبية عنيفة، وانتقادات لاذعة من قبل المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة، وهاجم عدد من أعضاء الكونغرس شبكة CNN واتهموها ببث مواد دعائية لصالح "المتمردين"، وطالبوا وزارة الدفاع بإلغاء تضمين صحافيي الشبكة مع الجيش الأمريكي.

في تلك الفترة، كان مئات الصحافيين يتوافدون إلى بغداد، لنقل الأخبار، والحصول على جولة ميدانية - بحماية الجيش العراقي - في إحدى الجبهات الساخنة. وما أغرى الصحافيين باختيار الجهة العراقية، هو "الانتصارات" التي كان يحققها الجيش العراقي في ذلك الحين، وفي الحرب عادةً ما يكون الطرف "المنتصر" أكثر إغراءً لتتبعه.

الأعداد الكبيرة للصحافيين الأجانب شكَّلت حرجاً للسلطات العراقية حينها، فلم تعد الفنادق وأماكن الإقامة تتسع للمزيد، لكن النظام العراقي كان بحاجة لهؤلاء، وكل ما يحتاجه هو بث المعلومة التي يريدها، وستصل إلى كل العالم الذي يراقب ماذا يحدث في الشرق الأوسط. ومن هنا جاءت فكرة تشكيل لجنة عليا، تتولى الإشراف على الصحافيين وتنظيم تحركاتهم، وترتيب مؤتمرات صحافية، وجولات ميدانية إلى الجبهات لنقل أخبار الحرب. وكانت اللجنة تتألف من أعضاء في: وزارة الإعلام، جهاز المخابرات، الأمن العام، الاستخبارات العسكرية، التوجيه السياسي، ودوائر أخرى.

وحينها قرر نظام صدام حسين إطلاق ما أسماه "الاستضافة الكاملة والمجانية" لكل الصحافيين الذين يأتون إلى العراق لتغطية الحرب، وكان هذا انطلاقاً من أمرين: الأول هو احتواء الصحافة، وتضمينها في آلة البروباغندا العراقية لتصدير الأخبار المنتقاة والموجهة. والثاني هو الاعتقاد الذي كان سائداً حينها عند السلطة العراقية بأن الحرب لن تطول... هي أيام معدودات، ولا ضير من بعض التبذير على هؤلاء الذين يبثون الأخبار المنتقاة.

وبينما كان الصحفيون يتمتعون بخدمات الاستضافة المجانية في الفنادق الفارهة، وينتظرون البيانات الصحافية التي تُلقى عليهم في القاعات المحصنة، كانت هنالك 150 ألف عائلة عراقية، ومثل هذا العدد وربما أكثر من العوائل الإيرانية، تُجبر على ترك منازلها وقراها وبلداتها وتنزح مبتعدةً عن الشريط الحدودي الذي تحول إلى ثكنات عسكرية وجبهات قتال.

أكثر من 1400 كيلومتر هو الشريط الحدودي بين الجارتين المتقاتلتين، يضم مئات القرى والبلدات والمدن، التي هجرها سكانها ودُمرت، والكثير منها تحول إلى ساحة معركة، لم تكن ضمن أجندة الصحافة حينها، وكذلك مئات آلاف الجنود القتلى من الطرفين، كانوا أرقاماً تَرِد في البيانات فقط.

قد يكون الصحافي والمراسل الحربي ضد الحرب، لكنه مجبرٌ على تغطيتها، مثلما كانت مرسيدس غاليغو وصديقها جوليو أ. بارادو الذي قتل في العراق، والذي قالت غاليغو إنه أخبرها قبل أسابيع من ذهابه إلى العراق، بسوء المعاملة التي تواجهه في صحيفة El Mundo وكيف أنه يعمل مع الصحيفة بلا عقد عمل منذ ست سنوات، وأنه يخشى أن يخسر عمله إن لم يوافق على الذهاب إلى العراق لتغطية الحرب، لكنه في نهاية المطاف خسر حياته. ولكن ماذا عن المؤسسة الصحافية، سواء كانت محطة تلفزيونية، أو صحيفة، أو موقعاً إلكترونياً، أو وكالة أنباء. هل السعي وراء تغطية الحرب يبرر التنازل عن أهم معايير الصحافة: الحرية، ويبرر الرضوخ لإملاءات طرفٍ في النزاع، والقبول بنقل المعلومة التي تخدم مصالحه، حتى وإن كانت كاذبة أو مشوهة... على حساب الحقيقة. 

مقالات من العراق

عندما نطق بوش بالحقيقة!

ديمة ياسين 2022-05-22

الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية لم يخطئ عندما وقف متلعثماً في خطابه وذكر اسم العراق بدل أوكرانيا، هو كان فقط يعدد إنجازاته كمجرم حربٍ من الطراز الأول.

للكاتب نفسه