هوارد زنّ: خبز وورود

الفيلم هو ثلاثية طموحة، انجز وعرض جزؤه الأول بفضل الجهود الفردية لأوليفييه عزام ودانيال ميرميه، اللذين نقلا إلى الشاشة الفرنسية كتاب "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية" لمؤلفه هاورد زن الذي نُشر في أواخر التسعينيات. تشكّل الحرب مورداً ممتازاً لإثراء الصناعيين الأميركيين يمتد الجزء الأول من
2015-05-07

عمر بن درة

خبير اقتصادي من الجزائر، عضو في Watch Algeria


شارك
| fr
هوارد زنّ

الفيلم هو ثلاثية طموحة، انجز وعرض جزؤه الأول بفضل الجهود الفردية لأوليفييه عزام ودانيال ميرميه، اللذين نقلا إلى الشاشة الفرنسية كتاب "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الأميركية" لمؤلفه هاورد زن الذي نُشر في أواخر التسعينيات.

تشكّل الحرب مورداً ممتازاً لإثراء الصناعيين الأميركيين

يمتد الجزء الأول من الثلاثية على مئة دقيقة، وهو تبن حرّ لكتاب المؤرخ والمناضل هوارد زين، الذي خالف جميع التوقعات فلاقى إقبالاً كثيفاً وباع أكثر من مليوني نسخة في السوق الأميركي. وبطبيعة الحال، كان لهذا النجاح أعداؤه، كحال حاكم إحدى الولايات أو رئيس إحدى الجامعات اللذين حاولا منع تدريسه. وعلى الرغم من جميع العقبات، استطاع الأميركيون بفضل هذا المؤرخ الخارج عن المألوف، والذي توفي في العام 2010، إعادة اكتشاف فصول مخفية من تاريخهم، لطالما لعبت كليشيهات هوليوود دوراً في تجميلها. وكما الكتاب الذي انبثق منه، يسهم الوثائقي في دحض الأساطير المهيمنة التي كرستها بروباغندا الرأسمالية الأميركية. فانطلاقاً من أعمال هاورد زن، أعاد المخرجان الفرنسيان كتابة التاريخ الأميركي من وجهة نظر الضعفاء والمهمشين وأولئك المبعدين عن الصورة الرسمية، وكذلك من وجهة نظر المغيّبين عن الماكينات الإعلامية الكبرى. وهكذا أعاد عزام ومرميه الاعتبار لملايين الأميركيين من السود والمهاجرين والعاملين المقهورين الذين بنوا هذه البلاد بعذاباتهم وصمودهم. ولم تكن هذه الجماهير المقصيّة لتجد مؤرخاً لحالها أفضل من هوارد زن، الذي ولد في العام 1922، أي خلال سنوات الكساد الكبير التي قضت على مرحلة الازدهار التي عرفتها البلاد بعد الحرب العالمية الأولى. حينها عمت الصراعات أرجاء البلاد من أجل التوصل للـ "نيو ديل"، وهو مجموعة البرامج الاقتصادية التي أطلقتها الولايات المتحدة بين عامي 1933 و1936. وبينما انخرط رفاق زن في الألوية الأممية في إسبانيا، تطوع الملازم الشاب في البحرية الأميركية، هناك حيث اكتشف التمييز الذي يعاني منه الجنود السود، وشارك في قصف مدينة "روان" الفرنسية التي كانت شاهدة على استخدام قنابل النابالم للمرة الأولى في التاريخ.

مؤرخ ومناضل

تغيرت نظرة زن إلى العالم. قال: "إذا كان العدو سيئاً، فلا يعني أننا الأخيار". بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح المحارب السابق أستاذ تاريخ، بفضل منحة "قانون الجندي" للمحاربين القدامى (منحة بدأت في العام 1944، وغيرت تاريخ التعليم العالي في الولايات المتحدة، حيث كانت الحكومة الفدرالية تدفع للملايين من محاربيها السابقين في الحرب العالمية الثانية الرسوم والعون المادي للالتحاق بالجامعات). وفي أول وظيفة له في مدرسة للطالبات السود في جنوبي الولايات المتحدة، وجد زن نفسه في خضم الانتفاضة الكبرى للحقوق المدنية في العام 1960 التي جاءت استكمالاً لمعركة إلغاء نظام العبودية في القرن الماضي. ومن ثم أصبح مراقباً من مكتب التحقيقات الفدرالي وطُرد من وظيفته، لينخرط بعدها ضدّ الحرب في فيتنام مع صديقه نعوم تشومسكي.
تشكّل صور الأرشيف الآسرة في الفيلم، المرفقة بنص شاعري وبمقابلات مع هوارد زن، قصة بإيقاع منتظم على وقع الأحداث البارزة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. وهي أحداث يجري طمسها منعاً للمسّ بالرواية الرسمية المعتمدة لـ "الحلم الأميركي"، وخوفاً من تقويض الكليشيهات الهوليوودية. يظهر الفيلم كيف كانت النضالات الاجتماعية عنيفة بشكل لا يصدق، بعدما لجأ أرباب العمل، الذين يطْبقون الخناق على عالم السياسة، إلى الوسائل الأكثر دموية التي تتيحها ترسانة القمع الفضفاضة.
 

تحاكي أساليب البروباغندا التي اعتمدت في الحرب العالمية الأولى، بشكل مذهل، الاستراتيجيات التي اتبعتها واشنطن في حربها ضدّ الإرهاب في أفغانستان والعراق

أميركا البروليتارية وأميركا البلوطوقراطية

تمكن العمال، على الرغم من الوحشية والقمع الممارس بحقهم، من تحقيق انتصارات توسعت مفاعيلها لتطال باقي العالم الصناعي. على سبيل المثال، فإن النضال العمالي في مدينة شيكاغو كان له الفضل في تقليص دوام العمل إلى ثماني ساعات. ولم تدخل مطالب تخفيض ساعات العمل حيّز التنفيذ إلا بعد تظاهرات حيّ "هايماركت" التي قُتل فيها العديد من الأشخاص على يد عناصر الشرطة والميليشيات الخاصة.
ويُظهر الكتاب، كما الفيلم، كيف تمكن كبار الرأسماليين الأميركيين مثل كارنيغي وجي بي مورغان وروكفلر، الذين يُصوّرون عادة كأبطال وأيقونات تمثل أسطورة النجاح الأميركي، من بناء ثروتهم. نهب، قمع، استغلال وجرائم كلها شكلت أدوات لتراكم استثنائي للثروات. وهكذا لم يوفر هؤلاء البارونات – اللصوص (مصطلح أطلق على رجال الأعمال الاميركيين من أصحاب النفوذ في القرن التاسع عشر) والآباء المؤسسين لليبرالية الحديثة أي أسلوب من أساليب الجريمة والابتزاز إلا ومارسوه لتحقيق مآربهم.
ولكمّ أفواه العمال، استعان أصحاب المليارات بميليشيات خاصة كوكالة "بنكرتون" المشهورة، التي انبثقت منها لاحقاً شركة المرتزقة "بلاكووتر" المدعومة من الجيش. هنا يعود الفيلم إلى إضراب عمال المناجم في العام 1914 في لودلو في كولورادو والذي تحول آنذاك إلى حمام من الدم، بعد سنة من النضال انتهت بمقتل 64 شخصاً بينهم نساء وأطفال. في تلك الفترة، دعت "نيويورك تايمز" الحكومة لوضع حد لهذه "الفوضى"، ما شكل تجسيداً صارخاً للتواطؤ المستمر، الذي يصل حد التكافل، بين الصحافة الأميركية "الكبرى" وأسياد وول ستريت.
عاد إذاً مخرجا "التاريخ الشعبي في الولايات المتحدة" بمسار الأحداث التاريخية إلى الحرب العالمية الأولى. الحرب التي يظهرها الوثائقي مباشرة كمورد ممتاز لإثراء الصناعيين الأميركيين. يكشف الفيلم كيف وجدت الحكومة الأميركية صعوبة في جعل المواطنين ينخرطون في هذه الحفلة الدموية. ولإقناعهم بالعكس، لجأت إلى حملة دعائية ضخمة وإلى القمع على السواء. في المقابل، صُرفت الأموال الطائلة على آلاف الأبواق (يسمون في أيامنا هذه بـ "المحاورين") الذين احتلوا الأماكن العامة وقاعات الاحتفال، بينما جرى توقيف المناضلين السلميين وزجّهم في السجن.
أساليب البروباغندا خلال الحرب العالمية الأولى تحاكي بشكل مذهل الاستراتيجيات التي اتبعتها واشنطن في حربها ضدّ الإرهاب في أفغانستان والعراق. وفي الفيلم، تظهر الصور نهجاً متواصلاً هدفه فرض قبول شعبي للمغامرات العسكرية التي تقْدم عليها واشنطن.

الوجه المخفي للامبراطورية

عندما تظهر كلمة "النهاية" على الشاشة وتضاء قاعة السينما، يتبادر سؤال واحد إلى ذهن المشاهد: كيف ما زال بإمكاننا أن نُصنّف الولايات المتحدة على أنها أكبر ديموقراطية في العالم؟ في بلدان الجنوب (لكن ليس وحدها)، تظهر الولايات المتحدة غالباً بكليتها، حكومة وشعباً، بصورة الدولة العدائية التي تُشكّل مصدراً للتهديد، وهي مقاربة مختزلة إلى حد ما. فإن كانت واشنطن، عاصمة امبراطورية عالمية، محارِبة ومتوحشة، فإن الضحية الأولى لسياساتها هي الشعب الأميركي نفسه.
ولا لبس في أن ميزة هذا الوثائقي تكمن في إظهاره الاستغلال الوحشي للشرائح العاملة الأميركية التي تشكل المدماك التاريخي لصراع الهيمنة المدفوع حصرياً بالبحث عن المنفعة. فقادة هذه البلوطوقراطية المسلحة يصدِّرون للخارج ما سبق واختبروه على أرضهم.
في الفيلم، خرج الشعب الأميركي بطبقاته العاملة ونضالاته وآماله على الملأ. فهذا الشعب هو واحد من شعوب العالم التي تعاني وهي ترزح تحت رحمة نظام يجعل من الظلم فضيلة أساسية. هكذا تُختزل الأسطورة المسماة "الاستثناء الأميركي" لتحجز مكانها على الرفّ في مخازن البروباغندا. وفي هذا المنحى، الإنساني والتضامني، يتطابق وثائقي عزام ومرميه مع مؤلف زن.

ثلاثية قيد البناء

لم ينل الفيلم أية مساعدة رسمية في فرنسا. في تأكيد إضافي، لو ثمة حاجة له، على أن الخطاب المخالف للفكر السائد ما زال يزعج من يدّعون باستمرار دعم حرية التعبير ويشددون على تنوع الآراء الضروري. فالفيلم الذي أنتجته تعاونية "لي موتان دي بانجيه" نفذ بتمويل شعبي. وإنْ حظي الوثائقي، الذي خرج إلى الصالات الفرنسية في 29 نيسان/ أبريل، بالنجاح المتوقع، سيمكن لمخرجيه كما وعدوا باستكماله في جزءين آخرين يغطيان الفترة الممتدة من مرحلة اكتشاف العالم "الجديد" (أميركا) وإبادة السكان الأصليين وتجارة الرق والعبودية وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية.
وسيتم تمويل الفيلم الثاني من عائدات الفيلم الأول وهكذا دواليك. سيكون النجاح في الصالات وفي مبيع الأقراص المدمجة للفيلم الأول حاسماً إذاً. ووفق المخرجين، ستساهم النقاشات التي ستواكب الفيلم الأول في التفكير ملياً باستكمال هذا العمل قيد البناء.
وفي المحصلة، وإن سارت الأمور على ما يرام، فسيكون كتاب "التاريخ الشعبي للولايات المتحدة" لهاورد زن الخيط الذي يربط الأفلام الثلاثة. في الجزء الثاني، يعتزم المخرجان العودة إلى إبادة السكان الأصليين والاستيلاء الدائم على الأراضي المكتشفة واستكشاف الأسواق الجديدة. وسيتناول الجزء الثالث (حيث التركيز على الحرب الباردة) المكارثية و"حملة مطاردة الساحرات" (وهي الحملة التي أطلقها جوزف مكارثي واستهدفت حينها الشيوعيين أساسا ومنهم آرثر ميلر ومارتن لوثر كينغ وألبرت أينشتاين وتشارلي تشابلن).

رابط الفيلم
الموقع الالكتروني لـ"موتان دي بانجيه"
موقع برنامج دانيال مرميه على قناة "فرانس إنتر"

 

للكاتب نفسه

الحراك الجزائري في زمن الحجر الصحي

عمر بن درة 2020-11-06

القطيعة بين النظام والجزء الأكبر من المجتمع الجزائري أصبحت ناجزةً بشكل لا يمكن إصلاحه، مع اقتحام ملايين المتظاهرات والمتظاهرين، بشكل فجائي وعلى نطاق واسع، الساحة السياسية التي كانت إلى حد...