اليونان عند مفترق طرق ليس ببعيد عنّا

لم يمض أكثر من شهر على انتخاب اليسار الاشتراكي في اليونان إلّا وكانت المواجهات تحتدم بين الحكومة اليونانية الشابة ودائني اليونان وعلى رأسهم الحكومة الألمانية. الموعد المحدد لتجديد برنامج إنقاذ اليونان من ديونها المتراكمة كان مقررا له أخر أيام شهر شباط/فبراير، هذه المواجهة كانت آتية لا محالة. والسّبب الظّاهر لهذه المواجهة هو أزمة الديون اليونانية أمّا السّبب الحقيقيّ فهو الاختلاف الأيديولوجي.
2015-03-14

محمود الخفيف

اقتصادي في الأمم المتحدة، من مصر


شارك
| en
نزار يحيى-العراق

لم يمض أكثر من شهر على انتخاب اليسار الاشتراكي في اليونان إلّا وكانت المواجهات تحتدم بين الحكومة اليونانية الشابة ودائني اليونان وعلى رأسهم الحكومة الألمانية. الموعد المحدد لتجديد برنامج إنقاذ اليونان من ديونها المتراكمة كان مقررا له أخر أيام شهر شباط/فبراير، هذه المواجهة كانت آتية لا محالة. والسّبب الظّاهر لهذه المواجهة هو أزمة الديون اليونانية أمّا السّبب الحقيقيّ فهو الاختلاف الأيديولوجي. فحزب سيريزا اليساري انتُخِب في شهر كانون الثاني/يناير الماضي بناء على هوية وبرنامج انتخابي اشتراكي وبناء على معارضته لسياسات التقشف وإفقار الفقراء والسياسات الليبرالية الجديدة التي طبقتها الحكومات السابقة، أما التوجه الإيديولوجي لدائني اليونان، وعلى رأسهم ألمانيا وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، فهو على النقيض تماماً، تستند على السياسات الليبرالية الجديدة التي تدعو إلى تقليص دور الدولة بما في ذلك في دعم وحماية الفقراء والخصخصة وإطلاق عنان السوق دون قيود بما في ذلك سوق العمل. ويرى الدائنون أن الابتعاد عن تلك السياسات هو الذي أدّى لتفاقم أزمة الديون اليونانية، ولذلك يجب على الحكومة اليونانية أن تلتزم بالسياسة التقشفية الصارمة إذا كانت ترغب في مواصلة تمويلهم لبرنامج الإنقاذ.

عض الأصابع المتبادل

ومباشرة بعد تشكيل الحكومة اليونانية، بدأ الطرفان إعلان نواياهما ونقطة بداية التفاوض لكل منهما. فعلى جانب الدائنين، كان الموقف صلباً وهو أنّ برنامج إنقاذ اليونان يمثل التزاما من قبل دولة وليس حكومة، وأنه على أي حكومة جديدة الالتزام بكل بنود وشروط البرنامج واتّباع السياسة التقشفية المتفق عليها. اما على الجانب اليوناني فلم يكن الموقف اقل صلابة، وان كانت اللغة اقل حدة من أجل فتح باب التفاوض، وقد أشار فاروفاكيس، وزير مالية اليونان الجديد، أن اليونان لا تخادع في تكتيكاتها التفاوضية وكتب: "كثيرا ما اُسأل:  ماذا إذا كانت الطريقة الوحيدة لتوفير التمويل هي تخطي الخطوط الحمراء التي وضعتها لنفسي وقبولي لسياسات وإجراءات أؤمن بأنها جزء من المشكلة وليست الحل؟ وإيماناً بمبدأ أنني ليس لي الحق في الخداع، فجوابي هو:  لن يتم تجاوز خطوطنا الحمراء، إلا إذا كانوا في الواقع ليسوا بخطوط حمراء بل مجرد خدعة".
وبغض النظر عن نقطة البداية، فالطرفان على علم تام بأن ما على المحك هو أمر جلل قد لا يتوقف فقط عند خروج اليونان من مجموعة اليورو بل قد يمتد أثره إلى انهيار اليورو نفسه ثم تفكك الاتحاد الاوروبي. ولذلك فكل طرف دخل المفاوضات بإرادة مسبقة لإيجاد حل يلتقي عنده مع الطرف الآخر، ولكن كلاهما يدفع الآخر على قبول أكبر قدر من التنازلات.
فبالنسبة للجانب اليوناني، الديون ثقيلة تزيد عن 170 في المئة مما تنتجه اليونان في عام كامل (أعلى نسبة في العالم)، واستخدام اليورو، وعدم وجود عملة وطنية تقلص بشدة من قدرة الحكومة على إدارة الاقتصاد والتعامل مع أزمة الديون، فلا يمكن طباعة نقود لزيادة الإنفاق الحكومي أو لسد جزء من الديون المحليّة، وكذلك لا يمكن تنشيط الاقتصاد وزيادة الحصيلة الضريبية عن طريق تخفيض سعر الفائدة التي تحفز الاستثمارات، أو تخفيض سعر الصّرف لزيادة الصادرات، وذلك لأنه لا يمكن التأثير على سعر فائدة أو سعر صرف عملة غير موجودة أصلا. وكذلك لا يمكن لليونان ان تتحكم بخروج رؤوس الاموال او تمنعها بدون اتفاق مع أعضاء منطقة اليورو. 
ومن جهة أخرى، انتُخِبَت تلك الحكومة من خلال برنامج اشتراكي لإنهاء التقشف وزيادة الانفاق على ما يحتاجه الفقراء. وعليه فاختيارات الحكومة اليونانية محدودة: إما اللجوء لحل راديكالي كالخروج من منطقة اليورو وهذا يتطلب دعماً شعبياً واسعاً قد يكون غير متوفر، أو أن تبيع اليونان عدداً من جزرها في البحر المتوسط لسد الديون كما اقترح بعض من مساعدي أنجيلا ميركيل المستشارة الألمانية عند بداية ظهور الأزمة في آذار/مارس 2010، وهذا يعني أن تتخلى اليونان عن جزء من أراضيها، أو أن تتراجع الحكومة اليونانية عن بعض وعودها لناخبيها وتطبق جزءاً من السياسة التقشفية والسياسات الليبرالية الجديدة رضوخاً لرغبة الدائنين، وهذا يعني بدايات التراجع الإيديولوجي.

الليبرالية الجديدة تدافع عن سطوتها

وبالنسبة لدائني اليونان، وأهمهم المانيا وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي، فالأمر يمثل تهديداً مباشراً للفلسفة الليبرالية الجديدة (غير المسيطر عليها من قبل الحكومات) وقدرتهم على مواصلة السيطرة على موارد العالم ومُقَدراتِه الاقتصادية، وتهديدا لاستمرار تبعية الدول النامية للغرب. ولذلك لا تتوقف مخاطر الدائنين عند عدم قدرة اليونان على السداد ومجرد فقدانهم لقيمة ديونها، بل قد تمتد المخاطر إلى دول أخرى في منطقة اليورو مثل إسبانيا والبرتغال وإيرلندا وقد تمتد إلى ما بعد ذلك لدول (بما يسمى) العالم الثالث. فإذا تساهل الدائنون مع اليونان قد يدفع ذلك شعوبا أخرى (الإسبان والبرتغاليون والإيرلنديون) لانتخاب حكومات اشتراكية. وإن لم يتساهلوا مع اليونان قد يدفعونها لإصدار عملة وطنية والخروج من اليورو، مما قد يحفز دول أخرى للقيام بالشيء نفسه. وهذا أيضاً يمثل هزيمة لليبرالية الجديدة وخسارة مستقبلية للدول الدائنة، لأنه في إطار العملة الموحدة (اليورو) والاتحاد الجمركي الأوروبي، فأن الفائض التجاري المتراكم لدول الفائض (المانيا) هو نتيجة صافي تصدير في اتجاه واحد من دول الفائض إلى دول العجز، أو هو نتيجة العجز التجاري المتراكم لدول العجز لصالح دول الفائض. وعليه فخيارات الدائنين هي أيضاً محدودة: إما أن يتركوا اليونان تخرج من منطقة اليورو وتَطبع عملتها الوطنية، أو أن يستمروا في تمويل برنامج إنقاذ اليونان مع قدر من التساهل دون أن يدفع ذلك دول أخرى لعدم الوفاء بالتزاماتها للدائنين.

شراء الوقت

ونظراً لخطورة الموقف، قرر الطرفان شراء مزيد من الوقت، ففي يوم الثلاثاء 24 شباط/فبراير، أي قبل أربعة أيام فقط من الموعد المحدد لتجديد برنامج إنقاذ اليونان، اتفق الطرفان على مواصلة تمويل ديون اليونان لمدة أربعة شهور أخرى على أن تطبق الحكومة اليونانية، طوعاً، حزمة من الإصلاحات المالية. ويبدو ذلك انتصاراً صغيراً للحكومة اليونانية، ولكن المواجهة لم تُحسَم بعد، وسيحاول كل طرف في الأربع شهور القادمة إعادة رسم استراتيجية التفاوض للتوصل إلى حل بأقل التنازلات. ولكن هل ستؤدى تنازلات حزب سيريزا اليساري إلى تحويله إلى حزب كبقية الاحزاب الاشتراكية الديموقراطية الاوروبية؟
حتى إذا أدت المفاوضات إلى حل ما، واستمرت اليونان في منطقة اليورو، فهل يعني هذا أن مشاكل منطقة اليورو وبقائه كعملة واحدة لأكثر من تسعة عشرة دولة قد انتهت؟ فاستدامة اليورو كعملة واحدة صعب للغاية في ظل سياسات ليبرالية جديدة تؤدي لاستقطاب بين الغنى والفقر فيما بين الدول (وأيضاً في داخل كل بلد)، وتؤدي لتزايد العجز التجاري للدول الفقيرة لصالح الدول الغنية وتراكم ديون الدول الفقيرة من الدول الغنية.

ونحن؟

ويبقى السؤال: هل العرب بمنأى عما يحدث في شمال المتوسط؟ قد تختلف البلدان العربية عن اليونان في أن لكل منها عملة وطنية، لكن تطبيق توصيات "توافق واشنطن" (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الامريكية)  تقلل بشدة، بل في بعض الأحيان تحيد، من فاعلية العملة الوطنية كأداة أساسية من أدوات السياسة الاقتصادية. ولكن من جهة أخرى، فكل الدول العربية، مثل حكومات اليونان السابقة، تطبق توصيات توافق واشنطن وتتبع سياسات ليبرالية جديدة لتقليص دور الدولة، وخصخصة الممتلكات العامة، وإطلاق عنان السوق ليتحكم بدون ضوابط حكومية في حياة البشر. وكذلك تئن كثير من الشعوب العربية من عبء الديون الحكومية التي عادةً لا تنفق على الفقراء. فمثلاً على لبنان ان يسخر كل ما ينتجه في عام ونصف (ثمانية عشر شهر) لتغطية الديون الحكومية المتراكمة. وعلى كل من مصر والسودان توفير إنتاج سنة كاملة تقريباً لدفع ديون الحكومة. أما في حالة تونس فسداد الديون الحكومية يحتاج في حدود قيمة إنتاج البلد في نصف عام. والأهم من ذلك كله إن في كل الدول العربية، كما الحال في اليونان، هناك استقطاب شديد بين الغنى والفقر، أحد أهم أسباب الثورات الشعبية التي يعيشها العالم العربي منذ نهايات عام 2010. وعليه فكل أوجه الشبه هذه يجب ان تدفع العرب للتفكير جدياً في جدوى السياسات الليبرالية التي يطبقونها، وفي ضرورة تبني سياسات تحقق التنمية والعدالة الاجتماعية والنمو، والصلابة في التفاوض وعدم الاستسلام للدائنين وكسر التبعية للغرب.

هذا المقال يعكس رؤية الكاتب وليس بالضرورة رؤية المنظمة التي يعمل بها.

مقالات من العالم العربي

يوم عمل أول مع شاعر صدام حسين

ميزر كمال 2021-07-29

قال لي: هذا لؤي حقي، مدير المسرح الوطني في أيام صدام حسين، وشاعر الرئيس المدلل، وصاحب مقولة: "إذا قال صدام قال العراق" التي كُتبت على مدخل المسرح الوطني، أو شيء...