تونس: الثورة تنقسم على نفسها

كان 17 كانون الأول/ ديسمبر هو لحظة تكثيف معارضة التونسيين لتوصيات مؤسسات التمويل العالمية التي كانت تونس أحد "تلامذتها النجباء"، والتي أفرزت شروخاً اجتماعية، وجيوشاً من العاطلين عن العمل، ولا مساواة تنموية بين المناطق. وقد دفعت حكومات ما بعد الثورة بهذه السياسات نحو مداها الأقصى، باللجوء إلى صندوق النقد الدولي الذي دافع خبراؤه عن مزيد من تبني سياسات التقشف...
2022-01-13

فؤاد غربالي

باحث في علم الاجتماع، من تونس


شارك
غرافيتي، شوارع مدينة سيدي بوزيد - تونس. مصدر الصورة: أسوشيتد برس

لن يحتفل التونسيون هذه المرة "بالثورة" في التاريخ ذاته الذي تعودوا عليه منذ إحدى عشرة سنة، وهو الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير. فالتاريخ الجديد للاحتفال بالثورة صار في السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر، عند اندلاع شرارتها الأولى، أي يوم أحرق محمد البوعزيزي، بائعُ الخضار المتجول، نفسه أمام مقر محافظة سيدي بوزيد احتجاجاً على المعاملة السيئة له من الشرطة التي أرادت منعه من عرض بضاعته. رئيس الجمهورية قيس سعيّد اعتبره التاريخ الحقيقي للثورة، في حين اعتبر أن 14 كانون الثاني/ يناير - يوم هروب بن علي - هو تاريخ تآمر الأحزاب والنخب السياسية على الشعب وعلى الثورة، وبداية إجهاضها بغاية معاقبة من قاموا بها.

أثار التاريخ الجديد سخط معارضي الرئيس الذين رأوا فيه تعبيراً عن ''المسار الانقلابي" الذي قام به، إذ استولى على المناسبة وأعاد تعريفها على نحو مُغرق في الشعوبية.

يعمل قيس سعيّد على الإعلاء من القيمة السياسية "للشعب" ضد النخب والطبقة السياسية التي هيمنت خلال العقد الفائت. ولكنه بالتوازي يحاول أن يقيم تمايزاً بين ''النخب الشريفة" و"النخب الفاسدة" التي نكّلت بالشعب. لا يظهر الشعب من وجهة نظر قيس سعيّد كمعطًى سوسيولوجي وتاريخي، بل أساساً كمتخيَّل، وكـ''دالٍ فارغ"، الغاية منه، بالنسبة له، هي تعبئة أكثر ما يمكن من ''مقهورين" و"مسحوقين" تضرروا من الخيارات الاقتصادية والسياسية، تعبئتهم ضد هؤلاء الذين تمكنوا من النفوذ السياسي والاقتصادي. وهو يصنع بهذا استقطاباً جديداً يختلف عن سابقيه من الاستقطابات التي عرفتها البلاد، حيث لا سمة أيديولوجية له سوى المعارضة، بعيداً عن كل التسويات السياسية المحتملة، بين طبقة سياسية مصنفة بوصفها فاسدةً، وشعب متخيَّل يُنظر إليه بوصفه كلّاً اجتماعياً وعضوياً وأصيلاً، ويمثل الأغلبية.

اعتبر رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، التاريخ الحقيقي للثورة هو 17 كانون الأول/ ديسمبر، عند اندلاع شرارتها الأولى، وأن 14 كانون الثاني/ يناير - يوم هروب بن علي - هو تاريخ تآمر الأحزاب والنخب السياسية على الشعب وعلى الثورة، وبداية إجهاضها بغاية معاقبة من قاموا بها.

يحاول قيس سعيّد تبرير هذا الاستقطاب استناداً إلى المسألة الاجتماعية، التي فشلت حكومات ما بعد الثورة في الإجابة على رهاناتها المتمثلة في التشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد. بالنسبة له، فعقد الثورة هو عقد الفساد وتصاعد نفوذ أصحاب المصالح، من المحتكرين والمهربين المتحالفين مع "نواب البرلمان" والمتخفّين خلفهم. لكن، مقابل ذلك هو لا يقدم استراتيجية وتصوراً واضحين للحلول الممكنة للتعاطي مع تعقيدات الوضع الاقتصادي، ومطالب من سقطوا من حسابات "الثورة"، أي المهمشين ذاتهم الذين أراد أن يُمكّنهم من فرصة استعادة ذاكرة الشرارات الأولى للثورة، عبر جعل 17 كانون الأول/ ديسمبر عيداً لها.

"17 ديسمبر": الشعب الحدث

لا يبدو الإقرار الرسمي بـ 17 كانون الأول/ ديسمبر كعيد رسمي للثورة التونسية مجرد اعتراف من قبل الدولة التونسية بكل هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل المطالبة بالعدالة والحرية، بل يتعلق الأمر أيضاً بسياقات ''اللحظة الشعبوية" التي تعيشها تونس، لحظة تتكثف من خلالها الحدود السياسية بين من هم ''في القاع" وبين ''من هم في السلطة''. هذه الحدود ليست سوى أحد تعبيرات احتكار الديمقراطية من قبل مجموعات النفوذ المالي والسياسي، من خلال تحويلها إلى مجرد ''مصعد اجتماعي'' للترقّي الاقتصادي على نحو أضعفَ المؤسسات التمثيلية للديمقراطية، البرلمان والأحزاب أساساً، وحوّلها إلى أجهزة تعمل على إدامة ''الوضع القائم"، واستبعاد فئات واسعة من الأفراد الذين عليهم أن يواجهوا لوحدهم "محن الحياة"، وأن يتدبروا أمرهم في كل ما يتعلق بِمتطلباتها من شغل وصحة ونقل وسكن إلخ..

على هذا النحو تبدو حالياً ''شعبوية قيس سعيّد" مركز اللعبة ومحدِّد قواعدها. بالمقابل يكتفي معارضوه بردود فعل أقرب إلى بيانات الحركات الحقوقية والاحتجاجية، الأمر الذي يعني أن البحث عن التوافقات دون أي برنامج وتصور سياسي، هو السمة المشتركة لدى معظم القوى السياسية في تونس، حيث لا رهانات ولا بدائل سوى المشاركة في السلطة بأي ثمن. وهذا ما وسمَ "عقد الثورة"، على نحو جعل كل العملية السياسية مبنيةً على توافقات هشّة بين فاعلين سياسيين مجبرين على ذلك بفعل إكراهات ''نظام التمثيل النسبي''، ومقتضيات مجموعات نفوذ المصالح. بدا نموذج التوافق الذي دافع عنه الإسلاميون بضراوة بمثابة طريقة لاحتكار الديمقراطية في ''النوادي المغلقة''. لكن الأهم من هذا أن السياسة قد أُفرغت من بعدها النزاعي والصراعي والبرنامجي على نحو يتلاءم مع '' السردية النيوليبرالية" التي تدفع إليها القوى العالمية المهيمنة.

عملت القوى السياسية التقليدية في تونس من يساريين (بمختلف تشكيلاتهم) وإسلاميين إلى الحؤول دون تعبير ''حشود المستضعفين'' عن نفسها سياسياً، بل فشلت تلك النخب في تحويلها إلى قوة سياسية تنتقل بتونس من حالة ''الشعب الحدث" إلى حالة "الشعب الديمقراطي". وهنا تحديداً يكمن عطبُ الديمقراطية التونسية وهشاشتها. 

تظهر "شعبوية قيس سعيّد" على تخوم تهاوي نموذج التوافق، وآثار الخيارات الاقتصادية التي عصفت بآمال الطبقات الفقيرة، وجزء كبير من الطبقة المتوسطة، في كل ما يتعلق بتغيير أوضاعها الاقتصادية. لا نستعمل هنا مفهوم الشعبوية بالمعنى ''التحقيري'' السائد في وسائل الإعلام، ولكن ''كاستراتيجية خطابية تقيم حدوداً سياسية بين معسكرين. معسكر من ''هم تحت" وبين من "هم في السلطة''. بهذا المعنى لا تظهر شعبوية قيس سعيّد كنوع من الأيديولوجيا، ولا تحمل أي مضمون برنامجي خاص، ولا يمكن اعتبارها أيضاً نظاماً سياسياً. فكل ما في الأمر أننا إزاء ''لحظة شعبوية'' بصدد التشكل ضمن مناخات متأزمة، حيث فقد جزء كبير من التونسيين ثقتهم في المنظومات الحزبية، والنخب السياسية والإعلامية، وفي الوعد الديمقراطي عموماً. لكنها أيضاً شعبويةٌ تشكلت تحت ضغط تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية أربكت '' الديمقراطية التمثيلية'' نتيجة مطالب عدة لم تلبَّ. بالمقابل لا تبدو ''شعبوية قيس سعيّد'' إعادة ترتيب للنزاع السياسي على قاعدة تعارض بين اليمين واليسار، بل على قاعدة جديدة تعارض أساساً بين ''الـ نحن" و"الـ هم"، وذلك خارج التحديدات التي تأخذ بالاعتبار "الصراع الطبقي". 

تعير شعبوية قيس سعيّد اهتماماً للمسافة بين "الحشود". حشود "الـ نحن"، أي كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مهمشين ومستبعدين من كل النطاقات، وحشود '' الـ هم" أي هؤلاء المنخرطين كلياً في نطاقات السياسة والاقتصاد. ويتم التعبير عن هذه المسافة وفق عبارات يغلب عليها الطابع القيمي والأخلاقي، حيث مقولات ''التحقير" و"الإقصاء" و"العنصرية" و"المساواة" و"غياب العدالة"، علاوةً على كل "الأهواء الحزينة" (وفق عبارة سبينوزا)، حيث الغضب والحنق والخوف من المستقبل.

لا تريد "حشود الـ نحن" التي تشكل جزءاً كبيراً منها القاعدةُ الانتخابية لقيس سعيّد أن "يسقط النظام"، بل أن يكون لها نصيب من "ريع النظام". تأكد هذا الأمر حين قام الرئيس بتعيين محافظ لمدينة بنزرت من أبناء إحدى القرى الصغيرة التابعة لمحافظة سيدي بوزيد (الفقيرة والثائرة)، حيث كان النقاش السائد متمحوراً حول كون ''أبناء الشعب" (أي أبناء الطبقات المسحوقة) من حقهم أيضاً أن يتولوا المناصب العليا، في حين سخر الآخرون من بشرته السمراء، وأنه لا يمكن لشخص آت من القرى أن يتولى منصب محافظ لولاية " مترفة" مثل بنزرت [1]. هنا تحديداً يبرز "الشعب الحدث" الذي انتفض يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر للمطالبة بالمساواة والعدالة، وهو الشعب الذي يريد قيس سعيّد أن يخوض من خلاله وعبره معاركه من أجل "بناء عالم سياسي جديد'' لا تزال ملامحه تتسم بالغموض.

الذوات الداكنة: قاعدة الشعبوية

تحاول "شعبوية قيس سعيّد" أن تستثمر في "محن الحياة" وفي ''نظام العواطف" وأن تذهب بعيداً في ذلك حتى لو تعلق الأمر بإعادة ترميز سياسي للحدث وإعادة تعريفه. على هذا الأساس تحديداً لا يظهر ''17 ديسمبر" فقط كمجرد عيد للثورة واعتراف بمحن و''معاناة الشعب"، ضد من نكّلوا به وفق ما يذهب إليه قيس سعيّد دائماً، ولكن أيضاً "كتعبئة سياسية" لكل الذين يتمثلون أنفسهم بوصفهم ''ذوات داكنة'' [2]، أي كل من يستشعرون وضعهم عبر سلسلة من الأزمات، وفك الالتزام، والضياع، والفشل المتكرر، وتآكل شبكات الأمان والتضامنات التقليدية، بدءاً بتهاوي المدرسة وعالم العمل الذي صار موسوماً بالهشاشة وعدم الثبات وانعدام الأمان الاجتماعي، علاوة على تخلي الدولة عن كل التزاماتها المتعلقة بالصحة، والتشغيل، وتحقيق رفاه الأفراد.

 تعيش فئات كثيرة في تونس، غالبيتها من الشباب، تحت وطأة اللايقين والخوف الدائم من المستقبل. تشير آخر الدراسات التي أجراها "المعهد الوطني للإحصاء" أن 20 في المئة من التونسيين يفكرون في الهجرة نتيجة الوضع الاقتصادي والسياسي المتأزم، وتبين دراسات أخرى أن 36 في المئة من التونسيين يعملون في قطاعات العمل غير المنتظم. تبلغ هذه النسبة حوالي 52 في المئة لدى الشباب، كما تشير أرقام البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر قد ارتفعت إجمالاً إلى 21 في المئة، وترتفع إلى 30 في المئة خارج الوسط الحضري. ويعيش أكثر من مليونين وخمسمئة ألف تونسي ( من أصل 11 مليوناً هو مجموع السكان) تحت عتبة الفقر، وهي نسبة عمقتها تبعات جائحة كورونا. وبينت بعض معطيات وزارة التربية أن أكثر من مليون تلميذ انقطعوا عن الدراسة مبكراً خلال العقد الأخير، دون أي أفق للتكوين أو الاندماج المهني. تؤكد هذه الأرقام حدود الخيارات الاقتصادية التي تبنتها حكومات ما بعد الثورة، والتي اعتمدت التقشف والتعاطي مع المسألة الاجتماعية وفق آلية '' إدارة البؤس الاجتماعي" والاستثمار السياسي في الزمن بغية ''التصرف في الغضب الاجتماعي"، وتأجيله لأهداف تتعلق بالبراغماتية الانتخابية.

لا يظهر الشعب من وجهة نظر قيس سعيّد، كمعطًى سوسيولوجي وتاريخي، بل أساساً كمتخيَّل، وكـ''دالٍ فارغ"، الغاية منه هي تعبئة أكثر ما يمكن من ''مقهورين" و"مسحوقين" تضرروا من الخيارات الاقتصادية والسياسية، ضد هؤلاء الذين تمكنوا من النفوذ السياسي والاقتصادي. ولكنه لا يقدم استراتيجية وتصوراً واضحين للحلول الممكنة للتعاطي مع تعقيدات الوضع الاقتصادي، ومطالب من سقطوا من حسابات "الثورة".

المراهنة على الاستفتاء من أجل تغيير النظام السياسي الحالي، والاتجاه نحو ديمقراطية قاعدية يكون فيها الاقتراع على الأشخاص بدل القوائم، هي ''مغامرة سياسية" تفتح إمكانات تشكل موازين قوًى على أسس قبلية وجهوية تضرب فكرة المواطَنة والمدنية، لصالح أصحاب النفوذ المالي. ''فالحشود المستضعفة" لا تصوّت بالضرورة ضد "الأشرار" في بنية قوامها الريع واقتصاد التهريب (يمثل 52 في المئة من مبادلاتها).

بالمقابل لا يتعلق الأمر هنا فقط بما تقوله الإحصائيات، بل أساساً بتأويلات وتمثلات الفئات الأكثر تضرراً من الخيارات الاقتصادية والسياسية والتي تنطلق أساساً من التجارب المعيشة، وهي تجارب تناقض الفهم الكلي والشمولي الذي تتبناه "النخب المهيمنة"، حيث البنية الذهنية التكنوقراطية تقيم حداً فاصلاً بين الفقر كحالة إحصائية، والفقر كتجربة معيشة. تغذي هذه الفجوة ''الذوات الداكنة'' والأهواء الحزينة والشعور بغياب الاعتراف الذي غالباً ما يؤول كاحتقار تمارسه السلطة ضد ''حشود المستضعفين'' وهي حشود عملت القوى السياسية التقليدية في تونس من يساريين (بمختلف تشكيلاتهم) وإسلاميين إلى الحؤول دونها ودون التعبير عن نفسها سياسياً، بل فشلت تلك النخب في تحويلها إلى قوة سياسية تنتقل بتونس من حالة ''الشعب الحدث" إلى حالة " الشعب الديمقراطي" وهنا تحديداً يكمن عطبُ الديمقراطية التونسية وهشاشتها.

سياسة الحشود

يظهر قيس سعيّد من ناحية ''الشكلانية السياسية" مختلفاً عن النخب التقليدية في ما يتعلق ببنية الخطاب السياسي وأدواته التعبيرية، الذي يجنح إلى بناء مجتمع متخيّل، أساسه "الوطنيون الصادقون" (كثيراً ما يكرر قيس سعيّد هذه العبارة في خطاباته)، ضد مجتمع حقيقي قوامه النزاعات والصراعات وهيمنة الفاسدين، وهو مجتمع يجب أن يُحشد ضده ''الشعب الحدث'' الذي يحيل إلى كل الذوات الداكنة وحشود المستضعفين (البروليتاريا الرثة بلغة كارل ماركس). وهنا تحديداً يعتمد قيس سعيّد على سياسة الحشود التي تقع في قلب الشعبوية كسلوك سياسي، وهو أمر برز من خلال حملته الانتخابية التي اعتمد فيها على سياسة '' التحشيد الإلكتروني"، حيث عرفت مواقع التواصل الاجتماعي انتشاراً كبيراً لمجموعات إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي داعمة لانتخابه، علاوةً على التعويل خلال الحملة ذاتها على ''أناس عاديين'' غير منتظمين حزبياً ونقابياً، ينتمي جلّهم إلى 'الفئات المتضررة من سياسات اللبرلة الاقتصادية. بالمقابل استفادت "شعبوية قيس سعيّد" من دينامية تهاوي المؤسسات، وهي دينامية مسّت كل الأطر التقليدية للتنشئة الاجتماعية والسياسية، من أحزاب ونقابات ومدرسة وعائلة، التي لم تعد قادرةً في مجملها على منح المعنى للأفراد، وتقديم ضمانات سياسية واقتصادية ذات مصداقية كافية، وهو ما دفع إلى خلق ''فراغات اجتماعية'' متعددة كان من بين إفرازاتها فردانيات معطوبة (أغلبها فئات شبابية حضرية) سرّعت وتيرتها وسائل التواصل الاجتماعي وقيم المجتمع الاستهلاكي، وهي فردانية تكابد من ''أجل انتزاع الاعتراف'' دون أن تحوز عليه فعلياً نظراً لغياب الدعائم القانونية والاقتصادية في الآن ذاته. تظهر ''شعبوية قيس سعيّد'' كنتاج لهذه الدينامية، لكنه بالمقابل لم يتم التعاطي مع الديناميات الاجتماعية من منطلق سياسي يهدف إلى إعادة بناء الديمقراطية وتعريفها وفق قيم جديدة، بل من منطلق تحشيدي يتمثل المجتمع كمجموعات متجانسة، وهي الاستراتيجية ذاتها التي كان يتبناها الإسلاميون، ولكن على قاعدة دينية. لا تقطع '' شعبوية قيس سعيّد'' مع النخب التي تنتقدها، بل تنخرط ضمن ''مزايدة محاكاتية" تستولي على الممارسات السياسية ذاتها، وتقوم بإعادة تعريفها ضمن منظومة خطابية ولغوية جديدة.

بدا نموذج التوافق الذي دافع عنه الإسلاميون بضراوة بمثابة طريقة لاحتكار الديمقراطية في ''النوادي المغلقة''. افرغت السياسة من بعدها النزاعي والصراعي والبرنامجي على نحو يتلاءم مع '' السردية النيوليبرالية". وتظهر "شعبوية قيس سعيّد" على تخوم تهاوي نموذج التوافق، وآثار الخيارات الاقتصادية التي عصفت بآمال الطبقات الفقيرة وجزء كبير من الطبقة المتوسطة، في كل ما يتعلق بتغيير أوضاعها الاقتصادية.

بالمقابل لا يمكن أن نفصل سياسة التحشيد التي يتوخاها قيس سعيّد عن تصوره لمفهوم الديمقراطية ذاته حيث يراهن على '' الاستفتاء" كآلية ديمقراطية من ضمن الآليات التي تحتل مكانةً مميزة في قلب الخطاب الشعبوي المعاصر، والتي تهدف إلى إعادة السحر إلى الديمقراطية، لكن من منظور يقوّض مؤسسات الديمقراطية التمثيلية بصيغها التقليدية، وهو أمر يتوافق مع سياسة التحشيد التي تعمل على إزالة كل الوساطات الحزبية المحتملة بين الناخبين والنطاق العام، على نحو يحوّل الناخبين إلى مجرد'' حشد سياسي" يناقض منطق الحركات السياسية. 

في الآن ذاته، يراهن قيس سعيّد على الاستفتاء من أجل تغيير النظام السياسي الحالي، والاتجاه نحو ديمقراطية قاعدية يكون فيها الاقتراع على الأشخاص بدل القوائم (وهو تصور قديم له). يبدو هذا الخيار من وجهة نظر العلوم السياسية والقانونية ممكناً، إلا أنه يبدو من ناحية التركيبة السوسيولوجية للمجتمع التونسي بمثابة ''المغامرة السياسية" التي تفتح إمكانات تشكل موازين قوًى على أسس قبلية وجهوية تضرب في العمق فكرة المواطَنة والمدنية، علاوةً على المساحة التي تتيحها لأصحاب النفوذ المالي. ''فالحشود المستضعفة" لا تصوّت بالضرورة "للطهريين" ضد "الأشرار"، خاصةً ضمن بنية اقتصادية قوامها الريع، واقتصاد التهريب الذي يشكل أكثر من 52 في المئة من مبادلاتها.

في مختبر صندوق النقد الدولي

كان 17 كانون الأول/ ديسمبر هو لحظة تكثيف معارضة التونسيين لسياسات هي في الأصل نتيجة توصيات مؤسسات التمويل العالمية التي كانت تونس أحد "تلامذتها النجباء". تلك التوصيات أفرزت شروخاً اجتماعية، وجيوشاً من العاطلين عن العمل، ولا مساواة تنموية بين المناطق، كان من نتائجها ''الشعب الحدث" الذي انتفض ضدها. لم يقع القطع مع تلك السياسات، بل دفعت بها حكومات ما بعد الثورة نحو مداها الأقصى، من خلال اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الذي دافع خبراؤه عن مزيد من تبني سياسات التقشف، وإيقاف الانتداب في الوظيفة العمومية، والرفع التدريجي للدعم الحكومي عن الطاقة والمواد الأساسية، علاوةً على الدفع نحو إعادة هيكلة المؤسسات العمومية تمهيداً للتخلص منها. وهو أمر استجابت له نسبياً حكومات ما بعد الثورة التي طرحت برنامجاً إصلاحياً لا يزال التفاوض حوله مع صندوق النقد جارياً. 

تعير شعبوية قيس سعيّد اهتماماً للمسافة بين "الحشود"، حشود "الـ نحن"، أي كل هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مهمشين ومستبعدين من كل النطاقات، وحشود ''الـ هم" أي هؤلاء المنخرطين كلياً في نطاقات السياسة والاقتصاد. إلا أن "حشود الـ نحن" التي تشكل جزءاً كبيراً منها القاعدةُ الانتخابية لقيس سعيّد، لا تريد "اسقاط النظام"، بل أن يكون لها نصيب من ريعه.

يعمل حوالي 52 في المئة من الشباب في قطاعات العمل غير المنتظم. وهناك رسمياً أكثر من مليون تلميذ انقطعوا عن الدراسة مبكراً خلال العقد الأخير، دون أي أفق للتكوين أو الاندماج المهني. تؤكد هذه الأرقام حدود الخيارات الاقتصادية التي تبنتها حكومات ما بعد الثورة، والتي اعتمدت التقشف والتعاطي مع المسألة الاجتماعية وفق آلية ''إدارة" البؤس الاجتماعي.  

حاول قيس سعيّد تجاهل هذا الأمر وتجنب طرحه للنقاش، لكن التصنيفات المتردية لتونس من قبل وكالات التصنيف العالمي، وضغط مؤسسات التمويل الدولية بيّن أن المسألة الاقتصادية لا يمكن تجاهلها، وأن تونس لا يمكنها أن تتنصل من التزاماتها مع مؤسسات التمويل الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، الذي لا يزال متمسكاً بشروطه القاسية الدافعة نحو مزيد من الخصخصة وتخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية. ويضع هذا قيس سعيّد في قلب ''إحراج اجتماعي" مفاده أن الفئات التي تعوّل عليه لتتغير أوضاعها لن تصمت طويلاً أمام مزيد من تردي الوضع الاقتصادي. بالمقابل لا تطرح حكومة "نجلاء بدون" التي عينها رئيس الجمهورية، أي خطة أو سياسة اقتصادية واضحة، بل على العكس من ذلك تتوافق بعض القرارات الحكومية مع طلبات صندوق النقد الدولي، ولعل من بينها محاولة تأطير الحوار الاجتماعي مع الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث وجه منشور إلى الوزراء بمنع التفاوض مع النقابات قبل الحصول على إذن حكومي، هذا إضافةً إلى زيادة بعض الضرائب التي تتسبب بمزيد من غلاء الأسعار، مثلما ظهر في قانون المالية الجديد. لم يجد قيس سعيّد من حل أمام هذا الوضع، سوى بتحميل المسؤولية للحكومات السابقة، وهي الاستراتيجية ذاتها التي كانت تعتمدها الأحزاب التي شاركت في الحكم خلال العقد المنصرم. وهنا يظهر أنه لا أفق لتغيير النموذج الاقتصادي المهيمن أو حتى تعديله، بل تبيِّن كل المؤشرات أن "القطيعة" قد تكون في شكل النظام السياسي، لكنه من المبكر القول إنها تتجه لتغيير المنظومة الاقتصادية.  

______________

1 - وهي مركز اقتصادي هام يستند على الصناعة والخدمات والتجارة والزراعة، وعلى النشاط السياحي. وتتركز فيها شبكة تصنيع متطورة ومتنوعة، نسبة كبيرة منها، موجهة للتصدير. 
2 - وفق عبارة دانيلو مارتوشيلي (Danilo Martuccelli) أستاذ علم الاجتماع في فرنسا، وأحد أبرز منظري "العالَم الاجتماعي الجديد". 

مقالات من تونس

تونس: إلى أين؟

يفرض الرئيس سلطة الأمر الواقع عبر تأويل متعسف للفصل 80 من الدستور التونسي، مكّنه من جمع السلطتين التنفيذية والتشريعية. ويبدو أنه أصبح يستسهل إزالة العقبات المؤسساتية والقانونية التي تعترض طريقه،...

للكاتب نفسه

تونس: مثقفون هاربون من السياسة

لم تكن النخب الثقافية في تونس تتوقع أن يحدث تغيير جذري يطيح بالنظام، بل أن يُحْدِث النظام إصلاحات سياسية تتعلق بحرية التعبير والتعددية السياسية. تهاوي النظام كان الصفعة القاسية لغالبيتها،...