نساء العراق يقاومن العسف في بلدٍ منكوب

تحكم العراق اليوم ثلاثية الدين/الطائفة، العشيرة، والسلاح، وهي ثلاثية تعلن بلا مواربة أنها صنيعة الذكور ويعود أمرها إليهم.
2022-01-08

ديمة ياسين

كاتبة صحافية، من العراق


شارك
| en
نور بهجت - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

"إنتِ منْ يا عمام؟" (أنتِ من أيّ عشيرة؟). فاجأني ذلك الفتى البسيط بسؤاله بعد أن تبادلنا حديثاً قصيراً في ساحة الاعتصام في بغداد في خضم "حراك تشرين". أجبت بالنفي فوراً دون أن أتوقف لاستيعاب السؤال، فجاء رد "ما أدري!"، كأنه كان منتظراً في عقلي الباطن، رافضاً حتى فكرة الأعمام/ العشيرة التي كان يشير إليها. وكانت تلك نهاية الحديث. عندما أخبرت أحد الأقرباء في العراق عن قصة الفتى، رأيتُ الحيرة نفسها على وجهه، مصاحبة باستنكار بأنه كان عليَّ أن أجيب باسم العشيرة الفلانية التي يقول قريبي إن عائلة أبي تنتمي لها، فاخترت أنا الصمت هذه المرة. فأنا من الرافضين لفكرة الانتماء إلى عشيرة، خصوصاً عندما يأتي السؤال عنها ونحن في ساحة اعتصام وثورة من المفترض أنها قامت ضد كل أنواع السلطات التي أودت بالبلاد إلى الخراب، ومن ضمنها سلطة العشائر.

إيقاظ السلطات النائمة

حدث في مطلع التسعينيات الفائتة، اهتمامٌ مفاجئ بالعشيرة وأصولها. فقد كان الاسم الثلاثي والرباعي هو المسجل في الأوراق الرسمية، وهو المتداول في العراق، وكانت العائلة الممتدة هي من نعرفهم من أقارب الأم والأب. وأقرت قوانين الجنسية وقانون الأحوال المدنية العراقي لعقود طويلة بكفاية الاسم الثلاثي للتعريف في الأوراق الرسمية، وبعدم ضرورة تسجيل اسم العشيرة. ولم يكن السؤال عن العشيرة واسمها اعتيادياً بين الناس، خصوصاً في المدن.

اختلف الأمر خلال تسعينيات القرن الماضي، تحديداً بعد انتفاضة 1991 في مدن الوسط والجنوب خصوصاً [1]. وفي سعي النظام السابق لإعادة السيطرة على زمام الأمور، خصوصاً بعد أن تزايد السخط الشعبي ضد أفعاله، وضد الجرائم البشعة التي ارتكبها بحق المنتفضين ضده، أطلق حملةً ارتكزت على جانبين: أولهما التقرب من العشائر، خاصةً في المحافظات المنتفضة، وغض النظر عن احتكامها للعرف العشائري بدل القانون المدني، وثانيهما فتح المجال للخطاب الديني ورجال الدين، ضمن ما سمي وقتها "بالحملة الإيمانية"، ليتمكن هؤلاء بأفكارهم من تخدير الغضب الشعبي على الأوضاع، وعلى الفقر المتزايد. أصبح الرئيس السابق يُطلق على نفسه "صدام حسين التكريتي"، متخذاً لنفسه اسماً عشائرياً، وأدار حملةً واسعة لإثبات أن نسبه يعود إلى "آل البيت" والإمام علي بن أبي طالب تحديداً. كانت تلك هي بداية إطلاق يد العشائر وشيوخ الدين فوق يد المدنية وقوانينها التي حكمت العراق منذ بدء الجمهورية، بل وربما منذ تأسيس العراق الحديث قبل مئة عام، في 1921. ازداد الأمر سوءاً مع تردي الأوضاع الاقتصادية، ومن ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي "ابتكر" ما عرف بـ"ديمقراطية المكونات" وأقر هذه المحاصصة في الدستور، ما فتح باب الفوضى على مصراعيه، وأدى إلى إجهاض كل مؤسسات الدولة المدنية ومنظومات تنفيذ القوانين، فأصبح الناس يحتكمون في أمورهم، ويجدون الحماية في العشائر، ورجال الدين في ظل غياب القانون وانفلات السلاح.

الحصار الاقتصادي

"أيام القادسية (الحرب العراقية -الإيرانية) وأم المعارك (حرب الخليج الأولى)، رجالنا كانوا بالجبهة وإحنا حمينا بيوتنا". بهذه الجملة لخصت امرأةٌ ريفية من أهوار العراق [2]حال المرأة العراقية لعقود، في تقرير أعدته القناة الرسمية العراقية في زمن الحصار، ظهرت فيه تلك المرأة تحمل في "مشحوفها" (وهو قارب رفيع يسمح بالتنقل بين البرْدي والقصب في الأهوار) طفلها الصغير، وسمكةً قامت باصطيادها بنفسها من الهور.

لا يمكننا الحديث عن وضع المرأة العراقية دون العودة إلى نقطة مهمة في تاريخ العراق الحديث، يمكن تحديدها فعلياً ببدء الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن العشرين. لم يتسبب الحصار بالقضاء فحسب على الطبقة الوسطى، وفي تدهور الأوضاع الاقتصادية لعامة الشعب داخل العراق، بل تسبب أيضاً بانهيار مستوى التعليم والصحة والوضع الاجتماعي العام.

خلال الحصار، كانت النساء تربين أطفالهنَّ، وتجدن طرقاً لإدامة الحياة، وقد تعلمن صنع بدائل لكل شيء، أي للاحتياجات الأساسية التي شحّت وقتها، أو اختفت تماماً. وبرزت أثناء ذلك ظاهرة "الاقتصاد التبادلي" وراحت تتنظم، حيث كانت النساء، بالدرجة الأولى، داخل أحياء المدن وفي الأرياف، يتبادلن الممتلكات والخدمات بحسب المتوفر لكل واحدة منهنَّ. 

كانت تلك فترةً بالغة القسوة – كما يتكرر كثيراً في هذا البلد المصطخب - ولكنها حملت الكثير من الآمال للنساء، بعد الأدوار التي قمن بها، وبعد إثباتهنَّ لجدارة فائقة في ظل ظروف كارثية. وهذا الوعد والأمل وإثبات المقدرة كان بالمقابل، وبالمقدار نفسه، مرعباً للمنظومة الذكورية القوية المستندة إلى الدين والعشيرة... والعراق كما هو معروف بلد التناقضات القصوى. وقد أدت الأحداث التي مرت ببلاد الرافدين، وعاشتها على امتداد نصف القرن الماضي إلى اختلالِ في علاقة تلك التناقضات بين بعضها البعض لصالح تلك المنظومة... ولعله اختلال مؤقت.

لا يمكننا هنا الحديث عن وضع المرأة العراقية دون العودة إلى نقطة مهمة في تاريخ العراق الحديث، يمكن تحديدها فعلياً ببدء الحصار الاقتصادي على العراق في تسعينيات القرن العشرين. لم يتسبب الحصار بالقضاء فحسب على الطبقة الوسطى، وفي تدهور الأوضاع الاقتصادية لعامة الشعب داخل العراق، بل تسبب أيضاً بانهيار مستوى التعليم والصحة والوضع الاجتماعي العام. فقد سدّت النساء، كما قالت تلك المرأة الريفية، فراغ الأيدي العاملة، وقمن بإدامة عجلة الإنتاج، وأصبحن الكتلة العاملة الأكبر في المصانع والمزارع والمستشفيات والدوائر الحكومية، عندما كان الرجال على الجبهات يقاتلون في حرب طاحنة مع إيران دامت لثماني سنوات. وكان العراق قبلها قد وصل إلى صفر أمية! وكان نظامه الصحي متقدماً. وكانت نسبة النساء العاملات هي الأعلى وقتها في المنطقة (23 في المئة) ولكنها انخفضت بشكل كارثي خلال سني الحصار إلى نسبة لا تتعدى 10 في المئة من سوق العمل، بسبب إلغاء البرامج الحكومية التي توفّر النقل العام لمراكز العمل، وبرامج العناية بالأطفال للأمهات العاملات، وغيرها.

 وبسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، آثرت الكثير من العوائل أن تهجر بناتهنَّ مقاعد الدراسة، أو ألا يتم إلحاقهن بها من الأساس. فارتفعت الأمية بين النساء بشكل كبير، خاصةً في المناطق الريفية. وفي الوقت ذاته اضطر الكثير من الرجال للهجرة بحثاً عن فرص عمل خارج العراق، تاركين النساء في ظروف الحصار الصعبة. فكنَّ يربين أطفالهنَّ، ويجدن طرقاً لإدامة الحياة: يصنعن الخبز في البيت، ويخطن الملابس، ويبعن مقتنياتهنَّ ومقتنيات بيوتهنَّ لإطعام أطفالهنَّ، بينما يتعلمن في البيوت صنع بدائل لكل شيء، أي للاحتياجات الأساسية التي شحّت خلال الحصار، أو اختفت تماماً. وبرزت أثناء ذلك ظاهرة "الاقتصاد التبادلي" وراحت تتنظم، حيث كانت النساء، بالدرجة الأولى، داخل أحياء المدن وفي الأرياف، يتبادلن الممتلكات والخدمات بحسب المتوفر لكل واحدة منهنَّ.

الحملة الإيمانية

جاءت "الحملة الإيمانية" التي أطلقها الرئيس السابق صدام حسين في عام 1993، في وضع اقتصادي صعب جداً، احتاج فيه الناس للتشبث بأمل ما، فوجدوا في الدين ملجأً لهم. وأتيح المجال الواسع لرجال الدين لبث أفكارهم عبر المنابر وشاشات التلفاز، وانتشر الحجاب بشكل كبير بين النساء، ليس فقط لأسباب دينية، لكن أيضاً لعدم قدرتهنَّ على العناية بمظهرهنَّ. وبينما كثر الحديث حول ما يجب ولا يجب أن تفعله المرأة في نظر الشرع والدين، وغزت الأفكار المتزمتة البيوت، كان العوز يدفع العديد من النساء والفتيات للعمل في الدعارة أو الوقوع ضحايا لتجار البشر، الذين أصبحوا يصدّرون الفتيات، ويبيعونهن داخل البلاد وخارجها. 

أطلق نظام صدام حسين، في سعيه للسيطرة على زمام الأمور - خصوصاً بعد "الانتفاضة الشعبانية" إثرانسحاب الجيش العراقي المذلّ من الكويت - حملةً ارتكزت على جانبين: أولهما التقرب من العشائر، خاصةً في المحافظات المنتفضة، وغض النظر عن احتكامها للعرف العشائري بدل القانون المدني، وثانيهما فتح المجال للخطاب الديني ورجال الدين، ضمن ما سمي وقتها "بالحملة الإيمانية".

وفي الوقت الذي كانت قنوات التلفاز الحكومية تبث الخطب والبرامج الدينية، افتتح ابن الرئيس عدي صدام حسين، الذي كان معروفاً بمطاردته للنساء وساديته الجنسية، قناةً تلفزيونية أطلق عليها اسم "قناة الشباب"، وأصبح من خلالها يمّول أعمالاً فنية (أغاني، مسلسلات، مسرحيات...) متردية الذوق والمستوى في أغلبها، وتحط من قدر المرأة وتنمِّطها على أنها أداة للجنس والمتعة فقط، أو تُظهرها بمظهر المخادِعة والخائنة التي لا تُؤْتَمن. في حين أن عدي صدام حسين، هو ذاته، قاد حملةً مع فرقة "فدائيي صدام" سيئة الصيت، في عام 1998 على عدد من بيوت الدعارة في منطقة البتاوين في بغداد، ذُبحت فيها عاملات الجنس بالسيوف أمام بيوتهنَّ وفي وضح النهار، وذلك بعد أن نشرت صحيفة "نبض الشباب" التي يملكها عدي، تقريراً محرِّضاً ضد بيوت الدعارة. كان كل ذلك يحدث بينما يرفّه المسؤولون في الدولة عن ضيوفهم في مجالسهم وحفلاتهم الخاصة بإحضار الراقصات، اللواتي عادةً ما يَكُنَّ قاصرات، ويجبرن على تقديم خدمات جنسية للضيوف والمسؤولين.

إيقاظ العشائرية

لم تختف العشائرية من العراق يوماً، لكنها قُوِّضت بالتأكيد ووُضعت تحت تصرف القانون المدني، خصوصاً بعد تأسيس الجمهورية العراقية، وإقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959. وبينما بهت تماماً تأثيرها في المدن، كانت مجالس العشائر في الريف موجودةً للمشورة فقط، ولا سلطة لديها على أحد بوجود القانون. حتى قام الرئيس السابق صدام حسين بإيقاظ تلك السلطة من سباتها لأسباب وظيفية. 

وشيئاً فشيئاً عاد القانون العشائري ليفرض نفسه على الشارع، فلا يمر حادث سير، خلاف شخصي بين اثنين، إلى آخره من الأمور التي تحدث بشكل يومي بين الناس، إلا ويكون فيها "فصل عشائري" يحدد العقوبة والغرامة حسب آراء شيوخ العشيرة. ولأنها أصبحت مصدر ثروة لوجهاء العشائر، وخصوصاً "المستحدثين" منهم والمرتبطين بحماية السلطة لهم وبإغداق السلاح عليهم، تشبثوا بها، وأصبحوا يحددون مبالغ مالية لكل حادث وحدث، بغض النظر عن حكم القانون فيه. ولأن مؤسسات الدولة العراقية فُتتت ودمرت وعطلت، بحكم الإنهاك المتتابع في الحروب والحصار، وآخرها الاحتلال الأمريكي في 2003، وسلسلة القرارات التي اتخذها باتجاه حلّ الدولة، وإقرار آلية لسيرها تقوم على المحاصصة والفساد الملازم له، فقد أدى ذلك كله إلى أن يعود الناس إلى انتماءاتهم العشائرية، أو البحث عن انتماء جديد لعشيرة قوية أو كما يقال "ظهر" يستندون عليه ويحميهم في شؤونهم وفي تحصيلهم لحاجاتهم.

كانت فترةً الحرب العراقية الإيرانية ثم حرب الخليج الأولى بالغة القسوة – كما يتكرر كثيراً في هذا البلد المصطخِب - ولكنها حملت الآمال للنساء بعد إثباتهنَّ لجدارة فائقة في إدارة الحياة في ظل ظروف كارثية. وهذا الوعد والأمل وإثبات المقدرة كان بالمقابل، وبالمقدار نفسه، مرعباً للمنظومة الذكورية القوية المستندة إلى الدين والعشيرة. والعراق كما هو معروف بلد التناقضات القصوى.

سدّت تلك العشائر إذاً الفراغ الذي تركه سقوط مؤسسات الدولة، خصوصاً بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، وازدادت قوتها وسطوتها حتى أصبحت الآمر الناهي فوق القانون. فحكمت العراق منذ ذلك الحين ثلاثية الدين/الطائفة، العشيرة والسلاح، وهي ثلاثية تعلن بلا مواربة أنها صنيعة الذكور ويعود أمرها إليهم.

المرأة والأعراف العشائرية

"المرأة مقدَّرة، عشائرنا بصورة عامة نخوتهم باسم امرأة، هذا دلالة على احترام المرأة" كان هذا تعليق رجل دين في برنامج تلفزيوني [3] لمناقشة وضع المرأة في العراق. جاء هذا التعليق رداً على ما قالته ناشطة نسوية عراقية في معرض النقاش حول ارتفاع حالات العنف الأسري ضد المرأة وفشل السلطات في معالجتها. ما أشار إليه رجل الدين ربما يكون واحدة من أهم الممارسات التي تحمل الكثير من تناقضات المجتمع العراقي. فالرجال، خاصةً في ريف العراق، يحلفون باسم الأخت وينتخون بها "أنا أخو فلانة" "أنا أخوج/أخوك خيتي"، بينما يشتم الرجال، في الريف والمدينة على حد سواء، بعضهم البعض أيضاً بالأخت، إما بذكر عضوها التناسلي، أو بإلصاق الصفات المرتبطة "بالعار" بها، على الرغم من أن لا علاقة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بما يفعله أخوها. ومن الوارد جداً أن يكون أخاً سيئاً مُعنِّفاً لها أيضاً، لكنها دائماً ما تُشتم بمعيته. لماذا الأخت؟ لأنهم يحمِّلونها "شرف" و"عرض" رجال العائلة والعشيرة، وفي المقابل هي تحمل "العار" لهم أيضاً إنْ هي خالفت أحكامهم. فدلالة الاحترام لدى الشيخ أعلاه تعني أن تحمل الأخت وزر أخيها، أو أن تحمل النساء بصورة عامة أوزار أقاربهنَّ الرجال. لذلك في الحكم العشائري، تفدي عشيرة القاتل حياته، بأن تهدي لعشيرة المقتول إحدى بناتها أو عدداً منهنَّ، بحجة أن ذلك سيؤدي إلى اختلاط الدم، وإيقاف التقاتل بين العشيرتين. ومن تقاليد "الفصلية" هي أن الفتاة/ الفتيات المختارات لهذا الزواج يذهبن إلى بيت "الزوج" ذليلات، لا يحملن سوى ملابسهنَّ ودون أي مراسم احتفالية. وعادةً ما يعامَلن بطريقة سيئة من قبل أهل القتيل لأنهنَّ يدفعن ثمن جرم ارتكبه رجل/ رجال من عشيرتهن، مما يؤدي في أحيان كثيرة إلى انتحار أولئك الفتيات أو هربهن. وعلى الرغم من أن تقليد "الفصلية" مُجرَّم حسب القانون، إلا أنه يحدث كل يوم في العراق بلا محاسبة، مثله مثل تقليد "النهوة"، وهو أن "ينهي" ابن العم على بنت عمه، أي يمنعها من الزواج بغيره، فهو حسب العرف العشائري، أولى بها من غيره، وقد تُجبر على الزواج منه دون رغبتها.

ازدادت الأمور سوءاً مع تردي الأوضاع الاقتصادية، ومن ثَمّ الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي "ابتكر" ما عرف بـ"ديمقراطية المكونات" وأقر هذه المحاصصة في الدستور، ما فتح باب الفوضى على مصراعيه، وأدى إلى إجهاض كل مؤسسات الدولة المدنية ومنظومات تنفيذ القوانين، فأصبح الناس يحتكمون في أمورهم، ويجدون الحماية في العشائر، ورجال الدين في ظل غياب القانون وانفلات السلاح.

ولأن العشائر أصبحت مراكز قوة، يجاملها السياسيون ليضمنوا الأصوات الانتخابية، وتتداخل مصالحها مع مصالح رجال الدين. ولذا فلم يعد هناك رادع، ولا حدّ لما يمكنها فعله. هم أقوياء، مسلحون بطريقة مخيفة ويدعمهم الدين، ولا قدرة لأي قانون أو جهة تنفيذية عليهم. لذلك لا تجد النساء من تلتجئن إليه في حال عُنفن أو أجبرن على الزواج دون إرادتهنَّ. وقد شهد العراق الكثير من الحوادث التي التجأت فيها النساء للشرطة لتحميهن، فأعادوهن لعوائلهنَّ، فقتلن. ويحدث ذلك لأن الشرطة والجهات القانونية نفسها تخاف من سلطة العشائر، وتصرح بذلك بكل وضوح.

عجز القانون والمقاومة النسوية

وعلى الرغم من أن قانون الأحوال الشخصية الذي أقر في عام 1959 لم يكن قانوناً مثالياً، إلا أنه كان من أكثر القوانين تقدماً في المنطقة في ذلك الوقت بما يخص أمور الزواج والطلاق والحضانة والإرث وغيرها. وقد ساعد وجوده في تحسين وضع المرأة العام في العراق، وأصبحت النساء أكثر فعاليةً في المجتمع. أحد المشاركين في صياغة هذا القانون كانت د. نزيهة الدليمي، التي شغلت منصب وزيرة البلديات آنذاك، وكانت أول امرأة تشغل منصب وزيرة في العراق وفي العالم العربي.

عاد الناس إلى انتماءاتهم العشائرية، تحميهم في شؤونهم وفي تحصيلهم لحاجاتهم، لأن مؤسسات الدولة العراقية فُتتت ودمرت وعطلت، بحكم الإنهاك المتتابع في الحروب والحصار، وآخرها الاحتلال الأمريكي في 2003، وسلسلة القرارات التي اتخذها لحلّ الدولة، وإقرار آلية لسيرها تقوم على المحاصصة والفساد الملازم له.

مع تعاقب الحقب المأساوية والحكومات ورؤاها المتباينة، استمر الوضع القانوني للمرأة في العراق بالتراجع، ووقعت تعديلات مختلفة على القانون أخذت من حق المرأة بدلاً من أن تحسّنه. واستمر ذلك حتى وقتنا الحالي.

لكن، وعلى الرغم من كل تلك الحروب التي ما زالت تُشن على النساء من أكثر من جهة في العراق، تقاوم العراقيات كل هذه السلطات مجتمعةً، كل يوم، وبشتى الطرق. فتعمل المنظمات النسوية في الشارع العراقي اليوم، محاطةً بكل أنواع الأخطار والتهديدات، لكنها نجحت في عرقلة تمرير قوانين كانت ستزيد الطين بلة، أرادتها الأحزاب لتضْفي شرعية قانونية على كل المظالم المرتكَبة ضد النساء، مثل "القانون الجعفري" الذي يبيح زواج القاصرات من سن 9 سنوات، ومحاولة تعديل المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية لسلب حضانة الأطفال من الأم في سن السابعة. كما وتقود تلك المنظمات معركةً منذ سنوات، مع الأحزاب الدينية لإقرار قانون يُجرّم العنف الأسري ويعاقب عليه، ولتعديل مواد سارية في القانون الحالي تظلم المرأة، مثل المادة 41 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، والتي تبيح تأديب الزوج لزوجته بالضرب "في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً"، والمادة 398 من القانون نفسه التي تعفي المغتصب من جريمته إن هو تزوج من ضحيته، والمادة 409 التي تخفف الحكم على مرتكبي جرائم "الشرف" من الرجال، وهي مواد قانونية شبيهة بالقوانين السارية في معظم البلدان العربية. وفي ظل ضعف القانون في حمايتهنَّ من جهة، وتحيزه للرجال من جهة أخرى، تقلب العراقيات الموازين، ويستعملن خوف المجتمع من الفضيحة لصالحهنَّ. فبدل أن يذهبن للشكوى لجهات لا تستطيع حمايتهنَّ، نراهن اليوم يستعملن وسائل التواصل الاجتماعي ليفضحن المتحرشين في الشارع بتصويرهم، والمتحرشين إلكترونياً بنشر المحادثات التي تصلهنَّ، والعنف الممارس في بيوتهنَّ بسرده وتصويره. وهنَّ بذا يعرضن مشاكلهنَّ وما يتعرضن له من ظلم على الملأ.

تقاوم العراقيات كل يوم، وبشتى الطرق. فتعمل المنظمات النسوية في الشارع، محاطةً بكل أنواع الأخطار والتهديدات وصولاً للقتل أحياناً، ولكنها على الرغم من ذلك نجحت في عرقلة تمرير قوانين كانت ستزيد الطين بلة، أرادتها الأحزاب المهيمنة لتضْفي شرعية قانونية على كل المظالم المرتكَبة ضد النساء.

هذا ما فعلته سيدة عراقية في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، عندما صورت فيديو لنفسها وهي تطالب السلطات بالتدخل لإنقاذ طفلتها من والدها العسكري والذي خطف منها إسراء البالغة من العمر 12 عاماً بعد طلاق الأم منه، على الرغم من إقرار المحكمة بحق الأم بحضانتها، وقام بتزويج الطفلة بعقد ديني. فصدر بعد أيام بيان عن مدير الشرطة المجتمعية، يعلن فيه أن الزواج تم بموافقة الطفلة، مع العلم أن تزويج القاصر دون سن الخامسة عشرة يُعد جريمة حسب القانون العراقي النافذ. فكان هذا إثباتاً آخر على أن الشرطة المجتمعية لا تستطيع تطبيق القانون بل وتبرر الجريمة. أعلنت الأم بعدها أن الأب ينوي تصديق عقد الزواج في المحكمة، فقام عدد من الناشطات النسويات بالتظاهر أمام المحكمة وتمكّن من إيقاف تصديق العقد. لكن، وعلى الرغم من ذلك، بقيت إسراء مع والدها، ولم تعد. لم تتوقف الأم عن المطالبة بابنتها على الرغم من محاولات تشويه سمعتها وبث الأكاذيب عنها من قِبل الأب. ولم تحل القضية إلا بتدخل رئيس الوزراء بنفسه، وإرسال قوة خاصة قامت باعتقال الأب وإعادة الطفلة إلى والدتها. أصبح السؤال الذي يُطرح هو لماذا على أعلى سلطة في البلاد، وبشكل شخصي، أن تتدخل لتنفذ ما هو قانوني وواضح؟ وهل هذا من صلاحيات رئيس الوزراء، أم من المفترض أن تكون هناك سلطة تنفيذية لأحكام القانون؟ وهل كان رئيس الوزراء سيتدخل لولا الضجة التي أحدثتها مناشدات وفيديوهات الأم في الشارع العراقي؟

لم تكن قضية إسراء هي الأولى التي لا يتم التحرك بها إلا بعد إحداث ضجة على وسائل التواصل، بل كان هناك سواها الكثير، مثل حادثة قتل الشابة نورزان، التي لولا التقاط كاميرات الشارع للجريمة ونشر الفيديو في مواقع التواصل، لما قُبض على القتلة وهم من أهلها، بسبب رفضها الزواج من ابن عمها. وفي العديد من حوادث العنف الأسري، تحركت الشرطة المجتمعية للملمة الفضيحة.

 والعراقيات يعرفن أن فتح الحوار، ودفع المجتمع لمحاولة تبرير أفعاله، سيؤدي إلى إسقاط حججه. فعندما يتداولن فيديو لشيخ من شيوخ العشائر وهو يعلن أنه يهدي ابنته لمن جاؤوا معزين في مصاب عشيرته، أتت حجج تبرير الواقعة ضعيفةً وفاضحة ولم يستطع المجتمع قبولها. وحتى يحل الحق القانوني مكان الخوف من الفضيحة، ستبقى العراقيات يواجهن سلطة العشائر، والدين، والسلاح، وغياب القانون.. بعدم السكوت وبالمقاومة بالوسائل المتاحة.

في ظل ضعف القانون في حمايتهنَّ، تقْلب العراقيات الموازين، ويستعملن خوف المجتمع من الفضيحة لصالحهنَّ. فبدل أن يذهبن للشكوى لجهات لا تستطيع حمايتهنَّ، نراهن اليوم يستعملن وسائل التواصل الاجتماعي ليفضحن المتحرشين في الشارع بتصويرهم، والمتحرشين إلكترونياً بنشر المحادثات التي تصلهنَّ، والعنف الممارس في بيوتهنَّ بسرده وتصويره. وهنَّ بذا يَعْرضن مشاكلهنَّ وما يتعرضن له من ظلم على الملأ.

في منتصف التسعينيات الفائتة، وصلتْ شجرة العشيرة إلى بيتنا عندما أرسلها الأقرباء إلى والدي. كانت أسماء إخوتي الذكور، حتى أصغرهم، مسجلةً بشكل جميل على أوراق الشجرة المزخرفة بعناية فائقة، بينما غاب اسمي واسم أختي وأمي عنها. سألتُ والدتي حينها عن سبب غياب اسمي وأسماء كل إناث العائلة عن الشجرة، فأجابتني بابتسامة وهدوء "ربما علينا أن نبدأ شجرة عائلة خاصة بنا نحن، نضع فيها أسماء الإناث والذكور معاً". 

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

[1] - قامت هذه الانتفاضة ضد نظام الرئيس السابق صدام حسين بعد هزيمة الجيش العراقي المذلّة في الكويت، وشملت 15 محافظةً من محافظات العراق الـ 18، ووجهت بقمع عنيف وواسع لإعادة السيطرة على زمام الأمور. خلف هذا القمع مئات ألوف الضحايا، ومقابر جماعية ما زال بعضها غير مكتشف حتى الآن.
[2] - مسطح مائي في جنوب العراق تصل مساحته إلى 40 ألف كلم مربع، ويتميز بغنى وتنوع النباتات والحيوانات والطيور والأسماك فيه، وبنمط حياة خاص بسكانه، الذين يقطنون في أكواخ شبه عائمة تسمى "الجبايش". وقد وضعت الأونسكو في العام 2016 أهوار العراق ضمن لائحة التراث العالمي، كمحمية طبيعية دولية، بالإضافة إلى المدن الأثرية القديمة الموجودة بالقرب منها مثل أور وإريدو والوركاء.
[3] - برنامج "جعفر توك" علي قناة دويتشة فيلله الألمانية بالعربية من بغداد بتاريخ 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 

مقالات من العراق

سيرة شخصية تمانع النسيان

رقدوا هناك وحيدين كما كانوا في حيواتهم، لا يُرشُّ لهم ماء الورد ولا يشتعل البخور بقربهم. انتقلوا للمنافي حاملين معهم خيوطاً تمتد من قلوبهم إلى بيوتهم المتروكة في ليلٍ بعثي...

غجر الديوانية.. عزلة قاتلة وحياة بدائية

علي فائز 2021-12-31

عزلة الغجر عن المجتمع تنقطع مرةً واحدة كل بضع سنوات، حين يزورهم ممثلو الكيانات السياسية والمرشحين لعضوية البرلمان، مع بدء الحملات الانتخابية، محملين بالوعود بتحصيل حقوقهم. وخلال الأعوام الماضية، طالب...

للكاتب نفسه

"الشرف" وتغريدة السيد النائب

ديمة ياسين 2021-08-05

يراهن السياسيون في العراق على ذكورية المجتمع. فإن أرادوا أن يثيروا حفيظته، عليهم أن يجعلوا الرجل يشعر بأن رجولته مهددة إذا تحررت النساء. وإن أرادوه تابعاً لهم، يجعلوه يصدق بأنهم...