غجر الديوانية.. عزلة قاتلة وحياة بدائية

عزلة الغجر عن المجتمع تنقطع مرةً واحدة كل بضع سنوات، حين يزورهم ممثلو الكيانات السياسية والمرشحين لعضوية البرلمان، مع بدء الحملات الانتخابية، محملين بالوعود بتحصيل حقوقهم. وخلال الأعوام الماضية، طالب عدد من النواب بمنح البطاقة الوطنية للغجر، وإنشاء المدارس والمراكز الصحية. وفعلاً استجابت وزارة الداخلية وأصدرت لقسمٍ منهم البطاقة الوطنية...
2021-12-31

علي فائز

كاتب وباحث من العراق


شارك
قرية الزهور التي يقطنها غجر الديوانية

لم يكن الدخول إلى القرية بالمهمة السهلة، فدُخولها يتطلب الحصول على تصريحٍ أمني بعد عرض الغاية من الزيارة وأهدافها، وكأن القرية مصابةٌ بوباء قاتل، أو يقبع داخلها إشعاعٌ ذري جعل سكانها يعيشون في عزلة اجتماعية قاسية.

اتصلت بعدة صحافيين أسألهم عن طريقة تمكُنني من دخول القرية فقالوا: إن الأمر يتطلب أخذ تصريحٍ من مركز شرطة المحافظة. أخرني هذا الأمر أربعة أيام حتى جاءت الموافقة أخيراً. استأجرت سيارة نوع " Saipa" إيرانية الصنع، واتفقتُ مع صاحبها على الأجرة ذهاباً وإياباً. في البدء أصابه الذهول مع ابتسامة خفيفة لاحت على محيّاه حينما ذكرت له اسم القرية، لأنه كان يظن أنني ذاهب لـ"الاستمتاع"، وهو أمر لا يمكن حصوله الآن بسبب الحظر الذي فُرض على القرية بعد 2003. لكنني أخبرته عن مهمتي الصحافية التي تهدف إلى نقل قصة القرية وأهلها والنكبات التي عاشتها.

 في الطريق تكلم السائق عن وضع القرية في زمن النظام السابق، إذ كان أحد روادها، يزورها مع أصدقائه في فترات متقاربة. يقول: لقد كان الناس في هذه القرية "مثل الدود" (دلالة على أعدادهم الكبيرة)، وكانوا يدعوننا لزيارة بيوتهم، حيث تقام حفلات رقص وغناء مقابل أجور ندفعها، وكانت هذه الحفلات مصدر رزقهم الوحيد. لقد كانت الأيام عند الغجر "أعياداً مستمرة". عند مدخل القرية واجهتنا نقطة تفتيش لقوات الأمن العراقية، وبدون أي نقاش أشار لنا أحدهم بالرجوع، لكن أخبرته أنني آتٍ لعمل صحافي، وقد حصلتُ على التصريح الأمني من مركز الشرطة، فقام باتصالات عديدة حتى تأكد من الأمر وسمح لنا بالدخول.

من يدخل القرية كأنما يخوض تجربةً مع التاريخ، وكيف كان يعيش الإنسان البدائي. طرق غير معبدة، بيوت طينية، أعشاب يابسة، مياه آسنة، دخان كثيف يعتلي سماء القرية.. هكذا يبدو المشهد في قرية "الزهور" أو "الفوار" التي تبعد 20 كيلومتراً جنوبي شرق مركز محافظة الديوانية، القرية التي يتغير اسمها مع تعاقب الأنظمة وهوسها بتغيير الأسماء و"صناعة التاريخ".

لم يتبقَ من المكان غير أطلال المنازل والخرائب المشحونة بذكريات كان عمادها إحياء حفلات الغناء والرقص وما يليهما أحياناً.

ما إن ترجلنا من السيارة حتى تجمهر الأطفال حولنا بأقدامهم العارية وملابسهم الرثة ووجوههم التي طبع عليها البؤس والفاقة قصةَ واقعهم المؤلم. لا مكان يمارسون فيه اللعب، فكل ما حولهم طين ونفايات تملأ قريتهم. هذا فضلاً عن الطمر الصحي، وحرائقه التي تغطي سماء القرية بالدخان المستمر، مما يصيب سكانها بأمراض شتى، ويجعلهم يعانون من صعوبة التنفس. ولا يوجد سوى مستوصف صحي واحد أعيد فتحه في عام 2018 بعد أن هجره الكادر الطبي لتعرضه للتهديد بالتصفية لأنه يقدم الخدمة للغجر. وقد أعيد فتحه بعد غلقه لأكثر من أربع سنوات، وهو يقدم خدمات صحية لا تسد حاجة القرية، فهو يتولى الحالات الطبية الخفيفة. أما المرضى فعليهم قطع ما يقارب 40 كيلو متراً للوصول إلى المستشفى العام في المحافظة.

سجل الفجائع...

 افتتح سجل الفجائع في القرية بعد 2003، إبّان هيمنة الميليشيات الدينية، والتي كانت استهدفت أول ما استهدفت قرية الغجر لتطبيق فريضة "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وفرض أحكام الشريعة. دخلت القرية في قتال مرير استمر لأسابيع مع ميليشيات ما عُرف سابقاً بـ"جيش المهدي" الجناح العسكري التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. لم يستسلم السكان، ودافعوا ببسالة عن قريتهم واجبروا الميليشيا على الانكفاء، فأعاد "جيش المهدي" الكرّة مرةً أخرى، وصاروا يتعاملون معها على أساس جعلها أرضاً محروقة، محطمين بيوتها على رؤوس ساكنيها، فضلاً عن تدمير المدرسة الوحيدة في القرية، مما أجبر سكانها فيما بعد على بناء منازلَ طينية لا يصلها الماء أو الكهرباء أو أي خدمات أخرى.

مدرسة "كرفانية" بنيت من قِبل "يونيسيف" بعد عام 2018

في البداية، كان سكان القرية، وبسبب الرعب الذي يسكن في أعماقهم، يرفضون التصوير والإدلاء بأي كلام. لكن بعد أنْ شرحتُ لهم مهمتي، تلاشى هذا الهاجس، وعلى الرغم من ذلك رفضوا أن تُذكر أسماؤهم خوفاً من عمليات انتقام قد يواجهونها من الميليشيات مستقبلاً. يقول (ص.ف) وهو مواطن من سكان القرية كنتُ قد سألته عن أعداد السكان: "إنَّ أعداد الأسر الغجرية كان يتجاوز الآلاف، لكن بعد المعركة مع جيش المهدي انخفضت أعدادهم إلى ما يقارب المئة عائلة أو أقل، فأغلب السكان هاجر إلى محافظات أخرى بعيدة وسكنوا العشوائيات، وصاروا يمارسون التسول في الأسواق أو عند التقاطعات ومواقف السيارات. وبعض النساء يمارسن مهنتهنَّ في الرقص والغناء خارج أسوار القرية لإحياء الحفلات والمناسبات الاجتماعية الأخرى".

وتقدر المنظمات العراقية المعنية أعداد الغجر في العراق بـ 400 – 500 ألف، لكن الطبيعة المتنقلة لحياة الغجر تجعل من الصعب معرفة العدد الدقيق لهم. وهناك إحصائيتان حكوميتان، إحداهما صدرت في عام 2000 وقدرت أعدادهم بأكثر من 200 ألف نسمة، فيما انخفض العدد حسب إحصائية أخرى صدرت عام في 2005 إلى 50 ألف نسمة. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن أعداد الغجر في إقليم كردستان وصل إلى أكثر من 50 ألفاً حيث بنى لهم المسؤولون هناك مساكنَ خاصة جنوب مركز المحافظة، فضلاً عن بناء مركز ثقافي لهم.

عند تجوالي في أزقة القرية، بدا لي محيّا سكانها متشابهاً: وجوه سمراء متغضنة، مشية منكسرة، صوت مبحوح بالكاد يُسمع. لقد توزعت مأساة قريتهم عليهم بالتساوي، يتسمرون رجالاً ونساءً أمام بيوتهم الطينية، والتي يحوي بعضها دكاناً صغيراً يبيع أشياء زهيدة الثمن حصتها الأكبر مخصصة للأطفال... يبدون من وقفتهم وكأنهم بانتظارِ مخلّص تأخر كثيراً عليهم.

تتوزع قطعان الحمير والكلاب في القرية وسط بيوت مهجورة، وأخرى لم يبقَ منها غير الأطلال وقد أخذت النفايات الحصة الأكبر من مساحات القرية التي تبدو وكأنها خرجت للتو من حرب مروعة.

الحنين إلى النظام السابق!

تمثل مرحلة نظام صدام حسين العصر الذهبي للعوائل الغجرية، فلم يكن أحد يفرض وصايته عليهم، وكان أبناؤهم يخدمون في الجيش العراقي وينالون حقوقهم كمواطنين، وكانت العوائل الغجرية تُمارس عاداتها، من رقص وغناء، بحرية كاملة ودون خوف أو وجل، وبنت الدولة لهم آنذاك المجمعات السكنية سعياً لإدماجهم، وأكمل كثير منهم دراساتهم في المدارس والجامعات العراقية، ونالوا شهادات علمية في مختلف الاختصاصات. وحتى في فترة ما يعرف بـ"الحملة الإيمانية" التي أطلقها نظام صدام حسين، والتي شهدت الكثير من الاعتداءات على الغجر، وإجبارهم على إيقاف حفلات الغناء والرقص، فهي لا تقارن بما جرى لهم من مآسي بعد عام 2003، إذ إنهُ تمّ عزلهم اجتماعياً، ولم يحصل أغلبهم على البطاقة الوطنية، فضلاً عن تمييزهم في الأوراق الثبوتية بكلمة "استثناء"، والأخيرة تُختم على شهادة الجنسية بعد تغيير قانون الأحوال الشخصية، الأمر الذي حرمهم من الحصول على وظائف في دوائر الدولة فضلًا عن حرمان أبنائهم من حق التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والانخراط في سوق العمل.

مصائب قوم عند قوم...

عزلة الغجر عن المجتمع تنقطع مرةً واحدة كل بضع سنوات، حين يزورهم ممثلو الكيانات السياسية والمرشحين لعضوية البرلمان، مع بدء الحملات الانتخابية، محملين بالوعود بتحصيل حقوقهم. وخلال الأعوام الماضية، طالب عدد من النواب بمنح البطاقة الوطنية للغجر، وإنشاء المدارس والمراكز الصحية، وفعلاً استجابت وزارة الداخلية وأصدرت لقسمٍ منهم البطاقة الوطنية، وكان محرك جهود النواب كسب أصواتهم الانتخابية مستقبلاً، وكذلك مصادرة لجهود الناشطين وبعض الفاعلين في المحافظة. فالطبيبة والناشطة المدنية مها صكبان صاحبة حملة #الغجر_هم_أيضاً_بشر والتي أطلقتها منذ عام 2010، طالبت بمنح الغجر حقوقهم الوطنية وإعادة دمجهم في المجتمع وتزويدهم بالخدمات الحياتية اللازمة. وقد استطاعت بحسب قولها، وعن طريق التعاون مع المنظمات العالمية ،من بناء مدرسة للغجر وبيت صحي، فضلاً عن استحصال البطاقة الوطنية لبعض سكان القرية.

صلاة الجمعة التي يقيمها الصدريون في قرية الزهور التي يقطنها الغجر

أما في مجال الاستثمار الديني، فالصدريون صاروا يصلّون الجمعة في قريتهم في محاولة لتطهير ذاكرة المدينة من الجرائم التي ارتكبوها بحق الغجر في الأعوام السابقة، ومواصلة دعوتهم للتوبة وعدم تخطي حدود الشرع التي وجهها زعيمهم الروحي محمد صادق الصدر (1943 - 1999)، عبر منبر الجمعة في الكوفة إلى الغجر. وقد وضعوا صورة زعيمهم وسط القرية، وهو أشبه بالتبشير الديني في زمن الفتوحات!

مسجد بني في القرية ووضعت في داخله صور لرموز دينية شيعية

الضحايا الصامتون

كنتُ قد سألت النسوة الغجريات عما إذا كن ما زلن يمارسن ما عهدنه من رقص وغناء، أجابت إحداهنَّ بالنفي، وشبهت عهدها السابق بالعهد الجاهلي الذي ودعته ما إن دخل الصدريون قريتهم ليعلموهم أحكام الدين وإقامة الصلوات. أما الأخريات فأعدن الأمر إلى الأوضاع التي تعيشها القرية وأجوائها المحيطة، وعلقت إحداهنَّ: "إلى من نقيم الاحتفالات؟! وإلى من نرقص؟! وقريتنا معزولة ولا يدخلها أحد. وأشارت إلى إمكانية اشتعال حرب ثالثة تهلك القرية إذا عدنا إلى هذه الممارسات، فالجماعات الدينية تدخل قريتنا كل يوم جمعة، وقد زرعوا بيننا المخبرين السريين الذين ينقلون سلوكيات أبناء القرية إليهم. وتتابع: "نحن محاصرون بخندق ومفرزة شرطة تمنع أي شخص من الاقتراب أو من الدخول إلى قريتنا".

هذا الحظر المفروض على القرية لا يكسر حتى لأشد الأسباب إنسانية، إذ تروي نساء القرية كيف أن أحد رجالها قد توفاه الله، وبعد أن جاء أصدقاؤه إلى القرية لتقديم التعازي مُنعوا من الدخول ورجعوا خائبين من حيث أتوا.

العودة..

حينما هممنا بمغادرة القرية وتوديع أهلها ومن رافقنا، رفض أحدهم ذلك قبل أن يستضيفنا في بيته الصغير لشرب الشاي. كانت جدران منزله تنثُّ ذرات التراب، وبعيون تلمع خجلاً قال أبو سيف وهو المضيف أريدكم أن تدخلوا بيتي، لأتشرف بكم، وحتى تنقلوا قصتنا ومعاناتنا إلى الناس، نحن نخشى أن نحتج على أوضاعنا هذه، لأن ردود الفعل تكون عنيفةً وغير متوقعة من الجهات المتطرفة التي ترغب باستمرار حياتنا على هذا المنوال.

أكملنا حديثنا مع أبو سيف وتوجهنا إلى السيارة. الشمس تكاد تغرب وجو القرية يزداد دخاناً. يحمل وجود الطمر الصحي وسط الغجر دلالةً رمزية من قبل الجهات المعنية في المحافظة تشير إلى عدم الاعتراف بإنسانية الغجر الذين يسكنون القرية، فهم مثل الأشياء عديمة القيمة، وكل ما يجري عليهم مباح ولا يستلزم تحريك الضمائر. 

مقالات من العراق

سيرة شخصية تمانع النسيان

رقدوا هناك وحيدين كما كانوا في حيواتهم، لا يُرشُّ لهم ماء الورد ولا يشتعل البخور بقربهم. انتقلوا للمنافي حاملين معهم خيوطاً تمتد من قلوبهم إلى بيوتهم المتروكة في ليلٍ بعثي...

للكاتب نفسه

حرب الرموز في انتفاضة تشرين العراقية

علي فائز 2021-11-01

صارت مفردة "ذيل"، التي تعني "ذَنَب" الحيوان، تُستخدم دلالياً للوصم بتبعية شخص أو كيان لسواه الأكثر نفوذاً، أو لجهة سواء كانت في داخل بلاده أو خارجها. وقد أعيد إحياء المفردة...

الديوانية: قصة مدينة نخر ضلوعها الفقر ورصاص الميليشيات

علي فائز 2021-10-16

كانت الديوانية المركز الروحي للسومريين، متمثلاً بـ"نيبور"، وزقورة الإله "أنليل"، وكانت تُعد العاصمة الدينية للعراقيين قبل خمسة آلاف عام، وفيها تعلم الإنسان القراءة والكتابة، وفيها استخدم الأختام. إلا أن هذا...