لبنان: ولكن أين كلّ تلك الحرية والمساواة؟

أمام تدهور كل أحوال العيش وهشاشة النساء، والفئات المهمشة بالأخص في هذا الإطار، تطرح مفارقات كبيرة أمام كل الأجوبة التسطيحية بما يخصّ سؤال أحوال النساء في لبنان، وترفع الغطاء الرقيق عن أوضاع خطرة، يشترك فيها الفقر مع الطائفية ويتداخل فيها الجمود في التشريع مع الأعراف الذكورية المعتادة في خلق بيئة تستمر فيها شروط التمييز والعنف.
2021-12-14

صباح جلّول

كاتبة صحافية وباحثة في الانتربولوجيا البصرية من لبنان


شارك
| en
نور بهجت - سوريا

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في تأمّل سؤال التصورات حول النساء في المخيال العام – مقابل واقعهنّ المعاش – أسترجع رسائل الكاتبة الراحلة ايتيل عدنان [1]، المجموعة في كتاب "عن مدنٍ ونساء" [2]. في تجوال الكاتبة الواعي والحسّاس في مدن مختلفة تنزل بها حول العالم، من لندن إلى برشلونة وفرانكفورت، إلى بيروت وسواها، تستطلع ليس فقط أحوال المدن، ولكن أيضاً أحوال نساءها. تتحمّس عدنان مثلاً لحرية نساء برشلونة في إدارة أجسادهن في الفضاءات العامة كما يحلو لهنّ. تجد وِحدة ما في شخصياتهنّ، بين ما في أذهانهن وما يمارسنه في حياتهن. تقول أنهن يذكّرنها بأنه "من المثير للاهتمام أن أكون على قيد الحياة، وأن أكون إنساناً، وأن أكون جزءاً من لحظة محددة في الزمان والمكان...". في تجوالها وملاحظاتها، ترفع مزية "التجربة" درجاتٍ على "النظرية" المجردة [3]. المدن هي ما تختبره من حوادث، والنساء هنّ ما يختبرنه من أحداث، داخلهنّ وخارجهنّ.

في سؤال أحوال النساء في لبنان وغيره من الدول العربية ألف سؤال آخر، تعود كلها ربما إلى فكرة معنى "أن أكون على قيد الحياة وأن أكون إنساناً". وإنه من المحرج ربما أن نحتاج باستمرار، وإلى هذا الحد، لنماذج حرة ومناضلة وقادرة أن تعيش تلك الإنسانية البديهية، إن كانت في مجتمعاتنا أو خارجها، لنبقى قادرات على التطلّع للأمام، لرؤية الجدوى من السعي لأجل عالم تسوده تلك "الوحدة" التي عبّرت عنها الفنانة المتعددة، بين ما نريد داخلنا وما نستطيع ممارسته في الخارج.

من الألف سؤال وسؤال، يأخذ هذا النص حالة النساء في لبنان وواقع علاقتهن بالقانون والشرع والمجتمع حيث يتواجدن. وإذا افترضنا أن البحث يبدأ بطباعة كلمتي المفتاح "نساء" و"لبنان" في خانة البحث عبر محرك غوغل، فسيخيب أملنا بصورٍ وروابط محيّرة، تعكس تعريفات غريبة لمَن هي المرأة في لبنان وما هي قضاياها: "نساء لبنان جميلات العرب"، "أجمل عشر نساء في لبنان، من هن؟"، "تزوجني بدون مهر.. العنوسة تفجّر غضب نساء لبنان!"، هي الروابط الأولى التي تطالعنا، مع مجموعة من الصور لنساء "سكسي" في كل مكان، من المسارح الفنية إلى المظاهرات الشعبية. بعد بضعة روابط من هذا النوع، يظهر رابط مختلف عنوانه "فقر الدورة الشهرية في لبنان"، ورابط آخر يتناول العنف ضد النساء وحاجتهن للحماية، وهذان الأخيران يشيان بواقع آخر، قديم ومتجدد في آن، يتكشّف ما إن نغادر سطح الأمور. فكيف اتفقت إذاً "ألغوريثمات" غوغل مع الميديا الشائعة في استعراض تلك الصورة إياها حول ما تمثله النساء في لبنان؟ الأكيد أنه عدا عن بعض مواقع الصحافة البديلة وصفحات التواصل الاجتماعي الناشطيّة، فإن "نساء لبنان" ما زلن عبارة عن تصوّر مبتذل يغري بالفرجة والترفيه، وبالتالي بتتفيه كل ما يتعلّق بقضاياهنّ.

ليسَ جنة للنساء

تلك الصورة الاختزالية السلبية، تقابلها صورة اختزالية إيجابية تحتل كثيراً من المخيلات في البلد وكذلك في الدول العربية المجاورة، وتلك تقول أنّ المرأة اللبنانية هي في نهاية المطاف في "وضع جيد"، خاصة إذا ما قورنت أحوالها بأحوال النساء في المنطقة. فهي ظاهرياً متحررة وحرة لحدّ ما في الملبس والتخالط مع الرجال والخروج للتعلم والعمل. وتدعم تلك الانطباعات الصور في الميديا مجدداً مع سيل الابتذالات: "عندنا المنقبة واللابسة مايوه جنباً إلى جنب"، "المرأة اللبنانية تسهر في الليل بأمان"، "كأننا في أوروبا من هذه الناحية"، إلخ. صديقات عديدات من مصر على سبيل المثال يعانين من التحرش كظاهرة، ومنهنّ من يتعرضن لتدقيق ومراقبة وقمع من كلّ الأبويّات الكبيرة والصغيرة – والخطيرة في كل حال: مِن الدولة نفسها (التي تحبس فتيات تيك-توك لمجرد تصوير فيديوهات عن الأزياء أو الرقص) إلى بوّاب العمارة (الذي يمتلك في معظم الحالات صلاحية منع فتاة من استقبال أصدقاء ذكور، وقد وصل الأمر إلى الاعتداء والقتل كما في قضية طبيبة السلام [4])، وهنّ بالتالي يجزمن أن لبنان يتيح مساحة راحة أكبر للنساء في الحيز العام والخاص. وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ ما وبشكل عام.

لكن الراحة النسبيّة والظاهِرة سرعان ما يتكشّف تحتها مباشرة طبقات متكدّسة وعنيدة من العنف والظلم بحق النساء، أي استصغارهنّ وتحقيرهنّ في قيمتهن الإنسانية المفترض بها أن تكون إحدى أكثر بديهيات الحياة وضوحاً. والأمر ليس على أيّ حال ساحة لتقييم "مَن مِنّا أكثر تعرّضاً للاضطهاد؟"، فهذه من الأسئلة النافية للفائدة، بل المضرّة بقضايا النساء.

يبدأ البحث بطباعة كلمتي المفتاح "نساء" و"لبنان" عبر محرك غوغل، فيخيب أملنا بصورٍ وروابط محيّرة، تعكس تعريفات غريبة لمَن هي المرأة في لبنان وما هي قضاياها: "نساء لبنان جميلات العرب"، "أجمل عشر نساء في لبنان، من هن؟".. وبعد بضعة روابط من هذا النوع، يظهر رابط مختلف عنوانه "فقر الدورة الشهرية في لبنان"، وآخر يتناول العنف ضد النساء وحاجتهن للحماية..

إن كان ذلك ظاهر الأمور والشائعُ من الأفكار حول النساء في لبنان، فمساءلته تستوجب النظر في جوانب متعددة على أرض الواقع، ولها دلالاتها التي تُرجع صدى أحوال البلد وتركيباته (العُرفية-الاجتماعية إلى السياسية-الطائفية). ثمّة عناوين ثلاثة دالة لتوضيح الصورة الفعلية وليس المتخيلة.

أوّلاً: القانون والشرع... والمجتمع كذلك

يخلص تقرير عن منظمة "هيومن رايتس ووتش" بعنوان "لا حماية، لا مساواة: حقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية اللبنانية" إلى وجود قصور هائل في معاملة المرأة بشكل منصف أمام القانون. ويكشف، مستنداً إلى مراجعة لقوانين الأحوال الشخصية في لبنان ولـ447 من الأحكام القضائية الصادرة عن مختلف المحاكم الطائفية (حتى عام 2015)، وإلى أكثر من 70 مقابلة مع نساء ومحامين وقضاة وأخصائيين اجتماعيين ونشطاء مدافعين عن حقوق المرأة ـ عن نمط واضح من معاملة النساء من مختلف الطوائف على نحو أسوأ من الرجال حينما يتعلق الأمر بإمكانية إنھاء العلاقة الزوجية وحضانة الأطفال. ونتكلم بهذا الصدد عن "مختلف الطوائف"، كون الأحوال الشخصية للأفراد في لبنان تخضع لنحو 15 قانوناً يحكمون 18 طائفة دينية، تدار من خلالها شؤون أبناء الطائفة في ظلّ غياب قانون مدني موحد للأحوال الشخصية [5].

على سبيل المثال، تكفل القوانين السنية والشيعية في لبنان للرجل حقاً مُطلقاً في الطلاق، بينما لا تحصل المرأة على ذلك الحق إلا مشروطاً، وذلك في حال كانت تملك العصمة (حق التطليق)، أو إذا فوض إليھا ذلك بموجب عقد الزواج، وهو أمرٌ يبقى نادراً جداً بسبب رفض المجتمع له إلى حدّ بعيد. من جهة، في المحاكم الشرعية، نجد مَن يتذرّع بـ"التغيرات الھرمونية المصاحبة للدورة الشھرية، إذ يتعذر عليھن (أي النساء) القيام بالاختيار الصحيح. فكيف يمكن إذن منحھنّ الحق بالطلاق؟" [6] ومن جهة أخرى، فالعائق الذي لا يقل أهمية يكمن في العرف الاجتماعي. راجَعَ تقرير هيومن رايتس ووتش نفسه 150 حكماً بالطلاق صادراً عن محاكم سنية وشيعية، ووجد أن 3 منها فقط تمّت بناء على ممارسة الزوجة لحقّ العصمة. إحدى النساء المشمولات في المقابلات، نور (31 سنة)، قالت: "عاداتنا لا تسمح بذلك. كيف أطلب شيئاً كهذا وكأنّ زوجي ليس رجُلاً؟"، كما عبّرت نساء أخريات عن رفضهنّ الشخصي للعصمة التي تُفهم كأنها شكّ بطيبة الزوج وعقلانيته. في حالات متعددة، يصل الأمر إلى فسخ الخطبة ما إن يُطرح الموضوع من قبل الخطيبة أو أهلها.

يعيد الإعلام اللبناني الشائع، وخاصة التلفزيونات، إنتاج الصور المبتذلة والشَّكلية نفسها عن النساء في لبنان، مسترجعاً الحقل المعجمي الذي يجمع بين "الإثارة والثقافة والتحرر"، وما إلى ذلك من تمجيد يهمل واقع آلاف النساء اللاتي يعشن ظروفاً قاسية وعنيفة على كل الصعد.

تمزح نساء كثيرات بخصوص المهر المؤجل بالقول: "إذا رغبتُ أنا بالطلاق وصارت حياتي جحيماً فلن أتنازل فقط عن حقوقي، بل سأقوم أنا بدفع المهر له كي يتركني وحالي". تضع هذه المنطلقات الاجتماعية ضغوطاً أكبر من تلك التي يضعها الشرع الديني أحياناً، معرقِلة تبني حقوق النساء بشكل أوسع وإن كانت من مصلحتهنّ، إذ أكّدت 23 سيدة من 27 أجريت معھن مقابلات في التقرير أنّ العقبة الرئيسية التي واجھنھا في محاولة الحصول على الطلاق كانت ھشاشة وضعھن الاقتصادي أثناء إجراءات إنھاء الزيجة وبعدھا على السواء، بحكم استمرار التبعية الاقتصادية.

وإذا توقّفنا عند محاكم الكاثوليك والروم الأرثوذكس والإنجيليين، تطالعنا تفاوتات شبيهة. فعلى الرغم من القيود الشديدة التي تعترض حلّ عقد الزواج، المفروضة بالتساوي على الرجال والنساء في الطوائف المسيحية، إلا أن الرجال يملكون حيزاً للالتفاف والمناورة لا تملكه النساء، كأن يجوز للرجل عند الأرثوذكس أن ينال الطلاق إذا اكتشف بعد الزواج أن زوجته لم تكن عذراء. كما لا يعتبر العنف الزوجي سبباً كافياً لحل الزواج، إلا لو ارتقى لمستوى الشروع بالقتل!

في مقابل ذلك كلّه، تحظى طروحات الزواج المدني والقانون الموحد للأحوال الشخصية بمقاومة شديدة متعددة المستويات، ليس فقط من رجال الدين والمحاكم الروحية، بل من نسبة عالية من اللبنانيين واللبنانيات. حسب آخر إحصاء أجرته شبكة "الدولية للمعلومات" عام 2016 [7]، فإن نسبة مرتفعة تصل إلى 42 في المئة من المستطلعين في لبنان يؤيدون أن يبقى الزواج الديني من صلاحيات المحاكم الإسلامية والمسيحية، ونسبة 41 في المئة أيّدوا حرّية الاختيار بين الزواج المدني والديني، بينما يؤيد 4 في المئة فقط أن يكون الزواج المدني هو المعمول به في البلد، (وأجاب 7 في المئة بأنهم غير معنيون). تسمح هذه الأمثلة والنسب المرتبطة بها باستخلاص فكرة عن كيفية إعمال الطائفية والقوانين، ومعها الأعراف المقبولة في مسألة الأحوال الشخصية التي تميز ضد النساء – والأمثلة تطول.

ثانياً: تكافؤ في التعليم والعمل؟

يحتلّ لبنان مكانة متقدمة من حيث معدل الالتحاق بالمدارس في المرحلة الابتدائية، إذ يبلغ المعدل الصافي حوالي 90 في المئة للجنسَين، ويؤكد مؤشر التكافؤ بين الجنسين المحدَّد في التقرير الإحصائي حول النوع الاجتماعي في لبنان [8] على غياب الفجوة في هذا المجال. أما في المستويات التعليمية الأعلى، فيشير التقرير إلى أن معدل الالتحاق الصافي للبنات هو أعلى من معدل الالتحاق لدى البنين. أما من جهة سوق العمل، فهناك تفاوت كبيرحسب التقرير نفسه، ففي حين بلغت نسبة النساء 52.6 في المئة من المقيمين الذين هم في سن العمل، إلّا أنّ أقل من 30 في المئة منهنّ يشاركن فعلياً في سوق العمل. ولا تزال القوالب النمطية تؤثر على اختيار المرأة لمهنتها، حيث أن 9 من بين 10 نساء يعملن في قطاع الخدمات، فيما مشاركتهنّ في قطاعي الصناعة والزراعة محدودة جداً. بالإضافة لذلك، يستمرّ التفاوت في مستوى الأجور بين الرجال والنساء، حيث يُظهر الإحصاء أن متوسط أجور اللبنانيات أقل بنسبة 6.5 في المئة من أجور الرجال اللبنانيين.

تحظى طروحات الزواج المدني والقانون الموحد للأحوال الشخصية بمقاومة شديدة متعددة المستويات، ليس فقط من رجال الدين والمحاكم الروحية، بل من نسبة عالية من اللبنانيين واللبنانيات. 

"المرأة تعمل"، صحيح، وفي الأحاديث التي تشيع بين الناس، غالباً ما تُسمَع آراء من قبيل "إن النساء بتنَ متواجدات في كل الوظائف لدرجة أنهنّ يأخذنها من درب الرجال"، أو "أي مساواة وتحرر تريدون؟ أكثر من هذا، بعد؟". وقد يبدي المتسائلون حيرةً في فهم موضع مشكلة النساء مع واقعهم، وهي حيرة لا تخلو من عدائية واتهامية متهكمِّة، وقد تصدر عن نساءٍ كما تصدر عن الرجال. لكنّ الأعراف والأنماط الشائعة ما تزال تتحكم ليس فقط في أيّ من المجالات تنصبّ النسبة الأكبر من النساء، ولكن أيضاً في أيّ المواقع تتبوّأ النساء داخل هذه المجالات. وعلى الرغم من ارتفاع نسبة النساء في المناصب الإدارية العليا والمتوسطة في القطاع العام من 30 في المئة عام 2004 إلى 42.3 في المئة في الفترة 2018-2019، إلا أن النسبة في القطاع الخاص لا تزيد عن 26.5 في المئة فقط في الفترة 2018-2019، في المؤسسات على أنواعها - بما فيها الخدماتية.

مِن جهة أخرى، وربطاً بالأحوال الأسرية والهشاشة الاقتصادية التي تعاني منها المرأة، نلفت إلى أنها في كثير من الحالات تجد نفسها تحت ولاية على مالها أيضاً، رغم انتفاء السبب الشرعي أو القانوني لذلك. وهناك حالات لا تحصى لنساء متعلمات وتعملن في مختلف المجالات، من عائلات فقيرة أو متوسطة الدخل، ومع ذلك يُسلب منهنّ تعبهنّ وتجدن أنفسهن عالقات في حلقة التبعية الاقتصادية، بحيث يضطررن لطلب المال كلّما احتجن شيئاً. هذا إلى جانب أن النساء اللاتي تعملن كمدبرات لبيوتهنّ "بدوام كامل" لا يعتبر القانون ولا الأعراف عملهنّ مأجوراً، وهنّ بالتالي معتمدات تماماً على الشريك.

ثالثاً: "استهلاك" النساء في الميديا

تنتشر على تطبيق واتساب صورة تظهر امرأتين بشكل مترهل مبالغ به واسوداد تحت العيون، يقول التعليق أسفل الصورة "نساء لبنان بعد الانهيار الاقتصادي وانقطاع البوتوكس". المرسِلة امرأة والمجموعة التي أرسلت إليها الصورة كذلك هي مجموعة نساء. والصورة هذه – أو غيرها من الصور التي تحمل معانٍ شبيهة - لا تستدعي في أغلب الأحيان ردوداً سلبية من النساء، بل قد تُقابل بالضحك.

بلغت نسبة النساء 52.6 في المئة من المقيمين الذين هم في سن العمل، إلّا أنّ أقل من 30 في المئة منهنّ يشاركن فعلياً في سوق العمل. ولا تزال القوالب النمطية تؤثر على اختيار المرأة لمهنتها، حيث أن 9 من بين 10 نساء يعملن في قطاع الخدمات.

 تُستنْسخ هذه الصور التي تستسهل الحكم على أجساد النساء، من باب "الاستظراف"، ولا نجد ما يقابلها من تعميم وتعزيز الأفكار الإيجابية عنهنّ، مع أنّ النساء مثلاً هنّ من هببن جماعياً لإيجاد أعمال بديلة، ولو بعرض الطبخ من المنزل على زبائن محتملين، لإعالة العائلة في ظلّ خسارة الكثير من أرباب الأسر الذكور قيمة أعمالهم بفعل انهيار العملة الوطنية. هذا التعزيز السلبي نفسه نجده عندما تحصد أغنية مثل "جمهوريّة قلبي" للمغني محمد اسكندر، جماهيرية واسعة تجعلها الأولى وقت صدورها عام 2010. تقول الكلمات: "نحن ما عنّا بنات تتوظف بشهادتها، عنّا البنت بتتدلل، القرش بيجي لعندها"، ليخلص المغنّي بأنه يكفي الفتاة أن تكون "رئيسة جمهورية قلب - ه"، فذلك أكبر منصب ينبغي أن تطمح له. الأكيد أن شعبية الأغنية لا تنحصر نهائياً ضمن الفئات غير المتعلمة أو من تزوجن باكراً ولم يتسنّ لهنّ العمل مثلاً، بل تبثها مكبرات الصوت في أعراس الطبقات الاجتماعية المختلفة، في القرى والمدن سواء. وهي في الاغلب الاعم لا تستدعي التوقف أمامها أو التفكير بالمعاني والصور المرسلة عبرها، وفي أحسن الاحوال، وحين لا تحظى بالتأييد، يذهب النقد الى اعتبارها نكاتاً غير مؤذية أو مجرد كلام مسلّ.

وجانب هذا، يعيد الإعلام اللبناني الشائع، وخاصة التلفزيونات، إنتاج الصور المبتذلة والشَّكلية نفسها عن النساء في لبنان، مسترجعاً الحقل المعجمي الذي يجمع بين "الإثارة والثقافة والتحرر"، وما إلى ذلك من تمجيد يهمل واقع آلاف النساء اللاتي يعشن ظروفاً قاسية وعنيفة على كل الصعد. ومن جهة أخرى، فعندما يَطرح مواضيع متعلقة بالأسس التمييزية والمشاكل التي تواجه النساء، فهو يأخذ المناحي التسطيحية ونادراً ما ينجح في الانتصار لهذه القضايا. فتسأل مقدمة البرامج رابعة الزيات في الإعلان الترويجي لحلقتها لبرنامج "فوق 18" على شاشة تلفزيون الجديد [9]: "هل توافقون على المثل القائل أنّ ضرب الحبيب زبيب؟"، وتعرض مسألة ضرب النساء كوجهة نظر تحتمل الرأي الموافق والمخالف، مِن ضيوفٍ رجال ونساء، معيدةً إلى الأذهان مقابلات سابقة كانت طرحت فيها فنانات لبنانيات آراء صادمة بهذا الخصوص، كرأي المغنية نجوى كرم بأنه من الجيد للمرأة أن تشعر بقوة الرجل إذا ضربها لأنها رفعت صوتها عليه، أو رأي الممثلة وملكة جمال لبنان السابقة نادين نجيم القائل بأنها بالتأكيد لن تربي ابنتها كما تربي ابنها. 

في كثير من الحالات تجد المرأة نفسها تحت ولاية على مالها أيضاً، رغم انتفاء السبب الشرعي أو القانوني لذلك. وهناك حالات لا تحصى لنساء متعلمات وتعملن في مختلف المجالات، من عائلات فقيرة أو متوسطة الدخل، ومع ذلك يُسلب منهنّ تعبهنّ وتجدن أنفسهن عالقات في حلقة التبعية الاقتصادية، بحيث يضطررن لطلب المال كلّما احتجن شيئاً.

يمكن بسهولة رؤية كيف يُسحَب البساط من تحت المعالجة الجدية لهذه المسائل مفسحاً المجال مجدداً لما يفترض أنه ترفيه، ولكنه في الواقع يلعب دور التعامي عن وضع سيء ومهين لأغلبية من النساء، ويعيد انتاج افكار وقيم خطيرة، ويساعد في تأبيدها.

هشاشة مضاعفة في الأزمات

الجدير بالذكر أن مسألة ضرب الزوجة مثلاً تُطرح بهذا الشكل في وقت تبيّن فيه ارتباط وثيق بين الأزمة الاقتصادية والعنف ضد النساء، بحسب دراسة أجرتها مؤخراً "منظّمة أبعاد" [10]. كما رصدت منظمة "Fe-Male" 27 جريمة قتل ضد نساء وفتيات في لبنان في العام 2020 [11] مقابل 13 جريمة في العام 2019، وجرائم عنف أسري بمعدل جريمتين شهرياً. وفي العام 2021 قتلت 3 نساء في أسبوع واحد على يد أحد أفراد أسرهن. وصلت نسبة الارتفاع في جرائم القتل في لبنان في العام 2020 إلى رقم صادم بـ 107 في المئة مقارنة بالعام 2019. كما ازداد عدد الشكاوى التي تلقتها قوى الأمن الداخلي على الخط الساخن (1745)، من 747 حالة عنف أسري قبيل جائحة كورونا إلى 1468 شكوى خلال فترة التعبئة العامة والحجر المنزلي. وارتفعت نسبة التبليغات عن العنف الأسري إلى 96.52 في المئة ما بعد جائحة كورونا.

سجّل هذا العام أيضاً نسبة بطالة وصلت إلى 75 بالمئة في صفوف النساء اللاتي سُرحت أعداد أكبر منهن من العمل، وهذه أيضاً من صفعات الانهيار المعيشي الحاصل، مثلها مثل "فقر الدورة الشهرية" المتمثل بزيادة وصلت إلى 500 في المئة في أسعار الفوط الصحية ولوازم الدورة الشهرية، ما يجعل الحصول عليها صعباً لنحو 76 في المئة من النساء في لبنان.

أمام تدهور كل أحوال العيش وهشاشة النساء، والفئات المهمشة بالأخص في هذا الإطار، تطرح هذه العوامل مفارقات كبيرة أمام كل الأجوبة التسطيحية بما يخصّ سؤال أحوال النساء في لبنان، وترفع الغطاء الرقيق عن أوضاع خطرة، يشترك فيها الفقر مع الطائفية ويتداخل فيها الجمود في التشريع مع الأعراف الذكورية المعتادة في خلق بيئة تستمر فيها شروط التمييز والعنف. 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

[1] توفيت في 14 تشرين الثاني /نوفمبر 2021 عن 96 عاماً.
[2] كتاب "عن مدن ونساء (رسائل إلى فواز)" مؤلف من مجموعة من الرسائل كتبت بين عامي 1990 و1992، منشورات دار النهار، بيروت، 1998.
[3] منى تقي الدين أميوني. من مجلة الرائدة
Amyuni, M. T. (1). Etel Adnan on The Secret of Being a Woman. Al-Raida Journal, 24-25 : https://bit.ly/3DRvHm0
[4] طبيبة تبلغ من العمر 34 عاماً تمّ الاعتداء عليها ودفعها من الطابق السادس في آذار/ مارس 2021، لتلقى مصرعها على يد صاحب العمارة وزوجته لأنهم شكوا باستضافتها صديقاً ذكراً في شقتها في مدينة السلام بالقاهرة.
[5] تقرير فاطمة الموسوي وسارة البنا بعنوان "كسر القوالب" - معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية. المزيد على الرابط:https://bit.ly/31YBsRE
[6] شهادة من تقرير Human Rights Watch. يمكن الاطلاع عليه كاملاً على الرابط:https://bit.ly/3s7ekvg
[7] للمزيد: https://bit.ly/3FgbuqN
[8] الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تشرين الأول/ أكتوبر 2021.https://bit.ly/3pWK8QM
[9] بثّت الحلقة في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021.
[10] دراسة بعنوان "أولويّات النساء والفتيات في لبنان ومدى حاجتهنّ إلى الحماية". عن شركة Statistics Lebanon Ltd.، بتكليف من منظّمة أبعاد.
المزيد على الرابط:https://bit.ly/3m1B789
[11] عن تقرير للوكالة الوطنية للإعلام من إعداد أميمة شمس الدين. المزيد على الرابط:https://bit.ly/3IJQmMD

مقالات من لبنان

مسألة الحضانة في لبنان: أبويّة تستمكن بـ"جنايات" القوانين الطّائفية

الحضانة أكثر المسائل ظلماً من الأحوال الشخصيّة والاجتماعيّة عموماً في لبنان. وتخضع ضمن طوائف لبنان الدّينيّة الـ18 لـ15 قانوناً، يُنهي صلاحية الأم في الحضانة بموجب "سقف" لأعمار الأطفال. ولا يزال...

للكاتب نفسه