صيادو نيل مصر: الفساد يعطل المراكب السائرة

تنقل المصارف المياه المبتذلة ومخلفات المواد الكيمائية الى النيل. حوالي مليوني متر مكعب ونصف من المخلفات الصناعية ومخلفات الصرف الصحي يومياً تصب في فرع رشيد من النهر. تشكل المشكلة كارثة بيئية خطيرة، مع غياب كامل للرقابة الحكومية على مصادر التلوث. مرافق ومصانع حكومية أيضاً تلقي بلا هوادة بمخلفاتها، بما تحمله من عناصر ذات سمية عالية.
2021-12-02

إسلام ضيف

كاتب صحافي


شارك
1- صياد على قارب في مياه النيل فرع رشيد بمحافظة كفرالشيخ في مصر

 باحثون عن الرزق، تبدأ رحلتهم في كل صباح على قوارب صيد تقليدية بمياه نهر النيل، يبحرون ويلقون شباكهم على أمل أن تجود مياه "شريان الحياة" بالخير والعطاء. لم توقفهم مخاطر المهنة التي توارثوها عبر الأجيال عن مواصلة التجديف والسعي من أجل لقمة العيش في ظل البرد القارس أو الطقس الحار.

لا تخلو ضفاف النيل في مصر من القوارب والعاملين بمهنة الصيد التي تعتبر مصدر الدخل الوحيد لهؤلاء. علاوة على ذلك، تشكل الأسماك المصدر الرئيسي لغذائهم. عقبات تهدد المهنة اليوم، حيث باتت رحلتهم تنتهي إلى ما يخيب الآمال.

مياه ملوثة ومهنة مغتالة

تلوث المياه من أبرز المشكلات التي تواجه الصيادين في نهر النيل، ومن أشكاله صب آلاف الأطنان من الصرف الصحي والصناعي في مجرى النهر. وتتكرر ظاهرة نفوق الأسماك سنوياً في نيل مصر بسبب التلوث.

"محمد أبو سعدة"، صياد بقرية منية الأشراف التابعة لمركز فوة بمحافظة كفر الشيخ قال: "نعاني منذ سنوات من هذه الأزمة، وناشدنا الجميع من أعضاء بمجلس النواب وجهات حكومية بشأن إيجاد حل للمصارف، وعلى رأسها مصرف "الرهاوي" الذي يصرف مخلفاته في فرع رشيد.. لكن الدولة تتجاهل".

فرضت عليهم الظروف الموحشة حياة لا تتجاوز حدود المراكب النيلية إلا نادراً، اتخذوها سكناً لهم منذ سنوات على طول النهر، وسط معاناة تتمثل في تعرضهم المباشرة لتقلبات الطقس والأمراض والعيش بلا أدنى خصوصية، بحوزتهم بعض الأواني والملابس، معتمدين على الأسماك كمصدر للرزق والغذاء. تعيش أسر بأكملها من الصيادين حياة عائمة بلا مأوى.         

"مصرف الرهاوي" الموجود في قرية الرهاوي بشمال محافظة الجيزة، يعتبر من أخطر بؤر التلوث لنهر النيل في مصر. ينقل المصرف حوالي مليوني متر مكعب ونصف من المخلفات الصناعية ومخلفات الصرف الصحي يومياً إلى فرع رشيد. يضيف "أبو سعدة": "أصبحت المياه الملوثة الآن تصل إلينا بشكل مستمر، بعد ما كانت تأتي خلال شهر واحد فقط في السنة، مما يدل على أن الأزمة عاماً بعد آخر تتفاقم بشكل أكبر".

تشكل المشكلة كارثة بيئية خطيرة، مع غياب كامل للرقابة الحكومية على مصادر التلوث. مرافق ومصانع حكومية أيضاً تلقي بلا هوادة مخلفاتها، بما تحمله من عناصر ذات سمية عالية.

انخفضت معدلات الصيد في ظل وضع النهر المزري واختفاء العديد من الأسماك النيلية بمختلف أنواعها، وأدى انحسار الثروة السمكية إلى تهديد الآلاف من أسر العاملين بمهنة الصيد. يتحدث المشرف العام على هيئة الثروة السمكية عن أن نهر النيل أصبح يحتوي على 7 أنواع من الأسماك فقط، بعد أن كان 40 نوعاً في السابق، ويؤكد أن الاستمرار في صرف التلوث الصناعي سيدمر الثروة السمكية بالكامل خلال أعوام. كما أشارت دراسة اقتصادية لإنتاج الأسماك في مصر والصادرة عن مركز البحوث الزراعية، إلى أن كمية الأسماك المنتجة من نهر النيل وفروعه تتناقص بمعدل سنوي بلغ حوالي 4.231 ألف طن، أي تعادل حوالي 4.59 في المئة من متوسط كمية إنتاج الأسماك في نهر النيل خلال فترة الدراسة.

 مافيا المزارع السمكية

"لا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة ولا يشغلهم سوى الربح"، هكذا بدأ أحد الصيادين حديثه واصفاً أصحاب المزارع السمكية، وذكر أنهم أصبحوا يؤثرون بالسلب على مصدر الرزق الوحيد لصغار الصيادين عن طريق صيد الزريعة السمكية من المياه بشكل مستمر قبل اكتمال نموها لصالح مشاريعهم الخاصة.

تغزو الأقفاص السمكية العائمة (وهي إحدى وسائل تربية الأسماك في حيز مغلق) فرع النيل برشيد على الرغم من إعلان وزارة الموارد المائية والري من قبل عن خلو الفرع منها، وتشكل عائقاً كبيراً أمام صغار الصيادين بسبب صيد سمك الزريعة ووضعه بداخلها.

الصيادون يؤكدون على أن عملية استنزاف المصائد الطبيعية تتم على مرأى ومسمع من شرطة المسطحات المائية التي تساعد المخالفين وتترك لهم المجال، ولا تردع إلا "الصغار" فقط. كما أن عمليات إزالة التعديات تبقى جزئية بسبب شيوع الرشوة والمحسوبية.

بحسب تقرير رسمي لهيئة الثروة السمكية، يوزع حجم الإنتاج السمكي في مصر على نحو 80 في المئة من الاستزراع السمكي، بينما 20 في المئة فقط من المصائد الطبيعية.

واقع معيشي منهار

يشير صيادون إلى انعكاس الوضع القائم على ظروفهم المعيشية بالسلب، لقد قادهم قطار الفساد والتهميش إلى حالة فقر مدقع. ولم يعد بمقدورهم تحمل الارتفاع المستمر لأسعار الخامات المستخدمة في الصيد، خاصة الشباك، وأعباء التراخيص المكلفة، فمنهم من اتجه لصيد البلاستيك والمخلفات ("الخردة") بدلاً من صيد الأسماك ليجمع أكبر عدد ممكن من النفايات القابلة للتدوير والموجودة في مياه نهر النيل فيبيعها بعد الفرز، في محاولة لإيجاد مصادر بديلة للدخل.

أصبح نهر النيل يحتوي على 7 أنواع من الأسماك فقط، بعد أن كانت 40 نوعاً في السابق، والاستمرار في صرف التلوث الصناعي سيدمر الثروة السمكية بالكامل خلال أعوام. أشارت دراسة ل"مركز البحوث الزراعية" إلى أن كمية الأسماك المنتجة تتناقص بمعدل سنوي بلغ 4.231 ألف طن، أو حوالي 4.59 في المئة من متوسط كمية إنتاج الأسماك في نهر النيل.  

فرضت عليهم الظروف الموحشة حياة لا تتجاوز حدود المراكب النيلية إلا نادراً، اتخذوها سكناً لهم منذ سنوات على طول النهر، وسط معاناة تتمثل في تعرضهم المباشرة لتقلبات الطقس والأمراض والعيش بلا أدنى خصوصية، بحوزتهم بعض الأواني والملابس، معتمدين على الأسماك كمصدر للرزق والغذاء. تعيش أسر بأكملها من الصيادين حياة عائمة بلا مأوى.

نظراً لعدم وجود مصدر رزق آخر، يضطر الكثير منهم إلى الاستمرار في مزاولة المهنة على الرغم من تقدم العمر وسوء الحالة الصحية. في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، لقي صياد (50 عاماً) مصرعه غرقاً في نهر النيل عقب سقوطه أثناء الصيد بمحافظة سوهاج. وعلى الرغم من الخطورة البالغة التي تشكلها طبيعة مهنة الصيد على صحة العاملين بها، لا توجد مظلة تأمينية تتناسب مع أوضاعهم وظروف عملهم وسط تعدد الشكاوى من إرتفاع قيمة مبالغ التأمين والمطالبة بخفض سن معاش التقاعد، المحدد ب65 عاماً، ويتقاضى الصياد في نهاية الأمر معاش شهري زهيد.

***

تتحدث الحكومة عن إطلاق مبادرات تستهدف تقديم الدعم للصيادين وتوفير "حياة كريمة". ولطالما تحدثت أبواق السلطة عن تقديم العون دون نتائج حقيقية ملموسة على أرض الواقع، سوى تصاعد الخطر الذي يهدد مهنة الصيد بالاختفاء، وانهيار أوضاع العاملين بها...  

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

السجون المصرية تعمّق جراح الفقراء

إسلام ضيف 2021-08-29

ولا يمكن فصل ما يحدث داخل السجون، من مشاريع ربحية وبيع السلع بأسعار جنونية للسجناء، عن السياق العام والتوجه الاقتصادي للدولة، وسياسة التعويم وأثارها على المواطن الفقير. وفي هذا المناخ...