في القرية اليمنية: البقرة أُمٌّ ثانية في الأسرة!

الحاجة إلى البقرة في القرية اليمنية وَصَلَتْ بها إلى ما يشبه أن تكون أُمّاً ثانيةً في الأسرة. وفي صيغة مخاطبتها ما يتضمّنُ الإحالةَ على هذه المشابهة، إذ يقترنُ إدرارُها للحليب بهدوئها وشعورها بالألفة مع مَنْ يتولّى حلْبَها، وهي المرأةُ عادةً بعد أن تَمْسَح على ظهرها، وتخاطبها بـ "أُمِّي هاهْ"، أو "وامَّهْ"، أو "يَمَّهْ"، وفقًا لنسق المحكية في كل منطقة.
2021-11-25

عبده منصور المحمودي

شاعر وناقد أكاديمي يمني


شارك

كلما كانت القريةُ اليمنيةُ جبليةً ونائيةً عن المدينة وعن المراكز الحضرية، كلما ارتفع عددُ الأبقار فيها. والعكس صحيح، ويقفُ وراءَه عددٌ من العوامل والمتغيرات، أبرزها التوجه إلى التعليم الجامعي، والالتحاق بالوظيفة العامة، والجفاف، والهجرة الداخلية المتزايدة إلى المدينة.

أما في القرية فاحتفظت البقرة بمكانتها، على امتداد التاريخ اليمني قديمه وحديثه، واستمر وجودها كواحدٍ من المقومات الرئيسة في حياة الأسرة. وتمظهرت هذه المكانة في تفاصيل الحياة الريفية: في طرازِ بناءِ المنازل القديمة، التي يكون فيها الطابق الأول خاصاً بالمواشي، والبقرة بوجه خاص. وفي اهتمام الأسرة بها والعناية بأحوالها، والحرص على أن تتجاوز أمراضها العارضة، والحزن على رحيلها الأبدي. فقد أجهشت أم خالد بالبكاء، إشفاقًا على أختها المنتحبة بصوت مسموع على الرغم من الضوضاء الصاخبة أمام منزلها، لحظةَ نفوق بقرتها، بعد مرور أيامٍ على حالها المرَضِيّة المستعصية.

إنَّ من أولويات الأسرة، في مستهل حياتها، التفكير في امتلاك بقرةٍ وتربيتها. كانت أمي تتحدث عن بدايات حياتهما الاسرية مع أبي، فتذكّرتْ تلك العِجْلة الصغيرة، التي ولَدْتها بقرةُ أمها، واحتفظتْ بها أسرتُها، ولم تبعها في السوق الريفي، ومنحتْها جدتي لابنتها بعد مرور شهرٍ على زفافها. أبي، وهو يسمع حديثها هذا في سياق مواقف مساندتها له، حاول التقليل من دورها، ليحافظ على صورته المتفردة بتحمل مسؤولية حياتهما. كانت المصداقيةُ واضحةً في استمرار حديثها، فتوقف عن محاولته، معترفًا ضمنًا بدورها.

قد تكون عائلةُ الزوج هي من تمنح ابنها حديث الزواج عِجْلَةً، فإن تعذَّرَ ذلك فإن من أولوياته توفير مبلغٍ لشراء بقرة، أو عِجْلة ستصبح فيما بعد بقرة الأسرة. لا يكون الشراء في مستطاع المنتمي إلى الطبقات الأشد فقراً، لكن أمامه فرصة أن يُرَبِّي عِجْلةً لأسرةٍ راغبةٍ في تكاثر أبقارها والاستفادة منها، فتمنَحُهُ إيّاها وفقًا لتفاهمٍ عرفيٍّ يقضي له بملكية النصف من كل رأسٍ من مواليدها، والنصف الآخر يكون لمالكها.

بمثل هذه الإجراءات العائلية والتفاهمات الاجتماعية، تتكاثر الثروة الحيوانية من الأبقار في القرى اليمنية، ويغلب عليها تجانسُ النسل، فمعظمُها يتحدَّرُ عن سلالة أبقار "الزيبو" الهندية، التي يُطلق عليها اسم "البرهمان بول".

من الحليب إلى السمن البلدي

الحاجة إلى البقرة في القرية اليمنية، وَصَلَتْ بها إلى ما يشبه أن تكون أُمّاً ثانيةً في الأسرة. فمنها الحليب، واللبن الرائب، والسمن البلدي. وفي صيغة مخاطبتها ما يتضمّنُ الإحالةَ على هذه المشابهة، إذ يقترنُ إدرارُها للحليب بهدوئها وشعورها بالألفة مع مَنْ يتولّى حلْبَها، وهي المرأةُ عادةً بعد أن تَمْسَح على ظهرها، وتخاطبها بـ "أُمِّي هاهْ"، أو "وامَّهْ"، أو "يَمَّهْ"، وفقًا لنسق المحكية في كل منطقة.

  يتم حلبُ البقرة عادةً بشكل يومي، فيدخل الحليب في وجبتي الإفطار والعشاء بشكلٍ رئيس، ويضاف إلى قهوة البن، وإلى الشاي عند بعضهم. كما يغطي حاجة الأطفال إلى الغذاء، إما بمعية الرضاعة الطبيعية، أو بدونها، لطفل الأسرة، أو لمن لا بقرةَ في أُسْرَته.

يدخلُ الحليبُ المرحلة الثانية، مرحلة رجِّهِ في إناءٍ خاصٍ، ينتج عنها اللبنُ الرائب منفصلًا عن الزبدة. قليلًا ما يدخل اللبن الرائب في وجبة الإفطار، كون الغداء هي وجبته الرئيسة، وبه يستقيم غداء العصيدة بمختلف أنواعها.

يبلغ حجمُ الثروة الحيوانيةِ من الأبقار في اليمن مليوناً و503 آلاف رأس، مع تراجعٍ ملحوظٍ لحجم الثروة الحيوانية في اليمن بين عامي 2014 و2018 نتيجة ظروف الحرب الدائرة فيه.

أما الزبدة فيتم تجميعُها يومياً. غالباً ما تكفي حصيلةُ الأسبوع منها، للانتقال بها إلى المرحلة التالية، أي تحويل الزبدة الى سمن بلدي، يدخل على الوجبات الثلاث، منفرداً أو ممزوجاً باللبن. كما تستفيد الأسرُ الفقيرةُ من ثمن بيعه في الأسواق الريفية.

لا تخلو قريةٌ من أن تكون فيها أسرةٌ أو أكثر ممن لا يُرَبُّون الأبقار، ومع ذلك فليس بإمكان هذه الأسرة الاستغناء عن البقرة، فتُوْكِل إلى واحدٍ من أطفالها مُهِمّة التوجُّه إلى أسرةٍ مجاورة، لجلب حاجتها من الحليب واللبن الرائب. فمن المعتاد عدم بيعهما، ويتم تبادلهما في سياقٍ من أخلاقيات الجوار في القرية اليمنية. وتُعد هذه الثلاثية (الحليب ــ اللبن الرائب ــ السمن البلدي) هدية الريفي إلى قريبه أو صديقه المقيم في المدينة، وهي غالباً ما تكون سمناً بلدياً، وقليلًا ما تكون حليباً، وأقل من ذلك أن تكون لبناً رائباً.

يسُدُّ استيرادُ الألبان ما يترتب على الانحسار المديني من حاجةٍ إلى الألبان. فاليمن يستورد أكثر من 90 في المئة من حاجته إلى الألبان، حسب ما وصلتْ إليه دراسةٌ في اليمن عام 2015، أجرتْها منظمةُ الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، والتي أشارت إلى أن ما يتم إنتاجه في اليمن، لا يتجاوز الـ 10 في المئة من حاجة السكان، وإلى أن معدل إنتاج البقرة الواحدة لا يتجاوز الخمسة لترات، مقارنةً بعشرةِ لترات في ظروفِ تغذيةٍ جيدة. وأرجعتْ الدراسةُ سبب هذا التدني، إلى مشاكل ترتبط بسوء البرامج الغذائية للأبقار، وضعف كفاءتها التناسلية.

تلبية حاجةِ الأسواق والمناسبات

عادةً ما تكون الأسواق الريفية أسواقاً أسبوعية، يومٌ واحدٌ من أيام الأسبوع هو يوم السوق الريفي. تتنوع فيه البضائع المعروضة، وفيه مساحةٌ خاصةٌ لبيع وشراء المواشي. ومساحةٌ مشابهةٌ في المدن الصغيرة والمراكز الحضرية، يُخصص فيها واحدٌ من أيام الأسبوع سوقاً للمواشي.

مقالات ذات صلة

في هذه الأسواق تجرى عمليات بيع وشراء الأبقار والعجول والثيران، وتجد فيها الأسرة اليمنية مجالًا للاستفادة المالية من تربية الأبقار. عادةً ما يمتهن أشخاصٌ معينون مهنة بيع وشراء المواشي، وفي سياقها يأتي شراؤهم للعجول والثيران لتلبية حاجة مطاعم المدينة إليها، ومثلها حاجة الأعراس والمآتم والمناسبات، وحاجة الراغبين في أن تكون أضاحيهم ثيرانًا. فالعجول غير ملائمة لاشتراطات الأضحية. هؤلاء يضطلعون بالمهمة ذاتها حينما ينعقد إبرامُ تصالحٍ بين قبيلةٍ وأخرى، على خلفية ثَأْرٍ أو اقتتالٍ أو خلافٍ جسيم، حيث يتم ذبحُ ثورٍ أو أكثر، وفقًا لنسقٍ عرفيّ، يترتب عليه الوصول إلى تسويةٍ معينة بين قبيلتين، أو بين طرفين من قبيلةٍ واحدة. وقلةٌ هم من يُرَبُّون الثيران للحراثة، بعد دخول آلات الحراثة الحديثة.

المرأة هي صاحبة الدور الرئيس في تربية الأبقار والعجول والثيران، إلى درجةٍ تكاد أن تكون مقصورةً عليها. وهي من يتولى إطعام الابقار يومياً، إما بجز الحشائش أو حصد الأعلاف من محيط مزارع القات.

إن هذه الحاجة المتعددة في أشكالها، تُمَثِّل رافداً مالياً مهماً للأسرة الريفية، التي فيها تكون المرأة هي صاحبة الدور الرئيس في تربية الأبقار والعجول والثيران، إلى درجةٍ تكاد أن تكون مقصورةً عليها، بشكلٍ يثير الغبطة والغيرة فيمن لا توافقه امرأته على أن تكون البقرة من مقومات حياتهما، وهو ما تضَمَّنَه موقفٌ حدَثَ في سوقٍ ريفي، وكان عيد الأضحى على الأبواب، فوصل أحدهم إلى السوق يقود ثوراً ضخماً، تسابق عليه الراغبون فيه. استلم الرجل ثمنه مبلغاً كبيراً (مليون و300 ألف ريال)، أي ما يعادل ألفي دولار. انتحى بالرجلُ شخصٌ ليست البقرة من مقومات حياته، وسأله: أفي أسرتك كانت تربية هذا الثور؟ أم اشتريته من سوقٍ آخر؟ اندهش وهو يسمع الإجابة: أن امرأة الرجل هي من رَبَّتْ هذا الثور الضخم، فعقب عليه: "استحلفك بالله خذ مليون ريال لك، واعطها 300 ألف ريال، فمثلها تستحق هذا العطاء".

الأعلاف والحشائش وبقايا الطعام

تتغذى أبقار اليمن، بدرجة رئيسةٍ، على الأعلاف والحشائش. فمساحة المراعي الطبيعية في اليمن تبلغُ نحو 10 ملايين هكتار. انعكس التوسع في زراعة شجرة القات سلباً على زراعة الأعلاف، وهيّأ ـــ في الوقت ذاته ـــ مستوىً من النمو للحشائش بين صفوف هذه الشجرة، كما ترك هامشاً في جوانب مزارعها لزراعة نوعٍ خاصٍ من الأعلاف، يُصطلح عليه بـ "الدُخْن اللحجي"، نسبةً إلى موطنه الأصلي الذي انتشر منه، محافظة "لحج"، إلى الجنوب الشرقي من العاصمة صنعاء، وتبعد عنها بحدود 337 كيلومتر. ساعدتْ في انتشاره خصائصُه التي لا تتوافر في "الدخن" المنتج في المحافظات الأخرى، كما لا تتوافر في الأصناف الأخرى من الأعلاف. تلك الخصائص متعلقةٌ بسهولة زراعته، والتي لا تزيد عن قص أجزاءٍ من سيقانه الخضراء وغرسها في التراب، ولمرةٍ واحدةٍ فقط، فينمو ويورق، ويضرب جذوره في الأرض مع كل حصادٍ، إذ يتجدد نموه من أصول سيقانه بفروعٍ متكاثفة، مهما تكررت مرات حصاده.

تتولى المرأة في القرية اليمنية إطعام الابقار يومياً، إما بجز الحشائش أو حصد الأعلاف من محيط مزارع القات. وتُشارك الزوج في حصاد مزارع الأعلاف، إلا إذا امتلك عدداً من المزارع، فإن الاستعانة بعُمّال اليومية يوَفِّر عليها عبء المشاركة في حصادها. ومن تدابيرها المنزلية، أنها تخصُّ البقرة ببقايا الطعام، فتتغذى عليه كِسَراً وبقايا أقراصٍ، وتشربه مع مائها المُتَّخِذ هيئةَ حِساءٍ من بقايا الطعام. أما مولود البقرة، فمع غذائه الطبيعي، يحظى بطعامٍ إضافي، إذ تُقدم له المرأة حِساءً من الماء والطحين في أيامه الأولى، وقطَعاً من العجين في الأسابيع التالية لولادته.

يستورد اليمن أكثر من 90 في المئة من حاجته إلى الألبان، حسب ما وصلتْ إليه دراسةٌ أجرتْها منظمةُ الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في العام 2015،، أشارت إلى أن ما يتم إنتاجه في اليمن، لا يتجاوز الـ 10 في المئة من حاجة السكان.

غذاء الأبقار من الحشائش والأعلاف متوافرٌ للمرأة من الأرض الزراعية التي تملكها أسرتها. أما مَنْ لا تملك أسرتها أرضاً زراعية، فستجد غايتها في أراضي الميسورين، ومُلّاك مزارع القات التي تزيد حشائشها على حاجة مواشيهم، أو الذين يكونون ممن لا يربون المواشي. سيما حينما تكون الحاجةُ ماسةً إلى التخلص من الحشائش في مواسم نموها المتسارع. أما في المواسم الأخرى، فعلى هذه المرأة أن تُجَسِّر مع أسرهم المودة بتزويدهم باللبن الرائب، وإهدائهم قنينةَ سمنٍ بلدي من حين إلى آخر.

مثل هذه التدابير المتنوعة، تفي بقدرٍ محدودٍ من حاجة الأبقار اليمنية إلى الغذاء.

 والنسبة العالية من هذه الحاجة يغطيها شراءُ الأعلاف. فقد كشفت دراسة منظمة الفاو ـــ السالف ذكرها ـــ أن 63 في المئة ممن يربون الأبقار يمتلكون أرضاً زراعية، وأن 25 في المئة من الأراضي الزراعية مخصصة لزراعة الأعلاف، والنسبة الباقية لزراعة الذرة الرفيعة أساساً وبعض المحاصيل، مثل السمسم، والتبغ، والخضروات. الدراسة أشارت إلى أن مَنْ يُرَبُّون الأبقار في اليمن يقدمون الذرة الرفيعة (عجور مجفف)، والذرة الغليظة الخضراء (عجور أخضر) كتغذية أساسية للأبقار. وأن 70 في المئة منهم يستخدمون الأعلاف التكميلية من المخلفات الزراعية: قشرة، عصارة السمسم، خبز. وأن الأعلاف المركزة غير مستعملة بتاتاً، وهو ما يفسر تدني إنتاج الحليب والإنتاج الحيواني، حسب ما جاء في الدراسة ذاتها.

متغيرات فاعلة

يبلغ حجمُ الثروة الحيوانيةِ من الأبقار في اليمن مليونا و503 آلاف رأس، مع تراجعٍ ملحوظٍ لحجم الثروة الحيوانية في اليمن بين عامي 2014 و2018، حسب ما ورد في تقرير إدارة الإحصاء والإرصاد الزراعي للعام 2018.

 تتداخل العوامل والمتغيرات الفاعلة في هذا التراجع، أبرزها تداعيات الحرب بمظاهرها المختلفة، والتي شملت شتى مجالات الحياة اليمنية، ومثلها اضطرابات المناخ، واعتباطية أو بدائية تربية الثروة الحيوانية، القائمة أساساً على خبرة الريفيين وطرائقهم التقليدية.

من الإجراءات التي اتخذتْها سلطةُ أنصار الله (الحوثيين)، في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لمواجهة هذا التراجع، مَنْعُ بَيْعِ إناث الحيوانات، سيما الصغار منها، وانعكس ذلك على عملية بيع وشراء إناث الأبقار. فقد نفذ المشتغلون في هذه المهنة تلك الإجراءات، وهو ما أفضى إلى وفرةٍ ملحوظة في إناث الأبقار، خاصة صغارها، وإلى انزواء عملية بيعها وشرائها في مساحةٍ ضيقةٍ مقصورةٍ على المزارعين فيما بينهم، فتزايَد في هذه المساحة عددُ الراغبين في تربية الأبقار، حيث أغراهم تدني سعرها الذي ترتب على تنفيذ إجراءات المنع. رغبتُهم هذه عزّزها نوعٌ من الاستقرار النسبي الذي اتسم به المناخ في اليمن. فكثافة أمطار الصيف الفائت سدت الحاجة إلى المياه، حيث استمر جريان الينابيع، وتراجع التصحر في المراعي، وتوافر العشب والأعلاف. ومن خلال هذه الرغبة وحيثياتها وعوامل تعزيزها، يمكن استشراف مستقبلٍ إيجابيّ لتربية الأبقار في القرية اليمنية. 


وسوم: فلاحونقرى

مقالات من اليمن

تزوير وتكفير الآثار اليمنية!

في منتصف آذار/ مارس الماضي 2021، وبالتزامن مع الذكرى السنوية السابعة لـ"عاصفة الحزم"، دعا محافظ ذمار إلى فتح باب المنافسة أمام المصممين الفنيين والنحاتين لتشييد نصب تذكاري وسط المدينة للملك...

للكاتب نفسه