الطوارئ في مصر تنتهي بهدوء: المعنى والتوقعات

القادم في مصر هو عصر الأمن، المنغمس بقوة في التكنولوجيا. نمط للحكم عنده القدرة على تجاوز سؤال الشرعية برمته. مزيد من الأسوار والعزل والأمن السائل الأكثر فعاليةً وعنفاً في عمقه. وربما يكون من إيجابيات هذا الأمر تقليل الأداء المسرحي للدولة البوليسية، وتقليص الفائض "غير المفيد" للعنف والقسوة. فالفساد والتوحش والطغيان والتعذيب، ليست أمراضاً بذاتها ولكنها أعراضٌ لحكم الدولة البوليسية
2021-11-25

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
يوسف عبدلكي - سوريا

ببيان شديد الاقتضاب، أعلن السيسي على صفحته الرسمية فيسبوك وتويتر، عدم تجديد حالة الطوارئ في مصر. ربما كان الأمر يستحق احتفالاً صاخباً ومواكب، وربما كان يجب أن تقف المدينة قليلاً تبجيلاً لهذه اللحظة. ولكن، في صمت، وبردود أفعال متوجسة، واحتفاء باهت من قبل الدولة نفسها: انتهت الطوارئ!

الدلالات السياسية

على الرغم من قصر بيان عدم تجديد الطوارئ، وغرابة أن يخرج عبر صفحات التواصل الاجتماعي، إلا أنه كان شديد التكثيف والدلالة، معلناً انتصار السلطة الكامل على كل ما يهددها. وليس فحسب الانتصار، بل استقرار الوضع، وتحول البلاد نحو حالة آمنة وجيدة تتطلع فيها للمستقبل، وبناء الجمهورية الجديدة.

ولكن هل حقاً انتصر السيسي؟ إلى حد بعيد، نعم! فالإخوان كجماعة سياسية قد تمّ تحطيمها وتهشيم بنيتها التنظيمية في مصر. وقد نالت الضربات الأمنية من كوادر التنظيم حتى الصف الرابع، ونالت أيضاً مما يُعرف بالمحبين والإخوان بالقلم الرصاص، أي من لم يتأكد ولاؤهم ودخولهم الكامل في التنظيم، وقرار رفع حالة الطوارئ يتزامن مع تصدع وصراعات عنيفة داخل الجماعة في الشهور الأخيرة، وتعمّق أزمة القيادة. وفي سياق إقليمي ودولي، انحسر دور وفاعلية داعش والعديد من الجماعات الجهادية التابعة لتنظيم القاعدة. وداخلياً، نجحت السلطات في استئصال أغلب التنظيمات الجهادية والمناوئة للنظام في الوادي، وانحسرت فاعلية العمليات الجهادية في سيناء، التي تعاني من انخفاض شديد في قدراتها التنظيمية والعسكرية.

أما القوى السياسية، فقد أجهزت الدولة المصرية على أغلبها أيضاً. وأما الأخطر والأكثر نجاعةً فهو تهشيم بنية تلك القوى النفسية، وانحسار دورها الفكري والسياسي والاجتماعي في المجال العام. بل سحقت الدولة المجال العام نفسه، وتمكنت من السيطرة على أدوات إنتاجه والتفاعل من خلاله. وهذا كله مصحوب بحالة من التوحش الأمني وعسكرة الفضاءات العامة مادياً ورمزياً، وحصار وحسر الحركة داخل البلاد. وقد نجحت الدولة في السيطرة على حركة الأموال إلى حد بعيد، وضربت القدرات التنظيمية والتمويل لدى أغلب مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، وقلصت فاعلية المجتمع المدني، لتنحصر فقط في بعض المؤسسات التنموية، وخلق شراكة ثلاثية بين الدولة وتلك المؤسسات والممول الأجنبي. أي أن دور السلطة انتقل من المجال الأمني أو البيروقراطي أو القانوني، لتصبح شريكاً دائماً. أمر شبيه جداً بما فعله الجيش في السوق المصري، حيث أصبح بوابة التفاعل داخل هذا السوق في قطاعات اقتصادية ومالية وتجارية عديدة.

ولكن هذا الانتصار، كان سبق للدولة المصرية أن حققته في العديد من محطاتها التاريخية المختلفة. ربما ليس بالدرجة نفسها من التوحش والعنف، ومع ذلك لم توقف حينها العمل بقانون الطوارئ، فمبارك بعد انتصاره على الإرهاب على سبيل المثال، لم يلغِ حالة الاستثناء. ويوجد هنا دلالة أخرى في بيان السيسي الذي أعلن -واعياً أو غير واعٍ – عن عدم المضي قدماً في استخدام الاستثناء كأداة للأمننة، أو بالعكس استخدام الأمننة كأداة لاستمرار الطوارئ، أي الكف عن تحويل كل مشكلة أو أزمة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو صحية إلى أزمة أمنية تطلب فقط التعامل الأمني وتهميش السياسة.

على الرغم من قصر بيان عدم تجديد الطوارئ، وغرابة أن يخرج عبر صفحات التواصل الاجتماعي، إلا أنه كان شديد التكثيف والدلالة، معلناً انتصار السلطة الكامل على كل ما يهددها. وليس فحسب الانتصار، بل استقرار الوضع، وتحول البلاد نحو حالة آمنة وجيدة تتطلع فيها للمستقبل، وبناء الجمهورية الجديدة. 

هنا أزال السيسي الربط بين خطورة الوضع القائم في مصر، وضرورة اتخاذه نسقاً وشكلاً معيناً من السلطة، كذلك توقف عن وصف الوضع بالخطر. هذا أولاً، وتوقف ثانياً عن وصف نظامه بـ"الضروري"، وموضعته على أنه كذلك، ورفع ثالثاً صفة الاستثناء أو الطارئ عن الوضع، فتخلى عن أداتين شديدتي الأهمية في حكم في مصر، وهما الأمننة والاستثناء.

الاستثناء أساس يومي للحكم

من الضروري رؤية الاستثناء في مصر ليس كحالة قمعية أو كجملة من الإجراءات الأمنية والقانونية ذات الطابع الاستثنائي. فالاستثناء في مصر هو الأساس اليومي للحكم، ورفعه يعني بالضرورة تغييراً شاملاً في بنية الحكم وجملة العلاقات بين مؤسسات الدولة ببعضها البعض، وبين الدولة والسكان.

قيل أن السيسي قام برفع حالة الطوارئ تجنباً لغضب الولايات المتحدة بقيادة بايدن. ولا شك أن السيسي ونظامه والدولة المصرية بكامل مؤسساتها ستحاول الاستفادة القصوى من رفع حالة الطوارئ، والترويج للنظام السياسي في جميع المؤسسات الدولية، وتحسين صورته في مجال حقوق الإنسان. وهذه ستكون ورقةً شديدة الأهمية على طاولة المفاوضات مع بايدن. ولكن من الصعب تصور أن إرضاء الولايات المتحدة هو السبب، أو الدافع المركزي وراء رفع الاستثناء. فالولايات المتحدة ظلت تضغط على مصر لعقود طويلة لفعل هذا الأمر، دون أن تقبل هذه الأخيرة بهذا الضغط أو تستجيب له.

وقد كان الأمر شبيهاً مع التكيف الهيكلي (أي الالتزام بإجراءات صندوق النقد والبنك الدوليين في إدارة الاقتصاد، وتحرير سعر الصرف، وتقليص الإنفاق الحكومي، وبقية الإجراءات والتصورات الاقتصادية والمالية التي تتبناها هاتان المؤسستان): لقد ضغط على مصر لعقود، ولم ينجح الأمر إلا منذ بضع سنوات، ومع السيسي. فهل الرجل أكثر قابليةً للضغط الدولي، وأكثر انصياعاً من نظرائه؟! هذا أيضاً من الصعب تصوره. فالسيسي بدأ حياته السياسية وافتتح طريقه للحكم بمذبحة كبيرة، وخاض حرباً أهلية عنيفة. كما أنه استطاع التخلص من كافة العقوبات والتضييقات الدولية التي كان من الممكن أن تفرض على مصر أو التي فرضت بالفعل، والتحليل أو التفسير بانتقال السلطة من ترامب المفضل لدى السيسي إلى بايدن، قد يكون مضللاً إلى حد بعيد.

الاستثناء والطوارئ في مصر أكبر من أن يكونا مجرد ورقة ضغط تتنازل عنها الدولة. فتاريخ مصر الحديث هو تاريخ من الاستثناء الطويل، وظلاله الكثيفة التي ألقت بعموم السكان بين فكّي الدولة البوليسية. وليس صحيحاً أن الطوارئ أو الاستثناء في مصر جاء نتيجةً للحكم العسكري بعد 1952. فهذا نفسه قد جاء مستنداً على بنية قانونية شديدة التعقيد والتطور فيما يخص الأحكام العرفية، والاستثناء في مصر يُحْمَل على معنَيين فيما يتعلق بالحكم. الأول هو الاستثناء بمعناه الاستعماري: أي أن هذه المجتمعات متخلفةٌ بطبعها، وغير قابلة للحداثة والتحديث والتطور الرأسمالي، وأنها أقرب لحالة المادة الخام التي يجب استخدامها واستغلالها بشكل أكثر كفاءة من قبل مجموعات أكثر تحضراً وتطوراً. وقد انتقل هذا التصور من الاستعمار إلى النخب الثقافية والسياسية نفسها. كما أن هذه الفكرة نفسها عن المصريين كانت حاضرةً في خطابات وتعليمات محمد علي باشا، فالمصري لا تجب معاملته إلا بالكرباج في أغلب الأوقات! أما المعنى الآخر للاستثناء والطوارئ فهو مرتبط بخطورة الوضع، أو بحادث طارئ ومستجدات يصعب التعامل معها بالأدوات القانونية والتشريعية الطبيعية. وهذا المعنى صحيح وخاطئ في الوقت نفسه، وهو مفهوم تضليلي في الأساس. فإلى حد بعيد، يمتاز تاريخ مصر الحديثة، وبالأخص منذ نشأة القانون الحديث في نسخته الأقرب لما نعرفه اليوم، أي القانون الجنائي في 1883، بأنه تاريخ من الاضطرابات الداخلية والخارجية. ولكن الأساس في التعامل مع الاستثناء، وبسبب طول أمده، هو أن استتباب الحكم، والقدرة على ضبط المجتمع المصري، لا يتسنّيان، ولا تتحقق شروطهما، إلا من خلال إطلاق العنان للدولة البوليسية، وعدم السماح لعموم السكان بالتمتع بجملة من الحقوق ومنها الحق بالمساواة تحديداً.

من الضروري رؤية الاستثناء في مصر ليس كحالة قمعية أو كجملة من الإجراءات الأمنية والقانونية ذات الطابع الاستثنائي. فالاستثناء في مصر هو الأساس اليومي للحكم، ورفعه يعني بالضرورة تغييراً شاملاً في بنية الحكم وجملة العلاقات بين مؤسسات الدولة ببعضها البعض، وبين الدولة والسكان. 

وهنا صلب المشكلة مع الأحكام العرفية/ الطوارئ. فهي أوجدت علاقة حكم مفادها أن المجتمع المصري أخطر من أن يحكم عبر مجموعة من الحقوق والحريات والالتزامات. الانقلاب في 1952 لم يولد إضافةً جديدة إلى الطوارئ والأحكام العرفية، ولا إلى الدولة البوليسية، بل أعطى معنى أيديولوجياً مكثفاً للاستثناء، وقام بربطه بالأيديولوجية الوطنية وقاطرتها في ذلك الوقت: الجيش. وهو ما خلق حالةً من العصاب مكتملة الأركان. فاستهداف السكان بشكل واسع النطاق صار هدفه المركزي القضاء على "الطابور الخامس" و"عملاء الخارج" و"أعداء النظام". والنظام الناصري امتلك ماكينة خطابية مهولة، استطاعت أن تأصل لأمرين داخل الدولة نفسها وداخل المجتمع. الأول هو أن هذه الدولة يجب أن تحكم عبر الأجهزة الأمنية، وبشكل عميق ومتغلغل داخل أنسجة المجتمع. والثاني، هو أن مصر كمركز للعالم تواجه استهدافاً دائماً. كما أنه أسند شرعية خطابه على المنجزات الاجتماعية العديدة التي حققها، وهو أمر مهم للغاية.

وقد انعكس هذا العصاب مرةً أخرى في رؤية المصريين لأنفسهم والعالم، لدرجة تحولت مع النزوع الفاشي الذي شهدته مصر منذ 2013 إلى حالة فصام شديدة مصحوبة بهستيريا أمنية. فكل من يريد الانخراط مع العالم، حتى لو كان الأمر تلقي جوائزَ فنية، مثل حالة فيلم "ريش" وجائزة "كان" الأخيرة، هو/ هي/ المؤسسة يعملون على تخريب مصر، وأن هذه المؤسسات العالمية تسعى إلى تفكيك مصر. ويجب النظر إلى تاريخ الاستثناء في مصر بأنه تاريخ الخوف من عموم السكان، ومن إعطائهم أي مساحة للحرية والمساواة سواء على مستوى الحركة أو الإبداع أو الإنتاج. فالحركة في ظل تمدد الدولة البوليسية وغطرستها واحتقارها الدائم للسكان هي فعل مشوب بالخطورة أو الذل والإهانة. فإذا أردتَ الحركة عليك/ ي أن تقبل بالإذلال.

الاستثناء كبنية قانونية متكاملة

وفي مجتمع ضخم سكانياً مثل مصر، فمنع الحركة ضرب من الجنون، فيبقى الإذلال، وهو ما جعل عموم الجمهور أيضاً يستشيط غضباً وينفجر في لحظات مختلفة من تاريخ مصر. أما الإبداع السياسي أو الفكري بكل أشكاله وأدواته الإنتاجية، فهو الآخر محاصر عبر الآليات والقنوات نفسها. وكان أبناء الطبقة الوسطى يتمتعون بقدر أكبر من حرية الحركة والتنقل، بالأخص في العهد الناصري حتى 1968، أي إلى لحظة هزيمة النظام واندلاع انتفاضة الطلبة. ولكنهم سرعان ما تحولوا هم أنفسهم إلى خطر أكبر، ويجب أن يخضعوا بشكل أكثر قسوة إلى الاستثناء، حتى انتهى المطاف بقتل خالد سعيد في 2010، في الشارع وأمام الجميع، لا لأي شيء إلا إمعاناً في الإذلال المسرحي والمشهدي التي تقوم به الدولة البوليسية.

صلب المشكلة مع الأحكام العرفية/ الطوارئ أنها أوجدت علاقة حكم مفادها أن المجتمع المصري أخطر من أن يُحكم عبر مجموعة من الحقوق والحريات والالتزامات. الانقلاب في 1952 لم يولد إضافةً جديدة إلى الطوارئ والأحكام العرفية، ولا إلى الدولة البوليسية، بل أعطى معنى أيديولوجياً مكثفاً للاستثناء، وقام بربطه بالأيديولوجية الوطنية وقاطرتها في ذلك الوقت: الجيش. 

وبالنظر إلى تفاصيل قانون الأحكام العرفية ونسخه المختلفة التي تطورت - ليس تطوراً كبيراً من حيث محتوى القانون نفسه - سنجد أنه بالأساس يستهدف عموم السكان، وليس فقط التمرد السياسي أو مجموعات محددة من السياسيين. كما أنه يستحوذ بداخله على أغلب الأنشطة الحياتية. فكل ما يتعلق بحركة السكان ونشاطهم الاقتصادي والإنتاجي والتبادلي يقع داخل الأحكام العرفية. وقد تطورت حالة الاستثناء في مصر حتى أصبحت بنيةً قانونية كاملة، ولكنها بنيةٌ موازية، والاستثناء في مصر حالةٌ قانونية منظمة ومعرّفة قانوناً وليست حالةً سياسية. فالسياسي في الاستثناء في مصر هو فقط إعلانه، المتروك لرأس الدولة وتقديره للموقف. وفوراً، بعد الإعلان، تعود حالة الطوارئ من حالة سياسية إلى حالة قانونية مكتملة الأركان، ولها محاكمها الخاصة ونيابتها الخاصة وموادها وطريقة إدارتها، والتي تختلف كذلك عن المحاكم العسكرية. الأمر الذي خلق حالةً شديدة الفصام في مصر، فالسكان يتم الاستحواذ عليهم داخل الاستثناء، وتقرر السلطة التنفيذية تحريك قضاياهم إما إلى القضاء الطبيعي أو الاستثنائي. وبالتالي فمواطن واحد هو ذاته يمكن أن يتحرك داخل البنيتين القضائيتين.

وقد قامت الدولة الحديثة في مصر بإدماج الاستثناء في القانون الطبيعي، أو خلق أبنية أو فجوات موازية داخل القانون لإطلاق العنان للدولة البوليسية التي تدير فعلياً الحكم والسكان في مصر. فمثلاً، كان رد فعل الدولة الأول على القانون الجنائي هو خلق ما عرف وقتها بـ"كومسيونات الأشقياء". وهي محاكم استثنائية، اتسمت بمستوًى غير مسبوق من العنف والتعذيب حتى تم إيقافها في 1910بشكل نهائي. وبعدها بأربع سنوات، تم إعلان الأحكام العرفية مرةً أخرى ومعها قانون التجمهر. وإحالات الأحكام العرفية، وتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة والحاكم العسكري والقضاء والداخلية شديدة التعقيد والدقة. وهي تستهدف بالأساس أمرين: حركة السكان وحركة البضائع. والأحكام العرفية/ الطوارئ تستهدف ضمان وسلامة البضائع وإطلاق يد الدولة البوليسية على السكان وتحجيم حركتهم.

ويمكن ملاحظة بندول تاريخي في مصر. ففي كافة المرات القليلة التي رفعت الدولة فيها حالة الاستثناء كانت تقوم بتعويضها عن طريق إدماج الاستثناء في القانون الطبيعي. فمثلاً في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الفائت، وقبل الاضطرابات العنيفة في 1952 وحريق القاهرة، أدمجت الدولة قوانين الاشتباه والتشرد والأشقياء في القانون الطبيعي. ومع ذلك حاولت الدولة نفسها خلال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات أن تأخذ أكبر خطوة في تاريخها مع الاستثناء، وهي إدماج الأحكام العرفية في ما يعرف بنظرية أعمال السيادة، أي أن كل أفعال الحكومة والسلطة التنفيذية من خلال الأحكام العرفية لا ينظر لها قضائياً. وقد رفض جمهور المحاكم هذه المحاولة عدة مرات حتى أنهى مجلس الدولة هذه المحاولة في 1946، أي في سنة تأسيسه نفسها.

تاريخ الاستثناء في مصر هو تاريخ الخوف من عموم السكان، ومن إعطائهم أي مساحة للحرية والمساواة سواء على مستوى الحركة أو الإبداع أو الإنتاج. فالحركة في ظل تمدد الدولة البوليسية وغطرستها واحتقارها الدائم للسكان هي فعل مشوب بالخطورة أو الذل والإهانة. فإذا أردتَ الحركة عليك أن تقبل بالإذلال. وفي مجتمع ضخم سكانياً كمصر، منع الحركة ضرب من الجنون، فيبقى الإذلال.

الاستثناء في مصر حالةٌ قانونية منظمة ومعرّفة قانوناً وليست حالةً سياسية. فالسياسي في الاستثناء في مصر هو فقط إعلانه، المتروك لرأس الدولة وتقديره للموقف. وفوراً، بعد الإعلان، تعود حالة الطوارئ من حالة سياسية إلى حالة قانونية مكتملة الأركان، ولها محاكمها الخاصة ونيابتها الخاصة وموادها وطريقة إدارتها، والتي تختلف كذلك عن المحاكم العسكرية. 

الحال لا يختلف كثيراً اليوم أيضاً. فهناك عدة قوانين استثنائية تم إدماجها في القانون الطبيعي مثل قانون الكيانات الإرهابية، قانون الإرهاب والتعديلات المختلفة التي تم إدخالها على قانون الإجراءات الجنائية، ومؤخراً قانون التعدّي على المنشآت الحكومية.

ما الذي يعنيه رفع الطوارئ؟

ولكن هل يعني هذا أن رفع حالة الطوارئ ليس له معنى وبلا قيمة فعلية؟ العديد من الحقوقيين والسياسيين يرون هذا. وهم قد يكونون محقين على المستوى السياسي الضيق الذي يخص "مجموعتنا" الحقوقية والسياسية. ولكنها نظرةٌ شديدة الضيق، ومعدومة الأفق، وحتى غير قادرة على رؤية وفهم حركة الطوارئ والأحكام العرفية في المجتمع المصري وتاريخها الثقيل. فعلى الرغم من تفخيخ القانون الطبيعي بمواد وقوانين استثنائية، يظل هناك قيمةٌ وتداعيات مهولة لرفع الطوارئ. فقد اطَلعَ الباحث على جواب من النائب العام إلى عموم النيابات العامة، ككتاب دوري، يفصّل فيه القضايا التي ستعاد إلى القضاء الطبيعي بعد رفع حالة الطوارئ. وهو كتاب طويل نسبياً بسبب الحجم الضخم للقضايا التي تقع في اختصاص الطوارئ. فمثلاً، قضايا التموين، النشر، السلاح الأبيض، البناء، البلطجة، العملة والتزييف وغيرها، ستعود للقضاء الطبيعي. هذه القضايا أغلبها لا يمس السياسيين في شيء. ولكنها القضايا التي يتم من خلالها إخضاع عموم السكان، ونشاطهم الإنساني للطوارئ، ويجعلهم تحت رحمة الدولة البوليسية. حتى صار التعذيب في الأقسام أفضل بالنسبة للعديد من الناس من عمل قضية محكمة تبعث صاحبها إلى السجن لعدة سنوات.

يظل من المبكر الابتهاج أو التوجس من رفع حالة الطوارئ. فأولاً، يجب أن تستقر حالة الطبيعي. ثانياً، يجب تفحص مشروع الدولة القادم للحكم بدقة ونقدية. ثالثاً، لقد أصيب القضاء بعطب شديد في تناوله للعديد من القضايا، وأصبح هو نفسه خصماً وليس حكماً. 

كلما رفعت الدولة حالة الاستثناء، عوضتها بإدماج الاستثناء في القانون الطبيعي: في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الفائت، أدمجت الدولة قوانين الاشتباه والتشرد والأشقياء في القانون الطبيعي، ثم خلال عقد الأربعينيات اخذت أكبر خطوة في تاريخها مع الاستثناء، وهي إدماج الأحكام العرفية في نظرية "أعمال السيادة". ولا يختلف الحال كثيراً اليوم، فهناك عدة قوانين استثنائية تمّ إدماجها في القانون الطبيعي.

وفي ظل السنوات القليلة التي شهدت رفع لحالة الطوارئ - من 2013 إلى 2017، ومن 2013 إلى 2017 - تمادى القضاء الطبيعي، وأوغل في الخصومة السياسية والأيديولوجية. فالأيديولوجية القانونية - على الرغم من طبيعتها المحافظة والرجعية- تظل قادرةً على خلق تقاليدَ قضائية وإجرائية شديدة الأهمية للحفاظ على قدر من الاستقلال النسبي للقضاء واحترام القضاة، وتقليل حجم الخصومة المباشرة مع المجتمع، وهي ضرورة لاستمرار الحداثة والدولة نفسها - أي القانون كمنظّم للعلاقات الاجتماعية وحكم المؤسسات. 

كذلك فمن غير المتوقع أن يقوم ضباط الشرطة بالتعامل بأنماط وأنساق مختلفة فور رفع الاستثناء. فبعيداً عن الطوارئ هناك مشكلة عميقة مع الدولة البوليسية في مصر، لأنها تتجاوز أو تخالف القانون، وهذا ليس لأنها قمعيةٌ بالضرورة، ولكن بسبب ترتيبات الحكم وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية الذي ينتج عن هذه الترتيبات. فالفساد والتوحش والطغيان والتعذيب، كلها ليست أمراضاً بذاتها، ولكنها أعراضٌ لحكم الدولة البوليسية في مصر. وهنا يجب النظر بشكل مختلف للاستثناء في مصر. فهو ليس رفعَ الحالة القانونية عن الذوات - أي نموذج غوانتانامو أو معسكرات اللاجئين على سبيل المثال - بل هو خلق فجوات قانونية تسمح للدولة البوليسية بمزيد من الحركة والقدرة على التفاوض، المساومة، القهر، المناورة، مع المجتمع. فإنفاذ القانون في مصر قد يكون أكثر عنفاً في الكثير من الحالات من التعاطي الحر الذي يقوم قانون الطوارئ بإتاحته للدولة البوليسية.

مقترح للعمل

ما دفع السيسي لإلغاء حالة الطوارئ هو اقتناعه، هو والمحيطين به، بوجود إمكانية لحكم السكان بشكل مختلف. وهنا يجب النظر إلى ما يقوم السيسي بعمله فيما يتعلق بإعادة هيكلة المدينة، وعدم الاعتماد بشكل مكثف على الشبكات الزبونية وشبكات البلطجة، وإعادة توزيع السكان، والسيطرة وإدماج الاقتصاد غير الرسمي، والأهم، التطبيق الواسع والمكثف للتكنولوجيا في الحكم. فمصر تشهد نقلة كبيرة في الحوكمة مركزها الرئيسي القدرة على استخدام التكنولوجيا بشكل مختلف.

مقالات ذات صلة

القادم في مصر هو عصر الأمن، المنغمس بقوة في التقنيات والتكنولوجيا. وهو نمط للحكم عنده القدرة على تجاوز سؤال الشرعية برمته. وهنا سيكون السجن شديد المركزية فيما هو قادم، وربما تتضاعف أعداد المسجونين. وليس صدفة توسع السيسي المهول في البنية التحتية للقمع، ليس فقط على مستوى المركز في القاهرة، بل في أغلب المحافظات.

مرةً أخرى، يبدو إن ما هو قادم، هو مزيد من الأسوار والعزل والأمن السائل الأكثر فعاليةً وعنفاً في عمقه. وربما يكون من إيجابيات هذا الأمر هو تقليل الأداء المسرحي للدولة البوليسية، وتقليص الفائض "غير المفيد" للعنف والقسوة. 

مقالات من مصر

الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

رباب عزام 2021-11-20

أقر مشروع قانون إنشاء "صندوق الوقف الخيري" بوزارة الأوقاف، الذي يتبع رئاسة الوزراء مباشرة وله شخصية اعتبارية. البند الثاني من القانون، الخاص بدعم أجهزة الدولة، مطاط إلى حد كبير، ما...

للكاتب نفسه