ملاحقة وقانون «إرهاب»: «إسرائيل» والمجتمع المدني الفلسطيني ما بعد أوسلو

تقرير من موقع "حبر" عن خلفيات واثار القرار الاسرائيلي بتصنيف ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية تتواجد مقراتها الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة، كمنظمات «إرهابية».
2021-11-11

شارك
جنود الاحتلال خلال اقتحامهم لمكاتب الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، تموز الفائت.

في 22 تشرين الأول الماضي، أعلن وزير الجيش الإسرائيلي بيني غانتس تصنيف ست منظمات مجتمع مدني فلسطينية تتواجد مقراتها الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة، كمنظمات «إرهابية»، وجاء في البيان الصادر عن مكتب غانتس أن هذه المنظمات تعمل باعتبارها مؤسسات مجتمع مدني لكنها تشكل ذراعًا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتعمل على دعم أنشطتها وتعزيز أهدافها. والمنظمات هي، مؤسسة الحق، ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، ومركز بيسان للبحوث والإنماء، والحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، واتحاد لجان العمل الزراعي، واتحاد لجان المرأة الفلسطينية.

يعيدنا هذا القرار إلى آب 1985، وهي الفترة التي أعاد فيها إسحق رابين تطبيق سياسة «القبضة الحديدية»، المبنية على سلسلة من الأوامر العسكرية الإسرائيلية الصادرة في الفترة ما بين 1980 و1982 (استنادًا إلى قانون الطوارئ البريطاني 1945) التي تعطي سلطة للضباط الإسرائيليين لعزل مسؤولي نقابات العمال المنتخبين، ومنع المرشحين من خوض الانتخابات، وإجبار الأساتذة الجامعيين على توقيع «قسم الولاء» ومنع التمويل الخارجي للجمعيات الخيرية أو مصادرته.

جاء إعلان غانتس، عقب لقاء بين المدعي العام لدولة الاحتلال مع عناصر من الشاباك (جهاز الأمن العام الإسرائيلي)، قُدمت فيه مادة استخبارية تربط بين هذه المنظمات والجبهة الشعبية، فيما صنفت هذه المواد سريّة ولم يتم الكشف عنها، مع الإشارة إلى أنها تدور حول الأموال التي تصل إلى هذه المؤسسات. وربط الاحتلال هذا الإعلان مع حصول هذه المؤسسات على تمويل يصل إلى 200 مليون يورو من قبل دول أوروبية بين عامي 2014 و2021، وعمل مسؤولين فيها مرتبطين بالجبهة الشعبية المتهمة بعملية عين بوبين التي جرت قبل سنتين قرب رام الله، بحسب بيان وزارة القضاء الإسرائيلية. وتقرر إرسال مبعوث خاص من الشاباك ووزارة الخارجية الإسرائيلية إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تقديم إحاطة بالمعلومات الاستخبارية التي اتخذت «إسرائيل» القرار على أساسها، وذلك، بعد إعلان الخارجية الأمريكية عدم علمها بالقرار، إثر الإعلان الإسرائيلي عن التنسيق لهذه الخطوة.

يأتي هذا القرار كحلقة ضمن حملة مستمرة تستهدف هذه المؤسسات خلال العام الأخير، فمنذ بداية العام الحالي اقتحمت قوات الاحتلال مؤسسة لجان العمل الصحي ثلاث مرات، واستولت على محتويات من مبنى المؤسسة، ومن ثم أصدرت قرارًا بإغلاقها لمدة ستة أشهر، واعتقلت المديرة العامة للمؤسسة شذى عودة وصادرت سيارة المؤسسة وذلك بعد رفض قرار إغلاق المؤسسة وإعادة فتحها.

 وكانت قوات الاحتلال قد اعتقلت خلال العام الحالي أربعة موظفين وموظفات من لجان العمل الصحي، يعملون في القسم المالي وتجنيد الأموال من أجل حملات المؤسسة (من بينهم موظفان كانا قد أنهيا عملهما قبل سنتين). وتعمل المؤسسة منذ العام 1985، وتضم أكثر من 300 موظف بين دوام كامل وجزئي، وقدمت المؤسسة 22 مليون خدمة صحية منذ تأسيسها، وهي شريك في تقديم 12% من الخدمات الصحية في فلسطين، وتدير عيادات في الأغوار ومناطق «ج» ومركزًا لتشخيص سرطان الثدي.

أما اتحاد لجان العمل الزراعي المشمول في القرار الإسرائيلي، فقد أغلقته قوات الاحتلال في تموز الماضي لمدة ستة أشهر بعد اقتحام مقره في مدينة البيرة. وكان الاتحاد قد تأسس عام 1986 باعتباره مؤسسةً تنمويةً زراعيةً. في الشهر نفسه كانت قوات الاحتلال قد اقتحمت مكتب الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في مدينة البيرة المحتلة وسرقت مقتنيات تعود لمكتب الحركة، التي تأسست عام 1991 في فلسطين باعتبارها أحد فروع الائتلاف الدولي للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال، وتعمل على تعزيز حقوق الطفل وحمايتها. كما اقتحمت مركز بيسان للبحوث والإنماء، والذي كان قد سبق واعتقلت مديره خلال العام 2019. وتأسس مركز بيسان عام 1989 ويهدف إلى إنشاء حركة اجتماعية فعالة، يكون فيها المركز مصدرًا للموارد والمواقف، وتطوير برامج خاصة بإنتاج المعرفة وتنمية المجتمع والعمل بشكل خاص مع الشباب.

أما المؤسسات الأخرى فهي مؤسسة الضمير التي تأسست عام 1991 كمؤسسة أهلية فلسطينية لدعم ونصرة الأسرى ومناهضة التعذيب وتعمل على تقديم خدمات قانونية مجانية للأسرى، مثل توكيل محامين للترافع عنهم في المحاكم العسكرية الإسرائيلية. وكانت المؤسسة قد تعرضت للاقتحام من قبل قوات الاحتلال في الأعوام 2002 و2012 و2019 وسرقت من مكاتبها أجهزة إلكترونية. كما اعتقلت خلال العام 2020 المديرة العامة لاتحاد لجان المرأة الفلسطينية ختام سعافين، واقتحمت مكتب الاتحاد في مدينة الخليل. والاتحاد هو منظمة نسوية جماهيرية تأسست عام 1980، بهدف الارتقاء بوضع النساء الفلسطينيات وتمكينهنّ بما يكفل المساواة والعدالة الاجتماعية لكافة فئات المجتمع. أما مؤسسة الحق فهي جمعية حقوق إنسان فلسطينية، مقرها مدينة رام الله المحتلة، تأسست عام 1979 من قبل مجموعة من المحامين الفلسطينيين، وتعمل على رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان الفردية والجماعية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 ومتابعتها.

تاريخ موجز للعمل المدني الفلسطيني

ليست هذه هي المرة الأولى التي تحارب فيها مؤسسات العمل المجتمعي والمدني، فهناك استهداف مباشر لعدد كبير من هذه المؤسسات منذ سنوات طويلة، باعتبار أن جزءًا منها يعمل كمؤسسات قاعدية تساهم في توفير شبكة حماية اجتماعية لعائلات الأسرى والشهداء، والعائلات المحتاجة، كما أنها تلعب دورًا سياسيًا ولو بالحد الأدنى.

في سرد موجز لتاريخ العمل المدني المعاصر، يشير طارق دعنا، الأستاذ في معهد الدوحة للدراسات العليا، إلى أنه منذ سبعينيات القرن الماضي بدأت التنظيمات اليسارية بالاستثمار في تأسيس منظمات أهلية، وقد أثبتت نجاعتها في مواجهة الاحتلال وسد الفجوات الاجتماعية والاقتصادية التي سببها إهمال الاحتلال لاحتياجات السكان الأساسية وغياب الدولة. التحقت حركة فتح بهذا النمط من العمل بعد الخروج من لبنان، ونشطت الحركة في تأسيس منظمات أهلية باعتبارها البنية التحتية للدولة، كما عملت حركة حماس على تأسيس منظمات عمل أهلي وخيري ساعدتها في عملية التعبئة الجماهيرية.

هذه المنظمات تركت أثرًا في ديناميكية الانتفاضة الأولى، وساهم المستوى العالي من التنظيم والتضامن الواسع والدور المحوري لهذه المؤسسات في تعبئة الجماهير وتسييسها ودعم صمودها وتقديم الخدمات.

بعد أوسلو، حصلت تحولات على المجتمع المدني، بدايةً من حالة الوهن السياسي التي ساهمت في إبعادها عن دورها الفاعل واحتوائها ضمن منظومة أوسلو ودخول التمويل الأجنبي. فالمنظمات التابعة لحركة فتح حلت نفسها واندمجت ضمن بنية السلطة الوليدة باعتبارها أسست لتكون البنية التحتية للدولة، أما المنظمات التابعة لحركة حماس فقد استمرت في عملها. فيما حصلت تحولات هيكلية في المنظمات المحسوبة على اليسار، التي بدأ بعضها ينسحب من النشاط السياسي ومن قواعده الاجتماعية نحو العمل المكتبي والنخبوي والتنموي داخل عملية أوسلو. وهناك عدة عوامل ساهمت في ذلك، برأي دعنا، جميعها مرتبطة في مشروطية الممولين؛ المشروطية السياسية بحسب متطلبات أوسلو للمساهمة في بناء الدولة، والمشروطية الأيديولوجية في تبني أجندة نيوليبرالية، والمشروطية المالية المرتبطة في العاملين السابقين، وهي مشروطية تضيق وتزداد تقييدًا باستمرار.

برز التركيز على العامل المالي في التعامل مع هذه المؤسسات في تحولات ما بعد أوسلو، وبالأخص فترة الانتفاضة الثانية التي بدأ خلالها استهداف الجمعيات الأهلية رغم التحولات التي طرأت على عملها. فبعد أحداث 11 سبتمبر، أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عن توقيعه قرارًا تنفيذيًا بتجميد أرصدة 27 شخص ومنظمة وصفها بوش «بالأساس المالي لشبكة الإرهاب الدولية». في تلك الفترة، تحديدًا ظهرت «NGO Monitor» وهي مؤسسة مجتمع مدني يمينية إسرائيلية حصلت في أحيان على دعم حكومي أو شبه حكومي، وتعمل على متابعة ورصد منظمات المجتمع المدني الفلسطينية والعالمية التي تعمل ضد الاحتلال، وتحاول تتبع مصادر تمويلها من أجل الضغط على الدولة الممولة لوقف التمويل.

في عام 2004، اقتحمت قوات الاحتلال عدة بنوك في مدينة رام الله وسرقت مبالغ مالية تعود إلى أفراد ومنظمات ومؤسسات فلسطينية. قبل ذلك، كان وزير الخارجية الإسرائيلية في حينه سليفان شالوم قد ادعى أن مطاردين فلسطينيين يحتمون في مكاتب مؤسسات المجتمع المدني. واستمرت الملاحقة في سنوات لاحقة من قبل بنوك فلسطينية، وذلك بعد رفض أحد البنوك العاملة في مناطق السلطة الفلسطينية فتح حساب لمؤسسة الضمير عام 2012، إثر اقتحام قوات الاحتلال لمقرها، وجمعية الأمل لإسكان الأسير، وجمعية إنعاش الأسرة، «تخوفًا من صلتهم بالإرهاب».

عام 2007، تم حل 92 لجنة زكاة في الضفة الغربية كانت تعلب دورًا اجتماعيًا وخدماتيًا، وسبق أن لعبت دورًا سياسيًا بالطبع، من قبل السلطة الفلسطينية، تحت حجة «وقف الفساد وإنهاء الإمبراطوريات المالية التي كانت تشغلها وتستغلها الحركة الإسلامية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وحزبية»، بحسب وصف وزير خارجية السلطة رياض المالكي. ومنذ عام 2009 وجهت عدة تهم بتمويل «الإرهاب» إلى أشخاص قدموا تبرعًا للجان الزكاة باعتبارها تصل إلى حركة حماس.

كانت هذه الحملة مستمرة على جانبي المناطق المحتلة عامي 48 و67. ففي عام 2015 أغلقت السلطات الإسرائيلية 20 مؤسسةً تتبع للحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر، جزء منها يعمل في العمل المجتمعي والأهلي. كما أن جزءًا من سلسلة محاربة المنظمات الأهلية الفلسطينية، نُفذ من قبل الاتحاد الأوروبي الذي عمل على فرض شروط تمويلية جديدة على المنظمات، من خلال وضع اشتراطات جديدة يجب أن توقع عليها كي تحصل على تمويل الاتحاد الأوروبي، الذي يصل إلى 30 مليون يورو سنويًا. تشمل الشروط عدم ارتباط المستفيدين من المشاريع الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي بالمنظمات التي يصنفها الاتحاد كـ«إرهابية». وكانت 134 منظمة مجتمع مدني فلسطينية عاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة قد وقعت على وثيقة ترفض هذه الاشتراطات، مع وجود مؤسسات وافقت على هذه

بقية التقرير على موقع "حبر".

مقالات من العالم العربي

"طريق السيادة"

2021-11-28

يعرّف هذا الشريط بمفهوم "السيادة الغذائية"، عبر سياقه التاريخي والسياسي والإقتصادي. وهو يتناول دور الإستعمار في تغيير نمط الإنتاج الفلاحي في منطقتنا، ويحلل السياسات الفلاحية التي تعتمدها أنظمتنا. الفيديو من...