داعش و"الحلول الأمنية"

لا يتألف داعش من شياطين ولا من مخلوقات فضائية. كل سياسي يصوّرهم استثنائيين لدرجات أسطورية، له مصلحة في هذا. فالطريقة الأفضل لقطع الطريق على الفهم، ما بين الظاهرة وما بين منابعها، هي تصوير الظاهرة عجيبة، واستثنائية.والقول إن داعش مؤلّف من بشر لا يعني شرعنة ممارساته ومنطلقاته وأفكاره. وها أنا أعترف بأن جورج بوش وديك تشيني ودونالد رمسفيلد وبيل كلنتون ورونالد ريغن من قبلهم، بشر أيضاً!..
2014-09-22

هشام نفّاع

كاتب وصحافي من فلسطين / مقيم في حيفا


شارك

لا يتألف داعش من شياطين ولا من مخلوقات فضائية. كل سياسي يصوّرهم استثنائيين لدرجات أسطورية، له مصلحة في هذا. فالطريقة الأفضل لقطع الطريق على الفهم، ما بين الظاهرة وما بين منابعها، هي تصوير الظاهرة عجيبة، واستثنائية.
والقول إن داعش مؤلّف من بشر لا يعني شرعنة ممارساته ومنطلقاته وأفكاره. وها أنا أعترف بأن جورج بوش وديك تشيني ودونالد رمسفيلد وبيل كلنتون ورونالد ريغن من قبلهم، بشر أيضاً!.. بالمناسبة، بمعنى ما، هؤلاء هم آباء داعش وأمهاته. وهذا ليس من باب القول إنهم صنعوا داعش مباشرة وركّبوه كآلة في معمل، أي بعيداً عن معاجم أفكار المؤامرة الفضفاضة، لأنها تسبب الكسل الذهني والتحليلي ولا تعود بأية منفعة تذكر، بل إن المذكورين أهل داعش لأنهم، كل بدوره وفترته، ساهم في خلق الأرضية والظروف والسياق لانفلاته. وهم ليسوا وحيدين في هذا طبعاً، فمعهم/تحتهم وكلاؤهم وموظفوهم وعملاؤهم الجالسون على (وقـُرب) عروش رئاسية وملكية وأميرية في مختلف عواصم العرب والمسلمين.
هناك ادعاءات وتخمينات شائعة ترى أن زعامات داعش قد تكون عميلة، وقد تكون مخترقة، وقد تكون مؤلفة من ممثلين ماهرين.. على سبيل الافتراض لنقـُل: ممكن. لا شيء بأيدينا بعد يثبت هذا ولا عكسه. ولكن ماذا بشأن آلاف الشباب العرب والمسلمين صغار سن، أبناء العشرينات وما تحت، الآتين من جميع قارات الأرض للحرب في المشرق العربي؟ أهؤلاء جميعاً تكفيريون بالولادة ويحملون صفات الارهاب كما يحمل الجسم جينات وصفات مولودة؟
إن من يفكر بهذه الطريقة لا يقل أصولية عن داعش. لأنه يقول بوجود جوهر سابق على التجربة يحدّد مواقع البشر ومواقفهم ومنفصل عن الظرف الاجتماعي الذي يبلور الأفراد والجماعات.
هذه النقطة الأخيرة مهمة أيضاً لفهم واتخاذ موقف من تحالف باراك أوباما وأصدقائه الذي تم إعلانه في الأيام الأخيرة بكثير من الصخب، لمحاربة داعش. وهذا بالرغم من أن هذا التنظيم يسرح ويمرح ويتسلح ويقطع الحدود والرؤوس من سنين. بالتالي، سيكون من الغباء قبول فرضية أن الغرب عالي التقنيّات لم ينتبه له، خصوصاً أنه حين يريد فسيلتقط لوحة أرقام أية شاحنة تنتقل من روسيا الى اوكراينا في حلكة ليل قبيل الفجر، مثلا. أي أن المسألة ليست متعلقة بالقدرة بل بالرغبة، وهذه الأخيرة يربطها خيط فولاذي بشيء واحد: المصلحة.
وهنا الباب الملائم لكي نلخّص ونتخلّص من نقطة هامة: من الواضح لكل ذي عقل وتجربة وفـُضول أن ما دفع الأمريكيين الى إعلان هذه الحرب الجديدة، ليس الأخلاق ولا مصالح الشعوب، بل مصالحهم هم.. لا يوجد لديّ نقاش واسع هنا، كل ما يمكن قوله هو التالي: من يظن أن الأخلاق ومصالح الشعوب هي ما يقف خلف تحالف أوباما، فليفحص عقله.
وما الذي يقترحه ويخطط له هذا التحالف؟ خلف جميع التصريحات والتحرّكات والتساؤلات هناك شيء واحد واضح: إنه يقترح ما يسمى "الحل الأمني" أي وسائل الحرب. بالضبط كما يليق بمن لا تتعدى عقيدته قوّة ذراعه.
هذا هو المقصود أعلاه باختيار محاربة الظاهرة وليس منابعها، دفيئتها، أسبابها، جذورها وأصولها. وبالطبع، فتفادي هذا التحالف الاقتراب من الأصول والمسببات والاكتفاء بالظواهر، لا يعود الى غباء أو سذاجة. بل الى قرار واعٍ. كيف؟
إن ما خلق داعش ليس مختبراً في واشنطن ولا في الرياض والدوحة. ولا في طهران ودمشق، كما يقول عُشّاق وأتباع حكّام العواصم الأولى المذكورة. هذا تسطيح مضرّ بالفهم. مع أنه يُفرح الغرائز لدى البعض من الطرفين.
تاريخياً: كل دراسة سريعة للأدبيات المتخصصة تقول إن داعش "كفكرة حديثة منظمة" هو امتداد لإفرازات الحرب بالوكالة التي أدارتها واشنطن وعملاؤها الحكّام العرب والمسلمون ضد البعبع الأحمر في أفغانستان مطلع الثمانينيات. هكذا نشأت ظاهرة "الأفغان العرب". وبناء على هذا وضع أسامة ابن لادن "قاعدة بيانات بالمجاهدين" فنشأ التنظيم الشهير باسمه هذا. لاحقاً أعادت "دائرة الجشع الرأسمالي المفرغة" الأمريكان ثانية الى أفغانستان، ومراراً الى العراق، وها نحن نرى أمامنا ما أنتجوه بالغطرسة والجشع والدموية التوسعية الاستعلائية.
لكن السؤال العملي المهم الآن يخصّ استمرار تجنيد شباب عرب ومسلمين صغار السن وتحويلهم الى أدوات قتل وخراب وانتحار. هؤلاء ضحايا. نعم، ضحايا من الدرجة الأولى للفقر والاستبداد والظلم والبطالة وفقدان الأمل بالحاضر والمستقبل لدرجة الوقوع في مستنقع الاحباط القاتم، الذي يصطاد فيه حقراء (وربما عملاء) التكفير شباناً مساكين ضحايا ويحولونهم الى سكاكين للذبح وعبوات للدمار والانتحار.
تحالف أوباما لن يعالج هذا المستنقع. هذه المأساة لن يقترب منها سادة عواصم الغرب ولا العرب ولا الاسلام. لأن البحث عن صيغة الحل الذي يواجه الفقر والاستبداد والظلم والبطالة وفقدان الأمل، والكفيل بتجفيف أصول ظاهرة داعش، يعني النقيض التام لسياسات واشنطن، ومصالح أثرياء الغرب، وعروش أمراء وملوك ورؤساء وممالك وجمهوريات العرب والمسلمين بغالبيتها الساحقة. مواجهة هذا المستنقع تتطلب انقلاباً في سياسات أعضاء هذا التحالف رأساً على عقب. ولا يبدو هذا احتمالا وارداً في الأفق..
إذاً نبقى مع السؤال: إذا لم يعالج هذا التحالف دولة داعش من أصولها، بل يعلن أن استراتيجيته تتطلب ثلاث سنوات من الحرب.. فما الذي يريده حقاً؟
            
 

مقالات من العالم العربي

شهادة من أحمد دومة

2021-12-04

هذه الوقائع وغيرها تقول: مَنْ حاكمَ مَنْ؟ على ماذا؟ كانوا يحاكمون الثورة، وحكموا عليها، وهم القتلة المجرمون.

للكاتب نفسه

من بروكسل لسخنين..

هشام نفّاع 2016-03-31

كبعض الناس، لديّ معارف محتمل وجودهم ببروكسل. بعضهم من أوروبا وبعضهم في أوروبا. بعضهم يستقلّون المترو ومنهم من يتنقل في المطارات. فيهم عرب وغير عرب. يشمل يهوداً أيضاً. هم أشخاص...

صوت يوم الأرض وصَداه في "الاتحاد"

هشام نفّاع 2015-03-27

وقفت جريدة "الاتحاد" الحيفاوية في آذار 1976 وحيدةً أمام حشد وسائل الإعلام السلطوية الإسرائيلية، عبرية منها و "عربية". مطلع ذلك العام الفصْل، كانت السلطات الإسرائيلية تعدّ مشروع مصادرةٍ ضخمًا لأراضي...