التلقيح ضد كوفيد-19 في تونس: جرعات "مسيّسة"

ساد اعتقاد أن رئيس الحكومة، وهو أيضاً وزير الداخلية، تعمد إفشال حملة التلقيح حتى يتخلص من وزير الصحة المحسوب على رئيس الجمهورية. ساهمت هذه الحادثة في زيادة الغليان الشعبي حتى بلغ أوجه يوم 25 تموز/ يوليو 2021 الذي بدأ بمسيرات وحرق لمقرات "حركة النهضة الإسلامية" وانتهى بإعلان رئيس الجمهورية تجميد البرلمان وتجميع السلطتين التنفيذية والتشريعية في يده بهدف "إنقاذ البلاد".
2021-09-30

محمد رامي عبد المولى

كاتب وباحث من تونس، من فريق "السفير العربي"


شارك
مركز تلقيح في محافظة "بن عروس" التونسية. الصورة من موقع "انكفاضة".

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في بداية شهر حزيران/ يونيو 2021، أعلنت اللجنة العلمية المكلفة بمجابهة جائحة كوفيد - 19 في تونس أن البلاد تعيش موجةً وبائية رابعة. بدأت الحصيلة اليومية ترتفع تدريجياً من 1512 إصابةً، و66 وفاةً، يوم الأول من حزيران/ يونيو، إلى 1997 إصابةً، و89 وفاةً منتصف الشهر نفسه، ثم 5921 إصابةً، و116 وفاةً في الأول من تموز/ يوليو، وصولاً إلى 7878 إصابةً، و164 وفاةً في منتصف الشهر ذاك.

هناك أكثر من ربع مليون شخص أصيبوا، وأكثر من 7000 توفوا جراء الإصابة بكورونا خلال شهرين فقط في بلد يبلغ تعداد سكانه 11 مليون نسمة.

هذا الارتفاع المرعب في الحصيلة الوبائية كاد أن يسبب انهيار المنظومة الصحية، خاصةً في المناطق الأكثر كثافةً سكانية، إذا استنفذت المشافي طاقتها على الاستيعاب، ولم تعد إمدادات الأوكسيجين تكفي. اُكتشف فيما بعد أن البلاد قادرةٌ على إنتاج كميات كبيرة من الأوكسيجين الطبي، لكنها تخلت عن هذا النشاط منذ تسعينيات القرن الفائت، لتترك السوق تحت رحمة شركتين أجنبيتين. عاشت البلاد أياماً قاسية جداً على وقع الحزن والألم والغضب، يبحث فيها الناس، بلا جدوى في الكثير من الأحيان، عن سرير إنعاش، أو جرعة أوكسيجين في مؤسسات الصحة العمومية، أو يدفعون مبالغ باهظة - إن كان لديهم أصلاً هذه الإمكانية - للعلاج في المصحات الخاصة، أو شراء مكثف أوكسيجين بأضعاف أسعاره إن وجدوه أصلاً. لقد سرّعت الموجة الوبائية الرابعة بشكل كبير وصول الأزمة السياسية إلى ذروتها في منتصف صيف 2021، وكانت إحدى أهم العوامل المباشرة في انفجار الوضع يوم 25 تموز/ يوليو.

الصراع بين رئاسة الجمهورية من جهة، ورئاسة البرلمان والحكومة من جهة أخرى، شلّ الحياة السياسية، وعطل سير الدولة في وقت كانت البلاد تحتاج فيه إلى تظافر جهود الرئاسات الثلاث والسلطتين التنفيذية والتشريعية للتصدي بفعالية للوباء. هذه الأزمات المتشابكة خلقت لدى التونسيين شعوراً بأنهم متروكون لأنفسهم، وأن عملية اللقاح قد تتطلب سنوات وليس أشهراً. لذا استبشر كثيرون خيراً يوم 19 تموز/ يوليو عندما أعلنت وزارة الصحة أنها ستنظم حملة تلقيح سريعة ومكثفة لكل الشرائح العمرية في أول وثاني أيام عيد الأضحى، دون انتظار قدوم دورهم عبر الرسائل القصيرة. 

يوم العيد، وعلى الرغم من خصوصية المناسبة، والحر الشديد، توجه عشرات آلاف التونسيين إلى مراكز التلقيح، وتكدسوا في صفوف طويلة جداً وغير منظمة، ليكتشفوا أن بعض مراكز التلقيح المشاركة في الحملة مغلقة (بينما عددها محدود جداً أصلاً: 29 مركزاً لـ 11 مليون مواطن)، وبعضها لم يصلها اللقاح، أو لم تتلقَ منه إلا بضع مئات من الجرعات. كل هذا في ظل غياب شبه كلي للأمن. بعد الظهر، نشرت وزارة الصحة بلاغاً تقول فيه إن طاقة استيعاب المراكز محدودةٌ، لذلك قررت أن يكون اليوم الثاني مخصصاً فقط لمن سنهم بين 40 و50 سنة. وفي المساء نشرت بلاغاً ثانياً تعلن فيه إلغاء العملية برمتها نظراً لما "شابها من فوضى وعدم احترام للبروتوكول الصحي". 

هذا العبث جعل التونسيين يحسون بالإذلال من قبل حكومة مستهترة تماماً بصحتهم وسلامتهم وحياتهم. رئيس الحكومة آنذاك، هشام المشيشي، حاول امتصاص الغضب عبر إقالة وزير الصحة معلناً أنه لم تتم استشارته قبل تنظيم هذه الحملة المفاجئة، ولم توجه مراسلات لوزارة الداخلية حتى تؤمن العملية. سرعان ما انكشف عدم صحة كلام المشيشي، فلقد تم تسريب مراسلات رسمية في هذا الصدد، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، مما فاقم الغضب والنقمة. فهو لم يكن فقط رئيس حكومة بل أيضاً وزير داخلية بالنيابة مما جعل كثيرين يعتقدون أنه قد تعمد إفشال حملة التلقيح حتى يتخلص من وزير الصحة المحسوب على رئيس الجمهورية. 

ساهمت هذه الحادثة في زيادة الغليان الشعبي حتى بلغ أوجه يوم 25 تموز/ يوليو 2021 الذي بدأ بمسيرات وحرق لمقرات "حركة النهضة الإسلامية" وانتهى بإعلان رئيس الجمهورية تجميد البرلمان وتجميع السلطتين التنفيذية والتشريعية في يده بهدف "إنقاذ البلاد". وحتى قبل هذه الحادثة، كانت جرعات "التسييس" لعملية التلقيح شديدة البروز، وهذا ما يمكن تبيّنه عبر تتبع مسار العملية التلقيحية في تونس.

الفترة التحضيرية: آمال كبيرة وانتظار طويل، طويل..

في 19 آب / أغسطس 2020، أعلن "الهاشمي الوزير"، عضو اللجنة العلمية لمجابهة فيروس كورونا، ومدير "معهد باستور" المختص في اللقاحات والتحاليل البيولوجية، أن تونس ستشرع في محاولة تطوير لقاح مضاد للكورونا. أثار الإعلان سخرية البعض وحماس البعض الآخر، لكنه في كل الحالات لم يؤخذ كثيراً على محمل الجد. وفعلاً لم تقطع البحوث شوطاً طويلاً، وسرعان ما نُسيت المسألة، ولم يتحدث عنها المبادرون إليها، ولا الإعلام ولا الرأي العام. وبقيت أعين التونسيين، حكاماً ومحكومين، تنظر إلى الدول المتقدمة وتنتظر نتائج التجارب التي تقوم بها.

يوم العيد، وعلى الرغم من خصوصية المناسبة، والحر الشديد، توجه عشرات آلاف التونسيين إلى مراكز التلقيح، وتكدسوا في صفوف طويلة جداً وغير منظمة، ليكتشفوا أن بعض مراكز التلقيح المشاركة في الحملة مغلقةٌ - بينما عددها محدود جداً أصلاً: 29 مركزاً لـ 11 مليون مواطن - وبعضها لم يصلها اللقاح، أو لم تتلقَ منه إلا بضع مئات من الجرعات. كل هذا في ظل غياب شبه كلي للأمن.

 مع بداية ظهور اللقاحات في السوق، ظن التونسيون أن الفرج قريب. بدأت حكومة "هشام المشيشي" (2 أيلول/ سبتمبر - 25 تموز/ يوليو 2021) واللجنة العلمية تتحدثان عن خطط ومساعٍ ومفاوضات لشراء اللقاحات.. لكن القول كان أكثر زخماً وسرعة من الفعل. مرت أشهر الخريف وبعده الشتاء دون أن تصل البلاد جرعةٌ واحدة من أي لقاح، وذلك لأسباب متعددة (تسلمت تونس أول شحنة لقاحات يوم 9 آذار/ مارس 2021: 000 60 جرعة من لقاح "سبوتنيك" الروسي). أولى الأسباب تتعلق بفضيحة استحواذ الدول الغنية على اللقاح، وتوقيعها عقود تعطيها أولويةً في الحصول على جرعات تفوق كثيراً عدد سكانها، في حين بقيت الدول الفقيرة والمهمشة كالأيتام على موائد اللئام. 

السبب الثاني يتعلق ببطء التحرك الحكومي نحو الشركات المصنّعة، إذ يبدو أنها كانت تعول أساساً على النصيب الذي ستناله من الجرعات التي ستوزعها منصة "كوفاكس" الدولية، والهبات التي ستقدمها الدول "الصديقة والشقيقة"، وبشكل أقل العقود المباشرة مع المصنّعين. أما السبب الثالث فيتعلق بأمور إجرائية وبيروقراطية مثل مصادقة الدولة على اللقاحات، ومنح مصنّعيها رخصاً وقتية لترويج لقاحاتها في تونس بعد فحصها ودراستها من قبل الجهات العلمية المختصة، أو لشروط فُرضت على تونس من قبل منصة كوفاكس مثل المصادقة على قانون يعفي الشركات المصنعة للقاحات والأدوية المضادة لفيروس كورونا من المسؤولية القانونية المدنية عن أي مخاطر أو أضرار ناجمة عن استخدامها، وهذا ما تم فعلاً في 19 شباط/ فبراير 2021.

أما على المستوى العملي، فلقد تم في 20 كانون الثاني/ يناير 2021 إطلاقُ منصة ومنظومة "إيفاكس" للإشراف على كامل مناحي عملية التلقيح، كتسجيل السكان الراغبين في تلقي اللقاح (عبر موقع إنترنت أو الرسائل القصيرة) وتوجيههم إلى مراكز التلقيح الأقرب لمساكنهم، وإعلامهم بمواعيد الجرعتين، وذلك بعد طرح جملة من الأسئلة لمعرفة الوضع والتاريخ الصحيين لكل مسجل. 

سرّعت بشكل كبير الموجة الوبائية الرابعة - وكانت في غاية القسوة - وصول الأزمة السياسية إلى ذروتها في منتصف صيف 2021، وكانت إحدى أهم العوامل المباشرة في انفجار الوضع يوم 25 تموز/ يوليو.

اقتصرت الحملة الترويجية لعملية التلقيح على وسائل الإعلام التقليدية، ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعض اللافتات والملصقات في الإدارات العمومية ومراكز المدن، دون أن تتوجه إلى الأحياء الشعبية والمناطق الريفية والنائية حيث تكثر نسب الأمية والفقر، وتقل إمكانيات التواصل والاطلاع، وحتى التسجيل على منصة أو عبر الرسائل النصية قصيرة يبدو أمراً معقداً وأحياناً مستحيلاً بالنسبة للبعض. حددت الدولة سلفاً من ستكون له الأولوية في التلقيح: العاملون الصحيون، والمسنون فوق الستين سنة، أو ذوو الأمراض المزمنة الخطيرة، والإعاقات الجسيمة، ثم الأسلاك الأمنية والجيش.

الفترة الأولى من عملية التلقيح: بطءٌ وتقصير قاتلان

تمتد هذه الفترة من بداية شهر آذار/ مارس إلى بداية شهر تموز/ يوليو 2021. انطلقت عملية التلقيح ضد كوفيد 19 في تونس يوم 13 آذار/ مارس 2021. سياسة تونس في اختيار اللقاحات كانت بسيطةً و"براغماتية". كلما وافقت منظمة الصحة العالمية على لقاح جديد تمنحه الدولة التونسية ترخيصاً بعد أيام قليلة. ويبلغ عدد اللقاحات التي استعملت في تونس إلى حد اليوم سبعةً: فايزر- بيونتك، سبوتنيك - في، "جنسن" "أسترازينيكا"، "موديرنا"، "سينوفاك" و"سينوفارم". هذه السياسة المرنة مكنت السلطات من التمتع بحصة من منصة "كوفاكس" وعززت حظوظها في الحصول على هبات من جهات أخرى، وضمنت – نظرياً - الحصول على كميات كبيرة من اللقاح عند إبرام عقود مع عدة مخابر في الوقت نفسه، عوض التعويل على مصنع واحد. كما تختلف تكلفة هذه اللقاحات، وشروط حفظها وحتى المدة الدنيا والقصوى بين الجرعتين، مما يخفف الأعباء المالية واللوجيستية. بلد بظروف تونس لا يملك ترف الانخراط في صراع القوى الكبرى، وإقصاء لقاحات دون أخرى. وحسب وزير الصحة السابق، فوزي مهدي "تبلغ الطلبيات التي قامت بها وزارة الصحة 16,6 مليون جرعة منها 9,1 مليون جرعة في إطار الشراءات المباشرة و3,5 مليون جرعة في إطار المبادرة الإفريقية و4,3 مليون جرعة في إطار كوڤاكس".

تم، في البداية، تخصيص 39 مركزاً للتلقيح، ثم تطور عددها تدريجياً – وببطء - مع تزايد عدد جرعات اللقاح وعدد المسجلين في منظومة "إيفاكس" (تجاوز عددها الـ 400 مركزٍ في شهر آب/ أغسطس 2021)، لكنها تركزت أساساً في مراكز الولايات (المحافظات) والمعتمديات (تقسيم إداري ضمن نفس المحافظة). ولتشجيع المجتمع على التلقيح، بادر وزير الصحة، والناطقة الرسمية لوزارته، وكذلك أعضاء من اللجنة العلمية المكلفة بمجابهة الجائحة، إلى تلقي جرعات اللقاح منذ الأيام الأولى للحملة. وصورت وسائل الإعلام لحظات تلقي رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ومفتي الجمهورية وفنانين معروفين للقاح، لتشجيع المترددين والمتشككين.

وحده رئيس الجمهورية رفض تلقي اللقاح بصفة مبكرة، وقال إنه يجب أن ينتظر بقية الشعب، وهو موقف استحسنه كثيرون على اعتباره إيثاراً وحساً عالياً بالمسؤولية، فيما اعتبره آخرون شعبويّةً فارغة، وموقفاً لا عقلانياً، فالبلاد تعيش أزمةً متعددة الأبعاد قد تتفاقم في حالة شغور منصب رئاسة الجمهورية (لم يتلقَ الجرعة الأولى من اللقاح إلا يوم 12 تموز/ يوليو 2021 ).

وعلى الرغم من تسخير الموارد البشرية الصحية اللازمة، وتوفير مقرات لمراكز التلقيح، وفتح أبواب المساهمة في العملية التلقيحية للمتطوعين في 29 نيسان/ أبريل 2021، فإن نسق التلقيح كان بطيئاً جداً خلال الأشهر الثلاثة الأولى. بعد 39 يوماً من انطلاق الحملة بلغ عدد الأشخاص الذين تلقوا جرعات اللقاح ربع مليون فقط، ولم يبلغ العدد نصف مليون إلا يوم 10 أيار/ مايو أي بعد 58 يوماً، وتطلب الأمر 82 يوماً ليصل عدد الجرعات المعطاة إلى مليون جرعة.

اقتصرت الحملة الترويجية لعملية التلقيح على وسائل الإعلام التقليدية، ووسائط التواصل الاجتماعي، وبعض اللافتات والملصقات في الإدارات العمومية ومراكز المدن، دون أن تتوجه إلى الأحياء الشعبية والمناطق الريفية والنائية حيث تكثر نسب الأمية والفقر، وتقل إمكانيات التواصل والاطلاع، وحتى التسجيل على منصة أو عبر الرسائل النصية قصيرة يبدو أمراً معقداً وأحياناً مستحيلاً بالنسبة للبعض.

سبب رئيسي في ضعف الإقبال يتعلق بتوفر اللقاحات: لماذا نسجل في المنصة والحال أنه ليست هناك جرعات لقاح، أو أن عددها قليل جدا؟ أما السبب الثالث فيتعلق بانعدام الثقة في الحكومة القائمة آنذاك. يضاف إلى كل ما سبق سبب رابع يتعلق بالإكراهات والعقبات، فمثلاً هناك من رفض استعمال اللقاحات الروسية والصينية لأنها غير مدرجة على لائحة اللقاحات المقبولة في الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى. 

منذ الأيام الأولى لانطلاق عملية التلقيح، أثيرت في وسائل التواصل الاجتماعي مسألة التجاوزات في منظومة التسجيل. فلقد تبين أن بعض من تلقوا جرعات اللقاح بصفة مبكرة باعتبارهم عاملين صحيين هم ليسوا كذلك فعلاً. وهذا ما دفع وزارة الصحة إلى التثبّت أكثر من الصفة المهنية للمتمتعين بأولوية اللقاح. كما تم كشف "فضائح" حقيقية، أو موهومة في إطار التجاذب السياسي. ففي بداية شهر آذار/ مارس 2021 أثار أحد النواب قضية تسلّم رئاسة الجمهورية لكمية من اللقاحات في شكل هبة من دولة الإمارات دون أن يُعلِم وزارة الصحة أو الرأي العام بمصير هذه الجرعات. استغل خصوم رئيس الجمهورية هذه القضية لاتهامه بالفساد ولمحاولة إضعاف شعبيته، حتى إن رئيس الحكومة آنذاك - كان وقتها في صراع مفتوح مع رئيس الجمهورية - أمر بفتح تحقيق فوري في الموضوع. لكن سرعان ما انقشع الغبار وكشفت مؤسسة الرئاسة حقيقة الأمر: 1000 جرعة فقط تسلمتها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، ولم يُستعمل منها أي جرعة، بل عهد بها إلى إدارة الصحة العسكرية في انتظار تفحصها، والترخيص للقاح المعني بالرواج في تونس. بعدها بأسابيع قليلة كشفت منظمة "أنا يقظ" المعنية بمكافحة الفساد بلاغاً أكدت فيه تلقي نائبة عن حركة النهضة جرعة لقاح دون المرور عبر منصة التسجيل وانتظار دورها. حاول أنصار الحركة تكذيب الخبر، لكن تبين أنه صحيحٌ، واضطرت النائبة للاعتذار وتمت إقالة صديقتها - مديرة مركز صحي- التي منحتها اللقاح.

الحملة الاتصالية الحكومية للتوعية بضرورة التسجيل في منصة "إيفاكس"، وعلى الرغم من كل الجهود المبذولة، ظلت تقليديةً وفوقية في جوهرها. تردد التونسيون كثيراً في تسجيل أسمائهم في الحملة خلال الأشهر الأولى من انطلاقها، فمثلاً لم يبلغ عدد المسجلين المليون شخص إلا يوم 9 نيسان/ أبريل 2021 على الرغم من أن باب التسجيل فتح يوم 20 كانون الثاني/ يناير. أسباب ضعف الإقبال متعددة. أولاً كان هناك توجس من الآثار الجانبية للقاحات، نجد صداه في مواقع التواصل الاجتماعي . فيسبوك كان هو الفضاء الذي احتضن النقاشات والمعارك والأسئلة حول مختلف أبعاد ورهانات حملة التلقيح. حتى التشجيع على التسجيل لعبت فيه صور "سيلفي" الملقحين وهم يمدون أذرعهم لتلقي الجرعات دوراً مهماً إذ خلق ما يمكن أن نسميه "عدوى محمودة".

السبب الثاني في ضعف الإقبال يتعلق بتوفر اللقاحات: لماذا نسجل في المنصة والحال أنه ليست هناك جرعات لقاح، أو أن عددها قليل جدا؟ أما السبب الثالث فيتعلق بانعدام الثقة في الحكومة القائمة آنذاك. يضاف إلى كل ما سبق سبب رابع يتعلق بالإكراهات والعقبات، فمثلاً هناك من رفض استعمال اللقاحات الروسية والصينية لأنها غير مدرجة على لائحة اللقاحات المقبولة في الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى مما قد يعطل السفر إليها، أو يستوجب فترة حجر صحي طويلة؟ وهناك من لم يعرف كيف يسجل على المنصة، أو لا يمكنه ذلك تقنياً، وآخرون ليس لديهم أرقام بطاقات هوية. وبالطبع تلعب نسب الأمية والفقر، وكذلك طول المسافة بين المسكن وأقرب مركز تلقيح دوراً في عدم وصول الكثير من السكان إلى اللقاح، أو عدم اهتمامهم به أصلاً. إزاء هذه الوضعية بدأت السلطات الصحية منذ أواخر شهر أيار/ مايو في الحملات التلقيحية المتنقلة - خاصةً في المناطق التي تنخفض فيها نسب المسجلين على منصة "إيفاكس"- وتسجيل المواطنين في المكان عينه. وعلى الرغم من كل هذا الجهد فإن عدد المسجلين على المنصة بقي إلى حدود يوم 4 تموز/ يوليو 2021 دون المأمول: أقل من ثلاثة ملايين شخص.

الفترة الثانية من حملة التلقيح: هَبّة "رئاسية" وشعبية

خلال الفترة الأولى من حملة التلقيح لم يلعب رئيس الجمهورية دوراً بارزاً في مساعي جلب اللقاحات، وتنظيم توزيعها على السكان. ومنذ أواخر الربيع الفائت، والتعثر الواضح للحملة، تعالت الأصوات المطالبة بتدخل أكبر لرئاسة الجمهورية. ومع قدوم الموجة الوبائية الرابعة في منتصف حزيران/ يونيو 2021، وما سببته من خسائر بشرية رهيبة في ظل ضعف أعداد الملقحين، أصبحت نداءات المطالبين بتدخل الرئيس أكثر إلحاحاً.. وحتى غضباً.

 في 5 تموز/ يوليو 2021، دخل قيس سعيد على الخط، ونظّم اجتماعاً طارئاً لمجلس الأمن القومي أقر إثره جملةً من الإجراءات أهمها: تكثيف العمل الدبلوماسي للتسريع في عملية جلب اللقاحات، تقسيم البلاد إلى أقاليم صحية، إحداث فرق عمل من القوات العسكرية والأمنية والإطارات الصحية تكون تحت قيادة المدير العام للصحة العسكرية، تجنيد الإطارات الطبية وشبه الطبية التي تخرجت خلال ثلاث السنوات الأخيرة للمساهمة في حملة التلقيح وجهود مكافحة الوباء عموماً، تركيز فرق عمل ميدانية في الأقاليم ذات الأولوية من حيث انتشار العدوى.

تلعب نسب الأمية والفقر، وكذلك طول المسافة بين المسكن وأقرب مركز تلقيح دوراً في عدم وصول الكثير من السكان إلى اللقاح، أو عدم اهتمامهم به أصلاً. إزاء هذه الوضعية بدأت السلطات الصحية منذ أواخر شهر أيار/ مايو في الحملات التلقيحية المتنقلة. 

 كان من الواضح أن رئيس الجمهورية قرر أن يلعب دوراً حاسماً في إدارة الملف الوبائي معوّلاً على دعم الجيش.. وفي خطابه الذي تلى اتخاذ هذه القرارات قال سعيد إن "خسارة المعركة كان نتيجة جملة من الاختيارات السياسية التي لم تأخذ بعين الاعتبار أبسط حقوق الإنسان، بل خضعت للمصالح الحزبية الضيّقة التي لا أثر فيها لأي اعتبار إنساني"، لم يكتف بمصادرة المبادرة من الحكومة، بل حمّلها ومعها الأحزاب المساندة لها - بقيادة حركة النهضة - مسؤولية فشل حملة التلقيح. وفي زحمة الوباء لم يفكر أحد في إمكانية أن تكون هذه الخطوة الصغيرة تمهيداً لقفزة كبيرة آتية على الطريق. 

بدأت القرارات الرئاسية تعطي أُكلها بشكل سريع فلقد تنقلت عدة وحدات طبية عسكرية إلى المناطق الأشد تضرراً من الوباء، أو الأقل وصولاً إلى اللقاح، وساهمت بشكل ناجع في تلقيح فئات كانت مهمشةً في المسار التلقيحي. وبموازاة ذلك بدأت اللقاحات تتدفق على البلاد - أساساً عبر مبادرة "كوفاكس" وهِبات من دول - خاصة مع وصول عدد المصابين والموتى إلى مستويات قياسية، فتجمعت ملايين الجرعات لدى السلطات الصحية. تحسنت نسبة المسجلين، وارتفع عدد الجرعات المعطاة بشكل سريع، خلال أسبوعين (من 5 إلى 19 تموز/ يوليو 2021) انتقل عدد المسجلين من 810 3045 إلى 909 538 3 شخص، وعدد الجرعات من 036 972 1 إلى 176 385 2. ويبدو أن هذا التحسن الملحوظ والسريع في سير عملية التلقيح، والذي حُسب على رئيس الجمهورية، أزعج خصومه السياسيين في الحكومة والبرلمان فأصبحوا يلومونه عن تأخره في التحرك، وبعضهم قال إن تدفق اللقاحات يعود إلى تناغم الرجل مع محاور إقليمية وقوًى دولية معينة. ومع تنامي شعبية الرئيس أصبحت اللقاحات في قلب صراع سياسي مفتوح بلغ ذروته يوم عيد الأضحى 2021 مع حملة التلقيح السريعة والمفتوحة المشار إليها. فشل أو إفشال هذه الحملة بسبب تقاعس الحكومة كان القشة التي قصمت ظهر البعير، وأججت نقمةً وغضباً شعبيين يعتملان منذ شهور طويلة..

في 21 تموز/ يوليو 2021، وغداة إقالة وزير الصحة من قبل خصم قيس سعيد، رئيس الحكومة هشام المشيشي، أعلنت رئاسة الجمهورية تكليف الصحة العسكرية بإدارة الأزمة الصحية بالتعاون مع السلطات الصحية المدنية. وهكذا قلم الرئيس أظافر الحكومة، وسحب منها إدارة الملف الأهم والهاجس الأكبر للتونسيين.. خطوة أخيرة قبل مصادرة كل السلطات والإدارة الحصرية للأزمة الوبائية انطلاقاً من مساء 25 تموز/ يوليو عقب القرارات المدوية التي أعلن عنها قيس سعيد.

يوم 2 آب/ أغسطس، أعلنت رئاسة الجمهورية أن تونس تلقت ما مجموعه ستة ملايين جرعة لقاح في شكل هبات من دول "صديقة وشقيقة"، وأنه سيتم تسريع وتيرة عملية التلقيح. وفعلاً أُعلن عن تنظيم يوم مفتوح للتلقيح - بالإضافة للسير اليومي العادي للحملة - يوم الأحد 8 آب/ أغسطس، لمن يتجاوز سنهم 40 سنة. وبمساهمة واسعة من الصحة العمومية والصحة العسكرية والمتطوعين، حقق اليوم المفتوح نتائج ممتازة إذ تم تلقيح أكثر من نصف مليون شخص في يوم واحد، مما شجع الرئاسة على تنظيم يوم مفتوح آخر في الأحد التالي لمن يتجاوز سنهم الـ 18 عاماً، وتم إعطاء أكثر من نصف مليون جرعة خلال بضعة ساعات. وتقرر أن تكون هناك أيام مفتوحة بدايةً من 29 آب/ أغسطس لكل الفئات العمرية، وأن يشرع كذلك في تلقيح الفئة العمرية 15-17 سنة بعد موافقة أولياء أمورهم. كما تكثفت وتيرة التلقيح اليومي إذ تم استدعاء ما بين 60 إلى 100 ألف شخص يومياً. وبهدف زيادة أماكن التلقيح، تم الترخيص للصيدليات الخاصة بالمساهمة فيها. الهدف الأولي هو الوصول إلى استكمال تلقيح 50 في المئة من السكان (مواطنين وأجانب بغض النظر عن وضعهم القانوني) قبل 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2021. ويبدو أن الهدف هو في طريقه إلى التحقق، فحتى 28 أيلول / سبتمبر 2021 وصل عدد الذين استكملوا لقاحهم إلى أكثر من   200 806 3 شخص، في حين تلقى  603 033 5 شخصٍ جرعةً واحدة على الأقل.

قرر رئيس الجمهورية أن يلعب دوراً حاسماً في إدارة الملف الوبائي، معوّلاً على دعم الجيش.. قال سعيد إن "خسارة المعركة كان نتيجة جملة من الاختيارات السياسية التي لم تأخذ بعين الاعتبار أبسط حقوق الإنسان، بل خضعت للمصالح الحزبية الضيّقة". وفي زحمة الوباء لم يفكر أحد في إمكانية أن تكون هذه الخطوة الصغيرة تمهيداً لقفزة كبيرة آتية على الطريق. 

يمكن تفسير هذه "الهبّة اللقاحية" بثلاثة عوامل بسيطة: أولاً، الخوف من الوباء بعد الخسائر الكبيرة التي خلفتها الموجة الرابعة، ثانياً، ارتفاع منسوب الثقة في القيادة السياسية للبلاد، وقدرتها على توفير اللقاح وإدارة الأزمة الوبائية، وأخيراً المحاكاة المجتمعية، فكلما زاد عدد المقبلين على اللقاح قلّ تردد المشككين وجلب انتباه الغافلين.

التقدم السريع في إنجاز عملية التلقيح منذ استحواذ رئيس الجمهورية، والمؤسسة العسكرية، على إدارة الأزمة الوبائية، أنقذ آلاف التونسيين من مخالب الوباء، وساهم في رفع معنوياتهم، كما أنه خفف وطأة الموجات الوبائية القادمة على الناس والمؤسسة الصحية. هذا لا يمكن إنكاره. لكن هناك جانب سلبي -وحتى خطير مستقبلاً - قد لا يبدو مهماً أو مستعجلاً بالنسبة للأغلبية.. هناك ثمن سياسي و"أيديولوجي" للقبضة الحديدية، وتركيز السلطات والملفات الحيوية، فلقد بدأت تتسرب في اللاوعي الجمعي قناعات - بعضها قديم وله جذور في المخيال الجماعي- من قبيل أن إدارة الأزمات تستوجب شخصيات قوية - لا مؤسسات سياسية - تمسك بزمام الأمور، وأن الفصل بين السلطات وتقسيم الصلاحيات يؤدي إلى الفشل. كما إن الهالة التي تحيط حالياً بالمؤسسة العسكرية باعتبارها مثالاً في النجاعة والانضباط والتفاني -"عكس" المدنيين اللامباليين واللامنضبطين- قد تصبح ظلالاً ثقيلة.  

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من تونس

تونس على حدود الشرعية الديمقراطية

كشفت التجربة التونسية في السنوات العشر الأخيرة أن "المنظومة" تتمتع بقدرة غير متوقعة على امتصاص الصدمات، وأن النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة تجد دوماً الوسيلة لكي تتأقلم مع التشوهات والمسوخ الذين...

للكاتب نفسه