… وكم من علاء! عن الاعتقال في مصر

تؤكد الدكتورة عايدة سيف الدولة، الطبيبة النفسية، والاستاذة الجامعية، والحقوقية البارزة، ومديرة برنامج تأهيل ضحايا العنف والتعذيب في "مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب"، أن بعض المساجين - حتى بعد فترة من خروجهم من السجن - يشعرون بأنهم دفنوا أحياء أو بأنهم في قبور.
2021-09-23

إيمان محمد

صحافية من مصر


شارك
ضياء العزاوي - العراق

أثارت رسالة علاء عبد الفتاح إلى والدته المناضلة ليلى سويف عاصفة من التضامن وصلت إلى أرجاء العالم، بسبب التأثر الشديد لحال الشاب، وأيضاً لحال عائلته.

لكن كم رسالةً أخرى؟ وكم محاولة إنهاء للحياة، وفقدان للأمل خرجت من السجون المصرية؟ لشباب لم يقترفوا شيئاً سوى أنهم حلموا بـ"العيش والحرية والعدالة الاجتماعية".

مقالات ذات صلة

يبدو أن الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم قد كتب كلماته الشهيرة "ممنوع من السفر، ممنوع من الغنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من الاستياء، ممنوع من الابتسام" خصيصاً لسجن "العقرب شديد الحراسة" الذي تم بناؤه سنة 1991 ضمن مجمّع سجون طرة، بغرض احتجاز المتهمين المحبوسين احتياطياً على ذمة قضايا أمن دولة. تمّ الانتهاء من تشييد السجن في عام 1993، بتكلفة بلغت حوالي 10 ملايين دولار، وقدرته الاستيعابية تصل إلى ألف سجين، طبقاً لما ذكره اللواء محمود الفخراني، مساعد وزير الداخلية لشؤون السجون آنذاك، لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

وخصص سجن العقرب في التسعينيات لسجن الإسلاميين الذين كانت توجّه إليهم اتهامات باستخدام السلاح، ولكنه شهد تحولاً بعد "ثورة يناير 2011" وبعد حسم أمر السلطة في 30 حزيران/ يونيو2013، وأصبح مكاناً لسجن المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومعهم بعض المنتمين إلى حركة "شباب 6 أبريل" والعشرات من الصحافيين والنشطاء السياسيين المنتمين إلى التيار الديمقراطي، وقيل عنه " غوانتامو مصر".

جناح رقم "4" بسجن العقرب شديد الحراسة، حيث يقضي علاء عبد الفتاح سجنه في غرفة انفرادية، تمنع عنه الجرائد والأوراق والأقلام والراديو، ويجبر على ارتداء ملابس باللون الأبيض فحسب، ولا يرى أسرته إلا مرةً كل شهر، ولدقائق معدودة في حضور ضابط "الأمن الوطني"، فلا يمكنه أن يُسر لهم بشيء، أو أن يرُوا له ما يحدث في حياتهم...

يُمنع علاء من التريّض، يبارح زنزانتة فقط لحضور جلسات تجديد حبسه في المحكمة، تلك التي بدأت منذ 2018، محاطاً بقوات وحراسة خاصة كأنه مجرم عتيد، وتقيّد السلاسل الحديدية يديه كأنه على وشك الهروب، ويمنع من النظر من شباك عربة الترحيلات إلى الشارع ، أو أن يستنشق هواء غير ما في زنزانته التي يقضي فيها الليل والنهار وحيداً.

يبدو أن الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم قد كتب كلماته الشهيرة "ممنوع من السفر، ممنوع من الغنا، ممنوع من الكلام، ممنوع من الاشتياق، ممنوع من الاستياء، ممنوع من الابتسام" خصيصاً لسجن "العقرب شديد الحراسة" الذي تم بناؤه سنة 1991 ضمن مجمّع سجون طرة.

ولا يعرف علاء موعداً لنهاية تلك المعاناة، سواء بالحكم عليه أو بتبرئة ساحته، وذلك بمخالفة لقانون الإجراءات الجنائية الذي وضع حداً للحبس الاحتياطي بمرور عامين. إلا أن هناك علاء ومثله الآلاف مرّ على حبسهم العديد من الأعوام دون أن يتم تحديد مصيرهم، حتى وصل البعض منهم للتفكير في الانتحار.

وفقاً لتقرير "جرح غائر" الذي أصدرته "المفوضية المصرية للحقوق والحريات" عام 2020، فإن سوء أوضاع الاحتجاز، والحبس الانفرادي والاحتياطي المطوّل يؤثر على السلامة النفسية للمساجين، وقد يدفع بهم إلى التفكير في الانتحار، والإصابة بالعديد من الأمراض النفسية.

وهو ما أكدته الدكتورة عايدة سيف الدولة، الطبيبة النفسية والحقوقية البارزة، ومديرة برنامج تأهيل ضحايا العنف والتعذيب في "مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب"، قائلة إن سوء أوضاع الاحتجاز، والتعرض للتعذيب يؤدي إلى معاناة المساجين من الشعور العميق بالغضب والإهانة الشديدة، وتتم محاولات كسر إرادتهم، وإيصال رسائل لهم بأن مصيرهم في يد من اعتقلهم، مع احتمالية التدوير على قضايا أخرى.. أشارت سيف الدولة إلى أن بعض المساجين - حتى بعد فترة من خروجهم من السجن - يشعرون بأنهم دفنوا أحياء أو بأنهم في قبور.

كان انتحار الناشط السياسي شادي حبش في الخامس من أيار/ مايو 2020، بمثابة ناقوس خطر يشير إلى ضرورة التوقف عن ملاحقة النشطاء السياسيين والصحافيين في مصر، والالتزام بالقانون والدستور والاتفاقيات الدولية. حبش توفي في ذلك السجن نتيجة لشرب كمية من الكحول غير المعدة للاستهلاك ظهيرة اليوم السابق على وفاته. وهو كان اعتقل في آذار/ مارس 2018 بعد إخراجه أغنية مصوّرة تسخر من الرئيس عبد الفتاح السيسي. وقد وجّهت إليه نيابة أمن الدولة تهمتي "نشر أخبار كاذبة، والانضمام لجماعة أسّست على خلاف القانون". 

خصص سجن العقرب في التسعينيات لسجن الإسلاميين الذين كانت توجّه إليهم اتهامات باستخدام السلاح، ولكنه شهد تحولاً بعد "ثورة يناير 2011" وبعد حسم أمر السلطة في 30 حزيران/ يونيو2013، وأصبح مكاناً لسجن المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومعهم بعض المنتمين إلى حركة "شباب 6 أبريل" والعشرات من الصحافيين والنشطاء السياسيين المنتمين إلى التيار الديمقراطي، وقيل عنه " غوانتامو مصر". 

"فكرت في الانتحار عشرات المرات، وما منعني إيماني بالثورة، وبأن من تسبب لي في كل هذا العذاب سيأتي يوم ويُحاسب". بهذه الكلمات يجسد الصحافي علي محمود (اسم مستعار، تخوفاً من الملاحقة الأمنية) - ما عاناه داخل سجن العقرب شديد الحراسة، حيث قال لنا "قضيت بالعقرب ثلاث سنوات، كانت كل دقيقة تمر عليَّ كأنها دهر من الزمن، وُضعت أول ثلاثة أشهر بالحبس الانفرادي، وكانت زنزانتي خاليةً من أي أثاث، وكل ما أمتلك بطانيّة أفرشها على الأرض، وأخرى أضعها على جسمي لتحميني من البرد، وكان الأكل وجبة أو وجبتين في بعض الأحيان، والمياه في غاية السوء، وكان ممنوع عني دخول الحمام، حيث استخدمت " الجردل" طيلة الأشهر الثلاثة، ولم يكن يسمح لي بالتريّض، أو بالزيارة. فكرت وقتها أنه وقت ويمر وتنتهي الأزمة، خاصةً أنني لم ارتكب أية جريمة، سوى عملي الصحافي. لكنني فوجئت، أنه سمح لي بالخروج للزيارات، كانت زوجتي وأسرتي تعاني أمر المعاناة من التفتيش والإهانة ومنع دخول الأدوية، حتى اضطررت أن أطلب منها عدم المجيء لزيارتي. ظل الوضع هكذا حتى تم إخلاء سبيلي بعد عام، ولكني فوجئت بأن النيابة تتخذ قراراً جديداً بإعادة تدويري على قضية جديدة. وقتها شعرت بالانهيار التام، وأنني لن أرى النور مرة أخرى في حياتي. هانت على الحياة بكل ما فيها، وبحلمي بحياة مستقرة، وممارسة مهنتي التي طالما أحببتها. سيطرت علي فكرة الانتحار، وظللت أخطط للأمر أياماً وليالي. كان عقلي وقلبي يرحبان بفكرة أن يكون لدي خطة ما، أبحث لها عن طريقة للتنفيذ. لكني تراجعت بعد فترة، وقررت أن أقاوم حتى يأتي يوم أرى فيه من عذّبني وحرمني من حقي في الحياة ثلاث سنوات، يعاقَب.  

مقالات من مصر