صنعاء: لا يُلطّف الحرب تسميتُها "مواجهات"

اتصلت بي خالتي المقيمة في المملكة السعودية لتسألني عن الحرب، فهممت أن أقول لها، بصيغة استنكارية، أي حرب؟ تذكرتُ على الفور رواية "التائهون"، آخر أعمال أمين معلوف، لكني منعت نفسي من الاستجابة الغريزية للسؤال. واجهت صعوبة في سرد التفاصيل وإعطائها صورة أمينة عما يجري دون إفزاعها أو تضليلها. قلت لها نحن نسمع دوي الانفجار دون أن ندري أين وقع ولا كم خلّف ضحايا، لكنه بعيد. لم
2014-10-08

محمد العبسي

كاتب صحفي من اليمن


شارك
(أ ف ب)

اتصلت بي خالتي المقيمة في المملكة السعودية لتسألني عن الحرب، فهممت أن أقول لها، بصيغة استنكارية، أي حرب؟ تذكرتُ على الفور رواية "التائهون"، آخر أعمال أمين معلوف، لكني منعت نفسي من الاستجابة الغريزية للسؤال.
واجهت صعوبة في سرد التفاصيل وإعطائها صورة أمينة عما يجري دون إفزاعها أو تضليلها. قلت لها نحن نسمع دوي الانفجار دون أن ندري أين وقع ولا كم خلّف ضحايا، لكنه بعيد.
لم تكن تلك محاولة نبيلة لطمأنتها بقدر ما هي الحقيقة.في الواقع، لا يسمع سكان ميدان التحرير وشارع الزبيري مثلاً، على بعد أربعة كيلومترات، ما نسمعه نحن.وبينما يعرض الباعة بضائعهم على الرصيف ويقف عجّان الخبز أمام الطاوة وتمتلئ المطاعم بالناس بشكل طبيعي في وسط العاصمة، كانت صنعاء تبدو خالية من سكانها وأشبه بمقبرة كلما اقتربنا من أطرافها الشمالية والجنوبية. تبعاً لذلك تقترب أصوات القذائف، كأنها في الحي المجاور، وتبتعد.
مدير عام مؤسسة الكهرباء السابق كان ماراً بسيارته في شارع الثلاثين جنوب العاصمة فأصيب بعيار ناري في فخذه.لم تكن إصابة قاتلة لكنه ظل ينزف حتى مات. المفارقة أنه أصيب برصاصة من مسلحي الحوثي، حسب الرواية الأكثر تماسكاً، لكن نيران جنود الدولة هي التي أجبرته على الاختباء لوقت طويل وحالت دون إسعافه إلى المستشفى. هل نسمّيه شهيد الجُرعة السّعرية ومطلب تغيير الحكومة الذي حشد الحوثي لتحقيقه، ولو بالقوة.
لا تنتهي مشاهد الحرب. لكن أكثرها إثارة للهلع الخارجي مشهد احتراق أحد مباني التلفزيون الحكومي الذي سقط، بعد معارك دامت ثلاثة أيام، في قبضة ميليشيات الحوثي. أحمد الخرساني شاب مقبل على الحياة دفنته تحت الأنقاض مع جدّته قذيفة عمياء. تلك الصور المفزعة التي نقلتها القنوات الإخبارية لا شك أنها سبب فزع خالتي. أنهيت المكالمة ووجدتني متحفزاً للعودة إلى رواية أمين معلوف. لدي إحساس ما أن الصورة التي لم أتمكن من نقلها لخالتي موجودة في الرواية. سحبتها من الرف.ولكوني استخدم علامات ولواصق إرشادية ملوّنة أثناء القراءة، لم يستغرق الأمر سوى ثوان حتى فتحت على الصفحة المطلوبة.
لم أكمل الصفحة حتى تيقنت أن أنسب وصف للحرب الدائرة في صنعاء موجود هنا في سرد معلوف وأبطال روايته حول الحرب اللبنانية. "إن الأشخاص الذين عاشوا هنا طوال تلك السنوات لا يقولون أبداً "الحرب".
إنهم يقولون: "الأحداث". ليس فقط لتجنب الكلمة المخيفة، وإنما "لأن الحروب كانت كثيرة". الشيء ذاته في اليمن. بدلاً عن "الأحداث" - وهي التسمية التي أطلقتها المبادرة الخليجية لوصف الثورة الشبابية في 2011 - يُطلق الشارع اليمني على جميع النزاعات المسلحة خلال عامي 2013 و2014 تسمية "مواجهات"، من باب التلطيف والتمييز، ولكونها كثيرة.
متزامنة ومتتالية، وفي مناطق متفرقة. مرات تحدث داخل المدينة نفسها، ومرات أخرى في أكثر من محافظة ومنطقة وقرية: همدان، بني مطر، وآنس، حاشد، دماج، مواجهات محافظة الجوف، وقبلها معارك مدينة عمران، وصولاً إلى الحرب التي دارت في محيط وداخل أحياء وأطراف وضواحي العاصمة صنعاء في الشهر الفائت. يستطرد معلوف في معرض حديثه عن الحرب اللبنانية: "لم يكن المتحاربون أنفسهم ولا التحالفات نفسها ولا الزعماء أنفسهم ولا المعارك نفسها. في بعض الأحيان كانت النزاعات تحصل بين طائفتين، وأخرى داخل الطائفة الواحدة. كانت الحروب تتوالى وأحياناً كانت تتزامن". الشيء نفسه في اليمن مع فروق طفيفة وجسيمة بالطبع.
لنتوقف عند بعض التفاصيل. بالنسبة لسكان شارعَي الزبيري وهائل بوسط العاصمة، في أيلول/ سبتمبر 2011، وامتداداتهما الفرعية إلى القاع وحي جامعة صنعاء، فإن "حربهم" ليست هي ذاتها حرب سكّان منطقة الحَصَبة بشارع المطار - وامتداداتها إلى أحياء صوفان والنهضة والتلفزيون - على بُعد نحو ستة كيلومترات رغم تزامنهما. لهذا السبب تطلق على كل واحدة تسمية تميزها عن الحرب الثانية. كانت الأولى حرباً عسكرية خالصة. فرقتان عسكريتان إحداهما موالية للنظام (الحرس الجمهوري) والأخرى للثورة (الفرقة أولى مدرع)، بينما أخذت الحرب الأخرى طابعاً ميليشياوياً وقبلياً إلى حد كبير.
فقد كانت بين مسلحي الشيخ الأحمر وجنود الفرقة من جهة، وبين وحدات عسكرية نظامية ومسلحي مشايخ موالين للرئيس السابق، سواء من المنافسين التقليديين لبيت الأحمر داخل قبيلة حاشد، أم من قبيلة بكيل كالشيخ عزيز صغير. بعد سنوات سيقاتل أبناء الشيخ الأحمر جنباً إلى جنب مع الشيخ صغير في خندق واحد ميليشيات جماعة الحوثيين.
وهكذا ولت حرب وجاءت أخرى، ولكل حرب حلفاؤها وخصومها. اجتمع الحوثيون وحزب الإصلاح وآل الأحمر على مطلب إسقاط النظام في 2011. بعد تنحي الرئيس السابق تقاتلوا في أكثر من مدينة ومحافظة. "وجود الشيطان يوحّد قلوب المؤمنين"! كان الشيطان عام 2011 الرئيس صالح، وفي 2014 صار الشيطان الجنرال المنشق عنه علي محسن. تتبدل تحالفات الحرب إذًا ويتبدل دور "الشيطان" في كل مرة. وحدهم السكان المحليون لا يغادرون موقع الضحية. بالنسبة لسكّان أحياء صوفان والنهضة ومنطقة التلفزيون، الشيطان هو الحرب ذاتها وليس صالح ولا محسن ولا أيّ من أطرافها. صحيح أن مواجهات ايلول/ سبتمبر 2014 تبدو أقل شراسة من مواجهات ايلول/ سبتمبر 2011، لكنها أكثر استدعاء للنزعة الطائفية والمذهبية، وأقلّ استجابة للسياسة ومنطقها.
كانت تلك حرباً سياسية وصراعاً داخل أجنحة الحكم، بينما تأخذ هذه المرة طابعاً مذهبياً وثأرياً (وتذكرة إلى الجنة!) لكونها بين ميليشيات جماعة الحوثي ("أنصار الله") وبين وحدات من الجيش كانت تابعة للجنرال المنشق علي محسن الأحمر. حتى حروب صعدة الست (2004 - 2010) لم تستفز النزعة الطائفية والمذهبية، وتوقظ الكراهية النائمة في نفوس الناس مثلما فعلت حروب حاشد ودماج وعمران التي رُفعت فيها، من كلا الطرفين، لافتات وعناوين مقيتة من قبيل "أسد السنّة وقاهر الروافض" و"قتال الدواعش والتكفيريين"... توجد وجوه أخرى للشبه على مستوى التفاصيل اليومية.
تروي إحدى بطلات رواية معلوف كيف "كانت القذائف تسقط من حولي ولم أكن أدري إذا كنت سأظل حية حتى اليوم التالي، فيما كانت الأمور هادئة على بعد عشرة كيلومترات، وأصدقائي يتشمّسون على الشاطئ. وبعد شهرين تنقلب الآية، فيختبئ أصدقائي وأكون أنا على الشاطئ. لم يكن الناس يأبهون لما يجري قربهم، في ضيعهم، في شارعهم. والوحيدون الذين يخلطون بين هذه الأحداث المتمايزة، الوحيدون الذين يشيرون إليها في تسمية واحدة، والوحيدون الذين يُسمِعوننا خطباً عن "الحرب"، هؤلاء هم الذين عاشوا بعيداً عنها".
الوحيدون إذًا لدى معلوف، هم خالتي ذاتها. لمعت هذه الفقرة في ذهني لسبب آخر.في أيلول/سبتمبر 2011 اضطررت وأسرتي لمغادرة سكننا القريب من مناطق القتال في حي الحصبة، وقضينا أسابيع متنقلين بين منزلَي صهري في شارع الستين ومنطقة شملان. الآن انقلبت الآية واضطر صهري إلى مغادرة منزله في شملان حيث المعارك عنيفة، والمجيء إلينا رغم دوي المدافع القريبة التي تهتز بسببها نوافذ المنزل، إلا أننا مطمئنون، أو هكذا نظن، بأن منزلنا ليس في مرمى القذائف، خاصة أنه ليس بجوارنا منشأة حكومية ولا سكن أحد أمراء الحرب. لكن القذائف عمياء ولا تفرق. وكل الذين قتلوا في مواجهات الأيام الماضية اعتقدوا أنهم بمنجاة من القذائف العمياء.
 

مقالات من اليمن

تزوير وتكفير الآثار اليمنية!

في منتصف آذار/ مارس الماضي 2021، وبالتزامن مع الذكرى السنوية السابعة لـ"عاصفة الحزم"، دعا محافظ ذمار إلى فتح باب المنافسة أمام المصممين الفنيين والنحاتين لتشييد نصب تذكاري وسط المدينة للملك...

للكاتب نفسه

محمد العبسي.. كيف كان يرى اليمن؟

"لو أن 99 في المئة من الشعب اليمني تطبعوا بأسوأ الصفات الطارئة التي حفّزتها الحرب، مثل المناطقية والعنصرية والكراهية والعنف اللفظي والمادي، سأظل مؤمناً بـ1 في المئة المتبقية من اليمنيين...

صحافي يمني.. مع الأسف الشديد

  بين الاختطاف والإخفاء القسري والتهديد بالقتل والشروع به، يبدو التوقف عن العمل وفقدان الوظيفة، أو الهجرة، أقل الخسائر وأكثرها شيوعاً! فما إن يتم الإفراج عن صحافي حتى يعتقل آخر،...

بين الوحش والإنسان

كان أحد الإعلاميين اليمنيين يصرخ، بانفعال متصنِّع، أثناء مداخلته في أحد البرامج اليومية في إذاعة تابعة لجماعة الحوثيين، مُديناً صمت الدول العربية تجاه ما تتعرض له اليمن وفلسطين! البرنامج كان...