تونس على حدود الشرعية الديمقراطية

كشفت التجربة التونسية في السنوات العشر الأخيرة أن "المنظومة" تتمتع بقدرة غير متوقعة على امتصاص الصدمات، وأن النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة تجد دوماً الوسيلة لكي تتأقلم مع التشوهات والمسوخ الذين تخلقهم.
2021-09-11

هالة اليوسفي

باحثة وأستاذة علم الإجتماع في جامعة دوفين - باريس، من تونس


شارك
محتجون يحاولون اقتحام البرلمان التونسي. تونس، 2019، RT Arabic.

تتتالى منذ 25 تموز/ يوليو 2021 - تاريخ الضربة القوية المباغتة التي مكّنت الرئيس التونسي قيس سعيد، استناداً إلى الفصل 80 من الدستور، من إقالة الحكومة وتجميد أعمال البرلمان - تصريحاتُ رئيس الجمهورية التي يعلن فيها رفضه للدعوات المنادية بإطلاق حوار، مؤكداً على استحالة العودة إلى الوراء. في 24 آب/ أغسطس 2021 مدد قيس سعيد التدابير الاستثنائية، وجمع في يده كل السلطات، وخلط أوراق اللعبة السياسية في تونس. لم تتأخر ردود فعل المجتمع المدني، ففي 26 آب/ أغسطس صدر بيان مشترك عن ست منظمات تمثيلية - نقابات قضاة وصحافيين، جمعيات نسوية ومنظمات حقوقية - يندد "بالممارسات التعسفية التي تهدّد قيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان" [1]. ومنذ ذلك الوقت أصبح السؤال المركزي الذي يشغل الأذهان هو الآتي: هل تعيش تونس نهاية النظام الديمقراطي واستعادة نظام استبدادي؟ هل استسلمت تونس فعلاً لإغراء الرجل القوي؟ أم إنها على العكس تحقق الإرادة الشعبية في إنهاء النظام البرلماني الذي تم تحميله مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية؟ [2]

الإرادة الشعبية، كائن غريب يصعب تعريفه

للإجابة عن هذا السؤال، من المهم التذكير بأن هناك إجماع واسع في تونس حول أصول هذه الأزمة السياسية [3]، وهي عبارةٌ تكتسب معانيَ وأشكالاً متعددة: مطالب اجتماعية واقتصادية رفعتها الثورة لكنها لم تتحقق، نفور المواطنين من ممثليهم المنتخبين المتهمين بالفساد - وبشكل أوسع من الطبقة السياسية برمتها - تدخل القوى الاقتصادية والسياسية في العمليات الانتخابية، اضمحلال النضال الحزبي، تقويض الهياكل الوسيطة، تفكك الدولة، الخ. من وجهة النظر هذه، وإذا ما كان السياق التونسي يؤكد أزمة الديمقراطية الليبرالية التي تمس عدة أنظمة تمثيلية في كل أنحاء العالم تقريباً، فهذا لا يمنع أن هناك تباينات مستمرة في فهم ما حدث يوم 25 تموز/ يوليو 2021.

منذ بداية هذه الحلقة السياسية الجديدة، نشهد مواجهةً بين ثلاث قراءات للرهانات السياسية في تونس تشمل ضمنياً تبايناً حول معنى الإرادة الشعبية: قراءة أولى تستعيد التمثلات الاستشراقية الأكثر قدماً وتهافتاً، وتصر على رؤية الشعب التونسي ككتلة متماثلة وساكنة ومتجانسة يمكن التلاعب بها بسهولة، في أسوأ الأحوال من قبل زعيم كاريزماتي، وفي أفضلها من قبل القوى الإقليمية والغربية. [4] أما القراءة الثانية، الوفية لإملاءات "عِلم الانتقال الديمقراطي"، فهي تماثل بين الديمقراطية والتمثيلية. وهي تجعل من النظام التمثيلي تعبيراً عن إرادة شعب، يفترض أنه يوجِد ذاته بذاته، متناسيةً حقيقة أن صيغة الشعب الموجود في البرلمان هي أيضاً نتاج لقواعد عمل هذا النظام. [5] هذا التحليل يتشبث بالتقيد الحرفي بنص الدستور الذي يفترض أنه ضامنٌ للديمقراطية وإرادة الشعب، ويقرأ الوضع الحالي في تونس كانقلاب له آثار ضارة على المستقبل السياسي للبلاد.

هل تعيش تونس نهاية النظام الديمقراطي واستعادة نظام استبدادي؟ هل استسلمت تونس فعلاً لإغراء الرجل القوي؟ أم إنها على العكس تحقق الإرادة الشعبية في إنهاء النظام البرلماني الذي تم تحميله مسؤولية الأزمة السياسية والاقتصادية؟

وهناك قراءة ثالثة تتبناها وتدافع عنها الحركة الاجتماعية غير الممثلة في البرلمان، التي أوصلت قيس سعيد إلى السلطة رافعةً شعار الثورة "الشعب يريد إسقاط النظام"، وهي تسائل حدود "السياسي" ونعني به هنا "المؤسسات" التي حددها الدستور، أو نصوص القوانين فيما يتعلق بالإدارة الجماعية للشأن العام. وضمن هذه القراءة فلا يمكن لتطلعات المجموعة المتجسدة في شعار "الشعب يريد" إلا أن تكون متصارعةً ومتضادة بشكل مباشر مع المؤسسات السياسية التقليدية، ومن بينها البرلمان الذي يهيمن عليه حزب "حركة النهضة" الإسلامي بشكل واسع. في قلب هذا الصراع بين هذه الحركة غير الممثلة في البرلمان والنخبة الحاكمة، ليست العلاقة مع الإسلام السياسي هي العامل المحدد بقدر ما هو الموقف من تطبيع حركة النهضة مع رجالات النظام السابق، وسباقها المحموم نحو السيطرة على دواليب الدولة، الذي تعتقد أنه يضمن بقاءها السياسي في تجاهل تام لمطالب الثورة، وللرغبة في أخلقة الحياة السياسية التي تمّ التعبير عنها مراراً.

حدود الشرعية الديمقراطية يعاد رسمها باستمرار

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إعادة رسم حدود الشرعية الديمقراطية، وبشكل عام حدود السياسي في تونس. إزاء الأزمات السياسية المختلفة التي تتالت منذ هروب بن علي وسيولة الظرفية السياسية، ارتسم انفتاح متجدد باستمرار لأطر الشرعية السياسية، يسمح بوجود مشاريع السياسة "بشكل مغاير" أو"خارج المؤسسات" تحت أشكال متنوعة جداً في أغلب الأحيان وحتى متناقضة. هذه الانفتاحات هي مبادرات من النخب السياسية والاقتصادية، وكذلك من قبل الفاعلين في الحركات الاجتماعية. مثلاً، هيئة الحوار الوطني التي أسهمت في الخروج من الأزمة السياسية في 2013 اعتبرها جزءٌ كبير من التونسيين آنذاك تنكّراً لاختياراتهم التي عبّروا عنها عبر صناديق الاقتراع، وانحرافاً بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية على الرغم من كونها في قلب المسار الثوري. وتتجسد هذه الانفتاحات أيضاً عبر النضالات الاجتماعية التي، حتى وإن لم تسعَ بالضرورة إلى مراجعة المؤسسات الموجودة سلفاً، فإنها تخلق فضاءات سياسية جديدة ومستقلة تمكّن من إرساء وتفعيل شبكات تآزر اجتماعي لإدارة الأزمة الوبائية في ظل تقصير الدولة، أو تشجع الاستحواذ على مناطق وفضاءات لطالما صادرتها السلطة المركزية.

تدعونا جملة هذه التجارب إلى إزاحة نظرنا عن مركز الأحداث، وأن نحلل اللحظة السياسية الحالية ليس فقط من منظور الأنشطة السياسية الانتخابية، الحزبية والحكومية، بل كذلك عبر الأخذ بعين الاعتبار الفاعلين المتموقعين على هامش السياسة المؤسساتية: خطاباتهم، وممارساتهم وتمثلاتهم التي تنحو إلى تجديد محيط الفضاء السياسي وتحريك حدوده. لكن هل تكفي هذه الضربات المختلفة التي تلقتها المنظومة لإسقاط نظام سياسي واقتصادي حكم تونس طيلة أكثر من 50 سنة؟

في ظل غياب الحزب - الدولة القوي والضامن لإعادة توزيع الثروات، فإن المجهول الأكبر يتعلق بطبيعة التحالفات التي سيتوجّب على سعيِّد التفاوض حولها مع الذين يمسكون بالسلطة الاقتصادية من جهة، ومع الذين يتحكمون بدواليب الدولة، وخاصةً وزارة الداخلية، من جهة أخرى. هل سينجح في تقديم التنازلات الضرورية للبقاء في السلطة دون خيانة التطلعات العالية جداً لشرائح واسعة من التونسيين؟

يتعلق الأمر بالمرور من مقاربة تقنوية لعملية إرساء التغييرات المؤسساتية نحو مقاربة اجتماعية - ثقافية تدمج التطلعات المحلية باتجاه "حكومة رشيدة" للناس، والتي تتوقف عليها شرعية المؤسسات وتبنّي المجتمعات المحلية لها. إن الطريقة الوحيدة للاستعداد للمستقبل ليست التكهن به، ولا التخطيط له، بل تدعيم أشكال تنظيم الحياة المستقلة بذاتها بعيداً وعلى الرغم من النظام السياسي والاقتصادي المهيمن.

الإجابة هي بالطبع لا. يبين لنا التاريخ أن المؤسسات ليست كائنات حية يمكن أن تموت متأثرةً بأمراضها، وأن الحركات غير الممثلة برلمانياً في تونس تعاني صعوبات في خلق فضاءات سياسية بديلة حقيقية. كما كشفت التجربة التونسية في السنوات العشر الأخيرة أن المنظومة تتمتع بقدرة غير متوقعة على امتصاص الصدمات، وأن النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة تجد دوماً الوسيلة لكي تتأقلم مع التشوهات والمسوخ الذين تخلقهم.

هل يستطيع قيس سعيّد الحكم بمفرده؟

التعويل الشعبي على "السلطة الرشيدة" التي يجسدها قيس سعيّد بهدف أخلقة العمل السياسي، والذي يُفترض منه الاستماع لصوت المطالب الثورية، هو قبل كل شيء عارضٌ يكشف عجز أحزاب المعارضة التقليدية الموجودة، وكذلك مختلف الهياكل الوسيطة على الإمساك بزمام المواجهة الديمقراطية مع الطبقة الحاكمة.

وإذا كان من الضروري عدم تجاهل دور العوامل الوجدانية في مسار تماهي جزء كبير من الشعب التونسي مع قيس سعيد وتأييده له، فإنه لا يجب أيضاً أن نقلل من أهمية التطلعات العالية التي قد يكون مصيرها الخذلان السريع نظراً لقدرة النظام الاقتصادي والسياسي الذي حكم تونس طيلة أكثر من 50 سنة على التجدد والانبعاث. وفي هذا الصدد، نذكر بأن تونس لم تُحكم أبداً من قبل رجل واحد. تاريخياً، ظلت البلاد تحت هيمنة حزب - دولة (نظام الحزب الواحد) بوليسي تسنده قوًى اقتصادية تحرص، بحسب الفترات، على تثبيت عقد اجتماعي يضمن حداً أدنى من إعادة توزيع الثروات.

هناك إجماع واسع في تونس حول أصول هذه الأزمة السياسية، وهي عبارةٌ تكتسب معانيَ وأشكالاً متعددة: مطالب اجتماعية واقتصادية رفعتها الثورة لكنها لم تتحقق، نفور المواطنين من ممثليهم المنتخبين المتهمين بالفساد - وبشكل أوسع من الطبقة السياسية برمتها - تدخل القوى الاقتصادية والسياسية في العمليات الانتخابية، اضمحلال النضال الحزبي، تقويض الهياكل الوسيطة، تفكك الدولة.

في قلب الصراع بين الحركة الاجتماعية غير الممثلة في البرلمان والنخبة الحاكمة، فليست العلاقة مع الإسلام السياسي هي العامل المحدِّد بقدر ما هو الموقف من تطبيع حركة النهضة – المهيمنة بشكل واسع على البرلمان -مع رجالات النظام السابق، وسباقها المحموم نحو السيطرة على دواليب الدولة، الذي تعتقد أنه يضمن بقاءها السياسي في تجاهل تام لمطالب الثورة. 

وفي ظل غياب هذا النموذج من الحزب - الدولة القوي والضامن لإعادة توزيع الثروات، وعدم وجود سلطة اقتصادية أو سياسية خلف قيس سعيِّد، فإن المجهول الأكبر يتعلق بطبيعة التحالفات التي سيتوجّب عليه التفاوض حولها مع الذين يمسكون بزمام السلطة الاقتصادية من جهة، ومع الذين ما زالوا يتحكمون بدواليب الدولة - خاصةً وزارة الداخلية - من جهة أخرى. هل سينجح في تقديم التنازلات الضرورية للبقاء في السلطة دون خيانة التطلعات العالية جداً لشرائح واسعة من التونسيين؟ وبصورة أعم، فإن السؤال الذي يحضر باستمرار يبقى: هل وكيف سينهي قيس سعيّد هذه المرحلة الانتقالية والتدابير الاستثنائية المرافقة لها؟

الخروج من الأزمة: تغيير المؤسسات أم الأشخاص؟

هنا أيضاً تتباين الآراء حول الطريقة المثلى للخروج من هذه المرحلة المؤسساتية التي يفترض أن تكون استثنائيةً. تخشى بعض الأصوات عودة الاستبداد وتقترح تنظيم انتخابات سابقة للأوان لانتخاب برلمان جديد، وتسمية حكومة جديدة، مع التأمل في صعود شخصيات جديدة تكون في مستوى التحديات السياسية الحالية. في حين تعتبر أصوات أخرى أن النظام السياسي الحالي هو مصدر كل الاختلالات، وتدافع عن ضرورة المرور إلى الجمهورية الثالثة عبر المصادقة على دستور جديد، وإرساء نظام سياسي جديد يقضي على الانحرافات الحالية. لكن الأزمات السياسية المختلفة التي عاشتها تونس تبيّن إن رهانات تغيير مؤسساتي لا يمكن اختزالها فقط في مشكلة أشخاص أو طبيعة التحديات السياسية والاجتماعية - الاقتصادية التي يواجهها مجتمع ما في كل حقبة من تاريخه، وهي تحثنا على الأخذ في الحسبان المرجعيات الثقافية التي تهيكل أشكال وترتيبات الحوكمة في ذاك المجتمع، بمعنى أشكال وترتيبات ممارسة السلطة وسط مجموعة معينة (دولة، مؤسسة، جماعة محلية، الخ). يتعلق الأمر إذاً بالمرور من مقاربة تقنوية لعملية إرساء التغييرات المؤسساتية نحو مقاربة اجتماعية - ثقافية تدمج التطلعات المحلية باتجاه "حكومة رشيدة" للناس، والتي تتوقف عليها شرعية المؤسسات وتبنّي المجتمعات المحلية لها.

بعيداً عن كل تضاد اختزالي بين الهوس بالمبادئ الديمقراطية المجردة والمنفصلة عن الواقع من جهة، والخوف من لاوعي جمعي - يفترض أنه بحكم طبيعته مولعٌ بالاستبداد – فإن ما يميز المسار الثوري التونسي هي قدرته الخارقة على اختراع مؤسسات رسمية وموازية، وكذلك العمل باستمرار على إعادة صياغة الملموس والمتصوَر والممكن، بانياً تدريجياً تطلعات ما يجب أن يكون عليه "السياسي" بالمعنى الواسع لفن الحكم. وإذا كان من الصعب وغير المجدي حالياً التكهن بالمستقبل السياسي لتونس، فسيكون من المثير للاهتمام الانكباب على المخيال السياسي الجماعي الذي نجح بصعوبة، وعلى الرغم من كل شيء، في الإبقاء على أفق الممكنات مفتوحاً، وخلق وسط النظام المهيمن الذي يشكل حدود السياسي، فجواتٍ وفضاءات للممكن حيث يتم تحضير العالم المستقبلي. هذا المخيال السياسي يدعم فكرة أن الطريقة الوحيدة للاستعداد للمستقبل ليست التكهن به، ولا التخطيط له، بل تدعيم أشكال تنظيم الحياة المستقلة بذاتها بعيداً وعلى الرغم من النظام السياسي والاقتصادي المهيمن. 

• ترجمه عن الفرنسية محمد رامي عبد المولى

______________

[1] "تونس: مخاوف من انحراف قيس سعيد نحو نظام قائم على المبايعة"، نشر بالفرنسية على موقع “فرانس 24، 2021/08/27”.
[2] "تونس، مهد “الربيع العربي”، تستسلم لإغراء الرجل القوي"، نشر بالفرنسية على موقع لوموند أفريك”، 2021/07/27”.
[3] "تونس: قيس سعيد، منقذ أو مستبد؟" نشر بالفرنسية على موقع “اوريان 21، 2021/08/03.”،
[4] "تونس في المتخيل السياسي الغربي البالي"، نشر بالأنكليزية على موقع “نواة”، 2021/08/01.
[5] جاك رانسيير، "في أي زمن نعيش"؟ محاورة مع اريك هازان، منشورات "لا فابريك"، 2017.   

مقالات من تونس

تونس: إلى أين؟

يفرض الرئيس سلطة الأمر الواقع عبر تأويل متعسف للفصل 80 من الدستور التونسي، مكّنه من جمع السلطتين التنفيذية والتشريعية. ويبدو أنه أصبح يستسهل إزالة العقبات المؤسساتية والقانونية التي تعترض طريقه،...

للكاتب نفسه

كوفيد-19، "منطقة" صراع شمال/جنوب؟

هناك حدود-هوامش داخل منطقة الصراع ضد كوفيد19، وهي بمثابة أماكن فصل بين الأجساد المريضة والأجساد السليمة، الأجساد المحتجَزة والأجساد العاملة، أصحاب الأجور الثابتة والفئات الهشة، الأجانب وأبناء البلد، المهاجرين النظاميين...