"الشرف" وتغريدة السيد النائب

يراهن السياسيون في العراق على ذكورية المجتمع. فإن أرادوا أن يثيروا حفيظته، عليهم أن يجعلوا الرجل يشعر بأن رجولته مهددة إذا تحررت النساء. وإن أرادوه تابعاً لهم، يجعلوه يصدق بأنهم حماة "عرضه / نسائه"... باختصار يجب أن يظل التهديد على "الشرف/العرض/السمعة /الرجولة/الهيبة" قائماً طوال الوقت، وأنه لا أحد يمتلك مفاتيح الحماية سوى ذاك السياسي، أو هذا الحزب.
2021-08-05

ديمة ياسين

كاتبة صحافية، من العراق


شارك
فاطمة البهادلي تتوسط مناضلات من مجمل المنطقة

"الشريفات العفيفات المستورات المحترمات" و"البرابيك* الساقطات".. هذه كانت الكلمات التي استخدمها النائب الليبرالي المدني، وأمين عام "حزب الشعب للإصلاح"، فائق الشيخ علي، في تغريدته الثامنة - إلى لحظة كتابة هذا النص - وهو يحاول الدفاع عن نفسه ضد مَن اعترض على تغريدة نشرها يوم 27 تموز/ يوليو من العام الجاري، استخدم فيها خبراً يخص ولادة الشاعرة العراقية شهد الشمري لابنتها، فخاض السيد النائب في شرف الشاعرة كتشبيه حاول به إيصال فكرته "الساخرة" عن سوء أداء الحكومة العراقية.

الشيخ علي قدّم نفسه مراراً بصورة السياسي المدني الليبرالي المتحرر، والمنتقد لمنهج وفساد الأحزاب الدينية الحاكمة، مستخدماً خطاباً ساخراً فيه الكثير من المفردات العراقية المحلية اللاذعة أحياناً. لكنه بلذاعته وسخريته، سمح لنفسه هذه المرة في أن يضع النساء العراقيات في خانات بعناوين تُماهي الفكر الذكوري العام. فالعراقيات بالنسبة للسيد النائب هنَّ إما "شريفات عفيفات" أو "ساقطات". ويبدو أنه وضع الشمري، ومن هاجم تغريدته المذكورة عنها في الخانة الأخيرة.

استخدام قضايا النساء وأجسادهنَّ في السياسة ليس جديداً. فالنساء في شتى أنحاء العالم يناضلن للحصول على حقوقهنَّ الإنسانية الكاملة. وما زال السياسيون في كل مكان يستخدمون مواقفهم من تلك الحقوق لتمرير أجنداتهم السياسية. إلا أن النساء في العالم العربي بصورة عامة يقاتلن، وفي أحيان كثيرة يُقتلن، في سبيل الحصول على حقوق أبسط من ذلك بكثير.

استخدام قضايا النساء وأجسادهنَّ في السياسة ليس جديداً. فالنساء في شتى أنحاء العالم ما زلن يناضلن للحصول على حقوقهنَّ الإنسانية الكاملة، مثل حق الإجهاض وحق تصديق وحماية الضحية في حالات التحرش والجرائم الجنسية وغيرها. وما زال السياسيون في كل مكان يستخدمون مواقفهم من تلك الحقوق لتمرير أجنداتهم السياسية. إلا أن النساء في العالم العربي بصورة عامة يقاتلن، وفي أحيان كثيرة يُقتلن، في سبيل الحصول على حقوق أبسط من ذلك بكثير. ففي كل أزمة سياسية تحدث في العراق، نرى أن أطرافها يستسهلون زجَّ النساء فيها بطريقة أو بأخرى. فتنطلق حملات ممنهجة ضد النساء كلما قامت احتجاجات ضد فساد وسوء الإدارة والإهمال الذي يخيم على العراق منذ 18 عاماً. ففي صيف 2018 اشتدت الاحتجاجات الشعبية في مدينة البصرة وضواحيها ضد سوء الخدمات وتلوث المياه والبطالة والإهمال وسيطرة المليشيات المسلحة على المدينة.

الأمر كان أكثر وضوحاً في احتجاجات تشرين/ أكتوبر عام 2019، فطالت الاغتيالات وعمليات الخطف والتهديد الناشطات مباشرةً، ربما لأن مشاركة النساء كانت أوسع وأقوى. بل قادت الشخصيات السياسية والدينية والأحزاب حملات تحريض مباشرة ضد النساء المشاركات في الاحتجاجات، أو حتى الناشطات في المجال المدني النسوي. آخرها كانت حملة التهديد والتحريض التي شُنت على الناشطة المدنية في حقوق المرأة، فاطمة البهادلي، والتي كُرّمت من قبل منظمة "فرونت لاين ديفندرز" الإيرلندية في عام 2020 لنشاطها في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، حيث نظّمت البهادلي حملات توعية ومحو أمية للنساء في مدينة البصرة، وأنشأت جمعية "الفردوس" لتمكين المرأة البصْرية اقتصادياً واجتماعياً، وقامت بحملات مهمة لمساعدة العوائل التي نزحت من بطش داعش. وهي أيضاً كانت، وأبناؤها، من المساندين ل"ثورة تشرين" عام 2019. فكان رد المليشيات المسلحة على نشاطها هو قتل ولديها. اُغتيل ابنها الأكبر قبل سنة، والأصغر منذ أيام قليلة في مدينة البصرة التي رفضت البهادلي مغادرتها رغم تلقيها الكثير من التهديدات.

تُستخدم النساء أيضاً في تصفية الحسابات، وكدعايات مضادة بين الأطراف السياسية المتعارضة. ومثال ذلك قضية الناشطة الشابة ماري محمد التي شاركت في احتجاجات تشرين 2019 ، حيث صورت نفسها في فيديو من ساحة التحرير وهي تشتم رئيس الوزراء آنذاك. فاختطفت وهي تغادر ساحة التحرير، واختفت لمدة 11 يوماً، وسُجلت لها فيديوهات مملاة عليها، ونُشرت... 

النهج ذاته المعادي للنساء يتكرر كلما اقتربت الانتخابات. ففي عام 2013 طُرح قانون الأحوال الشخصية الجعفري، الذي يبيح تزويج القاصرات من سن 9 سنوات. وعندما فشل تمريره بسبب المعارضة الشديدة التي قادتها منظمات حقوق المرأة، أُعيد طرح أجزاء منه تحت عنوان "تعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي". وقُدّم عام 2017 بحجة أن العراقيين عليهم أن يحتكموا للقوانين الشرعية كلٌ حسب طائفته. ثم مرةً أخرى في 2021 تحت عنوان حضانة الأطفال. وهو تعديل إن مُرّر سيعني أن تخسر الأم المطلقة حضانة أطفالها عند بلوغهم سن السابعة في حال عدم زواجها، وتخسر حضانتهم فوراً في حال زواجها مجدداً. فتمنح الحضانة للأب وللجد (من ناحية الأب من بعده)، بينما لا يخسر الأب الحضانة في حال زواجه مرة أخرى... في الوقت ذاته الذي يُركن فيه مشروع قانون الحماية من العنف الأسري على الرف، بل ويوصمه النواب المنتمون للتيارات الدينية بأنه قانونٌ يشجع على "الرذيلة والتفكك الأسري وخيانة النساء لأزواجهنَّ".

تُستخدم النساء أيضاً في تصفية الحسابات، وكدعايات مضادة بين الأطراف السياسية المتعارضة. ومثال ذلك قضية الناشطة الشابة ماري محمد التي شاركت في احتجاجات تشرين 2019 ، حيث صورت نفسها في فيديو من ساحة التحرير، وهي تشتم رئيس الوزراء آنذاك عادل عبد المهدي. فاختطفت ماري وهي تغادر ساحة التحرير، واختفت لمدة 11 يوماً، وعندما أطلق سراحها أعلنت عدم عودتها للتظاهرات، وغادرت العراق دون الإعلان عن هوية الجهة التي اختطفتها، وما إن اقترب موعد الانتخابات، حتى ظهر لها فيديو مسجل تدعي فيه إقامة علاقة جنسية مع أحد نواب البرلمان المنتمي لطائفتها. فعادت ماري محمد وصرحت من خارج العراق بأن الفيديو كان قد صُوّر أثناء فترة اختطافها، وأنها لُقنت كل ما جاء فيه تحت تهديد السلاح، وأن وجود الفيديو كان سبب توقفها عن المشاركة في التظاهرات خوفاً من نشره، مؤكدةً أيضاً بأن ما نشر هو جزء بسيط مما صور، وأنها لُقنت أسماء شخصيات أخرى لا معرفة لها بهم.

كانت فاطمة البهادلي وأبناؤها من المساندين ل"ثورة تشرين" عام 2019. فكان رد المليشيات المسلحة على نشاطها هو قتل ولديها. اُغتيل ابنها الأكبر قبل سنة، والأصغر منذ أيام قليلة في مدينة البصرة التي رفضت البهادلي مغادرتها رغم تلقيها الكثير من التهديدات.

لذلك، فليس غريباً أبداً أن يستخدم سياسي، مثل فائق الشيخ علي، سمعة امرأة - متمثلة بجسدها - ليصل إلى فكرته أو هدفه. فالسياسيون في العراق يراهنون طوال الوقت على ذكورية المجتمع. فإن أرادوا أن يثيروا حفيظته، عليهم أن يجعلوا الرجل يشعر بأن رجولته مهددة إذا تحررت النساء. وإن أرادوا الرجل تابعاً لهم، عليهم أن يجعلوه يصدق بأنهم حماة "عرضه / نسائه". أما إن أرادوا كسره، فسيجعلونه يؤمن بأنه لا يستطيع حماية النساء من حوله. باختصار يجب أن يظل التهديد على "الشرف/العرض/السمعة /الرجولة/الهيبة" قائماً طوال الوقت، ولا أحد يمتلك مفاتيح الحماية سوى ذاك السياسي، أو هذا الحزب.

فائق الشيخ علي أراد جذب الانتباه، فاستخدم خبراً متداولاً عن ولادة الشاعرة لابنتها وجعله مادة للسخرية. إلا أنه استغرب وتفاجأ من رد الفعل المهاجِم له، فالخوض في شرف المرأة متبع ومباح وقد فعله الكثيرون من قبله. ولأن فكره الذكوري يؤمن بأن المرأة - أية امرأة - وسيلة متاحة، هو من يحدد صلاحيتها أو عدم صلاحيتها ويصنفها كما يحب، وفقاً لقناعاته الخاصة، فقط لأنه رجل، بقي يجادل مع كل من اعترض على تغريدته، مدعياً بأنه يعرف "تاريخ" الشاعرة شهد الشمري و"أخلاقها"، موحياً بأن هناك "خفايا" يعرفها هو دون غيره. لكن السيد النائب تناسى، وهو يدعي مساندته لثورة تشرين، ويغرق في استخدام وسم #ستنتصرـثورةـتشرين، في تغريداته، أن المصطلحات والصفات التي استخدمها، وما زال إلى هذه اللحظة يدافع عن استخدامها، لوصف امرأة عراقية، كائنة من تكون، هي ذاتها التي أطلقتها الأحزاب الدينية على ثائرات تشرين، واتهمتهن بأعراضهنَّ وشرفهنَّ و حرّضت عليهنَّ وحلّلت قتلهن لمجرد أنهنَّ طالبن بوطن يُحترم فيه الإنسان.

______________

*برابيك: جمع "بربوك"، وهي كلمة عراقية عامية تخص المرأة فقط وتعني المرأة السوقية سليطة اللسان. 

مقالات من العراق

غيمة في رأسي

ميزر كمال 2021-08-19

انشغلتُ عن النجاة بأسبابها، وامتلأت بالهواجس والكوابيس، وصرتُ بعيداً عني، كنت أشعر بالتغيير يجري في داخلي، واسمع الصخب في رأسي: صخب القصف والرصاص وصراخ ذوي القتلى، الذين كانوا يسقطون كل...

للكاتب نفسه

منصات عربية تغير المفاهيم التقليدية حول الجسد والجنس

ديمة ياسين 2021-06-16

اندفعت بعض الناشطات النسويات إلى مواجهة الأفكار والمعلومات المتوارثة والمغلوطة، خاصةً في ما يتعلق بأجساد النساء. فأنشأن، وبجهود فردية في أحيان كثيرة، منصات على وسائل التواصل الاجتماعي، ناطقة باللغة العربية،...