النظام الصحي في العراق: الموت حَرقاً بالفساد

الصراع على النفوذ، وتصفية الحسابات، وإزاحة الخصوم والإيقاع بهم، أو إخفاء أدلة ووثائق ومستندات تؤكد الفساد وتثبته، هي حرائق مدبرة بفعل فاعل سياسي، بوصفها الطريقة الأكثر سهولة وأماناً، ولا تبقي أثراً يُستدل منه على الجاني. تقود الصدفة أحياناً إلى الجناة الذين يسارعون لطمس آثار محارق الناس بالمستشفيات، عبر حرق الطابق الإداري الرابع من وزارة الصحة غداة ليلة حريق الناصرية!
2021-07-29

صفاء خلف

صحافي استقصائي، وباحث من العراق


شارك
حريق الناصرية

ميزانية الصحة في العراق هي الأدنى مقارنةً بموارد الأجهزة الممولة حكومياً من الموازنة العامة، لكن صراعاً هائلاً يعصف بتلك الميزانية الضئيلة، التي لا تتجاوز في أفضل السنوات تخصيصاً، ثلاثة مليارات دولار. ذلك أنها مرتبطة بسوق ضخم وقطاع نامٍ، تتراوح قيمته ما بين 4 – 5 مليارات دولار سنوياً، وتنشط فيه جماعات سياسية نافذة، بالشراكة مع مافيات أدوية وتجار وفصائل مسلحة محلية وإقليمية... ما يشبه "كارتل فساد" عابر للحدود.

ولأن المشكلات الصحية تغزو سكان البلاد المرهقة، بينما هم يزدادون سنوياً بأعلى نسبة بشرية في المنطقة، فثمة نقص هائل في البنية الصحية مع ندرة في الكوادر المؤهلة للعمل في هذا القطاع الحيوي، في ظل توسع الإهمال في حقل الصحة العامة. وهو ما أشار عليه ضعف استجابة العراق لأزمة Covid 19، بوصفه أعلى بلدان المنطقة تسجيلاً لإصابات ووفيات، وما نتج عنه كذلك موت 157 عراقياً حرقاً في مستشفيات عزل لمرضى كورونا، بحادثتين في بغداد والناصرية في فاصل زمني لا يتعدى ثلاثة أشهر فقط، كنتيجة حتمية لتمزق المنظومة الصحية المنخورة بالفساد على مدى عقدين (منذ 2003)، وما سبقها من عقوبات أميركية – غربية خلال التسعينيات الفائتة، ومقتبل الألفية الجديدة (1991-2003). وهذه كلها حطمت نظاماً صحياً، عُدَّ واحداً من أسرع القطاعات نمواً في منطقة الشرق الأوسط، ما زال العراق يستخدم بُنيته التحتية إلى الآن بما يفوق قدراته الأصلية.

احتكار حقل الفساد

كواحدة من التمثّلات العيانيّة الأليمة لفساد النظام الصحي، ثَّمْة ثلاثة حوادث تعبر عن فداحة الإهمال الحكومي الناتج عن "بيروقراطية الفساد"، وتنافسية المصالح التي تتفشى بجسم الدولة العراقية إجمالاً، وفوضى اللعب بمصائر العراقيين ضمن صراعات حيازة النفوذ مع ضمان الإفلات من المحاسبة. ويمكن اعتبار الحوادث الثلاثة غير المسبوقة، فواجع وطنية تؤكد على نحو مطلق عدم أهلية النظام الحاكم، ومدى استسهاله تقبّل الناس لموتهم كصورة من صور اليأس الجماعي، واحتضان الموت كعزاء نفسي ومواساة خلاصية، واستسلام مفجع بأن تكون مواطناً في بلاد منهوبة.

حوادث الموت حرقاً في المشافي العراقية

اقتصاد الفساد في العراق، يستثمر أي أزمة لتخليق موارد مالية جديدة، وغالباً ما تكون الحلول أكثر كارثية من الأزمة ذاتها، ما يعود فيتطلب حلولاً جديدة تتمدد عبرها دائرة الفساد، وتغذي أطواقاً أكبر من المنتفعين، لتتوسع الشبكة الزبائنية التي يكون المجتمع المتضرر نفسه شريكاً فاعلاً فيها. فالفساد في العراق لم يعد مؤسسياً ينحصر بأجهزة الدولة/ الحكومة/ الأجسام السياسية المكونة للنظام، بل بات فعاليةً تلقائية يومية تخلق لنفسها المسببات، وتقترح الحلول التي تضمن ديمومتها، بشراكة الدولة والمجتمع على طبقات ومستويات يصعب تفكيكها، لتداخل المصالح بينها على نحو أكثر تعقيداً من الإجراءات المؤسسية الضعيفة لمكافحة الفساد، العاجزة والمقيدة بحكم امتلاك منظومة الفساد لأجهزة القضاء والمحاسبة والتشريعات وإنفاذ القانون. أي أن النظام يحتكر الأدوات جميعها، ولا يسمح لـ"المجال العام" بامتلاك أدوات موازية يمكنها أن تستخدم في مقارعة الفساد أو الحد منه.

يخصص العراق أقل من 4.5 في المئة سنوياً من موازناته المليارية الهائلة على القطاع الاستشفائي، يذهب نصفها كموازنة تشغيلية، فيما النصف الآخر يخصص لشراء أدوية (لا تصل إلى مستحقيها)، ودفع ديون شركات خاسرة تتحطم قيمتها السوقية بفعل معرقلات الفساد عبر تعطيل القدرات الإنتاجية، والغش التجاري والمنافسة غير المشروعة.

في النموذج العراقي، الفساد هو الطاقة الضامنة لوجود النظام السياسي الذي يقوم بمكافحتها وحمايتها في الآن نفسه، لمنع التآكل المتسارع للدولة، بخلق مصدّات تؤجل الانهيار، لكنها لا تمنعه إن حدث في أي لحظة، بعدما فقد النظام شرعيته بتراكم الفشل والأخطاء والكوارث، مقابل فقدان المجتمع للأهلية نتيجة تحطيم منظومته القيمية والأخلاقية والإرهاق المريع الذي عانى ويعاني منه.

حرائق الدعاية الناعمة

أَشّرت محرقتا بغداد والناصرية، إلى تملّص قوًى سياسية وحزبية وجماعات سلاح، من مشروع ما يُعرف محلياً بـ"المستشفيات الكرفانية - Caravan hospital"، والتي انطلقت حُمّى بنائها مع اشتداد Covid 19 في العراق بدءاً من ربيع 2020، كمشروع من مشاريع "استثمار الأزمة" والتأثير الناعم وغسيل السُمعة لأبرز جماعات السلاح الشيعي (كتائب حزب الله) التي بَنَت في ذي قار وبابل والمثنى نحو خمس مشافٍ رخيصة الكلفة، مرتفعة الخطورة، لانعدام أدوات السلامة ومكافحة الحرائق، فضلاً عن مشافٍ أخرى بالمواصفات الرديئة نفسها، بنتها العتبتان الحسينية والعباسية.

سارت وزارة الصحة في أثر الخُطى الناعمة وغسيل السُمعة، لاستيعاب معدلات الإصابة المتزايدة على نحو مضطرد بالفيروس التنفسي، دون أي اكتراث بمتطلبات السلامة المُلّزمة التي ينصُ عليها قانون الدفاع المدني العراقي رقم (44) لسنة 2014، والذي يشترط شراكة الصحة في "اللجنة العليا لإدارة أعمال الدفاع المدني في عموم العراق". لكن الوزارة المحكومة من مجموعات متنفذة ووزراء شكليين، منشغلةٌ بإدارة اقتصاد صحي يدر أموالاً هائلة.

صيّف 2020، شهد عاصفة استقالات لمديرين في الجسم الصحي بمدينة الناصرية تحديداً، نتيجة ضغوطات مارستها جماعات شيعية لرفضهم تجهيز مشافٍ كرفانية بمعدات الاستشفاء الحكومي من "كورونا"، أو تسليم مبنى المشفى التركي الضخم لإدارته من قبل تلك الجماعات كسباً لاحتواء غضب المحتجين على انهيار الخدمة الصحية، وضمه لاحقاً لإقطاعيات نهب الموارد العامة.

وجهت وزارة الصحة بعد "محرقة بغداد" بترك المستشفيات الكرفانية "حفاظاً على سلامة المرضى والعاملين في المستشفيات كافة من خطر الحرائق"، وكأن 7 آلاف حريق نشبوا في عموم العراق في الثلث الأول من العام 2021 وفقاً لوزارة الداخلية، لم تكن كافيةً لتطلق تحذيراً بالغ القوة لإخلاء الأبرياء من علب الكارتون المضغوط بوصفها مراكز عزل وبائي، وإيقاف مهزلة التسليع السياسي لمعاناة الفقراء. فـ"كتائب حزب الله" مثال، اعتبرت "عمليات الحرق الممنهجة تقف خلفها مافيات الفساد في وزارة الصحة"، مما يطرح سؤالاً بسيطاً، وإجابته غاية في التعقيد، ومحكومة بالخوف: لمن تتبع مافيات الفساد تلك؟ من يديرها؟ ومن يستفيد منها؟

فالحرائق التي تندلع قد تكون بعض الحوادث العرضية مسؤولةً عن جزء ضئيل منها. لكن على الأغلب ليست تلك حال الحرائق التي تصيب أقساماً إدارية ومالية واستثمارية في مباني الوزارات والمصالح الحكومية. فالصراع على النفوذ وتصفية الحسابات وإزاحة الخصوم والإيقاع بهم، أو إخفاء أدلة ووثائق ومستندات تؤكد الفساد وتثبته، هي حرائق مدبرة بفعل فاعل سياسي، بوصفها الطريقة الأكثر سهولة وأماناً، ولا تبقي أثراً يُستدل منه على الجاني. تقود الصدفة أحياناً إلى الجناة الذين يسارعون لطمس آثار محارق الناس بالمستشفيات، عبر حرق الطابق الإداري الرابع من وزارة الصحة غداة ليلة حرق مركز العزل الوبائي في الناصرية!

صورة مقطعية للفساد

تُقدر كلفة الرعاية الصحية للمواطن العراقي ما بين 154 إلى 161 دولاراً سنوياً، وفقاً لمؤشرات البنك الدولي، وترتفع في أفضل مستويات التفاؤل، النادرة والقياسية، إلى 239 دولاراً بحسب مؤشر (the Global Economy). لكن التقارير المالية لوزارة الصحة تؤكد أن ما يُصرف فعلياً على المواطن سنوياً هو 166 ألف دينار فقط، أي أقل من 120 دولاراً، ما يجعل العراق الغني الأقل صرفاً على مواطنيه صحياً من بلدان مجاورة أكثر فقراً.

يخصص العراق أقل من 4.5 في المئة سنوياً من موازناته المليارية الهائلة على القطاع الاستشفائي، يذهب نصفها كموازنة تشغيلية، فيما النصف الآخر يخصص لشراء أدوية (لا تصل إلى مستحقيها)، ودفع ديون شركات خاسرة تتحطم قيمتها السوقية بفعل معرقلات الفساد عبر تعطيل القدرات الإنتاجية، والغش التجاري والمنافسة غير المشروعة.

الفشل المتسارع للنظام الصحي يؤثر على المستفيدين منه، مما يرفع من نسبة الأخطاء الطبية والوفيات الناتجة عنها، فضلاً عن النقص الشديد في توفر العلاجات الأساسية المدرجة للتداول في العراق وعددها 3000 مستحضر دوائي، من بينها 1166 مستحضراً مُقرّة الاستعمال حكومياً، من ضمنها 531 دواءً أساسياً منقذاً للحياة وللأمراض المزمنة والسرطانية. وما يتوفر فعلياً من هذه الحِسبة كلها هو 12 في المئة فقط، ما يمثل ضغطاً هائلاً على مؤسسات فاقدة لأدوات الاستشفاء، ويفتح سوقاً للمضاربة الدوائية والتلاعب بالأسعار والأنواع، ويرفع من تدفق المرضى على المستشفيات بما يفوق قدراتها الاستيعابية المصممة على حجم سكاني لما قبل ثلاثة أو أربعة عقود.

نقص الأدوية الأساسية في العراق

وكجردة حساب شاملة، أُنفق بين أعوام 2003 و 2011، نحو 53 مليار دولار كسيولة تشغيلية واستثمارية وأجهزة ومعدات ومستلزمات طبية من موازنات حكومية وحزم مساعدة دولية وأممية، لترميم المنظومة المتآكلة، والانتقال بها إلى مرحلة التعافي ببناء هيكلية أكثر استجابةً لمشكلات السكان. لكن النتيجة أن ديوناً مليارية تراكمت على الوزارة وشركاتها لصناعة الأدوية التي لا تساهم إلا بأقل من 25 في المئة فقط من طلب السوق المحلي من المنتجات التقليدية، ما استدعى ذهاب ثلث ميزانية الصحة للعام 2019 إلى دفع ديون شركة "كيماديا" الحكومية وإنقاذها من الإفلاس.

تحمي أحزاب وعمائم وميليشيات كارتلات الفساد في وزارة الصحة. والوزارة لا تتبع فصيلاً سياسياً بعينه، وإن جيء مع كل تشكيلة وزارية جديدة بوزير يمثل حصة جماعة سياسية، إلا أن الإدارة الفعلية تظل لـ"وزراء الظل" المتحكمين الفعليين وهؤلاء يرتبطون بـ"كارتلات" الفساد الحزبية والميليشياوية المتحالفة مع شركات القطاع الخاص المورّدة لاحتياجات المؤسسة الصحية.

ظل أثر محاولات إنعاش الجسم الصحي محدوداً، وفعالية تنشيط المنظومة طفيفة، حتى إن مقترحات غير حكومية طرحت مشروعاً لمواءمة النظام الصحي العراقي مع النظام الصحي البريطاني الشهير (NHS)، فضلاً عن الدراسة المعمقة التي قدمها وزير الصحة الأسبق علاء العلوان إلى حكومة عادل عبد المهدي (2019 - 2020)، وخلصت إلى أن العراقي يُنفق 75 في المئة من موارده المالية للحصول على رعاية صحية لائقة خارج المؤسسات الحكومية محلياً أو خارجياً، بينما المعدل العالمي المقبول هو إنفاق 30 في المئة فقط، فيما تدفع الدولة الجزء الأعظم من الفاتورة. وبدلاً أن تؤدي ورقة العلوان إلى إصلاح القطاع، أدت إلى استقالته اعترافاً بقوة ونفوذ مراكز إدارة الفساد داخل الوزارة، والإجراءات البيروقراطية المعقدة لحماية الحصص المتقاسمة بينها.

واحدة من إشكاليات قوة الفساد في وزارة الصحة يعود إلى الخلل البنيوي في التركيبة الإدارية. فالجسم الفني من أطباء وممرضين ومساعدين صحيين في القاع، يظلون محكومين بالغالب من مديرين عامين ووكلاء و"وزراء ظل"- وهو التوصيف الشائع لمندوبي الجماعات السياسية والفصائل المسلحة في العراق داخل الوزرات والمصالح الحكومية. وهم ليسوا بموظفين رسميين، لكنهم يمتلكون نفوذاً واسعاً يتخطى صلاحيات الوزراء أنفسهم، ونشطوا تحت مسمى "المكاتب الاقتصادية" (1)  التي تتولى ضمان حصة كل جماعة سياسية من ميزانيات وعقود واستثمارات داخل كل وزارة. أدت احتجاجات تشرين 2019، الى حلّ تلك المكاتب شكلياً، لكن نفوذ رجال الأحزاب الاقوياء ظل قائماً. والمثير أن أولئك المندوبين غالباً ما يتجاوزون مصالح احزابهم وقد صاروا "مُلّاكاً" للوزارات، محميين بقوة شبكة تخادم واسعة ومصالح ممتدة، ومسنودين بقوة العشيرة والسلاح غير القانوني.

ويرتبط هؤلاء بـ"كارتلات" الفساد الحزبية والميليشياوية المتحالفة مع شركات القطاع الخاص المورّدة لاحتياجات المؤسسة الصحية. بالتالي فإن المستوى الأعلى من هرمية الوزارة يعوم في حقلٍ من الفساد المتشعب الذي تؤثر عقوده واتفاقاته سلباً على نوعية وجودة الخدمات المقدّمة إلى المواطن، والتي تنعكس أحياناً كاعتداءات غاضبة ضد الكوادر الطبية داخل المستشفيات.

لا تنظر العقود والاتفاقات المبرمة إلى الاحتياج الفعلي والنقص في الخدمة الصحية، بقدر ما تنظر إلى مشتريات تدر أرباحاً وهامشاً مالياً كبيراً، حتى على حساب عدم توريد أدوية منقذة للحياة مقابل إغراق المخازن بمضادات حيوية سريعة التلف، ما يستوجب استيراد كميات إضافية مجدداً، إضافة إلى عقود وإطلاقات مالية لتشييد مستشفيات لم تنجز، تحولت أراضيها إلى مشروعات استثمارية وساحات مفتوحة مؤجرة. فنحو 50 في المئة من أموال بناء مشافٍ جديدة في الأعوام الأربعة الماضية نهبت وتبخرت بحسب ما ثُبت ووثق رسمياً لدى "هيئة النزاهة" و"المجلس الأعلى لمكافحة الفساد" من طرف لجنة الصحة النيابية.

تحمي أحزاب وعمائم وميليشيات كارتلات الفساد في وزارة الصحة. والوزارة لا تتبع فصيلاً سياسياً بعينه. وإن جيء مع كل تشكيلة وزارية جديدة بوزير يمثل حصة جماعة سياسية، إلا أن الإدارة الفعلية تظل لـ"وزراء الظل" المتحكمين الفعليين، والذين يرسّخون النفوذ الخالد للتيار الصدري بوصفه أبرز المتحكمين بالوزارة، وآخرين يمثلون جماعات وفصائل تقبض على جزء من أنشطة الصحة، كتوريد الأدوية وملف شركات صناعة العقاقير الحكومية. وهؤلاء مرتبطون بحركتين شيعيتين نافذتين بلبنان مع شركات توريد إيرانية ولبنانية وأردنية ومصرية، فضلاً عن ثلاثة مكاتب علمية محلية رئيسة يتم التعامل معها كغطاء توريد قانوني، ما يمكن اعتباره بحراً هائلاً يعج بالحيتان التي تتصارع على النفوذ الدوائي والتوريد الطبي إلى العراق، وعمليات الفساد الكبيرة تنخر القطاع الصحي العراقي (...) بدءاً من سرقة الأدوية أو استبدالها بأخرى منتهية الصلاحية، مروراً بسوء الخدمات المقدمة بالمستشفيات الحكومية، وتفكك المنظومة الأخلاقية للتعامل مع المرضى، وانتهاءً باستشراء المحسوبية والحزبية في مفاصل الوزارة، وفقاً لما تورده منظمة الشفافية العراقية في تقرير لها.

أضحت وزارة الصحة، في لحظة ما بعد حزيران/ يونيو 2014، إحدى أبرز أقنية تمويل الجماعات المسلحة الشيعية في المنطقة، ومصدراً مهماً من مصادر تخليق الأموال. قيادات رفيعة بتلك الجماعات التي تَقونَنَ عملها شكلياً تحت مسمى "الحشد الشعبي"، كانت تقاتل بشراسة لبقاء الوزيرة حمود، رغم فساد عهدها المعلن، وغالبا ما كان "أبو مهدي المهندس" وهادي العامري يتصدون لدعوات إقالة "وزيرة الموت" كحارسين عتيدين لمنظومة الانتفاع، ولدعمها أمام قوة التيار الصدري المهيمن في الوزارة التي باتت سوقاً مفتوحة لبيع المناصب، بدءاً من حقيبة الوزير إلى مديري الدوائر والمستشفيات في القطّاعات والمحافظات.

تحطيم إمكانات المؤسسة الصحية يعود بالنفع على مستفيدين كثر، بدءاً من كارتلات الوزارة، وحتى مكاتب المحافظين ومجالس المحافظات التي تدير أيضاً تسفير المرضى إلى الخارج. ومنذ عامين صارت المحافظات مسؤولةً مباشرة عن دوائر الصحة العامة فيها، تطبيقاً لتفعيل اللامركزية الإدارية للتخفيف من سلطة بغداد على محافظات الهامش. لكن ذلك أدى إلى تردٍ مضاف لجودة الخدمة الصحية. إخفاقات الصحة قادت المواطن للبحث عن خيارات تبقيه معافًى أو حياً مع حزمة عِلل، وإن كانت تنهكه اقتصادياً، فكان البديل: المشافي الأهلية الاستثمارية المحلية المُدارة أصلاً من رعاة الفساد، وكلفة العلاج فيها تكاد تكون أغلى من التعالج بالخارج، ما يقود إلى البديل الثاني، وهو سوق الاستغلال النفعي لغياب مسؤولية الدولة بحماية مواطنيها صحياً، الموصوف بـ"السياحة العلاجية"، والتي يقدر اقتصادها السنوي في العراق بنحو مليار دولار على أقل تقدير.

غالباً، يتطبب العراقيون مرغمين في إيران وتركيا والهند وماليزيا والأردن ولبنان، وفئة قليلة تستطيع الوصول إلى أوروبا. والتقرير التخميني المُعد بناءً على التقارير الطبية المُصدّقة لدى وزارتي الخارجية والصحة، يؤكد أن "ما لا يقل عن 4 آلاف عراقي يغادرون شهرياً بغية العلاج"، للتدهور الشديد الحاصل في بنية الخدمة الصحية وردائتها، فضلاً عن نقص الأطباء والكوادر لندرة التوظيف بسبب شح التخصيصات المالية للصحة، وثبات الميزانية التشغيلية قبالة ارتفاع نسبة الضغط على المستشفيات.

نقص الكوادر والمستشفيات في العراق

تُقدر مفتشية وزارة الصحة، الإنفاق العلاجي للعراقيين من مدخراتهم سنوياً، ما بين 5 و6 ملايين دولار، ما تعتبره وفقاً لتقرير لها، "كافياً لتشييد مستشفى كل ثلاثة أشهر، أو بناء ثلاثة مراكز صحية للرعاية الأولية كل شهر في العراق".

لا تتوفر على نحو دقيق إحصاءات عن الإنفاق العلاجي العام للعراق في الخارج، أو ما ينفقه العراقيون من مدخراتهم على "السياحة العلاجية". لكن مثلاً، عولج أكثر من 14500 عراقي في الخارج في العام 2013، وخلال 2017 أنفق العراق نحو 200 مليون دولار على علاج جرحى من الجيش والشرطة و"الحشد الشعبي" في دول أخرى، وأنفق مبلغاً أكبر في العام 2016.

وبحسب أرقام وزارة الصحة الإيرانية لسنة 2017، كان 374 ألف عراقي هو معدل التطبب السنوي في البلاد. وفي العام 2018 مثلاً، أنفق العراقيون 500 مليون دولار في الهند وحدها التي منحت حوالي 50 ألف تأشيرة "سياحة علاجية" لعراقيين في العام نفسه، بحسب برنامج الإجلاء الطبي بوزارة الصحة، الذي ينقسم إلى 14 لجنةً تقرر تسفير المرضى. المسؤولون في البرنامج يرون أن "استقدام أطباء وكوادر علاجية إلى العراق، أقل كلفةً من إرسال مرضى عراقيين إلى الخارج".

هيكل النار المؤدي إلى المحرقة

برزت تصدعات الهيكل الصحي الحكومي بعد حزيران/ يونيو 2014 كواحدة من الهزات الارتدادية لزلزال جماعة "الدولة الإسلامية – داعش"، فتأثر عدد كبير من المشافي والمراكز الصحية في خمس محافظات تعرضت إلى التدمير أو النهب أو تحولها إلى مراكز استشفائية لعناصر الجماعة الإرهابية، دُمر معظمها بالعمليات العسكرية التي استغرقت نحو ثلاثة أعوام مريرة طُحنت بها البُنية الخدمية لتلك المناطق.

افترضت حكومة حيدر العبادي (2014 - 2018) أن إعمار المناطق المُدمرة، يستوجب 100 مليار دولار، رُصد منها تخميناً نحو 4.365 مليون دولار، لإعادة تأهيل المؤسسات الصحية، أي ما نسبته 4.9 في المئة من القيمة الكُلية لإعمار تلك المناطق. وعملياً لم تخصص الحكومة أموالاً إضافية على موازناتها السنوية الضئيلة (نحو خمسة تريليون دينار عراقي) المرصودة لتشغيل كامل النظام الصحي في عموم العراق، ما عدا المنطقة الكردية الأفضل حالاً بوصفها إقليماً مستقراً يملك مشافي جديدة ومراكز علاجية متطورة، مع وفرة في عدد الأسرّة والأطباء بنسبة 1.5 سرير، و 1.4 طبيب لكل 1000 نسمة، بما يقترب من المعدل العالمي.

ينفق العراقي 75 في المئة من موارده المالية للحصول على رعاية صحية لائقة خارج المؤسسات الحكومية، محلياً أو خارجياً. يتطبب العراقيون مرغمين في إيران وتركيا والهند وماليزيا والأردن ولبنان، وفئة قليلة تستطيع الوصول إلى أوروبا. التقارير الطبية تصدق لدى وزارتي الخارجية والصحة، ويقدر اقتصاد "السياحة العلاجية"، بنحو مليار دولار سنوياً، يستفيد كثر من ايراداته.

دَلَّت أزمة "داعش" على هشاشة شبكة الصحة وضعفها في استيعاب الاستهلاك المتزايد مع استمرار العنف، وتزايد معدلات النزوح، وارتفاع مسببات الإصابة بالأمراض في ظل تهاوي نظام الخدمات العامة الأساسية، وتلوث مصادر المياه، ورداءة نوعية الهواء، وشيوع سلالات من السرطانات، وأمراض الدم ومشكلات التغذية والصحة النفسية، وانعدام السلامة في مواقع العمل، فضلاً عن تنامٍ مخيف لحوادث الطرق والحرائق، وشيوع التخلص من النفايات في الأماكن العامة، بما فيها النفايات الخطرة للمستشفيات، وانتهاءً بمؤثرات التغيّر المُناخي، مع الارتفاع القياسي للحرارة، وقلة الأمطار والجفاف، وتراجع المساحات الخضراء مقابل سيادة التصحر الآخذ بالاتساع مع تناقص حصة مياه العراق المتدفقة من تركيا وإيران.

____________
من دفاتر السفير العربي
بلا مياه: العراق يموت
____________

تراكم تلك المشكلات وتأثيراتها، مع قفزة عددية سكانية هي الأعلى عالمياً (3.6 في المئة)، أي بمعدل زيادة سنوي يتراوح ما بيّن 850 ألفاً إلى مليون ولادة. بينما حقق العام 2020 طفرةً قياسية بلغت مليوناً و258 ألف ولادة. فنسبة السكان تتزايد أسرع من المتوقع، ما يستوجب خطة حكومية لتقنين الإنجاب ليتناسب مع حجم الموارد المتناقصة وارتفاع حدود الفقر والبطالة وفشل الاقتصاد الوطني. فمع تزايد النسبة السكانية، يتزايد طردياً الضغط على المؤسسات الصحية التي تفشل في تلبية الطلب على خدماتها من قبل السكان الذين حين ترتفع مؤشرات إصابتهم بأمراض، فإن الكُلف العلاجية تكون باهظة.

التلوث وآثاره على الصحة العامة في العراق

تزايد مؤشرات تردي الحياة العامة في العراق، يعني أن غالبية سكان البلاد معرضون للإصابة بشتى التغيرات المرضيّة في ظل التدهور المستمر لنوعية وأساليب العيش. فالعراق صُنّف في المرتبة 13 في قائمة الدول الأكثر هشاشةً ذات الإنذار الأحمر عالي الخطورة، حيث إن مؤشر 120 نقطةً يمثل المستوى الأكثر سوءاً، والعراق لديه مؤشر 102 نقطة في الترتيب العالمي، كما أنه يقع في المستوى 160/180 ضمن الدول الأكثر فساداً.

هذه مؤشرات تدل أن الفشل الحكومي، والتردي الصحي مع الزيادة السكانية الحاصلة، سيخلق أزمةً صحية كبيرة على مدى السنوات القليلة المقبلة، ولعل أبرز مؤشراتها هو تصدّر العراق لأكثر دول المنطقة تأثراً بـ Covid 19.

فتحت أزمة الفيروس التنفسي، باباً جديداً ضمن "اقتصاد العنف" المرتبط بالجماعات المسلحة، باعتبارها تمتلك واجهات اقتصادية ومنها شركات سياحة وسفر أو مختبرات فحوص طبية، تبيع نتائج مزورة لاختبارات كشف الإصابة (سلبية أو إيجابية) لقاء مبالغ مالية بين 50 إلى 100 دولار أمريكي، وبيع تراخيص وإعفاءات التنقل في أوقات حظر التجوال، وصولاً إلى بيع بطاقات التلقيح المزورة بـ 200 دولار.

وبلغ الاستغلال السياسي للأزمة إلى اعتبارها قياساً للشعبية أو لولاء الاتباع، وهو المشروع الذي ابتدعه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، تمهيداً لانتخابات يؤمل عقدها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، لحساب قاعدته الشعبية رقمياً على نحو دقيق، ضمن "مشروع البُنيان المرصوص". وفي مرحلة منه مبكرة وغير معلنة، طالب الصدر اتباعه بأخذ لقاح ضد الفيروس و"إلا اعتبروا خارجين عن التيار"، وهو مؤشر إضافي على النفوذ الواسع للصدريين داخل وزارة الصحة التي تميّزهم عن بقية مواطنيهم، قفزاً فوق أولويات التطعيم ضد الفيروس وفقاً لجدول الفئات الأكثر هشاشة واستحقاقاً.

بالنتيجة، النظام السياسي في العراق غير آبه بالحفاظ على صحة مواطنيه، ولا يسعى إلى تحسين الخدمة الصحية إلا لجهة الانتفاع والاستيلاء على مكاسب مالية واقتصادية. فالتطاحن على النفوذ داخل وزارة الصحة أدى إلى محارق مروّعة وأخطاء طبية جسيمة، وتحطم الجودة ونزع ثقة المواطن بمؤسساته الوطنية وشعوره أن الاستشفاء حكومياً هو العتبة المجانية إلى الموت، خصوصاً في ظل هجرة الخبرات والكفاءات، بل وحتى حديثي التخرج. فسنوياً يدخل الخدمة نحو 1500 طبيب جديد، يسعى 25 في المئة منهم إلى وظائف خارج البلاد، بسبب مخاطر العمل في الداخل مع تزايد الاعتداءات، وعجز الدولة عن حماية الثروة البشرية الطبية. فيما يظل المواطن رهينة قوى الفساد القابضة، والتي تدير القطاع بعقلية الأملاك المنهوبة، وبقوة "البلطجة السياسية" والسلاح والمضاربة بالقيمة السوقية لقطاع الاستشفاء.  

______________

1) الفساد والنهب في ممارسة السلطة: حالتا الجزائر والعراق. اصدارات السفير العربي، 2020.يمكن تحميل الكتاب في صيغة ملف بي.دي.أف (PDF)، وهو متوفر كذلك باللغتين الفرنسية والأنجليزية

مقالات من العراق

غيمة في رأسي

ميزر كمال 2021-08-19

انشغلتُ عن النجاة بأسبابها، وامتلأت بالهواجس والكوابيس، وصرتُ بعيداً عني، كنت أشعر بالتغيير يجري في داخلي، واسمع الصخب في رأسي: صخب القصف والرصاص وصراخ ذوي القتلى، الذين كانوا يسقطون كل...

للكاتب نفسه

احتجاجات العراق: عن أي ديمقراطية نتكلم؟

صفاء خلف 2019-10-29

الاحتجاجات هي الوجه "الديمقراطي" الوحيد في العراق، لكنه الآن يُقمع بوحشية. البرلمان هو الدعامة "الشرعية" للنظام السياسي الحالي في العراق، أما قوته الحقيقية فتكمن في الجماعات المسلحة الداعمة له، والتي...