أبي يحب الله ويكره رجال الدين

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً.

من فجّرنا بهذا العنف؟ حين أربط بعض المشاهد ببعضها تبدو لي متطابقة. فقصة هذه الفتاة، وطريقة قتلها، هي الطريقة نفسها التي يقتل فيها تنظيم داعش كثيراً من ضحاياه، وكذلك فعل تنظيم القاعدة، وفعلت وتفعل المليشيات الآن: ملثمون، صندوق سيارة، حفرة، كلاشينكوف، وإيمان بعقيدة ما، ثم اطلاق الرصاص.
2021-06-10

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
بسام الإمام - سوريا

علاقتي بالله والدين مرت بمراحل كثيرة، لكنها تشكلت من خلال علاقة أبي به. إنها علاقة قد تبدو عادية، لكنها بالنسبة لي كانت مثيرة للاهتمام، فأبي يكره "رجال الدين" للحد الذي، عندما كنت متديناً في المراهقة، لم يكن مرتاحاً أو راضياً عن هذا. كان يقول لي دائماً: ساعة لقلبك وساعة لربك. وهذا واحد من المفاهيم التي كانت تشكل علاقة أبي بالله. وبالعودة إلى كره أبي لرجال الدين، فغالباً ما كان يبصق على شاشة التلفاز حين يظهر عليها رجل دين بلحية طويلة، كأنها زخة مطر من غيمة عابرة، تلك الرذاذات التي تسيل ملء الشاشة. ثم يبرر ذلك بـ: "تحت كل شعرة من هذه اللحية يقبع شيطان رجيم"، ويترك المكان غاضباً.

لأبي سبب في هذا الكره، فهو يعتقد أنهم يستخدمون الدين وسيلة لإخفاء جشعهم، وحقيقتهم الأخرى. وحين يذكر هذا الأمر يضرب الكثير من الأمثلة: يحكي عن مؤذن جامع الفردوس، حجي مجيد، صوته من أبشع ما يمكن أن تسمعه أذن بشرية، يجعلك تكره الذهاب إلى الصلاة في الجامع، في الحقيقة يجعلك تكره الصلاة كلها، قبيح لدرجة مزعجة، وممل، وهذه ليست هي الصفة التي تجعل أبي يذكره، فهذه بالنسبة له من البديهيات. لكنه مؤذن ثري، يمتلك مجمعاً للأسواق بجانب الجامع، ومركبات حمل تجارية، وعدة منازل في الحي، وقطع أراض كثيرة، وقد جمع ثروته هذه من السرقة. أبي يصر إن هذا المؤذن سارق ويشوش على لصوصيته بصوته البشع خمس مرات في اليوم، وهي كثيرة جداً وثقيلة، ولا أدري كيف كنا نحتمل سماعه! وفي الوقت الذي يؤذن شخص آخر غيره (وهذه أوقات نادرة)، كل أهل الحي يلاحظون هذا، ويُثنون عليه.

يتذكر أبي حين كانا في الكويت معاً في السبعينيات، ويحكي قصصاً عن أخلاقه السيئة، وكيف كان دماغه في أعضائه التناسلية، ويريد ممارسة الجنس مع كل شيء، ثم سرقته لبيوت الكويتيين خلال غزو نظام صدام حسين للكويت، ومن هناك جاء مجيد بكل ثروته. كيف يمكن لهذا اللص أن يؤذن بالناس للصلاة، ويكون أميناً على بيت الله! هذا الأمر كان يشكل هاجساً بالنسبة لأبي، ويجعله دائم الشك بوجود خطأً ما في هذا الأمر. ولم يكن يخفي ذلك، يصرح به دائماً، كما يصرح بكرهه لرجال الدين.

"من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"

لكن أبي يحب الأولياء، أو من يسميهم بالرجال الصالحين، يؤمن بتأثيرهم، وأثرهم، ويغضب حين يسمع أحداً يتحدث عن أحدهم بسوء، يعتقد أنهم "يشورون" أن الله يؤذي من يتناولهم بسوء، يحب الشيخ عبد القادر الكيلاني، ويستغيث بجاهه عند الله، وكذلك الشيخ أحمد الرفاعي، ويستدعي شيئاً من الرهبة حين يتحدث عنهم. للحظة كنتُ أشك أن أبي قد كان في حياة ما درويشاً أو مريداً عند أحد الأولياء، لكنني أعرف لماذا يجل أبي الأولياء.

يقول أبي عن رجال الدين: "تحت كل شعرة من هذه اللحية يقبع شيطان رجيم"، فهو يعتقد أنهم يستخدمون الدين وسيلة لإخفاء جشعهم، وحقيقتهم الأخرى. وكان يمقت مؤذن جامع الحي الذي يعرفه جيداً، ويتساءل كيف يمكن لهذا اللص أن يؤذن بالناس للصلاة، ويكون أميناً على بيت الله! لكن أبي يحب الأولياء، أو من يسميهم بالرجال الصالحين.

مرةً تحدث لنا عن والده، جدي، الذي كان صائداً للحيوانات البرية، يغيب أياماً طويلة في الصحراء ليصيد الظباء والأرانب والطيور. وفي أحد الأيام وصل مع صديق له إلى واحة صغيرة في الصحراء، فيها نبعٌ للماء تشرب منه غزالة، فرمى جدي عليها فأصابها لكنها لم تسقط ولم تهرب، ظلت واقفة تشرب من النبع، ورفعت رأسها نحو جدي ثم أنزلته إلى الماء، أعاد جدي الكرة وحدث الأمر ذاته، فحذره صديقه أنها ليست غزالة، إنها شيء آخر، فأصر جدي على اصطيادها، وفي المرة الثالثة تجمدت الدماء في عروقه، لم يستطع الحركة، وأصبح مثل جذع مقطوع، حمله صديقه إلى الديار وقصَّ على الناس ما حدث.

الجميع يصبحون محققين مثل شارلوك هولمز عندما يتعلق الأمر بمشكلة، وهذا ما حدث في قصة جدي. فقد دلهم شخص على قرية قريبة من تلك الواحة فيها أحد الشيوخ المتصوفة، وله مريدين وأتباع يسلكون طريقته، وعندهم سيجدون سرَّ الغزالة. وبالفعل أخذوا جدي إليهم وقصَّ عليهم رفيق جدي ما حدث، وتوسلت جدتي لذلك الشيخ أن يرقيه، فطلب منها إبقاءه عندهم تلك الليلة. وعندما نزل الغروب، بدأ الشيخ ومريديه، ذوو الشعر الطويل والمتروك، طقوساً غريبة: أشعلوا ناراً كبيرة في القرية، وجمعوا الناس، ومددوا جدي بالقرب منها، ثم تحلَّقوا على هيئة دائرة حول النار وجدي، وأمسكوا بأيدي بعضهم البعض وهم يرددون أذكاراً وأدعية غير مفهومة، ويهزون رؤوسهم، وكانوا كلما تمايلوا أكثر وأسرع، تتقد النار وترتفع ألسنتها إلى الأعلى. ثم جلسوا وبدؤوا يرددون خلف الشيخ الكبير أذكاراً وأدعية وآيات من القران وأسماء لأشخاص هم بالنسبة لأتباع هذه الطريقة أصحاب شأن كبير، لأن ذلك الشيخ كلما كان يقول اسماً يطير بعض المريدين الجالسين حول النار، كأنهم يرحبون بقدوم صاحب هذا الاسم المذكور، وظلوا على هذه الحال حتى وقف جدي أمام النار، كأنه بُعث من جديد.

هذه القصة هي التي شكلت إيمان أبي بالله وحبه للأولياء، واعتقاده بأنهم أهل كرامات. وكثيراً ما يقول هذه العبارة حين يتحدث عنهم: "الله ما بيننا وبينهم، ذولي أصحاب سر"، ثم يُمسك ثيابه من فوق صدره وينفضها، وهذه في العراق دلالة على البراءة والتسليم، وخلو القلب من الشكوك، وإشارة على التصديق.

أبي يحترم الله جداً، لكنه يسمح لنفسه أن يعاتبه ويخاطبه بطريقة فيها لوم واعتراض، وأحياناً فيها جرأة وشك حتى بالثوابت، مثلاً: حين يغضب مني لسبب ما، وأكون بعيداً عن مرمى حذائه أو عقاله، كان يرفع رأسه إلى السماء ويقول: إذا كنت في مكانك فعلاً! فلا تدعه ينام الليلة إلا في قبره.

حين قسا عودي، كنت اعترض على طريقته في إغراق الشاشة بالبصاق، إذ لا يجب عليه ذلك، المتضرر الوحيد هو نحن إن تعطل التلفاز، كان يلقي علي اللوم لأنني اختار القنوات التي يظهرون فيها، فكنتُ أقول له ما يدريك فقد يكونوا أولياء. يرد بأن الولي لا يظهر في الفضائيات، ثم يلتفت إلي بطريقة ماكرة، أعرفها جيداً، ويقرر أن ينهي الاحتجاج بالضربة القاضية عندما يسألني: أليس هذا ما تتعلمه في المكتبة عند الشيخ خليل؟

ليس بالطريقة التي أرادها أبي، لكنني في الحقيقة هذا ما أتعلمه بالفعل، وكنت أجربه في المكتبة، "التخلية والتحلية" أن تتخلى عن كل شيء، وتتوجه بكل شيء إلى الله، وتُخلي جسدك وروحك من الشوائب والملوثات: تأكل ما توفر وقل، وترتدي ما هو بسيط ومريح، ولا تتحدث كثيراً إلا إذا لزم، ولا تختلط بالناس ليسوا لأنهم الأذى، بل لأنك لا تريد أن تمسَّ أحد بسوء، وتوقن أن كل حركة وكل عمل تقوم به هو طقس تعبدي في محراب الله الكبير، الكون. ومن التخلية أن تتخلى عن كل ما هو زائد، امتلاك الضروريات فقط، فلا يأتي مع التكميليات إلا التشتت والنقصان. وأن تداري روحك من أمراض القلوب كما تداري جسدك من الفيروسات. فهذه أمراض قاتلة ومهلكة، وأشدها حب الظهور، الذي تعد كل الأمراض الأخرى من مضاعفاته: الرياء، العُجُب، الحسد، النفاق، الزيغ، القسوة..

عندما يخلو الإنسان من كل هذه الشوائب، يكون نقياً حينها، ولائقاً بتلقي الفيوضات الربانية، والنفحات الإلهية، ويترقى في مراتب الإحسان حتى يكون أحد الأقطاب على هذه الأرض. وفي الحديث القدسي يقول الله: "من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"، وهذه كانت فكرة ساحرة بالنسبة لي، الهروب من هذه المدينة التي تشبه آلة ميكانيكة قديمة، أكلها الصدأ ويتقاتل عليها الناس، كنت أبحث عن مكان تخلقه الكتب، فوجدته في المكتبة وبصحبة الشيخ خليل.

"شكَـينا سروال الله"

أبي يحترم الله جداً، لكنه يسمح لنفسه أن يعاتبه ويخاطبه بطريقة فيها لوم واعتراض، وأحياناً فيها جرأة وشك حتى بالثوابت، مثلاً: حين يغضب مني لسبب ما، وأكون بعيداً عن مرمى حذائه أو عقاله، كان يرفع رأسه إلى السماء ويقول: إذا كنت في مكانك فعلاً! فلا تدعه ينام الليلة إلا في قبره. وفي سنوات الحصار كثيراً ما كان يحاور الله بهذه العبارة: بعد عيني عينك.. احترفلنا مو ضاقت، وبعد عيني عينك تعني: يمعوَّد/أرجوك انتبه لي، بنبرة تعجب لا توسل، واحترفلنا: انظر إلينا.. ماذا يجري عندك؟! وكانت له مغامراته المثيرة أيضاً، عندما كان سائق كوستر (باص)، على طريق الرمادي بغداد، وبعد ذلك أيضاً.

"التخلية والتحلية" هي أن تتوجه بكل شيء إلى الله، وتُخلي جسدك وروحك من الشوائب والملوثات: تأكل ما توفر وقلّ، وترتدي البسيط والمريح، ولا تتحدث كثيراً إلا إذا لزم، ولا تختلط بالناس، ليسوا لأنهم الأذى، بل لأنك لا تريد أن تمسَّ أحد بسوء، وتوقن أن كل حركة وكل عمل تقوم به هو طقس تعبدي في محراب الله الكبير، الكون.

أعرف تاريخ أبي من أصدقائه المقربين، حُميِّد البردة (والد عُمر، صديق الطفولة الذي قُتل بانفجار سيارة مفخخة) وشاكر البردة (والد مهند وعمّ عمر) وصبَّار العجاج. لم يكن لأبي أصدقاء كثر، إنهم قليلون جداً، وحتى هؤلاء لا يلتقي بهم كثيراً، لكنَّ حُميِّد البردة، وصبَّار العجاج، كانا الأكثر جرأة في سرد مغامرات أبي، خاصة الجنسية منها. وكان عندما "يُحصر في خانة الْيَكْ" يُحاصر بالحقائق والأدلة، لا يُنكر، لكنه يحوِّل الأمر إلى دعابة ثقيلة، ومدخل إلى استذكار أيام "الزمن الجميل"، ووفرة فرص العمل والحركة الاقتصادية والأمن الذي يجعلهم يأتون من بغداد إلى الرمادي في أي وقت يشاؤون من الليل. الشوارع آمنة حتى وإن كنتَ وحدك، عادةً حُميِّد البردة، وصبَّار العجاج، يشرحون سبب عودة أبي وحده في ذلك الوقت. في الحقيقة لم يكن وحده، كان معه "نفر" في الكوستر، والنفر باللهجة العراقية تعني شخص، وفي هذا السياق يشير أصدقاء أبي إلى امرأة ما.

في أحد أعياد الفطر، زارنا حُميِّد البردة وحينها كان أبي معترضاً على أزياء هذا الجيل الجديد، وقصات شعرهم، ولا مبالاتهم في أمور الحياة، و"مايعين"، يعني ضعفاء ويذوبون مثل الشمع. فالرجل يجب أن يكون صوته خشناً، وجلسته مثلما يجلس الأسد، ولا يضحك إلا بموجِب، ويوزن كلامه إذا تحدث، ويعرف أسرار الحديث، هكذا يكون الرجل بالنسبة لمقاييس أبي، وكذلك بالنسبة لرفاقه. حتى أنه في أحد الأيام زارني صديقي الشاعر مهند المشهداني وكان يرتدي بنطالاً جينز فألقى أبي عليه محاضرة طويلة حاول أن يثبت فيها أنه من المعيب على الرجل لبس هكذا بنطال، وأمرنا بإحضار دشداشة ليلبسها مهند، فهذه هي ثياب "الزلم الحوك"، الرجال الأقوياء.

لم نكن نستطيع مجادلة أبي، ولا حتى مناقشته، نحن لا نجرؤ على الاتكاء عندما يكون حاضراً، نجلس متربعين ومستقيمي الظهر، لا أتذكر كم مرةً صرخ بي: شبيك خامل؟ أكعد مثل الزلم! الحياة مع أبي عسكرية، لم تكن إلا كذلك، أوامر باستمرار، وطاعة، وحركة، أتذكر مرةً جعلنا نحفر بئراً في الحديقة، عمقه تسعة أمتار وبقطر متر واحد، ثم بعد فترة من الزمن أمرنا بردمه، وفعلنا ذلك!

في اللحظة التي كان أبي في ذروة انتقاده لنمط حياة الجيل الجديد، ردَّ عليه حميد البردة بصوته الذي يخيل إليك أنه يخرج من حنجرة حديد أكلها الصدأ: "عوووف الويلاد، خليهم يعيشون، ما راح يسوون أكثر من الي سويناه، احنا شكَـينا سروال الله"، ويقصد لقد مزقوا ثياب الله الداخلية، ثم يضحكان ويقول له أبي وهو يقهقه: "لاااا مو لهاي الدرجة". إنهم جبابرة، علاقتهم بالله غريبة، يفعلون هذا في الوقت الذي لا يسمحون ولا يتهاونون مع من "يكفر" يسب الله بكلمات نابية، والكفر مشهور عند العراقيين، إنه استعمال يومي، خاصة عند الأطفال والمراهقين، الذين يتعلمونه في البيت، وفي الشارع والأسواق.

أن تداري روحك من أمراض القلوب كما تداري جسدك من الفيروسات. فهذه أمراض قاتلة ومهلكة، وأشدها حب الظهور، الذي تعد كل الأمراض الأخرى من مضاعفاته: الرياء، العُجُب، الحسد، النفاق، الزيغ، القسوة..

العراقيون يشتمون الله بطريقة مبالغ بها. العبارات متفجرة بمعاني الكبت الجنسي، أستطيع كتابتها لكنها حقاً بذيئة. فمثلاً يتخيل العراقي أن الله له عائلة، ثم يبدأ "يقسِّم"، يجزّئ خيالاته ورغباته الجنسية على تلك العائلة، وأظن أن الأمر بالنسبة للعراقي لا يكتفي عند حدود الجرأة على الشتيمة، إنه يتعداه إلى حدود الأذى والانتهاك، وهذه طبيعة متجذرة في العراقي، حين يكره: يؤذي وينتهك.

كيف يكون الجحيم؟

في طريق الرمادي – بغداد، وللمرة الثالثة، تذكرت علاقة أبي ورفاقه بالله، التي لم تتغير أبداً، ظلوا مؤمنين على طريقتهم، ومررت على علاقتي أنا به، أعني علاقتي به في تلك اللحظة. لقد تغيرتْ كثيراً. استعرضت حياتي كلها في ذلك الطريق الطويل، وحاولت إيجاد الخطأ الذي اقترفته لأعاقب بكل هذا، 26 عاماً بدأت بين نهاية الحرب العراقية وبداية غزو العراق للكويت ثم حرب عاصفة الصحراء، فتدرجت في الحصار، وارتقيت في سلم الفقر والجوع "باية باية" كما نقول في العراق، حتى احتلال العراق عام 2003، وكانت تلك بداية المراهقة. آه كم أحتاج إلى سنوات إضافية لأضحك على مراهقتي، كانت مسخرة، للمخيلة أن تتصور مراهق في مدينة صغيرة هي أقرب لتجمع قبائل متعصبة لتقاليدها، وتحدث هناك حرب شوارع بين الجيش الأمريكي وتنظيم القاعدة، والمقاومة العراقية. كيف يكون الجحيم؟

انتهى هذا الكابوس وبدأ كابوس آخر. بسرعة بدأت مدينة الرمادي اعتصاماً مفتوحاً ضد حكومة نوري المالكي المتهم بالطائفية وإطلاق يد المليشيات "الشيعية" في الشوارع واستخدام قانون 4 إرهاب وسيلة لتغييب من يشاء من أبناء السنة، وفي بلد لا يتطلب الذهاب إلى الحرب كثيراً من الوقت، ذهب الجميع إلى الحرب، لم يصبروا قليلاً ولم يصمتوا ولو أقل، وها أنا بفضل الجميع، نازحٌ وتائهٌ لا يدري ماذا سيحدث له في الدقيقة القادمة، ومن يقف له على هذا الطريق؟ ماذا فعلتُ لأكون مطارداً هكذا؟ ومن يركض خلفي هو الموت بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة. وماذا يمكن فعله في هذه المدينة البائسة ليستحق كل هذه القسوة في الجزاء! ماذا فعلنا؟ وماذا فعلتُ أنا؟ أتمنى لو أدري.

هنالك من "مزَّق ثياب الله الداخلية"، وأنا لم أُجرب القُبلة بعد، لم أرَ طيلة سنواتي الستة والعشرين عاشقين يجلسان أو يتمشيان في هذه المدينة كما يفعل العشاق في مدن العالم الأخرى، على الأقل كما رأيت في التلفزيون. أين يجلس العاشقان! لا وجود للحدائق حتى، والمقاهي مخصصة للمتقاعدين والعاطلين عن العمل وعُمَّال البناء، ولا تقدم غير الشاي والضجيج، إنها مدينة قاسية، تشبه بلدة DIRT في فيلم RANGO، غير أنَّ الأبطال لا يأتون.

لم تكن تمر فترة طويلة دون أن نسمع عن جريمة قتل بداعي "غسل العار". الكثير من الفتيات قتلن على أيدي آبائهن وإخوانهن لـ"غسل عار" العائلة والعشيرة، وتحدث مقتلة بين عشيرة وأخرى حين يقع حبٌ بينهما، أعني حين تحب فتاةٌ شاباً من قبيلة أخرى، وغالباً ما يكون ذلك في السر، وحين ينكشف تبدأ الحرب، ويسقط القتلى، وتُقتل الفتاة، ويطارد الشاب.

بعد عام 2003، الناس صاروا متوحشين، وشرسين وعدائيين. تعرف هذا عندما تركب مع سائق تاكسي أو تدخل في زحام أو تتجول في الأسواق. الناس تريد أن تأكل بعضها. في ذلك الوقت، حدثت جريمة قتل: أب يأخذ أولاده الذكور الثلاثة، ويضعون الفتاة شقيقتهم في صندوق السيارة الخلفي، متجهين إلى الصحراء، يحملون أسلحة كلاشنكوف، وأدوات حفر، وفي مكان ما هناك، يُنزلون شقيقتهم من صندوق السيارة، ويصوبون عليها بنادقهم ويأمرونها بحفر قبرها، ترتعد الفتاة من الخوف وتبكي وتتوسل وهي تحمل مجرفة (كَرَكْ) وتحفر قبرها بجسدها الذي سيتداعى الآن، وهكذا حتى صارت حفرة تكفي لدفنها وإخفاءها إلى الأبد، أطلقوا عليها الرصاص وهي تتوسل وتقسم أنها "شريفة" وبريئة. ثم دفنوها ورحلوا.

بدأت مدينة الرمادي اعتصاماً مفتوحاً ضد حكومة نوري المالكي المتهم بالطائفية وإطلاق يد المليشيات "الشيعية" في الشوارع واستخدام قانون 4 إرهاب وسيلة لتغييب من يشاء من أبناء السنة، وفي بلد لا يتطلب الذهاب إلى الحرب كثيراً من الوقت. ذهب الجميع إلى الحرب، لم يصبروا قليلاً ولم يصمتوا ولو أقل.

هذه القصة سردها الأب القاتل على شيخ خليل، حين جاء إلى المكتبة يبحث عن حل لكوابيسه، يقول للشيخ خليل إنها تأتيه كل ليلة سابحة بدمائها وتصرخ عليه: اني بريئة. وحين سأله الشيخ خليل عن الدليل الذي جعله يقتلها، رد عليه: الناس يتحدثون عن الأمر. مدينة حتى أحاديث الناس فيها قاتلة.

ماذا فعلنا ليحدث كل هذا؟

من فجرنا بهذا العنف؟ حين أربط بعض المشاهد ببعضها تبدو لي متطابقة، فقصة هذه الفتاة، وطريقة قتلها، هي الطريقة نفسها التي يقتل فيها تنظيم داعش كثيراً من ضحاياه، وكذلك فعل تنظيم القاعدة، وفعلت وتفعل المليشيات الآن: ملثمون، صندوق سيارة، حفرة، كلاشينكوف، وإيمان بعقيدة ما، ثم اطلاق الرصاص.

لماذا لم أحظ بأي مرح في هذه المدينة؟ حتى سنوات المراهقة، التي يكون فيها الجسد مثل ليلة رأس السنة، كان تنظيم القاعدة يسيطر على المدينة عسكرياً ويرمي الجثث على الأرصفة والساحات العامة، وأحياناً يرسل المقتول مقطعاً بكيس بلاستيكي إلى عائلته، إلى باب المنزل، مثلما حدث مع علاء رشيد، الفتى الذي اتهمه تنظيم القاعدة بالتجسس لصالح الجيش الأمريكي. وعلاء بالكاد يعرف القراءة والكتابة، لم يتجاوز المرحلة الابتدائية، وتركها ليعمل حمالاً في السوق، لعيل عائلة تسكن في غرفة واحدة أسفل بناية تغرق بالمياه الآسنة. أخذوه ونحروه في تسجيل مصور، ثم قطعوه وأرسلوه إلى عائلته بكيس يحتوي على قرص مدمج، فيه "اعترافات" علاء، وتنفيذ الحكم فيه، ذبحاً بالصورة والصوت.

لم تكن تمر فترة طويلة دون أن نسمع عن جريمة قتل بداعي "غسل العار". الكثير من الفتيات قتلن على أيدي آبائهن وإخوانهن لـ"غسل عار" العائلة والعشيرة، وتحدث مقتلة بين عشيرة وأخرى حين يقع حبٌ بينهما، أعني حين تحب فتاةٌ شاباً من قبيلة أخرى، وغالباً ما يكون ذلك في السر، وحين ينكشف تبدأ الحرب، ويسقط القتلى، وتُقتل الفتاة، ويطارد الشاب.

ما يزال وجه صديقي وسام يراودني في الكوابيس والصحو، حينها شاع الخبر أن سيارة أُوبل ألقت جثته في حي 8 شباط، ونقلها الناس - بعد أن تعرفوا عليه - إلى جامع الفردوس، في الحي الذي نسكن فيه. ركضنا لرؤيته، ودخلنا إلى محلات الوضوء، فوجدنا جثة ملفوفة بحصيرة من البلاستيك، خضراء وفيها نقوش بالأصفر، فتحت عن وجهه وكان مدمراً بسبب الرصاص الذي اخترقه، الدماء ترسم خطوطاً على بقايا وجهه وملامحه، وجسده الساكن ألقى بثقله على روحي.

أتذكر الآن رائحة ذلك النهار، وألوانه، وضجيج الأصوات في الجامع، كان حجي مجيد، المؤذن صاحب الصوت القبيح، خال وسام. حين خرجتُ من محلات الوضوء، وأنا ممتلئُ بوجه وسام الميت، واشعر أنَّ الموت يشكّل هالة حولي تصيبني بالغثيان، رأيت حجي مجيد يمسك خرطوم المياه ويغسل أشجار الجامع، ولا تبدو عليه أية مبالاة بالأمر، ووجهه العبوس منتفخ بالشحوم الزائدة، فتذكرت كيف كان هو قبل الاحتلال يمسك وسام ويكسِّر على ظهره العصا من الضرب، أو يجلده ب"الصوندة" (خرطوم المياه). يفعل ذلك في الشارع، مثلما تفعل أم وسام ذلك، أو سعاد كما يحلو لها أن تُنادى. لم يكن يشفع لوسام صراخه الحاد مثل جرو كسير، الذي يملأ الشارع ويُخرج النساء والأطفال من بيوتهم ليشاهدوا حفلة الضرب تلك. في النهاية لم يشفع لوسام أي شيء.

أتدرب لأكون غيري

عندما وصلنا إلى معبر بزيبز، نزلتُ من المركبة وأنا أتدرب لأكون غيري. هذا المعبر يؤدي إلى حيث أنْ أظل أثبت للآخرين أنني لا أشكل خطراً عليهم، وأتصرف وفقاً لهذا. عند رأس المعبر من جهة بغداد، أوقفني مقاتلٌ بلحية سوداء كثيفة وشارب حليق، وكرش لا تليق بحارس مجمع سكني فضلاً عن أن يحملها مقاتل، قال لي: شعندك رايح جاي؟ أكثر من مرة أشوفك تعبر لبغداد وترجع. وكما يجب على أي متهم، سردت له أمر الجنسية وأنني مضطر إلى ذلك لأغراض الدراسة، فردَّ بنبرة جادة ومستقرة، ومستفزة:

- ليش ما تدرس يم داعش؟

- آني منهزم من داعش.. سيطروا على مناطقنا واحتلوا الجامعة.

- وليش ما تدافع عن مدينتك؟ شعايزك؟ طول عرض؟

- والله صحيح وياك كل الحق.. بس البركة بيكم انتو الأبطال.

قلتُ هذا وأنا أتمنى لو يختفي من حياتي، من أين خرج هو الآخر! نظر إليَّ بازدراء ثم قال: 

 "توكل" واستدار ماشياً، كانت أقرب إلى البصقة منها إلى الكلمة. كيف ربى العراقيون هذا الكره في نفوسهم، بحيث تبدو وجوههم مخيفة، حين يعبرون عنه، ويظهر عليهم. لو سألني أحد عن رأيي بقوة الكره عند العراقيين، لقلت إنها بسبب "الإيمان". 

الحلقة الأولى
الحلقة الثالثة
الحلقة الخامسة

مقالات من العراق

"اللا حياة" العراقية.. التجهيل الذي يحوّل كورونا إلى خرافة مميتة

ليث ناطق 2021-06-10

لماذا يغيب الوعي الصحي عن المجتمع العراقي؟ الإجابةً تستدعي مجموعةً أخرى من الأسئلة: لماذا يتراجع مستوى الرعاية الصحية، وتتردى الصحة العمومية؟ أين المستشفيات والمراكز الصحية الصالحة؟ كيف يسكن العراقي ويشرب،...

الجنود يحرسون الحرب

ميزر كمال 2021-06-04

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. حين تدخل إلى السوق القديم، تبتعد...

للكاتب نفسه

الجنود يحرسون الحرب

ميزر كمال 2021-06-04

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. حين تدخل إلى السوق القديم، تبتعد...