غزة: حرب ليست ككل الحروب

حين انطلقت أول زخة صاروخية نحو المواقع الاسرائيلية المحيطة بالقدس لتعلن بداية المعركة، ودّعتها هتافات الغزيين، واستقبلتها هتافات المقدسيين.
2021-05-20

وسام الحاج

صحافي من غزة


شارك
| fr
غزة اليوم، تصوير: محمود حمص، وكالة فرانس برس.

لم تعش فلسطين منذ الإضراب الكبير، في العام 1936، فعلاً جامعاً لأبنائها بهذا الحجم وهذه القوة. في كل محطات النضال السابقة، كان النضال الفلسطيني ينحصر في منطقة أو مناطق معينة، يؤيده ويدعمه باقي الفلسطينيين. اليوم، نهضت فلسطين بأهلها نحو مرحلة جديدة يخط سطورها أهل الميدان، الشباب الذين وصلوا الليل بالنهار في شوارع اللد وفي أنفاق غزة وساحات حيفا وجبال جنين.

غزة، السجن الكبير المفتوح على السماء، اشتعلت سماؤها مرةً أخرى، بصواريخها، وبغضب المحتل.
منذ سكوت البنادق بعد 55 يوماً من الاشتباك عام 2014، لم تنته الحرب على غزة، بل أخذت شكلاً آخراً: الحصار، والمساومات على إعادة الإعمار وعلى جوع الناس، التي قادتها إسرائيل بتواطؤ من أنظمة إقليمية، وما يسمى بالمجتمع الدولي. من ناحيتها، المقاومة في غزة، بكافة فصائلها، واصلت بناء قدراتها. إسرائيل لم تتوقف عن التهديد بعملية على غزة، والمقاومة أكدت على جاهزيتها، لم يَخْفَ على أحدٍ أن معركة غزة قادمة لا محالة، المجهول الوحيد في المعادلة كان السياق والتوقيت.

"هذه الحرب تختلف". الجملة تسمعها من أهل غزة مع كل حرب وكل تصعيد. هذه المعركة تختلف بحق، سواء من حيث الإجماع غير المسبوق على دعم المقاومة، أو من حيث تطور قدراتها، أو من حيث الشعور بأن غزة ليست وحدها. هذه الحرب تختلف أيضاً في حجم الدمار الذي تأتي به صواريخ المحتل على البشر والحجر في غزة.

مقالات ذات صلة

إذ على وقع الأحداث المتسارعة في القدس، وخروج بعض المقدسيين لمناشدة غزة بالدخول على خط المواجهة، لم يتوانَ الناس في غزة بدورهم عن الضغط على قيادة فصائل المقاومة مطالبين بمساندة القدس، على الرغم من إدراكهم التام لما قد يجرّه الأمر عليهم من قتل ودمار. من هنا، بقيت الأصوات القليلة التي انتقدت ضرب الصواريخ في بداية الاشتباك هامشية، علماً بأن معظمها أتت من خارج القطاع المحاصر، وما لبثت أن اختفت بفعل الالتفاف الجماهيري الواسع، وغير المسبوق خلف المقاومة.

لم يعد هناك مكان آمن في إسرائيل. هزت هذه الصفعة الكيان الاستعماري، وشكلت وعياً صادماً لجمهوره. وأعطى هذا الأمر دفعةً معنوية كبيرة للناس في غزة، فتابعوا عن كثب كل أخبار وصور ما يحدث في المدن والقرى التي هُجّروا منها، بل وبدا للكثيرين أن الحديث عن العودة، أو التحرير، أصبح مطروحاً للنقاش بشكل عقلاني، لا حلماً بعيد المنال. وهكذا، فاجأ الفلسطينيون أنفسهم. 

من المؤكد أن القيادة العسكرية والسياسية لفصائل المقاومة أخذت هذه المطالبات بالحسبان. لكن يبقى العامل الأهم، وهو قناعتها بأن هذا التوقيت هو الأمثل للمواجهة الآتية عاجلاً أم آجلاً. مع انطلاق الدفعة الأولى من صواريخ المقاومة، هرب المستوطنون من محيط الأقصى، وتردد صدى هتافات الفلسطينيين من أقصى البلاد إلى أقصاها.

اعتاد أهل غزة في الحروب وموجات التصعيد على مدار ما يزيد عن عقد من الزمان، أن يحملوا وزر المعركة كاملاً، بينما يقتصر الأمر في باقي فلسطين على تظاهرات الدعم في الضفة (إن سمحت بها السلطة)، ومثلها في الداخل المحتل (بمحددات السماح الإسرائيلي). المفاجأة الكبرى في هذه المواجهة، هي أن غزة لم تُترك وحدها لمواجهة آلة القتل الإسرائيلية، على الرغم من قمع سلطة رام الله لأي نشاط تضامني، أو محاولة لمواجهة الاحتلال في المناطق التي تسيطر عليها من الضفة. خرجت كل مدن وقرى فلسطين المحتلة من يافا وحيفا للمثلث والجليل والنقب، وشكلت مدينة اللد أيقونة المواجهة الأعنف مع الاحتلال وأسقطت خرافة "خصوصية الوضع في الداخل". فأحيا هذا قدرة الفلسطينيين على الحلم، والنهوض لمواصلة معركة الحرية.

هزت هذه الصفعة الكيان الاستعماري وشكلت وعياً صادماً لجمهوره. صنف الجيش وأجهزة الاستخبارات الحرب على جبهة غزة كجبهة ثانوية، يكتفي بحصارها ومقايضة صمت بنادق المقاومة بالسماح بمرور البضائع والمساعدات، بما يسمح ببقاء الناس أحياء، لا أكثر. وأما الجبهة الأخرى، فقد كان العدو يعتقد أنه حسمها وحيّدها عن قلب الصراع منذ نكبة 1948... أصبحت تل أبيب البعيدة عن ساحات المعارك تمطر عليها الصواريخ، والجماهير الفلسطينية تثور في قلب المدن الرئيسية للمستعمَرة، لم يعد هناك مكان آمن في إسرائيل. هذا الأمر أعطى دفعة معنوية كبيرة للناس في غزة، فتابعوا عن كثب كل أخبار وصور ما يحدث في المدن والقرى التي هُجّروا منها، بل بدا للكثيرين أن الحديث عن العودة، أو التحرير أصبح مطروحاً للنقاش بشكل عقلاني، لا حلماً بعيد المنال. فاجأ الفلسطينيون أنفسهم بهذا المشهد كأنهم اكتشفوا قوةً خارقة تسمح لهم بتجاوز كل قيود الحلم.

بهذا المعنى، غرد الناشط الغزي "عوسج" على حسابه في تويتر:"أجمل ما سيحدث بعد هذه الأيام أنك عندما تتحدث عن تحرير فلسطين ستوصف بأنك متفائل، وليس حالماً أو حتى مجنوناً".

وغرد من بئر السبع رأفت أبو عيش: "حتى لو لم تتحرر اليوم، يكفي أن الكُل أيقن أن الأمر ممُكن".

ثنائية الفخر والخوف في ليل غزة الطويل

حين انطلقت أول زخة صاروخية نحو المواقع الاسرائيلية المحيطة بالقدس لتعلن بداية المعركة، ودّعتها هتافات الغزيين، واستقبلتها هتافات المقدسيين. ما تلا ذلك من هروب المستوطنين وإخلاء الشرطة من محيط المسجد الأقصى، جعل من محمد الضيف القائد العسكري لكتائب عز الدين القسام، الجناح المسلح لحماس، وأبو عبيدة، الناطق باسمه، عنواناً للمصداقية. هددوا إسرائيل، وعدوا ثم صدقوا، وهذا أمر لم يعتد عليه الفلسطيني مع رجال السياسة على مدار عقود. كان هؤلاء، في عيون الناس، أبطالاً خارج السياق.

بعد أن تدحرجت الأمور، واتسعت رقعة المواجهة، شعر أهل غزة، بأن هذه المعركة تختلف. نعم، لكن القصف والدمار كان أيضاً مختلفاً. تعمّد الاحتلال في القصف الجوي والمدفعي المكثف ليلاً استهداف مختلف المناطق في قطاع غزة. وكالعادة، أصبح روتين غزة اليومي تحت وقع القصف، رشقات الصواريخ في أوقات متفرقة، قصف مدفعي وجوي على مدار الساعة، استهداف سيارة هنا ومنزل هناك، ثم وجبة صواريخ فلسطينية مسائية تليها جولة من الرعب القادم من السماء، تبدأ مع منتصف الليل وتنتهي في ساعات الصباح. بدأت إسرائيل هذه المرة من حيث انتهت في المواجهة السابقة عام 2014، حيث تعمّدت تدمير الأبراج السكنية في المراكز الحيوية لمدينة غزة، وقصف المفارق الرئيسية والبنى التحتية، إلى جانب القصف المتواصل للمناطق السكنية القريبة من الحدود (وكل غزة قريبة من الحدود!). وهذه المرة، كعادتها، تجرّب إسرائيل في غزة أنواعاً جديدة من القنابل "الذكية" المخصصة لدك التحصينات الأسمنتية السميكة، فما بالكم حين تسقط فوق الأحياء السكنية كرةٌ هائلة من اللهب، وارتجاج أشبه بزلزال مدمر كفيل بإرعاب أكثر الناس تمرّساً على الحياة تحت القصف.

غرد "رأفت أبو عيش" من بئر السبع: "حتى لو لم تتحرر اليوم، يكفي أن الكُل أيقن أن الأمر ممُكن"ّ! وغرد الناشط الغزي "عوسج": "أجمل ما سيحدث بعد هذه الأيام أنك عندما تتحدث عن تحرير فلسطين ستوصف بأنك متفائل، وليس حالماً أو حتى مجنوناً".

لا يدعي الناس البطولة، فهم ليسوا خارقين. لكن كل منهم يسعى بطريقته للانتصار على الحرب يوماً بيوم. يذهب بعضهم للنكات والسخرية، وآخرون لكتابة شهاداتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.. وتبقى الجروح أعمق من قدرة الناس على تحملها جرعة واحدة.

تأخذ الغارات شكل هجمة لعشرات الطائرات على حي أو شارع أو مربع سكني فتمحي ملامحه تماماً. لا أعرف إن كان بإمكان إنسان لم يعش حرباً مشابهة أن يتخيل عشرات الطائرات الحربية تلقي أطناناً من المتفجرات فوق رؤوس الناس في مكان لا تتجاوز مساحته كيلومتر مربع واحد.

من يسمع الناس في غزة، يجدهم أمام خليط عجيب من المشاعر والمواقف: مرعوبون من القصف الصهيوني، ولكن وما إن يسمعوا صفير انطلاق صواريخ المقاومة، حتى تتصاعد صرخاتهم الاحتفالية لتغطي ما تبقى من أحياء المدن والمخيمات، ثم يعود الخوف ويعود القصف. على من الدور هذه المرة يا ترى؟ كل الأماكن مستهدفة، وكل غزة هدف كبير لجنون الطيران الإسرائيلي.

من لا تقتله صواريخ الطائرات في غزة، يقتله الرعب في ظل القصف. مع كل وجبة قصف، تمتلئ حسابات الغزيين على مواقع التواصل الاجتماعي بشلاّل من التغريدات التي يودع الناس فيها بعضهم بعضاً مع حلول كل مساء، أو تلك التي يستفسرون فيها عن مصدر صوت هذا الانفجار أو ذاك، أو ينشرون مناشدات من فقدوا أفراد عائلاتهم بعد جولة قصف، ولا يعرفون إن كانوا أحياءً أو أموات.

فعلى سبيل المثال، بعد القصف الوحشي لـ"شارع الوحدة"، الذي دمر حياً سكنياً كاملاً، وأودى بحياة عدد هائل من الناس صاروا شهداء ومفقودين تحت الأنقاض، كان بعض أفراد عائلة الكولك يبحثون عن أقاربهم بين المصابين في مستشفى الشفاء، وتداعى الناس للمساعدة في البحث عنهم، مستعينين بوسائل التواصل الاجتماعي، آملين أن يكونوا قد لجأوا إلى مكان ما. تبين فيما بعد ارتقاء ستة عشر فرداً من العائلة شهداء. ولم تكن تلك هي العائلة الوحيدة التي أفنى الاحتلال وجودها. فهذا النمط من العقاب الجماعي على المدنيين أصبح سمةً دائمة لسلوكه حين يعجز عن الوصول للمقاومين. في مخيم الشاطئ المجاور لموقع هذه المجزرة، جيب الفقر المكدّس بالسكان والمحصور بين الحي الفخم للمدينة وبين البحر، ضرب الطيران الإسرائيلي "أحد البيوت" ليقضي القصف على عائلة بكاملها، ويدمر البيوت المجاورة.

تأخذ الغارات شكل هجمة لعشرات الطائرات على حي أو شارع أو مربع سكني فتمحي ملامحه تماماً. لا أعرف إن كان بإمكان إنسان لم يعش حرباً مشابهة أن يتخيل عشرات الطائرات الحربية تلقي أطناناً من المتفجرات فوق رؤوس الناس في مكان لا تتجاوز مساحته كيلومتر مربع واحد.

كل المركز الحيوي التجاري لمدينة غزة اختفى من الوجود. آلاف البيوت والشقق السكنية دمرت أو تضررت، معظم ما تبقى من أراضٍ زراعية تعرض لأطنان من المتفجرات التي ستجعل من الزراعة نشاطاً انتحارياً إلى أن تُطهّر هذه الأراضي. 

محمد اليعقوبي، الذي تعرض بيت والده للدمار في هذه الواقعة، رفض التسليم بهول الفاجعة كما قال في منشور على صفحته في فيسبوك:"لم ألتقط أي صورة لما حدث في بيت والدي، ذلك البيت الذي نشأت وإخوتي فيه، لا أريد أن أتذكره إلا جميلاً أبيّاً شامخاً، كل ما حدث جرى في أقل من دقيقة واحدة، وإذا بشارعنا قد اشتدت ظلمته ورائحة البارود وغبار القصف يملأ المنطقة، وقد سقط بيت الجار العزيز على ساكنيه رحمهم الله، أطفال بعمر الورد أكبرهم يوسف الشقيّ وأصغرهم ماريا الخجولة التي يتصادف ميلادها مع ميلاد ابنتي ذات نفس الاسم".

لا يدعي الناس البطولة، فهم ليسوا خارقين. لكن كل منهم يسعى بطريقته للانتصار على الحرب يوماً بيوم. يذهب بعضهم للنكات والسخرية، وآخرون لكتابة شهاداتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.. وتبقى الجروح أعمق من قدرة الناس على تحملها جرعةً واحدة. تقول أم أحمد، أم لأربعة أبناء وبنات، إن ما يحدث يفوق طاقة أي كائن على الاحتمال "ما يفعلونه بنا لا تحتمله حتى الشياطين". تعيش أم أحمد وعائلتها في مخيم البريج، قصفت عدة بيوت قريبة من بيتها. لم تحدثنا عن خوفها على بيتها ولا أبنائها، قالت: "نحن بخير، وضعنا أفضل من وضع غيرنا، ولو أتى دورنا، فالعمر واحد والرب واحد. المهم كلما نزلت صواريخهم، ننساها حين تصعد صواريخنا. يقتلوننا بالمجان منذ ولدنا، اليوم نرد لهم الصاع صاعين". أنهت هذه الجملة، وقطعت المحادثة لتقول لأحد أبنائها: "لو تجرأت وفتحت الباب (للخروج) ...."، ثم عادت لتقول، "لو كنت بضرب صواريخ أرحم من التحكم في الأولاد. الصغير مرعوب، والكبير مراهق يريد الخروج لرؤية البيوت التي دمرها القصف".

أمور كثيرة تجري في الحرب، تمر من بين السطور أمام هول المشهد العام. ذوو الأمراض المزمنة، ذوو الاحتياجات الخاصة، النساء الحوامل، يضاف إليهم في هذه الحرب المصابون بفيروس كورونا.

من لا تقتله صواريخ الطائرات في غزة، يقتله الرعب في ظل القصف. مع كل وجبة قصف، تمتلئ حسابات الغزيين على مواقع التواصل الاجتماعي بشلاّل من التغريدات التي يودع الناس فيها بعضهم بعضاً مع حلول كل مساء، أو تلك التي يستفسرون فيها عن مصدر صوت هذا الانفجار أو ذاك، أو ينشرون مناشدات من فقدوا أفراد عائلاتهم بعد جولة قصف، ولا يعرفون إن كانوا أحياءً أو أموات.

أحد أهم جوانب القلق لدى الغزيين خلال الحرب، هو خوفهم على أطفالهم. الأطفال الذين عاش بعضهم حروباً سابقة، والذين ولدوا بعد عام 2014، "ابني عمره ثلاث سنوات، وها هو يكتشف جهنم" هكذا لخصت سهام أحمد، التي اضطرت للخروج من مكان سكنها هرباً من القصف. ابنها لا يعرف طائرات أف 16، بل يعتقد أنها "الغولة"، هذا الكائن الخيالي القادم من القصص الشعبية.

قيل القليل في هذا الشأن، لكن هناك مؤشرات مخيفة عن تأثير خطير وطويل الأمد على الفئات الأكثر تأثراً في المجتمع بأضرار الحرب، بالنسبة لجائحة كورونا مثلاً، في ظل غياب أي وسيلة لمتابعة أو إحصاء الحالات خلال هذه الفترة التي يتعرض فيها الجهاز الصحي - المتهالك أصلاً في غزة - لضغط التعامل مع مصابي الحرب. لنا أن نتخيل الأسر التي اضطر أفرادها للاجتماع في مساحات ضيقة للاختباء من القصف، أو آلاف السكان الذين تكدسوا في مراكز الإيواء بعد تهجيرهم من بيوتهم تحت القصف. مَن مِن بين هؤلاء كان مصاباً ولم يتمكن من الفحص، وحتى لو كان قد تأكد من إصابته بالفيروس، فهل سيتركه أهله ليموت تحت القصف؟!

لنا أن نتخيل أيضاً عدد المصابين بأمراض مزمنة تحتاج لعناية دورية، غسيل كلى، تغيير دم، جرعات علاج كيماوي للسرطان، وغيرها. كل هؤلاء لن يتمكن القطاع الصحي من الوفاء باحتياجاتهم، ولن يتمكنوا من التحرك تحت القصف، وصعوبة المواصلات.

سيدة من غزة، يعمل زوجها في القطاع الصحي، كتبت في منشور لها على فيسبوك تعقيباً على رؤية صور أطفال شهداء: "أجهضتُ جنيني وهو يقترب من الشهر الرابع، خوفاً ورعباً وقلقاً، وحسرة على هؤلاء الأطفال. كنت أعتصر ألماً كلما رأيت طفلاً تألم، أو عانقت روحه السماء...".

كم عدد النساء اللواتي أجهضن أو تعرضن لصعوبات في الحمل أو الولادة في هذه الظروف؟ وكم منهنَّ حصلت على الحد الأدنى من الرعاية؟

التأثير النفسي للحرب سيمتد لسنوات طويلة، متراكماً فوق ما سبقه في الحروب الماضية، وربما ما سيلحق به. أحد أهم جوانب القلق لدى الغزيين خلال الحرب، هو خوفهم على أطفالهم. الأطفال الذين عاش بعضهم حروباً سابقة. أما الذين ولدوا بعد عام 2014، "ابني عمره ثلاث سنوات، وها هو يكتشف جهنم" هكذا لخصت سهام أحمد، التي اضطرت للخروج من مكان سكنها هرباً من القصف. ابنها لا يعرف طائرات أف 16، بل يعتقد أنها "الغولة"، هذا الكائن الخيالي القادم من القصص الشعبية.

في ظل غياب البيانات الآن، تكفي نظرة على دراسة أجرتها منظمة اليونيسيف بعد عامين من انتهاء الحرب الأخيرة لنتخيل حجم الكارثة التي سيكون على الأهل والعاملين في حقل التربية والعناية النفسية التعامل معها خلال الشهور والسنوات القادمة:

"أجرى فريق العمل لحماية الأطفال في قطاع غزة، بقيادة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بعد صراع عام 2014 تقييماً قدَّر أنه حدث تغير بنسبة أن 100 في المئة في سلوك الأطفال الذين شملهم الاستطلاع نتيجةً للقلق النفسي الذي عانوا منه خلال الحرب. تضمنت التغييرات الأكثر شيوعاً التبول اللاإرادي، الصراخ/البكاء غير العادي، وإظهار سلوك عدائي، خصوصاً بين الذكور. ما زال للآثار المترتبة على الصراع رغم مرور عامين، وقعٌ ثقيل على نفسية الأطفال وسعادتهم، بما في ذلك صحتهم العقلية" (1) .

النزول إلى الحقل، عملية استشهادية

تعرضت كافة قطاعات الحياة الاقتصادية للشلل التام تحت القصف، والأضرار أكبر من أي مرة سابقة. عانى قطاع غزة من تضييق اقتصادي خانق تحت الحصار المتواصل منذ وصول حماس إلى السلطة، علماً بأن الخنق الاقتصادي كان سمةً دائمة لسياسة الاحتلال في غزة منذ الثمانينيات الفائتة. بعد أكثر من حرب، انتهت كلٌّ منها بوعود مشروطة بإعادة الإعمار، ما زال الناس يعانون من الآثار الفظيعة لهذا التدمير، ووعودُ إعادة الإعمار نُفّذ منها فقط ما يرضي الممولين وما يبقي الوضع في غزة بين الحياة والموت.

جردة سريعة للأهداف التي قصفها الاحتلال خلال الهجمات الحالية تضعنا أمام مشهد الدمار الهائل للبنية الاقتصادية - الهشة أصلاً - للقطاع. كل المركز الحيوي التجاري لمدينة غزة اختفى من الوجود، آلاف البيوت والشقق السكنية دمرت أو تضررت، معظم ما تبقى من أراضٍ زراعية تعرض لأطنان من المتفجرات التي ستجعل من الزراعة نشاطاً انتحارياً إلى أن تُطهّر هذه الأراضي. أما البنى التحتية، فقد حرصت إسرائيل هذه المرة على تدمير معظم النقاط والعقد الرئيسية للمواصلات، وتدمير المؤسسات، بما فيها عيادات الصحة والمختبرات مثل المختبر المركزي، الوحيد القادر على إجراء فحوصات جائحة كورونا، والورشات والمصانع. باستثناء بعض الباعة الجائلين، والدكاكين التي تبيع الاحتياجات الأساسية، لم يبق من الحياة الاقتصادية في غزة إلا القليل.

أبو محمد، مزارع (42 عاماً)، يجيب على الهاتف بصوت مرتعش، إلى أن يتأكد أنَّ من يتصل به ليس "أسطوانة الإخلاء"، أي الرسالة المسجلة التي يستخدمها الاحتلال لإبلاغ الغزيين بإخلاء منازلهم تمهيداً لقصفها (طبعاً، ليس في كل الحالات). بعد أن هدأ روعه، قبل بالحديث شريطة ألا نذكر أسمه. يزرع أبو محمد حقلاً مستأجراً من إحدى عائلات البرجوازية القديمة في غزة، يهتم بأشجارهم المعمّرة مقابل أن يزرع الخضروات ليعيل أسرة من ثمانية أفراد. في الحرب الأخيرة، مُسحت هذه الأرض تماماً وفقدت خصوبتها بعد ضرب المنطقة بالفوسفور الأبيض ومواد متفجرة أخرى، كما تعرض هو للقصف بواسطة طائرة مسيرة أثناء عمله في المزرعة. هذه المرة، أخذ أبو محمد احتياطاته كاملة، ما إن رأى المتظاهرين في القدس يستنجدون بالمقاومة: "حين سمعتهم يطالبون محمد الضيف (قائد أركان الجناح العسكري لحماس)، عرفت أننا أمام تصعيد قادم، وما إن أطلقت المقاومة تحذيرها، ذهبتُ مع أولادي للحقل، فككنا البلاستيك عن الدفيئات، وتوصيلات المياه، ووضعناها في المخزن، وقطفنا كل ما يمكن قطفه من البندورة والخيار المزروعة، حتى تلك التي لم تكن ناضجة تماماً. الآن أخرج فقط لبيعها، وهو خطر، فقد يضربك الطيران في أي لحظة. أما الخروج لقطف البندورة في هذا الظرف فأخطر من إطلاق الصواريخ، أنت مكشوف أمام الطيران الذي لن يتوانى عن ضربك لمجرد وجودك في منطقة زراعية".

حرصت إسرائيل هذه المرة على تدمير البنى التحتية: معظم النقاط والعقد الرئيسية للمواصلات، والمؤسسات، بما فيها عيادات الصحة والمختبرات مثل المختبر المركزي، الوحيد القادر على إجراء فحوصات جائحة كورونا، والورشات والمصانع. وباستثناء بعض الباعة الجائلين، والدكاكين التي تبيع الاحتياجات الأساسية، لم يبق من الحياة الاقتصادية في غزة إلا القليل.

حتى هذه اللحظة، لا أحدَ يعرف كيف ستنتهي هذه الجولة من الصراع، لكنها بالتأكيد تجاوزت كل سقف سياسي تحمله الأطراف السياسية الفلسطينية التي سيكون عليها البناء على هذا الحدث، أو الاندثار. كما ستبقى آثارها على وعي الفلسطينيين محفورةً كنقطة فارقة في تاريخ نضالهم، رغم الألم الكبير، والجرح الغائر في خاصرة الناس، إلا أنهم بعناد غزة المعتاد، يرفضون أن يكونوا الضحية، ويختارون أنهم الشرارة التي تشعل الشعلة.

______________

1   - https://www.ochaopt.org/ar/content/gaza-two-years-psychosocial-impact-children

مقالات من فلسطين

شهادتان من غزة

شهادتان من غزة لصحافيين من أبنائها ممن كانوا "هناك": واحدة تقول "ها أنا بعد نحو عقدين، أسير على الطريق، وأحمل طفلتي وزوجتي إلى الوجهة غير المعلومة ذاتها. لكن هذه المرّة،...