سأموت هنا.. في العراق

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً.

الفندق الذي أسكن فيه يشبه القبر في هذا الوقت، الصمت ثقيل هنا، تماماً مثل الظلام في الغرف والممرات الضيقة.أكاد أجزم أنهما - الصمت والظلام - يتجسدان في كيانين ملموسين في هذا الوقت، يمكن تحسسهما، مثل الماء، أو مثل قطعة قماش قديمة. فتحت النافذة لأُخرج بعضاً من هذا الخوف، لكنني أدخلت خوفاً آخر: نباح كلاب يأتي من بعيد، صفير لريح...
2021-05-13

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
ضياء العزاوي - العراق

كنتُ أحمل رأس عُمَر وأبحث عن جسده في الدروب، أركض خلف قافلة من الجنائز، وأمسك بنحره من الأسفل، حتى لا يتسرب الدم، أنظر إليه وأصرخ: وينك؟ بأي جنازة أنت؟ ويداي ترتجفان. أركض, لكنَّني كلما أسرعت تتسع المسافة بيني وبين حاملي تلك النعوش، كأنني أركض إلى الوراء، أبطأتُ من التعب، فقال لي: جسدي تحمله الأيام. كأنه قال: غيّر وجهتك. ودلَّني على طريقٍ أرادني أن أعرفه، فدخلتُ في شارع يشبه النهر.لم أعد أركض، ولم أتوقف، كنت أطفو، وأتجه إلى منحدر يشبه الحفرة المظلمة، منها يخرج صراخ ونباح كلاب وأزيز رصاص، كنت أرى الصوت يتصاعد مثل دخان، حاولتُ العودة بالاتجاه المعاكس، لكنَّ تيار الدم كان سريعاً وقوياً، ومحاولتي كانت ثقيلة وبطيئة، كأنها إعادة لشريط سينمائي بالعرض البطيء. وقبل السقوط في المنحدر، أفقتُ وأنا أتحسس يديَّ، وألهث من التعب والخوف، وأشعر بلزوجة الدم بين أصابعي.

الكابوس: عفنٌ يتفشى في رأسي

الفندق الذي أسكن فيه يشبه القبر في هذا الوقت، الصمت ثقيل هنا، تماماً مثل الظلام في الغرف والممرات الضيقة.أكاد أجزم أنهما - الصمت والظلام - يتجسدان في كيانين ملموسين في هذا الوقت، يمكن تحسسهما، مثل الماء، أو مثل قطعة قماش قديمة.فتحت النافذة لأُخرج بعضاً من هذا الخوف، لكنني أدخلت خوفاً آخر: نباح كلاب يأتي من بعيد، صفير لريح تتجول في الأزقة الخالية، كأنها رسولٌ أو يدٌ للموت تتحسس المكان. نهايات الضوء الآتية من البنايات المقابلة، وليل بغداد الذي يشبه راية كبيرة رأيتها ترفرف فوق هيكل ضخم، عرفتُ فيما بعد أنه جامع الرحمن، الذي بدأ بناؤه في عهد صدام حسين ضمن مشروع الحملة الإيمانية التي أطلقها حزب البعث في فترة الحصار، وتوقف تنفيذه بعد الاحتلال الأمريكي، والآن يتصارع عليه الوقفان السني والشيعي، مثل مئات الجوامع والمواقع الدينية في العراق.

أغلقتُ النافذة، والكابوس ما يزال يتفشى مثل عفنٍ في رأسي. عُمَر؟ كان ذلك منذ زمن بعيد، عندما كان تنظيم القاعدة يسيطر على مدينة الرمادي، ويشن هجماته على الجيش الأمريكي وقوات الأمن العراقية، وبقية جماعات "المقاومة السنية" ضد الاحتلال. كانت الحياة وقتها ضرباً من الجنون، المعارك تندلع في أية لحظة، وفي كلِّ مكان، والقتلى يسقطون في الأسواق والشوارع والمدارس والدوائر الحكومية، وفي البيوت، لأن التنظيم كان يشنُّ حربه داخل المدينة، يشتبك ويزرع العبوات الناسفة في الشوارع الفرعية للأحياء السكنية التي كان الجيش الأمريكي يتجول فيها.وحين تنفجر عبوة في رتل أمريكي، فإن الذي لا يموت بالانفجار، يموت بإطلاق النار الذي يعقب العملية. وكثيراً ما كانت أسطح البيوت والحدائق المنزلية مسرحاً لمعركة سريعة حدثت بالجوار: قطع غيار متفحمة، إطارات ممزقة، أشلاء بشرية، أبواب وزجاج نوافذ، وأشياء من الرتل العسكري، حوّلها الانفجار إلى بقايا وعلامات دالة على أن موتاً حدث هنا للتو.

جسدٌ بلا رأس.. تحمله الأيام

قُتل عمر بهجوم انتحاري لتنظيم القاعدة على نقطة تفتيش للشرطة، عند مدخل حي 30 تموز في الرمادي. كانت العملية هي أول هجوم للتنظيم يستخدم فيه غاز الكلور. لكنَّ عمر لم يمت مختنقاً بالغاز أو بنيران الانفجار. لقد مات ذبحاً، بشظية واحدة نحرته، فرحل إلى الأبد.أما الآخرون، الضحايا، فقتلوا حرقاً وتمزيقاً واختناقاً جراء قوة الانفجار التدميرية. لقد كان مشهداً مرعباً، ولحظة لم ولن ينساها أهل الحي أبداً. فكل من كان شاهداً على تلك اللحظة، يحتفظ بتفاصيل ما حدث، الى حدّ أن يصفواكيف تغيَّر لون السماء، واهتزَّتِ الأرض، كأنَّ زلزالاً عظيماً ضرب المكان. قال لي أبو بسمة: "لا أظن أن يوم القيامة سيكون مخيفاً إلى هذا الحد".

كنت حينها أعمل صياداً للسمك في بحيرة حديثة. الوصول إلى هناك يستغرق ساعتين ونصف، إن لم يحدث انفجار على الطريق، أو يوقفنا رتل عسكري أمريكي، وإن حدث أيٌّ من ذلك فقد يستغرق الطريق وقتاً طويلاً. في إحدى المرات تطلب الوصول إلى البحيرة 12 ساعة، حينها كان الموت يتصيّد الجميع، وينصب فخاخه على كتفي الطريق الطويل.

لم تكن الأخبار تصلنا عما يحدث في مدينة الرمادي، كنا في عزلة تامة عن كل شيء، نسكن في خيام عند شواطئ البحيرة، نمتلك زوارق صغيرة،ونصطاد السمك بالشِباك، ثمَّ نبيعه للتجار الذين يأتون كل صباح، فيذهبون به إلى بغداد لبيعه في سوق الجملة هناك،وبدورنا نشتري منهم المؤن والوقود، ولا نرجع إلى عوائلنا إلا كل شهر أو شهرين، أو أكثر.

في يوم حار من صيف 2007 عدتُ إلى الرمادي، أحمل كيساً من البلاستيك أحشر فيه ملابسي القذرة، وبي ما بالصيادين من رائحة الإبحار والسمك الكريهة. حينها كنتُ أغيب طويلاً حد أن أبكي في الليالي الكثيرة شوقاً للحياة العادية في المنزل ورؤية الأصدقاء، مثل عمر ومهند، فهما أقرب أصدقاء الطفولة إلي، ولدنا في السنة ذاتها، في بيوت متجاورة (الحائط على الحائط) وكبرنا معاً في الحصار، وتشاركنا اللعب والدراسة والحياة والحرب. وبعد أن امتلأتُ بالبيت والعائلة مرة أخرى، وحدثوني عن الانفجار وتفاصيل ما حدث، قلتُ لأبي إنني خارج لرؤية عمر ومهند، وكانت هذه عادتي كلما رجعت من رحلة الصيد، فقال لي أبي: عمر استشهد بالانفجار.

أتذكر أنني حطمتُ خزانة ملابسي الخشبية من الغضب، وما زلتُ وسأظل أميز مرارة البكاء حينها، أشعر بها الآن تسيل في حلقي. وحتى هذه اللحظة لا أعرف أو لا أستطيع الكتابة عن موت عمر، ولا عن حياتنا معاً، لكنني دائماً أتذكر عندما وقفنا نحن الثلاثة، أنا وهو ومهند، عند حائط بيتهم الخارجي.كنا صبياناً نلاحق المرح واللهو، تحدثنا عمَّن سيتزوج أولاً ويكون له أطفال وبيت ووظيفة، وعمَّن سيموت قبلاً، فكان كل واحد منا ينافس الآخرَين على الحصول أولاً على عائلة ومنزل وعمل، وأنه لن يموت حتى يرى أحفاد أحفاده، أتذكر أن عمر قال لي: "سأتزوج قبلك وربما أُزوجك ابنتي". كنا أطفالاً ساذجين، لا نعرف شيئاً عن الحرب، ولم نجرب بعدُ الخسارات، هكذا حتى مات عمر، قبل أن يحقق أيّاً من أحلامه البسيطة، ذُبح على أعتاب التسعة عشر عاماً، وما زال جسده محمولاً على الأيام، الأيام التي صارت نعشاً أحمله أنَّى رحلت.

لم تكن الأخبار تصلنا عما يحدث في مدينة الرمادي، كنا في عزلة تامة، نسكن في خيام عند شواطئ البحيرة، نمتلك زوارق صغيرة، ونصطاد السمك بالشِباك، ثمَّ نبيعه للتجار الذين يأتون كل صباح، فيذهبون به إلى بغداد لبيعه في سوق الجملة هناك، وبدورنا نشتري منهم المؤن والوقود، ولا نرجع إلى عوائلنا إلا كل شهر أو شهرين، أو أكثر.

ذهبتُ إلى موقع الانفجار، ووقفت في الموضع الذي سقط فيه عمر، ورأيت الدمار الكبير الذي أحاط بكل شيء، كأن الأرض قد تبدلت،أو سقط نيزك هناك. الشاحنة المفخخة تركت حفرة عميقة، تشبه تلك التي رأيتها في الكابوس، ونقطة التفتيش لم يبق لها أثر،والجنود لم يجدوا حتى أشلائهم، ونصف عمارة سكنية تهدمت على ساكنيها، والنصف الآخر أزيل فيما بعد، لأنها لم تعد صالحة للسكن.

إنها الأسلاك الشائكة مرة أخرى

في فندق زوزك، أعرف متى يدخل الصباح، ليس الضوء هو الدليل، بل ضجيج الشارع أسفل الغرفة: صياح الحمَّالين وهم يجرون عرباتهم، أصوات السيارات وأبواقها وبدايات الازدحام، تجمّع الناس في المطاعم والمقاهي الشعبية، واللطميات التي صارت فن المدينة الشائع: "أطكـَ زلزال واخسفها بزلمهم"،"نتمنى سيد مقتدى يودينا.. وبكيفنا قبال العدا يخلينا"،"إذا طبينا قول الكاع زلزال.. ابطال ونخليها تسولف بينا الأجيال"،"أريد اسمع لطم حيل.. على الي داسته الخيل... وكلّ تلك الأغاني التي تجعلك تذهب إلىالمعركة بفرح وانتشاء. إنَّه فنٌّ يجعلك تريد القتال، ويحبب إليك الموت، فنٌ يُبكيك على أشياء لم تحدث ربما.

للنازحين من المحافظات التي دخلها تنظيم داعش دائرة جوازات خاصة، ليست مديرية الجوازات العامة في بغداد، بل بناية في منطقة المنصور. هنالك يذهب النازح لتقديم ملفه وبصمته ورغبته بالهروب من البلاد كلها، وهذا ما فعلته. ذهبت مبكراً إلى هناك، فقد كنتُ أعلم مسبقاًأن آلاف النازحين يتجمعون يومياً لتقديم معاملاتهم، وإن أردت الدخول إلى الدائرة، فعليَّ أن أركض في ماراثون الوقت.

إنها الأسلاك الشائكة مرة أخرى، قلتها وأنا أحمل ملفاً أصفر اللون، فيه كل متطلبات الحصول على جواز السفر، وأقف في طابور طويل جداً خارج الدائرة، التي يفصلنا عن بابها الخارجي سياج من الأسلاك الشائكة، وشرطي يحمل كلاشنكوف، يُدخل كل ردح من الزمن مجموعة نازحين من ذلك الطابور، الذي انضممت إليه متأخراً على ما يبدو. فالكثير من النازحين جاؤوا قبل الفجر بكثير لحجز أماكنهم في خط الانتظار ذاك.

كان مشهداً مرعباً، ولحظة لم ولن ينساها أهل الحي أبداً. فكل من كان شاهداً على تلك اللحظة، يحتفظ بتفاصيل ما حدث، الى حدّ أن يصفوا كيف تغيَّر لون السماء، واهتزَّتِ الأرض، كأنَّ زلزالاً عظيماً ضرب المكان. قال لي أبو بسمة: "لا أظن أن يوم القيامة سيكون مخيفاً إلى هذا الحد".

بعد أربع ساعات، جاء دوري أخيراً، فدخلت مع مجموعة محظوظة، لكن، كان علينا الانتظار مرة أخرى داخل قاعة كبيرة مكتظة بالمراجعين/النازحين، فهنالك لا وجود لنظام كرتوني أو حتى يدوي لتحجز دورك، عليك أن تحجز مكانك بين من هو قبلك وبعدك، وتحافظ عليه، أو تدافع عنه.هكذا تسير الأمور ببساطة، مع وجود استثناءات بطبيعة الحال. فخلال ذلك الانتظار الطويل، دخل شاب ومعه مجموعة فتيات.كن أنيقات بطريقة لافتة، لسن مثلنا نحن جموع النازحين المتكدسين في القاعة، نتصبب عرقاً وتفوح من أجسادنا رائحة الانتظار.لكنهنَّ حتماً من مناطق شهدت نزوح، وإلا ما جئن للمراجعة في دائرة مخصصة للنازحين. أدخلهنَّ رجال الأمن بلا دور أو انتظار، كان الحرس والضباط يرحبون بهنَّ بطريقة حارة، والأبواب تفتح لهنَّ وتغلق أمامنا. بدا أن كل شيء كان مرتب له مسبقاً، قبل مجيئهنَّ.وباحترافية عالية، تنقلنَ من مكتب إلى مكتب، وكانت أوراقهنَّ تتطاير بين الأيدي مثل فراشات ملونة، حتى أتموا لهن كل شيء، فخرجنَ مسرورات أيَّما سرور، وأكفُّ الحرس والضباط تلوح لهنَّ بالوداع. كان المشهد يمرُّ أمامنا نحن عشرات النازحين، نشاهده عبر قواطع الزجاج التي تفصل مكاتب ضباط الجوازات عن القاعة التي نتكدس فيها، لم نقل شيئاً بطبيعة الحال، فمن ذا يجرؤ على أمر كهذا. لكنني كنت أنظر إلى العيون، عيون النازحين، لقد كانت تقول كل شيء، وكان الحرس يعرفون ذلك.

لعنة عام 2007

جاء دوري وبدأت أتنقل من مكتب إلى آخر، حتى وصلت إلى المرحلة الأخيرة، أَخْذُ بصماتي، ثم الانتظار سبعة أيام واستلام الجواز من دائرة أخرى. وبدا الضابط -الذي كان أرقَّ من الماء مع الفتيات- جلفاً معي، ومتجهماً، يعلِّق على صدره من جهة اليمين شارةً كُتِبَ عليها: "يا حسين".نظر إليَّ بزاوية عينيه، ثم سألني وهو يقلِّب الملف: من وين؟ فأجبته بلينٍ وابتسامة لطيفة وخائفة: من الرمادي.

- ليش جنسيتك ما مختومة؟ قالها بنبرة حادة
- العفو سيادة النقيب.. والله ما أعرف لكن جددتها سنة 2007
- أعرف.. لكنها ما مختومة وما تمشي.. جدد الجنسية وتعال
- سيادة النقيب آني نازح من الرمادي.. يعني هارب من داعش والمعارك هناك.. الله يخليك
- مو مشكلتي.. جدد جنسيتك وتعال
- سيادة النقيب الله يخليك.. والله راح اتبهدل إذا رجعت للرمادي.. الطريق تسع ساعات روحة وتسعة رجعة.. وممكن ما أكدر أرجع بعد
- كلتلك مو مشكلتي.. ثم أعطاني "الفايل"وأشار بيده نحو باب الخروج

خرجتُ وأنا أشعر بالاختناق. أريد أن أبكي، ولا أدري ماذا أفعل.صرت أذهب إلى المكاتب الأخرى واحداً واحداً، أشرح لهم القصة، كل ضابط يعتذر بطريقته عن المساعدة، حتى وصلت إلى ضابط برتبة عميد، حدثته عمّا جرى، فقال لي: هذا واحد طائفي كلب.. انطيني جنسيتك. أعطيته الجنسية، وعندما قرأ اسم الضابط الذي أصدرها لي عام 2007، قال: هذا الضابط أعرفه،تخرجنا في دورة واحدة، فشتمه لأنه "أثول" نسي أن يضع توقيعه، توسلتُ إليه أن يذهب معي لإقناعه بذلك، فرد: إذا رحت وياك راح يتشدد عليك أكثر، لأنه يكرهني، حاول أن تجد طريقة تذهب وتجدد جنسيتك وتعود.

للنازحين من المحافظات التي دخلها تنظيم داعش دائرة جوازات خاصة، ليست مديرية الجوازات العامة في بغداد، بل بناية في منطقة المنصور. هنالك يذهب النازح لتقديم ملفه وبصمته ورغبته بالهروب من البلاد كلها، وهذا ما فعلته... إنها الأسلاك الشائكة مرة أخرى، قلتها وأنا أحمل ملفاً أصفر اللون، فيه كل متطلبات الحصول على جواز السفر.

لا يكفي البكاء ولا الصراخ ولا الشتائم لمواجهة ما يحدث الآن. هذه البلاد تريد قتلي، إنها لن تتركني أغادر، سأموت إن عدتُ مرة أخرى إلى هناك، إلى الرمادي، لن أصل. هذه الإشارات تدل على حتفي، ماذا أفعل يا إلهي. كنت أمشي متجهاً إلى الشارع الخارجي. جلستُ على الرصيف وانفجرت بالبكاء.

لا يكفي البكاء ولا الصراخ ولا الشتائم لمواجهة ما يحدث الآن. هذه البلاد تريد قتلي، إنها لن تتركني أغادر، سأموت إن عدتُ مرة أخرى إلى هناك، إلى الرمادي، لن أصل، هذه الإشارات تدل على حتفي، ماذا أفعل يا إلهي.كنت أمشي متجهاً إلى الشارع الخارجي، وكل شيء بدا مثل كابوس الليلة الماضية، اللعنة على عام 2007. جلستُ على الرصيف وانفجرت بالبكاء، ثم تذكرتُ بيتَي شِعرٍ من قصيدة كتبتها خلال نزوحي الأول إلى مدينة هيت، حينها سكنت في خيمة بحديقة عامة:

ضاقت بيَ الأرضُ، حتى ضاقَ مُصْطَبَري
وكدتُ أبرأُ مِن حَولي ومِن جَلَدي
لولا وصيةُ أمّي لي، تميمتُها:
لا تجزعنَّ من الأقدارِ يا ولدي

اللعنة على هذه الأقدار، اللعنة على هذه الحياة الرديئة. لا يكفي أن أكون وحيداً ونازحاً وخائفاً من كل شيء، عليَّ أن أظل عالقاً هنا، في هذا الوطن الذي يسير كلّ شيء فيه إلى الهاوية. تذكرتُ الكابوس وأنا أحمل رأس عمر وأبحث عن جسده واتجه إلى المنحدر، أيقنت ساعتها أنني ذاهب هذه المرة إلى الحفرة، سيجرفني تيار الدم إلى ذلك الضجيج الذي يتصاعد على هيئة دخان. سأموت هنا.. في العراق.

مقالات من العراق

غيمة في رأسي

ميزر كمال 2021-08-19

انشغلتُ عن النجاة بأسبابها، وامتلأت بالهواجس والكوابيس، وصرتُ بعيداً عني، كنت أشعر بالتغيير يجري في داخلي، واسمع الصخب في رأسي: صخب القصف والرصاص وصراخ ذوي القتلى، الذين كانوا يسقطون كل...

للكاتب نفسه

غيمة في رأسي

ميزر كمال 2021-08-19

انشغلتُ عن النجاة بأسبابها، وامتلأت بالهواجس والكوابيس، وصرتُ بعيداً عني، كنت أشعر بالتغيير يجري في داخلي، واسمع الصخب في رأسي: صخب القصف والرصاص وصراخ ذوي القتلى، الذين كانوا يسقطون كل...

يوم عمل أول مع شاعر صدام حسين

ميزر كمال 2021-07-29

قال لي: هذا لؤي حقي، مدير المسرح الوطني في أيام صدام حسين، وشاعر الرئيس المدلل، وصاحب مقولة: "إذا قال صدام قال العراق" التي كُتبت على مدخل المسرح الوطني، أو شيء...