مهما حدث لربيع العرب (الاقتصادي)

اشفق على المهاجر المسكين الذي يدوس عبر الطين الذي يملأ فمه بالضحك والذي يبني مدينته بالدم التي رؤاها في النهاية الأخيرة يجب أن تتكسر كما الزجاج بوب ديلان، «أشفق على المهاجر المسكين» لقد مضى ما يقارب ثلاثة أعوام منذ اندلاع صراع لم يحسم بعد تحت مسمى»الربيع العربي»، لكن هبّة الشعوب العربية بالملايين
2013-11-20

رجا الخالدي

باحث في التنمية الاقتصادية الفلسطينية


شارك

اشفق على المهاجر المسكين
الذي يدوس عبر الطين
الذي يملأ فمه بالضحك
والذي يبني مدينته بالدم
التي رؤاها في النهاية الأخيرة
يجب أن تتكسر كما الزجاج
بوب ديلان، «أشفق على المهاجر المسكين»

لقد مضى ما يقارب ثلاثة أعوام منذ اندلاع صراع لم يحسم بعد تحت مسمى»الربيع العربي»، لكن هبّة الشعوب العربية بالملايين (المُرَحب بها عالمياً) في معارِضة أنظمة عربية بَدت وكأنها لا تُقهر، تبدو اليوم وكأنها تبخّرت. واستُبدلت جرعة الأمل الأولى التي كانت المنطقة على موعد معها لاجتياز عملية تحول ديموقراطي ثوري، بتشاؤم عميق وشك بنظر العديد من داعميها، بقدرة شعوب المنطقة على تجاوز ميراث القبليَّة كما الطائفية والتناحر العرقي. وغطى على الهتافات الأولى التي طالبت بالخبز، وفرص العمل، والعدالة الاجتماعية، أزيز حرب أهلية إجرامية وصراع إقليمي يُخاضُ في سوريا، واستعادة الحكم العسكري الشعبوي في مصر، والشقاق المذهبي الإسلامي، ومجموعة من المواجهات العالقة في غير مكان من المنطقة. ما الذي جرى لنصل إلى هذه النتيجة المريعة؟ وماذا بالنسبة للخبز والعمل والعدالة؟

سرديتان متنافستان
هيمنت على آراء وتحليلات الخبراء من داخل وخارج المنطقة، منذ بداية تحركات الجماهير التي هزت دعائم النخب العربية الحاكمة من المحيط إلى الخليج، سرديتان متنافستان بخصوص أسباب وديناميات التقلبات المستمرة. التفسير الشائع، وخاصة بين «أهل الخبرة»، بأن الجماهير العربية وَجَدت أخيراً ثوراتها الديموقراطية، مشابهة للتغيرات الاقتصادية والسياسية عام 1848 في أوروبا أو لمثيلاتها الأحدث في آسيا وأميركا اللاتينية. وحسب هذا السرد، فقد تصرفت تلك الجماهير لإنهاء حكم استبدادي أو طفيلي مبني على العائلة ومرتبط بالرأسمالية، وأنظمة ونخب حاكمة فاسدة كلياً.
التفسير الآخر، الأقل قبولاً، ولكنه في كثير من النواحي يعتبر رؤية أكثر إقناعاً، فحواه: بمقدار ما كانت هذه التحركات تدور حول الحقوق الدستورية وحقوق الإنسان المُنكرة، فإنها أيضاً كانت نتيجة للتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للعولمة واللبرلة المفرطة. في حين أن المنطقة العربية ربما كانت مُحصَّنة ضد معظم التأثيرات السلبية لـ«الركود الاقتصادي العظيم»، فإن النهج السياسي/ الاقتصادي الذي كان مسؤولاً عن بلوغ أزمة العام 2008 الاقتصادية والمالية في بلدان الغرب المتقدمة، هو نفسه الذي تمَّت مواجهته في المشرق العربي في 2011. وظهر ذلك عبر الهبّات الشعبية المشكِّكة بالنتائج الحقيقية، على الارض، للنموذج اللبرالي والتي مسّت حياة مئات الملايين من المواطنين العرب. لذلك فإن «نمط النمو الاقتصادي غير المنتج لفرص العمل في البلاد العربية، والنمو المتباين فيما بينها في العقود الثلاثة الأخيرة، كانا نتيجة، بالإضافة طبعاً لجملة أمور أخرى، لعملية مدروسة من التحرير المالي والتجاري، مما تسبب في انكماش الأجور وانسحاب الدولة من الاقتصاد، بالصيغة نفسها التي تمَّ ترويجها حول العالم»، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد، كانون الثاني 2012، «في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية: فرص جديدة للنمو الاقتصادي مع الإنصاف الاجتماعي») المقاربة الأخيرة لا تُعامِل البلدان العربية وعجزها الديموقراطي على انه يعكس استثناءً ثقافياَ، ولكن كنتيجة لإرهاق الجماهير المفقرة، حيث كان عشرات الملايين في أنحاء المنطقة محرومين من المنافع المادية ومن التقدم الاجتماعي اللذين تمتعت بهما قلة قليلة بعد اللبرلة والخصخصة المعتمَدة من قبل النخب الحاكمة. ومثل العديد من البلدان في ما يسمى بـ«الجنوب العالمي»، اعتمدت هذه النخب العربية وَصفات «إجماع واشنطن» التي تم تكييفها محلياَ من دون المس بجوهرها، بما يضمن بقاء الأنظمة غير الديموقراطية والسياسات المحافظة والعقيدة الاقتصادية المهيمنة في المنطقة.

في قبضة الثورة المضادة
بعض المثقفين العرب (أنظر علي قادري، «عودة الرأسمال التجاري للعالم العربي») جادلوا بأن بنية اقتصاد العالم العربي يمكن توضيحها عبر غلبة نمط الرأسمالي التاجر. «فالتجارة الألمانية أو حتى الصينية، هي تجارة الصناعة البائعة لمنتجاتها والمراكِمة لفائض التجارة بشكل ثابت مع الزمن. نمط التجارة العربية يدور بشكل مبدئي حول أخذ منتجات خام أو شبه خام من بلاد العالم وبيعها في الخارج واستيراد بضائع مُصنعة للبيع في الوطن». وتشرح غلبة نمط الإنتاج هذا في المنطقة (على حساب الرأسمال الصناعي القومي والملكية) لماذا «أصبح العالم العربي واقتصاده بالتالي، غير قادر، لأسباب بنيوية، على إنتاج الوظائف، وأين تسيطر الأرباح من غير جهد على عقلية الطبقة الحاكمة».
من جهته يشرح البروفسور آدم هنية (من جامعة لندن SOAS مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية) في كتابه الجديد «جذور الثورة: قضايا حول الرأسمالية المعاصرة في الشرق الأوسط» تفاعل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لتبيان النزعات الثورية في المنطقة، مؤكداً على أن فهماً كاملاً للانتفاضات يحتاج إلى الذهاب أبعد من التركيز الساذج على «الديكتاتوريين والديموقراطية». ومثل هذا الفهم الحساس مطلوب اليوم بشكل خاص حيث وصلت صورة التنازع في الأنظمة العربية إلى طور دموي، حتى لدى شعب مصر اللطيف تقليدياً، بينما تَمَكَنَ شعب تونس الأكثر سلمية، بطريقة ما، من تجنب الأسوأ حتى الآن في مسار التحول الثوري. هذا ما أعاد للتداول الصورة النمطية الأسوأ للشعوب العربية كإرهابيين (والآن بات هذا تعريف متداول حتى لدى حكوماتهم)، ومجتمعاتهم كقبيلة، واقتصادهم كبدائي وغير منتج ودولهم/أممهم كأنها ليست أكثر دواماً من حبر على خريطة سايكس - بيكو التي رسمت حدودهم عام 1917.
في الوقت عينه، فإن المراكز العربية الرئيسية للثورة المضادة، كالممالك الخليجية، وفي محاولة منها للاحتفاظ بالسلطة، قامت بالتجاوب مع السخط الشعبي في بلدانها على المستوى الجماهيري عبر إجراءات بائسة. هذا التجاوب من قبل المؤسسات الحاكمة لم يكن له مثيل في تاريخ الدول العربية، ومن بينها ثمانٍ من آخر الملكيات الوراثية المطلقة الباقية على وجه الأرض. تمت تهدئة شعوب دول الخليج عبر مزيج من التحويلات النقدية، والإصلاح التجميلي، وتعريض ملايين من العمالة الآسيوية لخدمة نمط حياة الممالك/النفطية التبذيري، والدعم الحريص والسخي من دول الخليج للقيادة العسكرية للثورة المضادة في مصر، وإطلاق الأصولية السلفية المسلحة في سوريا والعراق... وجميعها تشهد على مدى ما يبقى «الربيع العربي» الأصلي حيّاً ومخيفاً للحكام العرب.

ولكن أين الاقتصاد؟
بالتأكيد، في ساحة صناعة الرأي والتأثير عليه، لا يستهان بالقوة المالية والأمنية للحكومات العربية، التي تضم في صناديق الثروة السيادية، على سبيل المثال، أصولاً تناهز 1.5 الف مليار دولار. وقد تمّ توظيف عشرات المليارات منها للتو لكسب قلوب وعقول العرب أو لتغذية النزاع في منطقة يَسهُلُ تقسيمها على طول خطوط الصدع الدينية والطائفية أو العرقية. ففي حين كانت الحكومات المصرية ما بعد مبارك تتعثر من نصف جهد إلى آخر، بحيث تظهر وكأنها تحاول أن تستجيب إلى نداء ميدان التحرير من أجل العدالة الاجتماعية، فإن أحداً منهم لم يأت بمفهوم جديد للسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية. ولم يَظهر على الحكام الجدد بأنهم أدركوا كم كان ذلك أساسياً من أجل قابليتهم للبقاء في السلطة، كما اعترف بذلك نائب رئيس الوزراء المصري زياد بهاء الدين (لصحيفة نيويورك تايمز، 4 تشرين الثاني الجاري): «في كل مرة تحدثت فيها عن الاقتصاديات، لا أحد كان يبدو عليه الاهتمام».
ترجع عدم القدرة على إحداث القطيعة مع إرث الاقتصاد المنهار إلى حقيقة كون صانعي السياسة الاقتصادية في دول الربيع العربي ما زالوا يعتمدون على الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، وأيضاً على الإطار المفاهيمي المتمثل بـ«إجماع واشنطن».ومع أن الأزمة الاجتماعية للجماهير العربية لم تعالَج حتى الآن، وبقيت السياسات الاقتصادية العربية على حالها، فإن التطلعات والمصالح الأساسية للطبقات العاملة والفقيرة من مختلف بلدان هذه المنطقة لا يمكن إخضاعها إلى ما لا نهاية إلى أهواء الحكام المتسلطين، أو الأنظمة الملكية/القبلية. وأياً كانت قدرة القيادة المصرية الجديدة على انتهاج الشعوبية (ربما على نمط خوان بيرون في الأرجنتين) في أعقاب عام من الحكم الإسلامي الفاشل، فإنه من الصعوبة بمكان الاقتناع بان القضايا الأساسية في «الربيع العربي الاقتصادي»، وهي المساواة والتشاركية في توزيع ثروات الوطن، ستبقى غائبة عن ساحة الصراع. وهي إذا لم تعالج بجدية، فإن مركزية هذه القضايا المطلبية في حركة الشعوب العربية المتواصلة والمنحرفة اليوم في اعنف أشكالها وأكثرها دموية، لن تؤجل أبداً وستعود حتماً للواجهة، بعد أن خرج المارد من القمقم.

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه