سوريا: صورة البلد الذي مزّقته الحرب بعد عامٍ من كورونا

وصفت مفوضية الأمم المتحدة وضع الرعاية الصحية في سوريا بالـ"مأساوي"، حيث لا تعمل سوى 58 في المئة من المستشفيات، و53 في المئة من المراكز الطبية التي تقدم الخدمات الأساسية. وعلى امتداد الأراضي السورية، بمختلف تصنيفاتها وظروفها، تكشف الجائحة عن المشهد: خروج التفّشي عن السيطرة، ووقوع جميع أطياف الشعب السوري، مدناً وأريافاً، بين أنياب المرض والحرب والدمار.
2021-04-24

عفاف الحاجي

صحافية من سوريا مقيمة في اسطمبول


شارك
دفن ضحايا الكورونا في سوريا. الصورة من انترنت

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

تتطلب تغطية جائحة كورونا في سوريا استحضار الوضع الاستثنائي الذي يسِمُ هذه البلاد الموزعة على سلطات مختلفة وقوى متحاربة فيما بينها (الحكومة السورية في مناطق سيطرة النظام، "الإدارة الذاتية الديموقراطية" في المنطقة الشمالية الشرقية، الحكومة السورية المؤقتة المعارضة في مناطق سيطرة تركيا والفصائل الموالية لها، و"حكومة الإنقاذ" في محافظة إدلب والتي تُعدّ الذراع المدني ل"هيئة تحرير الشام")، فضلاً عن استمرار الحرب، من قصف ومعارك، وفقدان الحدّ الأدنى من الأمان والخدمات في مناطق عدة.

لا تعمل "منظمة الصحة العالمية" سوى في مناطق سيطرة النظام السوري، وقدمت معظم جهودها في المساعدة الطبية المباشرة هناك، مع غيابها من المناطق الشمالية الشرقية والشمالية الغربية، وهو ما فاقم من تفاوت القدرة على الاستجابة للجائحة، وجودة وقدرة المنظومة الصحية، بجانبِ عوامل متعددة أخرى.

نرسم صورة بانورامية شاملة - ما أمكن - لتفاعل جائحة كورونا مع البنى الصحية بحالاتها وأنواعها في الداخل السوري، ووضع التجهيزات والحملات المُقدّمة في مختلف المناطق الرئيسية.

أرقام شديدة التباين

حتى منتصف نيسان/ إبريل 2021، تسجّل الإحصائيات المنشورة على موقع وزارة الصحة السورية 21004 إصابة بفيروس كورونا في المناطق التي تسيطر عليها، مع وفاة 1473 حالة من المصابين. إلا أن هذه الأرقام تواجه بتشكيك جهات محلية ودولية. فمثلاً، نشرت جامعة "إمبريال كوليدج" في لندن دراسة في يوم 15 أيلول/سبتمبر 2020 تقول فيها إن التقارير الحكومية لا تحصي سوى 1.25 في المئة من الوفيات الفعلية بفيروس كورونا في دمشق. وتكشف الدراسة عن وجود 4380 حالة وفاة في المدينة بسبب كورونا ولم تُسجّل بشكل رسمي، في المدة الواقعة بين 2 إلى 15 أيلول/ سبتمبر، مضيفةً أن رصد تلك الحالات حصل بسبب وجود آليات مراقبة عالية في دمشق، ما يعني أن حالات الوفاة خارج العاصمة قد تكون أعلى بكثير لعدم إمكانية مراقبتها من نشطاء وجهات طبية.

وقدّر موقع Syria in Context وجود 85 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا على الأقلّ في دمشق فقط، معتمداً في استنتاجاته على صفحات الوفيات المنشورة على الإنترنت من 29 تموز/ يوليو حتى 1 آب /أغسطس 2021، وصور الأقمار الصناعية للمقابر ومقابلات مع أطباء وغير ذلك.

تأتي آخر التقديرات من "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الذي يقول إن الإصابات ضمن مناطق سيطرة قوات النظام قد بلغت نحو 859600 ألف إصابة مؤكَّدة، تعافى منها أكثر من 545 ألفاً، بينما توفي 22645 شخصاً، وذلك في تقريره الصادر يوم 16 نيسان/ ابريل 2021.

وكانت مصادر طبية رسمية في دمشق قد أكدت بدء الموجة الثالثة من انتشار الفيروس منذ بداية شهر آذار/مارس 2021، وتبع ذلك تصريح مدير مستشفى المجتهد في دمشق في 20/3/2021 بأن مناطق سيطرة النظام أصبحت في الذروة الثالثة للجائحة، وأن هذه الموجة "أصعب من سابقاتها".

في شمال غرب سوريا، تبين الأرقام الصادرة عن "شبكة الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة" في 16 نيسان/ابريل 2021 ارتفاع عدد الإصابات المسجلة إلى 21623، مع 19.661 حالة شفاء و638 حالة وفاة. وكانت مديرة الاستجابة لسوريا في منظمة Save The Children، سونيا كوش، قد حذّرت في بداية العام من أن "الوضع أسوأ بكثير مما تخبرنا به الأرقام"، وتحيل المنظمة ذلك لعدم كفاية الاختبارات ونقص الإمدادات الطبية.

مقالات ذات صلة

يردف هذا التحذير تصريح مدير الصحة في إدلب، لموقع "ميدل إيست آي" في كانون الأول/ ديسمبر 2020، بأن عدد وفيات Covid-19 قد يكون أعلى في شمال غرب سوريا، لأن بعض الوفيات التي تحدث في المنازل لم تُسجّل رسمياً، لعدم قدرة الأطباء على التأكد مما إذا كانت مرتبطة بالفيروس.

وفي أوائل نيسان/ابريل من هذا العام، حذّر فريق "منسقو الاستجابة" السكان في شمالي سوريا من الزيادة الملحوظة في أعداد الإصابات المرتبطة بفيروس كورونا، وأتبعه إنذار الدفاع المدني السوري بموجة جديدة من الوباء "قد تكون أخطر من سابقاتها".

بسبب اعتماد النظام السوري على استراتيجية استهداف المستشفيات في حربه ضد المعارضة، حتى أثناء انتشار جائحة Covid-19، عبّر 49 في المئة من المستطلعة آرائهم عن خشية الذهاب لطلب الرعاية الطبية بسبب الهجمات. ويخاطر الممارسون الطبيون المتبقون بحياتهم عبر الاستمرار في توفير الرعاية الطبية تحت ظروف العنف المستمر، ونقص الأدوية والمعدات.

بالمثل، يُواجه السكان في مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" شمال شرق سوريا موجة ثالثة هي الأعنف والأسرع انتشاراً مع وصول السلالة الجديدة. ففي آخر الأرقام الصادرة عن هيئة الصحة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا تسجّل 12756 حالة إصابة بفيروس كورونا، منها 432 حالة وفاة، و1382 حالة شفاء وذلك حتى منتصف نيسان/ ابريل 2021. وهو ما أُتبع بسلسلة من التدابير الوقائية الجديدة، من قرارات الحظر، ومنع التجمعات. وكذلك قد يختلف واقع انتشار الجائحة في هذه المناطق عن الأرقام الصادرة بسبب عدم توفر الفحوص المخبرية الكافية وضعف البنى التحتية الطبية ونقص الشفافية.

جني الحرب

خلّفت عشر سنين من الصراع آثاراً مدمّرة على نظاميّ الرعاية الصحي والمعيشي في سوريا، وكانت تُطلَق صيحات التحذير المتكررة من انخفاض القدرة الاستيعابية للمشافي وعدم جاهزية أنظمة الرعاية الصحية في المناطق المختلفة في البلاد حتى قبل أن تبدأ جائحة كورونا. في شهر آذار/مارس 2021، وصفت مفوضية الأمم المتحدة وضع الرعاية الصحية في سوريا بأنه "مأساوي"، حيث لا تعمل بشكل كامل سوى 58 في المئة فقط من المستشفيات، و53 في المئة من المراكز الطبية التي تقدم الخدمات الأساسية. وفي تقرير أصدرته لجنة الإنقاذ الدولي (IRC) في 3/3/2021 تحت عنوان "عقد من الهجمات على قطاع الرعاية الصحية في سوريا"، وثقت اللجنة التأثير هائل النطاق، والفادح على المنشآت الصحية والعاملين بها. أشار التقرير إلى أن 81 في المئة من العاملين في مجال الصحة الذين شملهم الاستطلاع لديهم زميل عمل أو مريض أصيب أو قُتل بسبب هجوم، في حين شهد 77 في المئة منهم على الأقل ما معدّله أربع هجمات على منشآت الرعاية الصحية، بينما شهد البعض ما يصل إلى 20 هجوماً على مدار سنوات الحرب. وشكّلت الغارات 72 في المئة من الهجمات، وأعرب 56 في المئة من المستطلعة آرائهم عن خشيتهم العيش بالقرب من منشأة صحية خشية التعرض لخطر الهجوم.

وعلى الرغم من أن مرافق الرعاية الصحية مشمولة بالحماية بموجب القانون الدولي، إلا أن التقرير يخلص إلى أن "النظام الصحي قد تدمر في سوريا، والمناطق الأكثر تضرراً هي الواقعة تحت سيطرة المعارضة بالبلاد".

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أحصت في آذار/مارس 2020 تعرض المنشآت الطبية في سوريا لـ494 هجوماً، منها 337 هجوماً في شمال غرب سوريا، وذلك في الفترة الواقعة بين العامين 2016 و2019، وقالت إن نصف المنشآت الطبية البالغ عددها 550 في المنطقة بقيت قيد الخدمة.

وبسبب اعتماد النظام السوري على استراتيجية استهداف المستشفيات في حربه ضد المعارضة ،حتى أثناء انتشار جائحة Covid-19، عبّر 49 في المئة من المستطلعة آرائهم عن خشية الذهاب لطلب الرعاية الطبية بسبب الهجمات. ويخاطر الممارسون الطبيون المتبقون بحياتهم عبر الاستمرار في توفير الرعاية الطبية تحت ظروف العنف المستمر، ونقص الأدوية والمعدات. علماً أنه جرى إنشاء بعض المستشفيات داخل مغارات أو ملاجئ تحت الأرض لغرض الحماية. ينوّه التقرير أيضاً إلى مغادرة حوالي 70 في المئة من العاملين في القطاع الصحي البلاد، لتصبح النسبة الآن طبيب واحد لكل 10 آلاف سوري. لذلك يضطر العاملون في هذا المجال للعمل أكثر من 80 ساعة في الأسبوع لتعويض النقص. وكانت منظمة "أطباء بلا حدود" قد اعتبرت في آذار/مارس 2020، أن نظام الرعاية الصحية في سوريا قد وصل بالفعل إلى شفير الانهيار، وبلغت الإمدادات والطواقم الطبية حدّها الأدنى.

دمشق ومناطق سيطرة النظام

في 22 آذار/ مارس 2020 خرج وزير الصحة السوري ليعلن عن أول إصابة بفيروس كورونا في البلاد، وذلك بعد أسابيع من ظهور الشائعات وإعلان جميع الدول المجاورة لسوريا عن وصول الجائحة لأراضيها، وظهور عدة مؤشرات تدلّ على تكتم النظام على حقيقة ما يجري في الداخل.

ومنذ الإعلان عن الحالة الأولى، أحاط الغموض والتخبّط بالكثير من جوانب تعامل السلطات السورية مع الجائحة. كانت الطواقم الطبية على الخطوط الأمامية لمواجهة الفيروس، لكن منظمة "هيومن رايتس ووتش" اتهمت النظام بعدم توفيره الحماية اللازمة للعاملين، وكانت من أبرز الحوادث المتعلقة بذلك إعلان نقابة الأطباء السورية وفاة 61 طبيباً وعاملاً في المجال الصحي في آب/أغسطس وبسبب اعتماد النظام السوري على استراتيجية استهداف المستشفيات في حربه ضد المعارضة ،حتى أثناء انتشار جائحة Covid-19، عبّر 49 في المئة من المستطلعة آرائهم عن خشية الذهاب لطلب الرعاية الطبية بسبب الهجمات. ويخاطر الممارسون الطبيون المتبقون بحياتهم عبر الاستمرار في توفير الرعاية الطبية تحت ظروف العنف المستمر، ونقص الأدوية والمعدات. 2020، في وقتٍ كان العدد الرسمي المعلن لجميع حالات الوفاة في عموم البلاد 64 فقط.

ووفقاً لما صرّح به أطباء لهيومن رايتس ووتش، فإن الوفيات التي تُنعى على صفحات الوفيات الرسمية للحكومة تنتمي بشكل أساسي إلى النخبة، مثل مديري المستشفيات، أو أساتذة طب سابقين. وقدّر الأطباء حينها بأن عدد الوفيات بين الأطبّاء والممرضين في الصفوف الأمامية أعلى بكثير - على الأرجح - بسبب عدم القدرة على إحصاء موظفي الصحة في الأرياف، وبناء على معرفتهم الخاصّة بالأطبّاء والممرضين الذين ماتوا.

وتحيل المنظمة "قلّة الإبلاغ" لعوامل عديدة أبرزها: قيود الحكومة على إطلاع عمّال الإغاثة على نتائج الفحوصات في مرحلة مبكرة، وغياب الفحوصات على نطاق واسع على الرغم من ضغط منظمات الرعاية الصحية لتوسيع قدرات الفحص. منبّهة أن منظمة الصحة العالمية بتبعيتها للأمم المتحدة لا يمكن لها التحكّم بالإبلاغ وهي تعمل فقط بموافقة الحكومة. من جهته، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان في أوائل عام 2021، أسماء 172 طبيباً ضمن مناطق نفوذ النظام السوري توفوا متأثرين بإصابتهم بكورونا خلال عام 2020. ويُضاف لذلك، ما ظهر في أيلول/ سبتمبر 2020 من إصابة ما يقارب 200 من موظفي الأمم المتحدة بالفيروس في سوريا.

مكافحة انتشار جائحة كورونا في مناطق سيطرة النظام واجهت عدّة مشاكل أبرزها تهالك المنظومة الصحية، ونقص الطواقم الطبية، ومحدودية الفحوص والموارد الطبية، وضعف إمكانيات المشافي الحكومية، وانهيار الوضع الاقتصادي العام، الذي تسبب في عدم قدرة الناس على اتخاذ أيّ من الإجراءات الوقائية المعتمدة عالمياً، أو تأمين متطلبات الحماية الأساسية.

بلغ عدد المراكز والمخابر الحكومية والخاصة المعتمدة لإجراء اختبار PCR، 19 مخبراً وفقاً لما أصدرته وزارة الصحة السورية في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. ويُكلّف الاختبار ما يعادل 100 دولار أمريكي، وهو مبلغ يقارب ضعف متوسط الراتب الحكومي في بلدٍ صار أكثر من 80 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. 

مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة أكّد أن وزارة الصحة عادت لتطبّق خطة الطوارئ B وأن جميع المؤسسات والكوادر الصحية مستنفرة بالدرجة القصوى، مصرّحاً في آذار/ مارس 2021 لوكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، بأن "نسبة إشغال أسرة العناية المركزة بمرضى كورونا في المشافي العامة المخصصة للحالات المثبتة والمشتبهة بالإصابة بالفيروس بدمشق بلغت 100 في المئة"، مضيفاً أنه جرى نقل بعض مرضى كورونا الذين يحتاجون إلى عناية مشددة لمحافظات أخرى، وذلك بسبب تجاوز القدرة الاستيعابية للمشافي في العاصمة.

مقالات ذات صلة

وكانت منظمة الصحة العالمية قد نقلت عن ممرضين وأطباء أن المشافي الحكومية الجاهزة للتعامل مع حالات Covid-19 قد تخطت قدرتها الاستيعابية، في حين لا تملك غيرها من المستشفيات البنية التحتية اللازمة. وعزوا ذلك إلى عدم توفّر قوارير الأوكسيجين وأجهزة التنفس الصناعي والأسرّة. ومع بدء الموجة الثالثة، خرجت تحذيرات عدة عن تجاوز الأزمة قدرة نظام الرعاية السوري على الاستيعاب، وخروج الجائحة عن السيطرة، وكان آخرها تصريح عضو الفريق الاستشاري لمواجهة فيروس Covid-19 في دمشق، بأن الكثير من الحالات القادمة إلى مشفى المواساة تتوفى بسبب ضعف الإمكانات، وما رافق ذلك من إجراءات حكومية بوقف العملية التعليمية مؤقتاً وجملة من الإغلاقات الأخرى. ويأتي هذا معاكساً للخطوة الحكومية بتخفيف الإجراءات في أيار/مايو 2020، حين برّر الرئيس السوري ذلك بأن المواطن أصبح أمام خيار "الجوع والفقر والعوز مقابل المرض" وأن "الجوع كنتيجة للفقر والعوز حالة مؤكدة وليست محتملة، أما حالة المرض فهي احتمال، ونتائج الجوع محسومة سلفًا، أما نتائج الإصابة بالمرض فليست محسومة".

بلغ عدد المراكز والمخابر الحكومية والخاصة المعتمدة لإجراء اختبار PCR، 19 مخبراً وفقاً لما أصدرته وزارة الصحة السورية في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. ويُكلّف الاختبار ما يعادل 100 دولار أمريكي وهو مبلغ يقارب ضعف متوسط الراتب الحكومي في بلدٍ صار أكثر من 80 في المئة من سكانه يعيشون تحت خط الفقر وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

ومع الأزمة الاقتصادية الخانقة واحتياج 11 مليون شخص في سوريا إلى المساعدة الإنسانية، يصبح من الصعب للغاية ارتداء الكمامات، أو الحصول على اسطوانات الأكسجين، والأدوية اللازمة وأجهزة التنفس الاصطناعي عند الحاجة إليها، ومع ذلك تلجأ عشرات الحالات لتقلي العلاج الذاتي في المنازل إذ لا تستقبل المشافي إلا الحالات شديدة الخطورة.

في أيار/مايو 2020، برّر الرئيس السوري تخفيف القيود الاحترازية، بأن المواطن أصبح أمام خيار "الجوع والفقر والعوز مقابل المرض" وأن "الجوع كنتيجة للفقر والعوز حالة مؤكدة وليست محتملة، أما حالة المرض فهي احتمال، ونتائج الجوع محسومة سلفًا، أما نتائج الإصابة بالمرض فليست محسومة".

تبرز مشكلة المعتقلين في مناطق النظام السوري أيضاً، إذ يوجد نحو 130 ألف شخص لا يزالون محتجزين أو مخفيين قسرياً وفقاً لإحصائيات "الشبكة السورية لحقوق الإنسان". وكانت منظمات حقوقية حذّرت من مصير المحتجزين في السجون المركزية والمعتقلات السورية في حال تفشي الفيروس بينهم، بسبب ظروف الاعتقال والاكتظاظ في السجون وانعدام الخدمات الطبية، والتجويع المتعمد والافتقاد الى أساسيات الصحة والنظافة والوقاية هناك. ودعت النظام إلى إطلاق سراحهم، وهو ما قوبل بعدم استجابة.

المخيمات

أدى عقد من النزاع في سوريا إلى إفراز أكبر أزمة نزوحٍ شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ومقابل الـ6.6 مليون شخص الذين غادروا إلى خارج البلاد هنالك أكثر من 6.7 مليون شخص نازح داخلي وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. تعتبر الفئة الأخيرة، وخاصةً ساكني المخيمات منهم، الأشد تأثراً بجائحة كورونا، لأسبابٍ تتعلق بالظروف التي يعيشونها، وعدم إمكانية تطبيق الإجراءات الوقائية الملائمة لمنع انتشار الفيروس، أو الحماية منه.

في تقريرٍ إحصائي صدر في 29 كانون الأول/ديسمبر 2020 عن منظمة "منسقو استجابة سوريا" – وهي منظمة محليّة غير حكومية - وثّق الفريق الأوضاع الإنسانية في مخيمات النازحين شمال غربي سوريا، والظروف والمشاكل الرئيسية التي تواجه ساكنيها. أوضحت الإحصائية أن عدد المخيمات الكلي يبلغ 1304 مخيماً، يقيم فيها نحو مليون و48 ألف نازح، وهي تتضمن مخيمات عشوائية يبلغ عددها 393 مخيماً ويقيم فيها 187764 نازحاً.

 ويتحدث التقرير عن نسبة العجز في الاستجابة الإنسانية، والتي وفقاً للفريق بلغت 54.8 في المئة في قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش، و 72.6 في المئة في قطاع المياه والإصحاح (المرافق الصحية)، ووصلت حتى 86.5 في المئة في قطاع الصحة والتغذية و74.9 في المئة في قطاع الحماية، كما بلغت نسبة العجز في قطاع المأوى 54.4 في المئة، وهي النسبة المتعلقة بتأمين الخيم للمخيمات العشوائية. ويُلاحظ ارتفاع نسبة العجز في كافة القطاعات مقارنةً بالتقرير السابق الصادر من الجهة نفسها في شهر آب/ اغسطس 2020.

يظهر الجانب الصحّي ضمن أبرز المشاكل التي تواجه النازحين في المخيمات وفقاً للمنظمة، إذ تُذكر البيئة غير الصحية ومخاطر التلوث خصوصاً في المخيمات العشوائية، وانتشار حفر الصرف الصحي المكشوف، والحرمان من مصادر الدخل الأساسية والاعتماد على المساعدات الإنسانية فقط، وغياب الرعاية الصحية والأسس الوقائية اللازمة من فيروس كورونا المستجد. ويتحدث التقرير عن الحاجة لتأمين نظام رعاية صحية ثابت ومستمر في المخيمات، لأن زيادة أعداد الإصابات بكورونا ضمن النازحين وإدارة عمليات المرضى المصابين به كانتا من أبرز التحديات التي تواجه المخيمات في شمال غربي سوريا.

بصورةٍ عامة تتشكّل المخيمات العشوائية مع كل موجة نزوح جديدة، نظراً للاكتظاظ السكاني في مخيمات الشمال والضغط على قدرتها الاستيعابية. وقد يجبر القاطنون في هذه المخيمات الموضوعة عشوائياً على البقاء أشهر في العراء في ظلّ انعدام وجود أيّ مرافق صحية على الإطلاق.

يبلغ مجمل عدد مخيمات النازحين داخل سوريا 1304 مخيماً، يقيم فيها نحو مليون و48 ألف نازح، وهي تتضمن مخيمات عشوائية يبلغ عددها 393 مخيماً ويقيم فيها 187764 نازحاً. أما نسبة العجز في الاستجابة الإنسانية، فبلغت 54.8 في المئة في قطاع الأمن الغذائي وسبل العيش، و 72.6 في المئة في قطاع المياه والمرافق الصحية، ووصلت حتى 86.5 في المئة في قطاع الصحة والتغذية. 

عبّر العديد من سكان المخيمات بأنواعها عن العجز عن حماية أنفسهم من العدوى بـCovid-19، إذ يصعب تحقيق فكرة العزل الذاتي، أو التباعد الاجتماعي في هذه المخيمات المكتظّة بالسكان، ولا تتوفر أدنى مقومات الوقاية، حتى أن غسيل اليدين بانتظام يعدّ خياراً غير مطروح بصورة حقيقية، وذلك لاعتماد الكثير من سكان المخيمات على المياه المجموعة من الخزانات المشتركة.

ووفقاً لما تشير إليه منظمة أطباء بلا حدود، لا يكاد الماء النظيف يتوفر في بعض المخيمات، وتعتمد بعضها على المراحيض المشتركة، ويبين تقرير وحدة تنسيق الدعم الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2020 عدم وجود حمامات عامة في 65 في المئة من المخيمات التي شملتها الدراسة، وأن 55 في المئة فقط من المخيمات التي تحتوي على حمامات يردها ماء منتظم. ولا يمكن أن يُطلب من الناس "التزام منازلهم" في وقتٍ يعيش فيه أكثر من ثلث سكان إدلب منفيين من بيوتهم ومجموعين بكثافةٍ في مخيماتٍ تنعدم فيها سُبل الحياة وتفتقر في أعمّها للخدمات الأساسية. ويضاف إلى ذلك كله، ما تورده منظمة أطباء بلا حدود في بداية الجائحة عن معاناة 35 في المئة من مرضاها من مشاكل في التنفس أصلاً، وهو ما يزيد من التعقيدات في حال إصابتهم بالفيروس.

بالمقابل، وعبر خمسة عشر تقريراً أصدرها "مركز المجتمع المدنيّ والدّيمقراطية"، يرصد بها مستجدات جائحة كورونا في سوريا والإجراءات المتعلقة بها بصورة دوريّة من يوم 19/3/2020 حتى 30/9/2020، يتكرر الحديث عن انخفاض مستوى الوعي بخطورة الفيروس ومستوى تعاون الناس مع منظمات المجتمع المدني، وتسجّل التقارير حالات متنوعة حدث فيها اختلاط مع مصابين دون ارتداء الكمامة ليعرف الآخرون لاحقاً بإصابة المخالط به، أو مثلا حادثة اكتظاظ غرف الانتظار في "مشفى الإخاء" بالمراجعين رغم ظهور أعراض الزكام على بعض المُنتظرين، وعدم ارتداء الكمامات، ومثلها ازدحام الناس في الأسواق وحتى على نوافذ التسجيل لدى المراكز الطبية ومراكز الطفل والأم في بعض المخيمات.

تنوّه التقارير إلى ارتباط ذلك بانتشار الفقر وغياب الحدّ الأدنى من القدرة الشرائية للحصول على مواد تعقيم والكمامات الواقية، ويردف ذلك حديث منظمة أطباء بلا حدود عن محاولات البعض إيجاد حلول بديلة مثل نصائح بعض المعلمين لطلابهم باستخدام قطع القماش القديمة لتغطية وجوههم، وكذلك لجوء البعض لتغطية وجوههم بأكمامهم عند الحاجة القصوى للاختلاط.

 وما يزيد الأمر تعقيداً، تعرض المخيمات المتكرر للهطولات المطرية المتتالية، ما حدا بفريق "منسقو استجابة سوريا" إعلان "كافة المخيمات الموجودة في محافظة إدلب وريفها ومناطق ريف حلب، مناطق منكوبة بالكامل" في 31 كانون الأول/يناير 2021، وكانت هذه الظروف المناخية سبباً بتهدم المئات من الخيام وتضرر آلاف أخرى وبقاء العديد من العوائل في العراء أو لجوئها إلى خيم أقاربهم، وهو ما يُنتج بالضرورة بيئة يستحيل فيها إجراء أيّ نوع من التباعد الاجتماعي أو غيرها من الإجراءات الوقائية الأساسية.

الرعاية الصحية في شمال غرب سوريا

يواجه نظام الرعاية الصحية في شمال غرب سوريا، الواقع تحت سيطرة فصائل المعارضة السورية، تحدّيات جمة في التعامل مع تفشي جائحة كورونا، وخصوصاً مع عدم وجود حكومة معترف بها دولياً، وتتعقد بالتالي تفاصيل وصول المساعدات. وبصورةٍ عامة، يعتمد الناس في هذه المناطق على المنظمات غير الحكومية للحصول على الرعاية الصحية وغيرها من البرامج الإنسانية والخدمات الأساسية.

ووفقاً لمنظمة أطباء بلا حدود، لا يوجد سوى تسعة مستشفيات مخصصة لـ Covid-19 لخدمة سكان يبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين نسمة، بالإضافة إلى 36 مركزاً للعزل والعلاج تقدم الرعاية الأساسية للمرضى الذين يعانون من أعراض خفيفة، و3 مختبرات للفحوصات بمجموع أقل من 1000 فحص يومياً في الغالب، وذلك وفقاً لتحديثها الصادر في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

يوجد في مناطق شمال غرب سوريا، الواقعة تحت سيطرة المعارضة، تسعة مستشفيات مخصصة لـ Covid-19 لخدمة سكان يبلغ عددهم حوالي أربعة ملايين نسمة، بالإضافة إلى 36 مركزاً للعزل والعلاج تقدم الرعاية للذين يعانون من أعراض خفيفة، و3 مختبرات للفحوصات، بمجموع أقل من 1000 فحص يومياً في الغالب. وهنالك 600 طبيب فقط في منطقة شمالي سوريا.

وبحسب مديرية صحة إدلب، هنالك 600 طبيب فقط في منطقة شمالي سوريا، أي بنسبة 1.4 طبيب لكل عشرة آلاف نسمة، وهو أقلّ من الحد الأدنى المطلوب في الأزمات والذي يكون عادة خمسة أطباء لكل عشرة آلاف نسمة. علماً أن منظمة أطباء بلا حدود كانت قد قالت في أيلول/ سبتمبر 2020 إن حوالي 30 في المئة من حالات الإصابة في شمال غرب سوريا كانت لفئة العاملين في القطاع الصحي.

إضافة إلى ذلك، تحدث مدير دائرة صحة إدلب في فيديو نُشر في آذار/ مارس 2020 عن وجود 201 سرير عناية مشددة آنذاك، ما يعني أقل من سرير واحد متاح لكل 20 ألف مواطن، و95 جهاز تنفسي اصطناعي فقط للبالغين وكانت مشغولة بنسبة 100 في المئة في ذلك الوقت (لأمراض أخرى) .

بالعودة إلى الإحصائيات الواردة في تقرير نظام المعلومات الصحية المركزي الصادر عن الحكومة السورية المؤقتة في 15 نيسان/ابريل 2021، يتبين وجود 3 مختبرات فعالة لفحص كورونا، أجرت أكثر من 4000 حالة اختبار في الأسبوع الأخير الذي يغطّيه التقرير، بنسبة حالات إيجابية وصلت إلى 3.78 في المئة من مجموع المسوحات لذلك الأسبوع. ووفقاً للتقرير نفسه، هنالك 25 مركز عزل اجتماعي فعّال بعدد أسرّة وصل إلى 1158، و9 مشافي مخصصة للعزل والعلاج بعدد أسرّة 340 فقط. فضلاً عن 142 من أسرّة العناية المشددة، و131 عدد أجهزة التهوية الآلية الفعالة.

وفي بيانٍ صادرٍ عن ولاية شانلي أورفة التركية في أوائل كانون الثاني/ يناير 2021 أعلنت الولاية إنشائها لخمس مختبرات فحص PCR الخاصة بالكشف عن فيروس كورونا في مدينتي تل أبيض ورأس العين، المتواجدتين ضمن المناطق الخاضعة للسيطرة التركية في شمال سوريا، وأن هذه المختبرات ستكون الموضع الذي تُطلب منه نتائج الفحوصات لمريدي المرور عبر المعابر الحدودية التركية السورية.

مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا

على غرار المناطق الواقعة إلى غربها، تعاني مناطق الإدارة الذاتية من نقص شديد في الموارد وانتشار للفيروس في عموم أرجائها. وتتحدث التقارير عن نقص بالمعدات واللوازم الطبية وقلة الكوادر الطبية في أغلب المشافي الواقعة ضمن سيطرة الميليشيات الكردية.

وصرّح الرئيس المشترك لهيئة الصحة في شمال وشرق سوريا في 12/4/2021 بأن "المنطقة وصلت إلى مرحلة خطيرة جداً" بسبب فيروس كورونا، وأن الهيئة "تقترب من حاجز فقدان السيطرة على هذا الفيروس، وللحيلولة دون انتشاره، قامت الهيئة بفرض حظر كامل على عموم شمال وشرق سوريا"، مشدّداً في مؤتمر صحافي على أن هيئة الصحة "غير قادرة على إيقاف الانتشار"، وأن "كافة مراكز الحجر الصحي التي تم تجهيزها لاستقبال الحالات المصابة، هي ممتلئة الآن".

 وكانت هيئة الصحة في الإدارة الذاتية قد جهزت 13 مركز حجر صحي ،ومعالجة المصابين المحتملين بالفيروس في الأشهر الأولى من بداية انتشار الجائحة، مناشدةً الأمم المتحدة المساعدة، لعدم وجود مستشفيات في الكثير من المناطق، ولعدم احتواء مختبراتهم على أجهزة PCR الخاصة، وحاجتهم إلى أجهزة تنفس وأجهزة أشعة، فضلاً عن وجود 27 غرفة للعناية المركزة وخمس أجهزة أشعة فقط في عموم مناطق سيطرة الإدارة الذاتية في وقتٍ يزيد تعداد سكان المنطقة فيه عن خمسة ملايين شخص.

على غرار المناطق الواقعة إلى غربها، تعاني مناطق "الإدارة الذاتية" من نقص شديد في الموارد وانتشار للفيروس في عموم أرجائها. وتتحدث التقارير عن نقص بالمعدات واللوازم الطبية وقلة الكوادر الطبية في أغلب المشافي الواقعة ضمن سيطرة الميليشيات الكردية.

وعلى الرغم من المناشدات، بقيت استجابة منظمة الصحة العالمية محكومة بالقيود المفروضة من قبل النظام السوري، والذي لا يتعاون مع الإدارة الذاتية في جهود التصدي للفيروس. وتحوي مناطق الإدارة الذاتية الآن على مختبرات PCR لفحص الفيروس لكنها مقدمة كمساعدة من قبل إقليم كردستان العراق والهلال الأحمر الكردستاني وهي غير كافية.

وكانت منظمة هيومن رايس ووتش قد وثّقت رفض السلطات في دمشق جمع بعض عيّنات فحص فيروس كورونا من شمال شرق سوريا لفحصها. وتعاني مناطق الإدارة الذاتية من القيود المفروضة على تسليم المساعدات من دمشق والعراق والتي تعرقل وصول الإمدادات والطواقم الطبية المطلوبة لدرء الانتشار ومعالجته.

***

هكذا، وعلى امتداد الأراضي السورية، بمختلف تصنيفاتها وظروفها، تكشف جائحة كورونا عن المشهد المأساوي الذي صارت إليه البلاد، وعن خروج التفّشي عن السيطرة، ووقوع جميع أطياف الشعب السوري، مدناً وأريافاً، بين أنياب المرض والحرب والدمار. 

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من سوريا

سوريا: الواقع المرعب لمرضى السرطان

تحتل سوريا المركز الخامس من بين دول غرب آسيا في عدد الإصابات بأمراض السرطان قياساً بعدد السكان (17.500 مليون نسمة)، وذلك بحسب الوكالة الدولية لبحوث السرطان التابعة لمنظمة الصحة العالمية،...

ما بعد الخمسة آلاف ليرة سورية...

سوّغ حاكم المصرف المركزي طرح تلك الفئة النقدية الجديدة، بربطها باستبدال العملة التالفة، ونفى أن تكون كتلةً نقدية تضخمية. غير أن المزيد من العملات شبه المهترئة من فئتي الألف، والخمس...

للكاتب نفسه

لاجئو تركيا: وضع "الضيافة" المؤقتة

قد تكون حالات التمييز، ورهاب الأجانب ظاهرةً منتشرةً في العالم، وهي إشكاليّة تعاني منها مجتمعات عدّة، إلا أن للاجئين السوريين في تركيا خصوصية – وضعية "الضيافة المؤقتة" - التي تجعلهم...