بغداد.. مدينة القتلى والظلال الطويلة

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً.

لا وجود لمسافة خالية من صور الجنود القتلى والرايات المعلقة على أعمدة الكهرباء، وأعمدة عشوائية كأنها نبتت بالصدفة على جانبي الطريق، واللافتات التي تحمل صور رجال دين معممين، يرتدون زياً عسكرياً، وزعماء ميليشيات، مرفقةً بعبارات معبأة بالحرب والموت والدم، للدفاع عن العراق و"المذهب". وكانت معظم تلك اللافتات معلقةً على أبنية عشوائية رديئة، ودكاكين صغيرة، يطل من نوافذها الفقر والتعاسة.
2021-04-22

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
حسان بورقية - المغرب

لم أنجُ بعد. قلتُ ذلك وأنا أعبر الطريق إلى وسط المدينة، بغداد، رفقة ثلاثة نازحين. كان سائق التاكسي يقول جملة واحدة لكل نقطة تفتيش نقف عندها: "ذولي نازحين من الأنبار"، عبارة تكفي لكي نقف وقتاً أطول للتفتيش والتدقيق الأمني، والإجابة على أسئلة الجنود، التي خلت من الشتائم، لكنها كانت مشحونةً بالشك وعدم الارتياح والنبرة الحادة: "هويتك.. من وين من الأنبار؟ لأي منطقة رايح ببغداد؟ تعرف أحد هنا؟ افتح الجنطة.. افتح اللابتوب.. هربتوا من الدواعش أو من القوات الأمنية؟". كان الجنود يفتشون حقائبنا ويقلبون هوياتنا بيد، ويضعون يداً أخرى على الزناد.

حينها، لم يكن هنالك وقت لشاعرية الأسئلة، من قبيل: "نحن أبرياء، لماذا كل هذا الغضب نحونا، ولو كنا إرهابيين لما جئنا، نحمل حقائبنا وملامحنا الشاردة، ونصنع لغةً وطريقة في الرد على الآخرين هي أشبه بالتوسل والرجاء. أننا لا نريد غير النجاة، وهاربون من تنظيم داعش، والحرب التي أكلت أيامنا". كنا نعامل على أننا نازحون متهمون، جئنا من مدنٍ لم ندافع عنها، لم نُقتل أو نَقْتل من أجلها، وهذا كافٍ لوصمنا بالعار، والنظر إلينا بعين الريبة. هكذا يُفعل مع الجبناء أمثالنا.

ليست مبالغة. فعندما دخل تنظيم داعش إلى الرمادي أول مرة، وانسحبت كل التشكيلات الأمنية من المدينة، كتب شاعر من البصرة - وهو شخصية مشهورة - يتهم السكان بالتخاذل وترك مدينتهم لـ"الأفغاني والشيشاني"، ويلمِّح ضمنياً أن من حق المحافظات الأخرى اتخاذ تدابير صارمة لمنع دخول النازحين الذين سيدخل معهم عناصر من تنظيم داعش أيضاً.

مقالات ذات صلة

في بلدٍ كالعراق. لا يكفي أن يكون لديك جيشٌ تعداده 350 ألف جندي مدربين لخوض المعارك، وما يزيد عن 150 ألف مقاتل عقائدي، ينتمون لأكثر من ستين ميليشيا، أخذوا صفتهم الرسمية بقانون من البرلمان وأُعطوا اسماً تعبوياً، "هيئة الحشد الشعبي"، ويتسلَّمون رواتبهم من ميزانية الدولة، ويرتدون عباءة القداسة التي فصَّلتها لهم المرجعية الدينية في النجف، وألبسها لهم المجتمع. هذا كله لا يكفي لحماية المدن والدفاع عنها وعن سكانها، مثلما لا يكفي أيضاً أن تكون مدنياً. عليك دائماً أن تكون مستعداً لحمل البندقية، عليك أن تقاتل، فتَقتل أو تُقْتل. عليك دائماً أن تكون مستعداً للموت، "الموت من أجل البلاد".

الطريق إلى نُصب الحرية

الطريق من معبر "بزيبز" إلى ساحة التحرير (الباب الشرقي) كان طريقة أخرى للخوف. لا وجود لمسافة خالية من صور الجنود القتلى ("شهداء المقاومة الإسلامية")، والرايات الكبيرة والصغيرة المعلقة على أعمدة الكهرباء، وأعمدة عشوائية كأنها نبتت بالصدفة على جانبي الطريق، واللافتات الكبيرة التي تحمل صور رجال دين معممين، يرتدون زياً عسكرياً، وزعماء ميليشيات، مرفقةً بعبارات معبأة بالحرب والموت والدم، للدفاع عن العراق و"المذهب". وكانت معظم تلك اللافتات معلقةً على أبنية عشوائية رديئة، ودكاكين وغرف صغيرة، يطل من نوافذها الفقر والتعاسة.

كنت أنظر إلى الصور المعلقة على طول الطريق، أنظر إليها واحدة واحدة، وأتخيَّل قصصاً عن أصحابها، لكل قتيل في الصورة، أتخيَّل سيناريو سريع، مدته المسافة عندما تنتهي عند الصورة الأخرى، وهكذا أبدأ بسيناريو جديد للقتيل التالي، في الصورة التالية. جميعهم لم يُقتلوا في رأسي، جميعهم ما زالوا أحياء، أحدهم يجلس مع أصدقائه في المقهى، يلقون النكات ويضحكون، ويتذكرون أشياء لا علاقة لها بالحرب، وآخر مع حبيبته، يتحدثان عن خرائط المستقبل والعائلة، وهذا الذي يتكئُ على عربة مدرعة، يتكئ في رأسي على دراجة هوائية قرب النهر، وذلك الذي يحمل البندقية، وعلى وجهه غبار الحرب، يحتضن طفله الصغير، ويرفعه عالياً إلى السماء، والآخرون آمنون في سربهم، يكبرون في دوائرهم الخاصة، هكذا حتى تختفي صورهم من هذه الأعمدة الكئيبة، الأعمدة التي صارت شواهد للحرب والموتى.

عليك دائماً أن تكون مستعداً لحمل البندقية، عليك أن تقاتل، فتَقتل أو تُقْتل. عليك دائماً أن تكون مستعداً للموت، الموت "من أجل البلاد".

وصلت إلى ساحة التحرير، ولم أرَ بغداد التي أعرفها في الكتب، كلُّ شيء كان عدائياً ومريباً بالنسبة لي، وكنت غريباً على المدينة والناس، شعرتُ بذلك وأنا أتحسس قلبي الذي كان ثقيلاً مثل شظية، أحمله عبئاً في صدري، وأحمل حقيبتين، تدلان عليَّ المارة، ورجال الأمن الواقفين لحراسة نُصب الحرية.

لم أكن سائحاً، ولا شخصاً جاء يكتشف المدينة، ويقف مسترخياً أمام معالمها، ويلتقط الصور، كنت خائفاً، وبالكاد أرفع رأسي، مخافة أن أُسألَ مرةً أخرى: من أنت، ومن أين جئت. لذا لم يعنِ لي نصب الحرية شيئاً، ولا ساحة التحرير. كنتُ منشغلاً بهواجسي، ومخاوفي: كيف سينتهي هذا اليوم الطويل. ومشتتاً بالصخب من حولي: صياح الباعة على الأرصفة، أبواق المركبات، اللطميات التي تصرخ من المحلات وسيارات الشرطة و"الكيّات"، وصورة كبيرة للخميني وخامنئي تحت نصب الحرية، كُتب عليها شيء ما عن تحرير القدس، يقف بالقرب منها شرطيان، كلٌّ منهما تستلقي بندقيته على كرشه.

مقالات ذات صلة

لم يشدني شيء في المدينة مثل الظلال. كانت الشمس ترحل إلى جهة الغروب، والزوال يتمدد في المدينة على هيئة ظلال طويلة: ظلال للمارة في الشوارع، للمركبات، للأعمدة وصور القتلى، للبنايات والتماثيل، للجنود وبنادقهم، للأسلاك الشائكة حول نقاط التفتيش، للرايات والأعلام الكثيرة، للأشجار.. ظلي وهو يمتدُّ أمامي كلما ابتعدتُ عن الشمس، واقتربت من قلب المدينة، وليلها الذي سيكون بلون الوحدة.

فندق زوزَك

لم يطل وقوفي كثيراً، حتى جاء صديقي علي، هو الآخر نازحٌ من الأنبار، لكنه يتمتع بامتياز وخبرة في الحياة البغدادية: امتيازه كان بأن اسمه علي، وهذا امتياز عظيم في مدينة قد تُخْتَطَفُ وتُقتَلُ فيها بسبب اسمك، لأنه يدل على طائفتك، كذلك هو يدرس الماجستير بالهندسة المدنية في جامعة بغداد. أما الخبرة فكانت باندماجه الملاحظ في الشارع، فهو يعرف متى يرتدي الأسود، ويسمع اللطميات عند صعوده في الكيَّات وسيارات التاكسي، وكيف ينطق مخارج الحروف التي لا تدل على أصوله الأنبارية. لقد مرَّن لسانه على إخفاء لهجته الدليمية.

- وين تريد تسكن؟ قال

- لا أدري. جد لي فندقاً آمناً ورخيصاً

- الفنادق الرخيصة في البتاوين، والآمنة أيضاً، فأطلق ضحكةً عالية

- البتاوين! يمعوَّد! ما هربت من الموت حتى ألاقيه هنا!

حكى لي عن صديق له من كربلاء، فقير مثلي، أقام في بغداد لفترة، وسكن في فندق رخيص بالبتاوين، قال إن صاحب الفندق يدفع نسبةً (إتاوة) للمليشيات هناك، لذا فهو آمن، هكذا أخبره صديقه الكربلائي، واتصل به ليعرف اسم الفندق، وأجرة الليلة هناك، وموقعه بالضبط، ثم قال: "إذا ما عندك فلوس تسكن بفندق بيه خير لا تتشرط". لم اعتبر ذلك توبيخاً، بل نصيحة عملية عليَّ الأخذ بها.

وصلت إلى ساحة التحرير، ولم أرَ بغداد التي أعرفها في الكتب. كلُّ شيء كان عدائياً ومريباً بالنسبة لي، وكنت غريباً على المدينة والناس. شعرتُ بذلك وأنا أتحسس قلبي الذي كان ثقيلاً مثل شظية، أحمله عبئاً في صدري، وأحمل حقيبتين تدلان عليَّ المارة، ورجال الأمن. لم أكن سائحاً، ولا شخصاً جاء يكتشف المدينة، ويقف مسترخياً أمام معالمها، ويلتقط الصور. كنت خائفاً.

اسم الفندق: زوزَك، وسعر الليلة 20 ألف دينار عراقي (15 دولار تقريباً) ومالك الفندق ومديره رجل كردي، أتذكره عندما دخلنا إلى صالة الاستقبال، التي لم تكن كذلك. أشخاص يجلسون على مقاعد في جهة الشمال، التفتوا جميعهم نحونا عندما دخلنا، وعلى اليمين كان يقف الرجل الكردي البدين، خلف قاطع خشبي عليه آلة حاسبة وقلم ودفتر كبير، وعبوة ماء بلاستيكية.

- أهلاً وسهلاً.. تفضلوا، قالها بلكنته الكردية المشهورة عندنا في العراق.

- صديقي طالب جامعة ويريد غرفة لمدة أسبوع، قال علي، وكنا قد اتفقنا على أنني طالب جامعي، طيلة مكوثي ببغداد.

- أهلا بيه، من وين؟

- من الرمادي، قلتُ، وكنتُ أشعر بارتياح أكبر لأنه كردي، فقد درستُ جزءاً من المتوسطة والإعدادية في مدرسة الهجرة، التابعة للأمم المتحدة، والخاصة باللاجئين الأكراد الذين نزحوا من مدينة كرمنشاه الحدودية، خلال الحرب العراقية الإيرانية، وأقاموا مخيمهم الطيني قرب بحيرة الحبانية، وهو مشهور في مدينة الرمادي باسم: معسكر اللاجئين. وقد ذكرتُ له ذلك حتى يطمئنَّ من جهتي، ويعاملني بلطف، أو هكذا ظننت.

- الليلة بعشرين ألف، بدون وجبات طعام، وآني ما مسؤول عنك خارج الفندق. قال ذلك بملامح باردة، ونبرة بدا لي أنه قالها لكثيرين من قبلي بالطريقة ذاتها.

- تمام.. بس أمان هنا؟ قلتُ ذلك وأنا أعني: هل يجب أن أخاف من الميليشيات التي تسيطر على البتاوين؟ فهم ذلك وقال:

- قدمك التي داخل الفندق أضمنها، الأخرى إن أخرجتها من هذا الباب، لا أضمنها، وأشار إلى باب الفندق الزجاجي.

البتاوين.. قاع المدينة الآسن

قبل ذلك، قطعنا المسافة إلى الفندق من ساحة التحرير مشياً. لم تكن بعيدة، لكنها كافية لأعرف أين سأقيم. الشوارع قذرة، وضيقة، وبين خطوة وأخرى هنالك أثر لحادث عنيف وقع هنا: حفرة في الشارع من أثر عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة، ثقوب في جدار عتيق خلفتها شظايا انفجار ما، أعمدة الكهرباء تشبه جذوعاً خاوية، تتشابك عليها أسلاك الكهرباء المتدلية بمستوى الرأس، قمامة مكدسة على امتداد الأرصفة، التراب يغطي كلَّ شيء أو يكاد، وكذلك صور القتلى، (الشهداء) معلقة أسماؤهم على الجدران والأبواب والشبابيك المنخفضة، والرائحة خليط من كل شيء هناك: عرق الأجساد المتعبة، دخان السجائر والأركيلة الخارج من المطاعم والمقاهي الشعبية، المياه الآسنة التي تمتد كخطين متوازيين لا نهائيين على جانبي الشارع، دم الذبائح الذي يسيل من دكاكين الجزارين، عوادم السيارات والدراجات النارية، النفايات في الأماكن والبيوت المهجورة.

"لا تلتفت، ولا تضع عينك بعين أحد"، قالها علي وقد تقاطعت علينا الأبصار من كل جهة، الأطفال والشباب والنساء والرجال. أعرف أن الفضول يتفشى في المناطق الفقيرة، لكن البتاوين كانت مكاناً خطيراً جداً، وحين تدخل إلى هناك، فهذا يعني - بالنسبة لهم - أنك تبحث عن شيء ما، قد يكون هذا الشيء قوَّاداً يأخذك إلى بيت دعارة، أو قوَّادة، أو قد يكون تاجر مخدرات، أو عصابة لبيع الأعضاء البشرية، أو قد تبحث عن قاتل مأجور، أو مجموعة قتلة، لينفذوا لك عملية ضد عدوك مقابل مبلغ من المال، أو قد تبحث عن ميليشيا تتقاسم السيطرة على المنطقة مع ميليشيات أخرى، تأخذ نسبة إتاوة من كل أولئك، لحماية أعمالهم وأنشطتهم من الشرطة التي لا تستطيع الدخول إلى هناك إلا بموافقة وإشراف تلك الميليشيات.

قطعنا المسافة إلى الفندق مشياً. لم تكن بعيدة، لكنها كافية لأعرف أين سأقيم. الشوارع قذرة وضيقة، فيها حفر من أثر عبوة ناسفة أو سيارة مفخخة، ثقوب في جدران خلفتها شظايا انفجار ما، أسلاك الكهرباء متدلية بمستوى الرأس، قمامة مكدسة على امتداد الأرصفة، والرائحة خليط من كل شيء: عرق الأجساد المتعبة، دخان السجائر والأركيلة، المياه الآسنة، دم الذبائح..

لم تكن هنالك دولة بالأساس لأقول إن البتاوين خارج سيطرتها، وقرار مكوثي فيها كان جنونياً وغبياً، لكنني لا أملك ترف اختيار الطريقة التي سأعيش فيها ببغداد لحين إصدار جواز سفري والرحيل إلى إسطنبول، لم يكن معي ما يكفي من المال، وكنت خائفاً من أنني سأستنفد ما معي قبل حصولي على جواز السفر. لا أدري كيف تسير الأمور هنا، لكنني أعرف أنها ليست على ما يرام، وعليَّ المجازفة، مثلما كانت بقية حياتي. مجازفات لم أنجُ منها بسبب ذكائي، أو الحظ، بل بسبب شيء لا أعرفه بالتحديد، لكنني أشعر من أعماقي أنه مرتبط بغنيَّة محمد جاسم، كنتُ أسميه سابقاً: دعاء أمي.

ستجدُ من يبتسم لك

دفعتُ أجرة الليلة الأولى، وأخذتُ مفتاحاً لغرفة في الطابق الثاني أو الثالث، لا أتذكر على وجه التحديد، رافقنا إليها الرجل الكردي، وقد أشار إلى الباب ثم قال: هذه الغرفة، وإذا ما عجبتك تستطيع إلغاء الحجز، لكن أقول لك، وهمس بصوت منخفض: هذا الفندق هو المكان الوحيد الآمن لك في هذه المنطقة، وأنت تعرف قصدي. نعم أنا أعرف قصده.

عندما فتحت الباب خرجتْ من الداخل رائحة عفن قديم. الأرضية كانت مغلفة ببلاط "الكاشي" الرديء، بعض القطع كانت تتحرك أثناء السير عليها، والجدران مطلية باللون البني الكئيب الذي يشبه لون المراكز الصحية العراقية، والسرير كان يبدأ من نافذة صغيرة تطل على الشارع، وينتهي إلى حائط يفصل الغرفة عن قاطع صغير، يحتوي على الدوش والمرافق الصحية، وهنالك تلفاز صغير معلق على الحائط، عندما أتمدد على السرير يكون فوق قدميَّ مباشرة.

تقاطعت علينا الأبصار من كل جهة. الفضول يتفشى في المناطق الفقيرة، لكن البتاوين كانت مكاناً خطيراً جداً. وحين تدخل إلى هناك، فهذا يعني - بالنسبة لهم - أنك تبحث عن شيء ما، قد يكون هذا الشيء قوَّاداً يأخذك إلى بيت دعارة، أو قوَّادة، أو قد يكون تاجر مخدرات، أو عصابة لبيع الأعضاء البشرية، أو قد تبحث عن قاتل مأجور..

نزل علي لشراء سندويشات فلافل من كافتريا قريبة، واستلقيت أنا بكل تعبي على السرير، لم تمرَّ سوى دقائق حتى طرق أحدهم باب الغرفة، فتحت الباب وكانت امرأة تحمل ماسحة تنظيف طويلة وسطلاً من الماء، وقطع قماش مبللة.

- تحتاج الغرفة للتنظيف؟ قالت مع ابتسامة خفيفة

- لا، أعتقد أنها نظيفة، شكراً جزيلاً

كانت امرأة في خمسينياتها، ترتدي دشداشة منزلية ملونة، وتلف شالاً أزرق على رأسها يُظهر رقبتها وشحمتي أذنيها، ويكشف عن قلادة يتدلى منها صليب على نحرها، خمَّنت أنها من السكان الأصليين لمنطقة البتاوين قبل التغيير الديمغرافي الذي حدث بفعل الحروب والاقتتال الطائفي، وأجبر السكان الأوائل لهذه المنطقة على الهجرة، وبدا لي أن عملها أكثر من مجرد التنظيف حين قالت لي بهدوء وابتسامة:

- الفندق أمان.. أغلب المستأجرين هم عمَّال، صارلهم فترة طويلة هنا، وما يحبون المشاكل، وان شا الله تكون مرتاح، وإذا تحتاج أي شي آني أختك، وموجودة يومياً من الصبح للعصر هنا.

بالنسبة لي حينها، كانت هذه المرأة قديسة أو ملاك نزل من السماء، إنها المرة الأولى التي أشعر فيها بالطمأنينة منذ زمن بعيد، وهي الشخص الثاني - بعد علي - الذي يبتسم في وجهي خلال هذا اليوم الطويل، المزدحم بالشتائم والوجوه القاسية وصور الموتى. شكرتها على كلماتها اللطيفة، وأردت التعبير عن امتناني لموقفها هذا، وقلت لها سأحتاج حتماً إلى تنظيف الغرفة غداً، وهذا شيء بسيط من أخيك الصغير، ثم أخرجت لها 5000 آلاف دينار عراقي، كنتُ أعرف أنها لا تساوي شيئاً أمام ما وهبتني إياه. لقد أعطتني الطمأنينة، وابتسامة أنا بأمسِّ الحاجة إليها في بغداد. 

مقالات من العراق

يوم عمل أول مع شاعر صدام حسين

ميزر كمال 2021-07-29

قال لي: هذا لؤي حقي، مدير المسرح الوطني في أيام صدام حسين، وشاعر الرئيس المدلل، وصاحب مقولة: "إذا قال صدام قال العراق" التي كُتبت على مدخل المسرح الوطني، أو شيء...

لقد نجوت!

ميزر كمال 2021-07-15

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. المرة الأولى التي رأيت فيها إسطنبول...

للكاتب نفسه

يوم عمل أول مع شاعر صدام حسين

ميزر كمال 2021-07-29

قال لي: هذا لؤي حقي، مدير المسرح الوطني في أيام صدام حسين، وشاعر الرئيس المدلل، وصاحب مقولة: "إذا قال صدام قال العراق" التي كُتبت على مدخل المسرح الوطني، أو شيء...

لقد نجوت!

ميزر كمال 2021-07-15

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. المرة الأولى التي رأيت فيها إسطنبول...

لا شيء يجلب الحب في بغداد

ميزر كمال 2021-07-02

"عندما غادرتُ البلاد.. كنتُ أضع الحرب في حقيبتي"... سلسلة نصوص تروي العراق اليوم بعيون شاب من مدينة الرمادي غرب البلاد، حين اضطر لمغادرتها مكرهاً. من فعل هذا بشارع الرشيد؟ من...