إغلاق المدينة دون اقتصاد: هكذا تستقبل غزَّة رمضان

ما يزيد عن 85 في المئة من أهالي غزَّة يعتمدون على المساعدات الإنسانية. وقد استقبلوا أول أيام شهر رمضان بخبر "وزارة التنمية الاجتماعية" تأجيل المساعدة المالية التي تصرف لبعضهم كل 3 أشهر إلى أجل غير مسمى، تحت مبرر عدم وصول الأموال من الممولين أو الداعمين من الخارج.
2021-04-19

عبد الله أبو كميل

صحافي من غزة


شارك
في أحد شوارع غزة مع بدء رمضان

انهارت حالة السيطرة على انتشار فيروس كورونا في جولته الثالثة في قطاع غزة، فدقّ ناقوس الخطر من جديد وأعلن عن حالة الطوارئ، مع إجراءات أمنية مشددة على المواطنين، من إغلاق للمحال التجارية، ومنع التجوال للمركبات والمشاة، وتحديد بعض السويعات للحركة، وإغلاق المؤسسات التعليمية وصالات الأفراح، والأسواق الشعبية، والمقاهي...

وعلى السكان تحمّل الأعباء اليومية في تأمين حاجياتهم الأساسية مع أول أيام شهر رمضان، في الوقت الذي يسجل فيه القطاع أعلى نسبة فقر على مستوى العالم، على الرغم من الجهود التي بذلتها المؤسسات الحكومية، وتلك المحلية ذات الطابع الإغاثي، والتي لم تلبِ سوى "خمسين في المئة من تلك الاحتياجات التي تعتمد عليها آلاف الأسر المتعفّفة"، وفق ما ذكرت وزارة التنمية الاجتماعية.

الخلل في الميزان بين التاجر والمستهلك

مما لا شك فيه أن الحصار الإسرائيلي هو المُشكل الرئيسي لمعاناة سكان غزَّة، لكن انتشار فيروس كورونا حول العالم جعل التجارة أكثر خمولاً مما كانت عليه، الأمر الذي زاد العبء لاستطالة مدة استلام البضائع المستوردة أو تصديرها، وانعكس هذا سلباً على التاجر والمستهلك، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار السلع الأساسية، كالزيت والسكّر وغيرها. أحد مستوردي المواد الكهربائية من الصين يقول: إن تكلفة الشحن التجاري للمواد تضاعفت بنسبة 500 في المئة مما كانت عليه قبل جائحة كورونا، وهذا الأمر سيدفع التاجر لزيادة سعر السلعة كما هو حال الكثير من السلع الأخرى، لتعويض الرسوم الباهظة لتكاليف الشحن. وبات كثير من التجار يستغنون عن استيراد السلع. ويشير لنا كذلك أن ارتفاع سعر السلع أدى إلى تراجع كبير في الإقبال عليها.

حسب أرقام ممثل "منظمة التعاون الإسلامي"، فإن 72 في المئة من الأسر الفلسطينية في غزَّة تعاني من انعدام الأمن الغذائي

وتشير الإحصائيات الرسمية الحكومية إلى أن التبادل التجاري من وإلى فلسطين تراجع بقيمة 10 مليار دولار في نهاية العام 2020، أي ما نسبته 10 في المئة من الإجمالي الكلي، مقارنة بالعام 2019.

عمال غزَّة الأكثر تضرراً من كورونا

جعلت حالة الحظر والإغلاق التي تفرضها "خلية الأزمة لإدارة الحالة الوبائية"، القطاعات المهنية في ركود تام، الأمر الذي دفع أصحاب القطاعات الخاصة إلى المناشدة بضرورة وضع بدائل عن حالة الانهيار التي يعيشونها مع مطلع شهر رمضان. هناك ما يزيد عن 160 ألف عامل يشكّلون ما نسبته 90 في المئة من العاملين بنظام الأجور اليومية وقد تضرروا، بشكل مباشر أو غير مباشر، جراء توقفهم عن العمل.

قطعت الاونروا مساعداتها عن أهالي غزة أو قلصتها أحياناً بسبب قطع التمويل الامريكي عنها بقرار من ترامب. ويأمل الاهالي ان يعاد العمل بها بعد التراجع عن ذلك القرار.

هيئة السياحة والفنادق في غزَّة هي الأخرى كانت تتوقع انفراجات جديدة مع قدوم شهر رمضان، ولكن إقرار منع التجوال يُلزمها بعدم تشغيل قطاعاتها، ما يعني التوغل في الإفلاس، بينما هذا القطاع هو من الأكبر اقتصادياً من حيث الإنتاج المحلي، إذ كانت استثماراته تتجاوز ما يزيد عن مليار دولار في أكثر من 500 منشأة ومرفق سياحي وخدماتي، وكان يوفر فرص عمل لما يزيد عن 7 آلاف إنسان. 

أحد العاملين في الفنادق توقف عن العمل بشكل كامل بأمر من مالك الشغل. وهو يعيل أسرته المكونة من خمسة أفراد ويعمل بنظام الأجرة اليومية التي لا تتعدى عشرين شيكلاً (ما يعادل (8 دولار) أو أقل. خسائر هذا القطاع فاقت 100 مليون دولار خلال أزمة كورونا، وهو يطالب الجهات الحكومية بإلغاء الضرائب التي تفرضها، والتراجع عن قرار الإغلاق، والسماح لهم بالعودة للعمل وفق بروتوكول وزارة الصحة المعتمد والمتوافق عليه مع هيئة المطاعم.

وقف مساعدات الشؤون الاجتماعية وغيرها

ما يزيد عن 85 في المئة من أهالي غزَّة يعتمدون على المساعدات الإنسانية، ولم يتوقعوا انقطاع المئة دولار المقدمة كمنحة من الدولة القطرية (على اعتبار أنها راتبٌ شهري). وقد استقبلوا أول أيام شهر رمضان بخبر وزارة التنمية الاجتماعية تأجيل المساعدة المالية التي تصرف لهم كل 3 أشهر إلى أجل غير مسمى، تحت مبرر عدم وصول الأموال من الممولين أو الداعمين من الخارج.

سجلت وزارة الصحة حتى اليوم 728 حالة وفاة، وما يزيد عن 90 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا، مع احتمال ارتفاع مؤشر الإصابات خلال الأيام المقبلة في ظل العجز في المستحضرات الطبية. وهي تحمل المواطنين "المتفلتين" من التدابير اللازمة مسئولية انتشار الوباء.

 وحسب إحصائية لممثل منظمة التعاون الإسلامي، فإن 72 في المئة من الأسر الفلسطينية في غزَّة تعاني من انعدام الأمن الغذائي. وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) قلصت هي الأخرى من مساعداتها للمستفيدين وشطبت البعض، والأمل هو عودتهم عن قراراتهم تلك بعد إعلان الولايات المتحدة الأميركية استئناف دعم الأونروا. طالبٌ كان يعتقد أنه سيتمكن من تقديم اختباراته بعد الحصول على شيك من الشؤون الاجتماعية، يسمح له بتسديد قسط من الرسوم الجامعية، فإدارة الجامعة أغلقت الصفحات الإلكترونية لمن لم يستطع سداد الاستحقاقات المالية الفصلية. وتشير الإحصائيات إلى أن 70 في المئة من طلبة الجامعات لفلسطينية في غزَّة غير قادرين على تسديد رسومهم الدراسية بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها أسرهم.

وزارة الصحة تبرر حالة الإغلاق

وزارة الصحة سجلت حتى اليوم 728 حالة وفاة، وما يزيد عن 90 ألف حالة إصابة بفيروس كورونا، مع احتمال ارتفاع مؤشر الإصابات خلال الأيام المقبلة في ظل العجز في المستحضرات الطبية الذي يفوق 30 في المئة شهرياً، وحمَّلت المواطنين نتيجة قرارات التشديد الأمني في حظر التجوال، مرجعةً السبب لعدم التزامهم ببروتوكول الصحة المعلن عنه.

وبررت الوزارة حالة المنع المفروضة بأنها تتعلق بالسلامة العامة، وللحد من انتشار فيروس كورونا مع انطلاق جولته الثالثة، مؤكدةً أنها ليست الجهة المرجعية لتوفير البدائل للحالة التي يعاني منها السكان جراء الوضع الاقتصادي المتهالك في غزَّة، وأنها مستمرة برفع توصياتها للجهات الحكومية المختصة طالما هناك خطر على حياة المواطنين، بل وقد تضطر للإعلان عن خطوات أكثر شدة! 

مقالات من فلسطين

للكاتب نفسه

الجيل المولود في التسعينيات في غزَّة... بين حانا ومانا

اطلق مواليد التسعينات حملة "شيّبنا"، محمّلين الحكومتين في الضفة الغربية، وقطاع غزَّة المسؤولية عن الحيلولة دون وصولهم الى سوق العمل بكافة القطاعات، باعتبارهم غير ملائمين للوظائف المتاحة لكبر سنهم!