كوفيد-19 في تونس: اختبارٌ قاسٍ لصحة عمومية منهكة

افسدت السياسة النجاح المتحقق في تخطي الموجة الأولى بأخف الأضرار! فبعد ما يشبه "الهدنة"، عادت الخلافات والصراعات والمناورات إلى السطح، وكانت أولى نتائجها إسقاط / استقالة حكومة الفخفاخ في بداية تموز/يوليو 2020. تغيرت بسرعة الاستراتيجية الحكومية في التعامل مع الوباء، لتعطي الأولوية للجانب الاقتصادي على حساب الصحة العامة. هذه السياسة لها ضريبة إنسانية ثقيلة.
2021-04-15

محمد رامي عبد المولى

كاتب وباحث من تونس، من فريق "السفير العربي"


شارك
| en
حيدر جبار - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في زحمة الروايات الثورية والسرديات الملحمية تضيع التفاصيل "الصغيرة". البوعزيزي الذي أشعل جسده المحترق فتيل "الربيع العربي" في كانون الأول/ ديسمبر 2010، لم يتوفَ مباشرةً، بل نقل في البداية إلى المستشفى الجهوي بسيدي بوزيد. لكن تلك المؤسسة الصحية لم تكن تحتوي قسماً خاصاً بالحروق، لذا نقل إلى المستشفى الجامعي بمحافظة صفاقس. وضع البوعزيزي، وهو بين الحياة والموت، في سيارة إسعاف ليقطع مسافة 140 كيلومتراً. وصل حياً إلى المستشفى الجامعي، لكن تبيّن هناك أن حالته تحتم نقله إلى المستشفى الوحيد المتخصص في علاج الحروق البليغة، ويقع في ضواحي العاصمة تونس.. فقطع البوعزيزي المحتضر 270 كيلومتراً هذه المرة ليصل إلى مستشفى "بن عروس" ويلفظ أنفاسه هناك.

بعدها بعشر سنوات، أي في كانون الأول / ديسمبر 2020، ركب شاب يدعى بدر الدين العلوي، ويعمل طبيباً في محافظة جندوبة (من أفقر محافظات تونس وأكثرها تهميشاً)، أحد مصاعد المستشفى الجهوي الذي يعمل به، وذلك لتفقد المرضى.. لكنه مات في الطريق: لم يكن للمصعد قاع، ولم تكن هناك علامات تحذيرية. فيما بعد، سيكتشف الرأي العام أن مشكلة المصاعد في هذا المستشفى قديمة، يتعهد المسؤولون في وزارة الصحة بحلها منذ سنوات... بلا طائل.

مات العلوي، وهو ابن أسرة فقيرة راهنت على التعليم كمصعد اجتماعي، في أوج أزمة يعيشها القطاع الصحي العمومي في تونس، إذ يجد "الجيش الأبيض" نفسه مستنفراً ومستنزفاً في جبهة الحرب على وباء كورونا. هذه الحرب، وإن كانت قد فرضت تحديات جديدة، فإنها أتت لتكشف أو بالأحرى لتثبت - ما هو معلوم للعموم - تدهور الصحة العمومية وتنوع أمراضها المزمنة.

I - الكورونا تمتحن قطاع الصحة العمومية

في 6 نيسان/أبريل 2020 خرجت نصاف بن علية، مديرة المركز الوطني للأمراض الجديدة والمستجدة، إلى وسائل الإعلام بوجه شاحب وعينين مرتعبتين لتقول إن عدم الالتزام بإجراءات الحجر الصحي ستؤدي إلى وضع يكون فيه "الميت أكثر من الحي". وفي اليوم التالي، وقف وزير الصحة السابق، عبد اللطيف المكي، أمام الصحافيين وبكى ثم اشتكى هو الآخر من "استهتار" المواطنين.

لكن هل كان المواطن فعلاً هو المتسبب في فزع مسؤولي وزارة الصحة؟ هذه المداخلات الدامعة أتت في فترة كانت فيها البلاد تعيش حجراً صحياً شاملاً، وكانت الأرقام الوبائية المسجلة حينها "مطمئنةً" نسبياً، خاصة إذا ما قارناها بجنوب أوروبا، وحتى دول في المنطقة العربية: 623 حاملاً للفيروس، و23 وفاةً، وأقل من عشرين شخصاً في أقسام الإنعاش والعناية المركزة. يبدو أن تخوّف المسؤولين مرده أسبابٌ أخرى، لعل أبرزها معرفتهم الدقيقة بواقع القطاع الصحي في البلاد.

عندما سجلت تونس يوم 2 آذار/مارس 2020 أول إصابة بالفيروس، كان عدد أسرّة العناية المركزة في كامل المؤسسات الصحية العمومية، المدنية والعسكرية، لا يتجاوز الـ300 سريرٍ، ولا يمكن تخصيص أكثر من ثلثها للمصابين. ثم تبين أن أغلب المؤسسات العمومية غير مؤهل لإيواء حاملي الفيروس، ولا يمكن التعويل إلا على بعض المستشفيات الجامعية التي لا توجد إلا في بعض المحافظات. مما يعني استقدام مرضى يسكنون على بعد مئات الكيلومترات. وهنا ظهرت أيضاً مشكلة النقل والإسعاف الطبيين، والنقص الحاد في عدد السيارات المجهزة بما يلزم من موارد بشرية مختصة وعتاد طبي وأدوات وقاية.

 بعدها اكتشف التونسيون أن هناك مخبراً واحداً، يتبع "معهد باستور"، مجهّزٌ ومختص في تحليل اختبارات الكشف عن الإصابة بالفيروس، وأن الدولة لا تمتلك ما يكفي من معدات إجراء الاختبارات وتخزين العينات، وحتى الكاشف الكيميائي الضروري للتحاليل. وظهرت أيضاً مشكلة النقص الكبير في عدد أطباء التخدير والإنعاش، وكذلك أسطوانات الأكسجين الطبي وأجهزة التنفس الاصطناعي (حتى الموجود، بعضه لا يعمل بتاتاً أو بحاجة إلى صيانة).

تلك هي الحالة التي كان عليها قطاع الصحة العمومية في الأيام الأولى لظهور كوفيد-19 في تونس، فكيف كان أداؤه خلال الموجات الوبائية المتتالية؟

خلال الموجة الأولى لكورونا، اختارت حكومة الياس الفخفاخ سياسة الحذر الشديد، والسعي الجاد لإبطاء نسق العدوى حتى لا تتشكل بؤر في كل البلاد، فينهار النظام الصحي. فكان أن أقرت منذ بداية ظهور الوباء غلق المؤسسات التربوية والمساجد والمقاهي والمطاعم، وعلقت الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وأغلقت الحدود وفرضت حظر التجوال ليلاً، ثم أعلنت الحجر الصحي الشامل في 22 آذار/ مارس 2020 ليستمر إلى حدود 4 أيار/ مايو قبل أن يحل مكانه الحجر المخفف والانفتاح التدريجي.

في 5 أيار/مايو، كانت حصيلة الموجة الأولى 1032 حالةً مؤكدة، و45 وفاةً، وهذه الأرقام "الجيدة" نسبياً تحققت بفضل جهود كوادر ومؤسسات الصحة العمومية، والالتزام والتضامن الشعبيين، وكذلك الخيارات السياسية التي - بغض النظر عن كل النقائص والأخطاء - كانت متناسبةً مع خطورة الوضع.

يتجاوز عدد المؤسسات الصحية العمومية في تونس 2300 وحدة، ويشغل قطاع الصحة العمومية قرابة 50 ألف شخص: قرابة 7000 طبيب، وأكثر من 28 ألف إطار صحي، وحوالي 2000 تقني وإداري، وأكثر من 11000 عامل. 

ستفسد السياسة النجاح في تخطي الموجة الأولى بأخف الأضرار! بعد ما يشبه "الهدنة" عادت الخلافات والصراعات والمناورات إلى السطح، وكانت أولى نتائجها إسقاط / استقالة حكومة الفخفاخ في بداية تموز/يوليو 2020. تغيرت بسرعة الاستراتيجية الحكومية في التعامل مع الوباء، لتعطي الأولوية للجانب الاقتصادي على حساب الصحة العامة. تزامن التغيير الحكومي مع ذروة الصيف، وبالنسبة لبلد يعوّل بشكل كبير على السياحة، وعودة المهاجرين لقضاء إجازاتهم السنوية، فإن فتح الحدود يعتبر حيوياً للحياة الاقتصادية. لكن لم يأتِ إلا عدد قليل من السياح الأجانب، ولم تفرض بروتوكولات وقائية حقيقية على التونسيين القادمين من الخارج. نتيجةً لهذا التراخي، بدأت موجة ثانية من العدوى في شهر آب/أغسطس. وبداية من منتصف أيلول/ سبتمبر، صارت الإصابات المؤكدة تتجاوز الـ500 حالة يومياً، وتضاعفت معها طبعاً أعداد الذين فتك الوباء بحياتهم.

كان الجميع ينتظر إجراءات حازمة من حكومة هشام المشيشي، لكن سرعان ما تبين أن الدولة تبنت سياسة التعايش مع الوباء: رفض تام لإعلان حجر شامل ولو لمدة قصيرة، الإبقاء على الحدود مفتوحة حتى مع ظهور سلالات جديدة من الفيروس، وبالمقابل تقوية إمكانيات وزارة الصحة في مواجهة الوباء.

الجانب الإيجابي الوحيد لهذه السياسة يتمثل في كونها حسنت جاهزية القطاع الصحي العمومي في مواجهة الوباء، إذ تمكنت من زيادة عدد الأسرّة المخصصة لمرضى كوفيد-19 إلى أكثر من 400 سرير عناية مركزة، و2000 سرير مجهز بالأوكسجين (1)، وتسخير عشرات الأقسام في المستشفيات الجهوية والجامعية لاستقبال وإيواء مصابين من مختلف محافظات البلاد، بالإضافة إلى تركيز مستشفيات ميدانية في المحافظات التي تعيش ضغطاً كبيراً مثل العاصمة تونس والمنستير وصفاقس والقيروان. وعزز أسطول وزارة الصحة بعشرات سيارات الإسعاف الجديدة، كما ارتفع عدد المخابر المرخص لها بتحليل عينات اختبارات كوفيد-19 ليناهز المئة (ثلاثة أرباعها يتبع القطاع الخاص).

هذه السياسة لها ضريبة إنسانية ثقيلة. ففي شهر كانون الأول / ديسمبر، اجتازت البلاد عتبة المئة ألف إصابة والـ3000 وفاة، لتبلغ الموجة الثانية أوجها في بداية شباط / فبراير 2021 مع تجاوز عتبة المئتي ألف إصابة و7000 وفاة. هدأت الأمور قليلاً في الأسابيع التالية، ثم عادت للتدهور بشكل حاد أواخر آذار / مارس مما يوحي بأن البلاد دخلت فعلاً في موجة ثالثة، إذ تسجل يومياً ما بين 1500 و2000 إصابة، وحوالي 50 وفاةً لتصبح الحصيلة إلى حدود 10 نيسان/ أبريل 2021: 861 271 إصابة مؤكدة و9293 وفاة (2).

اللقاح هو الأمل الوحيد تقريباً، لكن عملية التطعيم تسير ببطء لأسباب متعددة. أول الأسباب هو تباطؤ وتردد الحكومة في جلب اللقاحات، إذ أنها تعول بشكل كبير على الجرعات التي ستوفرها مبادرة COVAX (في حدود 4 ملايين جرعة) وكذلك تلك التي ستهبها الدول الصديقة، وذلك بموازاة عقود مباشرة أبرمتها مع المصنّعين مثل "فايزر" (مليوني جرعة) و سبوتنيك (نصف مليون جرعة) وغيرهم. السبب الثاني يتعلق بالجانب اللوجيستي والموارد البشرية، إذ يتطلب تلقيح ملايين السكان تسخير إمكانيات كبيرة لنقل وتخزين اللقاحات، وكذلك تركيز عشرات وحتى مئات المراكز الخاصة لاستقبال متلقي اللقاح، وطبعاً يجب أن يتوفر العدد الكافي من الأطباء وخاصة الإطار شبه الطبي. وإلى حدود يوم 13 نيسان/أبريل 2021 وصل عدد الملقحين 154647 منهم 8363 فقط تلقوا الجرعة الثانية(3).

II - أمراض قديمة

كثيراً ما يردد المدافعون عن النظام التونسي القديم، أن الديكتاتورية فرضت إصلاحات عميقة في البنى والذهنيات المجتمعية، وبنت قطاعاً عمومياً متميزاً، خاصة في مجالات التعليم والصحة. لكنهم يتجاهلون حقائق كثيرة أهمها أن المكاسب التي تحققت هشّةٌ، وأن أول من ضربها هو النظام الديكتاتوري نفسه، وأن التونسيين لم يتمتعوا بها كلهم بنفس الدرجة. ولعل قطاع الصحة العمومية أبرز مثال على ذلك.

خارطة صحية غير متوازنة وغير عادلة

يتجاوز عدد المؤسسات الصحية العمومية في تونس 2300 وحدة مقسمة على ثلاثة خطوط (4):

- يتشكل الخط الأول من 1- مراكز الصحة الأساسية وعددها 2157 وحدةً، مهمتها الرئيسية تأمين الخدمات الصحية ذات الطابع الوقائي والعلاجي، 2 - مستشفيات محلية يبلغ عددها 108 وحدة، تتولى زيادة عن الأنشطة الأساسية توفير خدمات الطب العام وطب التوليد والإسعافات الاستعجالية. وتوجد بها أسرة استشفائية ومعدات تشخيص لبعض الأمراض.

- يتشكل الخط الثاني من مستشفيات جهوية يبلغ عددها 31 وحدةً وهي مؤهلة لتقديم الإسعافات الطبية والجراحية المتخصصة، وتتوفر بها أسرة استشفائية ووسائل تشخيص. وقد تمنح بعض أقسامها الصبغة الجامعية إذا ما توفرت الكفاءات البشرية والمعدات المتطورة.

- يتشكل الخط الثالث من مؤسسات صحية ذات صبغة جامعية منها 15 مستشفى جامعي متعدد الاختصاصات و22 مركزاً ومعهداً مختصاً، ويمكن أن نقول إنها الترسانة الثقيلة للصحة العمومية إذ تتمتع بأهم الموارد البشرية والمادية، وتوفر العلاجات ذات الاختصاص العالي وتساهم في التدريس الجامعي والبحث العلمي.

وتضاف إلى كل هذه الوحدات مراكز الطب المدرسي والجامعي ومستوصفات التنظيم العائلي والمستشفيات العسكرية. في المجمل توفر كل هذه المؤسسات حوالي 21 ألف سرير طبي.

أما على مستوى التكوين العلمي فتوجد 4 كليات طب وكلية صيدلة وكلية طب أسنان وأكثر من عشرين مدرسة ومعهد لتكوين الإطار الصحي، من ممرضين ومساعدين طبيين وتقنيين وغيرهم.

وبالنسبة للموارد البشرية فإن قطاع الصحة العمومية يشغّل قرابة 50 ألف شخص: قرابة 7000 طبيب وأكثر من 28 ألف إطار صحي وحوالي 2000 تقني وإداري وأكثر من 11000 عامل (5).

تبدو الأرقام معقولة ومحترمة.. أين المشكل إذا؟ في الواقع هي مشاكل متعددة ومترابطة.

أولى المشاكل تتمثل في التوزيع الجغرافي للمؤسسات الصحية، والتكامل بين الخطوط الثلاثة للصحة العمومية. تتوزع وحدات الخط الأول على كامل أرجاء البلاد، لكنها غير قادرة على تشخيص وعلاج وتوصيف الأمراض الثقيلة، ولا تتواجد بها أسرّة استشفائية. الحال أفضل قليلاً في المستشفيات المحلية، لكن غياب أطباء الاختصاص والنقص الكبير في العتاد الطبي وعدم وجود أسرة إنعاش وعناية مركزة يقلل من نجاعتها. في الخط الثاني، أي المستشفيات الجهوية، تبدأ مشاكل أخرى بالظهور: نقص حاد في عدد أطباء الاختصاص (خاصة الإنعاش والتخدير والتوليد وطب الأطفال والتصوير الطبي)، ضعف تجهيزات أقسام الجراحة والإنعاش، نقص في عربات الإسعاف. وهكذا، فإن الخط الثالث، أي المستشفيات الجامعية عليها أن تعالج نقائص أكثر من 2200 مؤسسة صحية. ينتج عن هذا الوضع اكتظاظ رهيب في عيادات المشافي الجامعية، واستنزاف لطاقة استيعاب أقسام الجراحة والإيواء، مما يعني مواعيد مؤجلة لأشهر، وأمراضاً تتفاقم، وغضب المواطنين، وانهاك الإطار الطبي وشبه الطبي.. الأدهى من ذلك أن المؤسسات الصحية ذات الصبغة الجامعية لا توجد إلا في 7 محافظات من جملة 24 (العاصمة تونس، صفاقس، سوسة، المنستير، المهدية، نابل بنزرت)، تتركز كلها على السواحل في الجهة الشرقية للبلاد. النتيجة: هناك مئات آلاف التونسيين الذين يضطرون لدفع مبالغ إضافية، وقطع مئات الكيلومترات لإجراء فحوص أو عملية جراحية وحتى جلب الدواء، يستعمل أغلبهم وسائل نقل مهترئة ومزدحمة.

ثاني المشاكل يتعلق بالموارد البشرية، فعلى الرغم من الكفاءة العالية للأطباء التونسيين والكوادر شبه الطبية، وارتفاع عدد الخريجين في السنوات الأخيرة، فإن أغلب المؤسسات الصحية تعاني من نقص بشري كبير تقدره نقابات الصحة بآلاف الشغورات، وتحاول وزارة الصحة الالتفاف عليها إما بالتجاهل أو باستغلال المتخرجين حديثاً عبر عقود قصيرة المدى بأجور متدنية.

لا توجد المؤسسات الصحية ذات الصبغة الجامعية إلا في 7 محافظات من جملة 24 (العاصمة تونس، صفاقس، سوسة، المنستير، المهدية، نابل بنزرت)، تتركز كلها على السواحل في الجهة الشرقية للبلاد. النتيجة: هناك مئات آلاف التونسيين الذين يضطرون لدفع مبالغ إضافية، وقطع مئات الكيلومترات لإجراء فحوص أو عملية جراحية وحتى جلب الدواء، يستعمل أغلبهم وسائل نقل مهترئة ومزدحمة.

ثالث المشاكل يتعلق بالخيارات الاقتصادية - السياسية للدولة التونسية. في الفترة الممتدة من أواسط ثمانينيات إلى أواسط تسعينيات القرن الفائت، دخلت تونس في مرحلة "الإصلاحات الهيكلية" وأصبحت من التلامذة النجباء للمؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وانضمت إلى منظمة التجارة العالمية، وتبنت عدة مخططات، وسنّت قوانين بهدف "تحرير الاقتصاد".

 وطبعاً كان القطاع العام هو المستهدف الرئيسي من هذه السياسات: تقليص الميزانية، تجميد الانتدابات أو اعتماد سياسة التعاقد الوقتي عوضاً عن العقود الدائمة، تلزيم بعض الخدمات لشركات خاصة، إغلاق بعض الوحدات، تقليص مصاريف صيانة وتجديد التجهيزات، الخ. مثال على ذلك تراجع الاعتمادات المرصودة للصحة العمومية التي كان نصيبها من الميزانية العامة حوالي 10 في المئة في ستينات القرن الفائت ثم بدأت تتراجع إلى أقل من 8 في المئة في التسعينات وصولا إلى 6.6 في 2010 و5.2 في 2018.

الصحة تاج على رؤوس.. الأغنياء؟

ومن محاسن "الصدف" أن تدهور قطاع الصحة العمومية منذ أواخر ثمانينيات القرن الفائت تزامن مع طفرة نوعية للمؤسسات الصحية الخاصة في التسعينيات الفائتة وتطور مستمر وسريع منذ بداية القرن الحادي والعشرين: 8000 طبيب يعمل في القطاع الخاص، أكثر من مئة مصحة خاصة و120 مركزاً لتصفية الدم، أكثر من 40 مركزاً للتصوير الطبي، 13 مركزاً للمساعدة على الإنجاب والتلقيح الاصطناعي، قرابة 300 مخبر تحليل بيولوجي، و3 مخابر مختصة في علم الخلويات الوراثية، وأكثر من 30 مخبراً لتحليل الأنسجة والخلايا المرضية، و17 شركة للنقل الطبي الخاص (6).

يهاجر قرابة خمسين في المئة من المتخرجين الجدد كل سنة. وفي العقد الذي تلى الثورة التونسية، هاجر قرابة 3000 طبيب و1500 ممرض. واليوم، هناك 160 طبيب تخدير وإنعاش في القطاع العمومي، و250 في القطاع الخاص.. و500 يعملون في الخارج.

تراجعت الاعتمادات المرصودة للصحة العمومية، التي كان نصيبها من الميزانية العامة حوالي 10 في المئة في ستينات القرن الفائت، ثم انخفضت إلى أقل من 8 في المئة في التسعينات، وصولاً إلى 6.6 في 2010، . أما في 2018، فقد أصبح نصيبها 5.2 في المئة. 

شهية القطاع الصحي الخاص ما زالت مفتوحةً، ويريد أن يغزو أيضاً مجال التكوين، ولقد بدأ فعلاً في إنشاء جامعات ومعاهد توفر بمصاريف تسجيل مرتفعة، ومساقات دراسية في المهن شبه الطبية. فقط شهادتي الطب والصيدلة ما زالت تحتكرهما الدولة، ولا نعرف إن كان هذا "الاحتكار" سيصمد.

خسائر متعددة الأشكال

هذه المشاكل والمصائب التي يعيشها القطاع الصحي العمومي ترهق أغلب المواطنين الذين يخصصون نسبةً مرتفعة من مداخيلهم للعلاج والتداوي في القطاع الخاص. كما أن تدني الأجور في القطاع العمومي مقارنةً بمداخيل كوادر القطاع الخاص، أو الامتيازات التي تمنحها دول خليجية وأوروبية، خلق نزيفاً جديداً: قرابة خمسين في المئة من المتخرجين الجدد يهاجرون كل سنة، وفي العقد الذي تلى الثورة التونسية هاجر قرابة 3000 طبيب و1500 ممرض. ولكي نفهم بشكل أفضل تداعيات هذا الأمر، نعطي مثالاً ورد على لسان أحد أعضاء اللجنة العلمية لمجابهة وباء كورونا: لدينا 160 طبيب تخدير وإنعاش في القطاع العمومي، و250 في القطاع الخاص.. و500 يعملون في الخارج (7).

III - ليس بالمستشفيات وحدها تحيا الصحة..

الصحة العامة هي مسألة سياسية بامتياز، إذ أن ازدهارها واعتلالها يرتبطان بشكل وثيق بالسياسات العمومية والخيارات الاقتصادية - الاجتماعية في مجالات متعددة. حتى وإن توفرت بنية تحتية صحية متينة وموزعة بشكل عادل، فإن هناك عوامل أخرى تأثر بشكل كبير على منظومة الصحة العمومية ونجاعتها:

جودة المساكن والربط بالشبكات العمومية

في أزمنة الجوائح والحجر الصحي، تصبح أمور مثل مساحة المسكن وهندسته ورفاهيته وربطه بالمرافق العامة، حيويةً لمحاصرة الوباء وضمان الصحة البدنية، كما النفسية، للناس. 42 في المئة من المساكن في تونس تقل مساحتها عن 100 متر مربع، وعدد المساكن البدائية (أكواخ ومساكن قصديرية)، وإن تراجع بشكل كبير، فما زال يناهز قرابة العشرين ألف وحدة (8). فضلاً عن هذا، فإن هناك 1440 حياً سكنياً - حسب أرقام وكالة التهذيب والتجديد العمراني - بحاجة لإعادة تأهيل (9)، وهي موزعة على كافة محافظات البلاد. 

ويذكر أيضا أن 42 في المئة من المساكن غير مرتبطة بشبكات الصرف الصحي، وهي نسبة متوسطة إذ تفوق الـ90 في المئة في المناطق الريفية (10). وفي الوقت الذي تنادي فيه وزارة الصحة ووسائل الإعلام بأهمية غسل اليدين والتنظيف والتعقيم، نجد أن أكثر من 290 ألف مسكن غير مرتبط بالشبكة العمومية لتوزيع المياه (11)، دون أن ننسى الانقطاعات المتواصلة والطويلة للماء في عدة مناطق، خاصة في دواخل البلاد.

الضمان الاجتماعي

حسب إحصائيات (أيار/ مايو 2019) ل"مركز البحوث والدراسات الاجتماعية" الملحق بوزارة الشؤون الاجتماعية (12)، فإن 58 في المئة من التونسيين يتمتعون بتغطية "الصندوق الوطني للتأمين على المرض" (كنام). يتمتع المنخرط في "كنام" بتغطية مصاريف صحية سقفها 300 دينار سنوياً (حوالي 120 دولاراً، وهو سقف متدنٍ جداً مقارنة بتكلفة الفحوص والدواء)، مع زيادة 75 ديناراً على كل شخص في كفالته (وله أن يختار بين العلاج في القطاع العمومي أو الخاص)، مع الإعفاء من مصاريف بعض الأمراض المزمنة والثقيلة، والتكفل بجزء من تكلفة بعض العمليات الجراحية، والولادة، وفحوص التصوير الطبي المكلفة، وعلاج بعض الأمراض النادرة والحالات المستعصية خارج البلاد.

أما بقية التونسيين، أي الطبقات الأفقر، فيمتلك 7.3 في المئة بطاقة علاج مجاني في المؤسسات الصحية العمومية ("الكرنيه" الأبيض) و17.5 بطاقة علاج بتعريفة منخفضة ("الكرنيه" الأصفر)، في حين يظل أكثر من 17.2 في المئة بدون أي تغطية صحية، أي قرابة المليوني شخص. ويصبح هذا الرقم "منطقيا" إذا ما أخذنا في الحسبان الاحصائيات الرسمية التي تقدر عدد العاملين في القطاع الموازي بقرابة مليون ونصف المليون شخص (13).

حالة المؤسسات التربوية

أكثر من 1400 مؤسسة تربوية غير مرتبطة بشبكات المياه العمومية (14)، وتتزود من مصادر غير مضمونة، مما يجعل قرابة الـ400 مؤسسة تشكو من انقطاع مستمر للماء. أما على مستوى البنى التحتية، فهناك مئات المؤسسات التربوية التي لا تتوفر فيها دورات مياه أو لا تحترم الشروط الدنيا لحفظ صحة التلاميذ. سياسات التقشف أدت إلى التخفيض المستمر والمخجل في الميزانية المرصودة لترميم وصيانة وتوسعة المدارس والمعاهد، فأصبحت حوادث سقوط الأسقف والجدران متواترة، وصور الأبواب والنوافذ المكسورة عادية. ويضاف إلى كل هذا الاكتظاظ الشديد الذي تعرفه المؤسسات التربوية، خاصة في المدن الكبرى، إذ يتجاوز معدل التلاميذ في الصف الواحد 35 فرداً.

***

تكافح المنظومة الصحية العمومية المنهكة كوفيد-19 بأقصى طاقتها. وهي ما زالت إلى الآن صامدةً على الرغم من محدودية الإمكانيات وضيق أفق المسؤولين. سينجلي الوباء، لكن لا مفر من مواجهة الواقع: الصحة العمومية مريضة ومستهدفة، وهي ليست تاجاً على رؤوس كل التونسيين. مريضةٌ، لكن حالتها غير ميؤوس منها. وقد يكون الوباء "ربّ ضارة نافعة"، حتى يعي الناس بأن الدفاع عن الصحة العمومية ضرورة حيوية لضمان حد أدنى من الأمن الصحي للطبقات الفقيرة والمتوسطة.

______________

بهذا النص، يبدأ "السفير العربي" نشر مساهمات باحثاتنا وباحثينا عن واقع قطاع الصحة في المنطقة العربية في زمن الكورونا. يصدر هذا "الدفتر" بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ.

______________

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

1) خطة وزارة الصحة للتصدي لفيروس كورونا الجديد: https://cutt.ly/rvdLPsj

2) يمكن متابعة الوضع الوبائي في تونس عبر الصفحة الرسمية لوزارة الصحة https://www.facebook.com/santetunisie.rns.tn

3) يمكن متابعة تقدم عملية التطعيم عبر المصدر السابق.

4) https://cutt.ly/fvdZS7T

5) أرقام "المعهد الوطني للاحصائيات https://cutt.ly/Nvf4rLK

6) الأرقام من موقع وزارة الصحة http://www.santetunisie.rns.tn/fr/

7) انظر مقال "المنظومة الصحية في تونس ستواجه اشكالية نقص أطباء وتقنيي وممرضي الانعاش اذا تواصل المنحى التصاعدي للإصابات بفيروس كورونا"، نشر في موقع الإذاعة التونسية بتاريخ 15/10/2020 https://cutt.ly/WvfLu0M

8) أرقام "المعهد الوطني للاحصائيات https://cutt.ly/Nvf4rLK

9) انظر المقال المنشور بالفرنسية على موقع جريدة "لابراس" بتاريخ 25/12/2019 https://cutt.ly/YvfLDSv

10) أرقام "المعهد الوطني للاحصائيات https://cutt.ly/Nvf4rLK

11) انظر المقال المنشور بالفرنسية على موقع "انكيفادا" بتاريخ 06/03/2019 https://cutt.ly/hvfZe7L

12) دراسة من اعداد مركز البحوث والدراسات الاجتماعية http://www.cres.tn/uploads/tx_wdbiblio/resume-socle-final.pdf

13) انظر مقال "الاقتصاد الموازي في تونس بالأرقام" نشر على موقع "كابتاليس" بتاريخ 01/03/2019 https://cutt.ly/gvfZAF9

14) انظر مقال "تلاميذ في مرمى نيران عدوى الكورونا ووطن عاجز عن توفير ماء وقطعة صابون" المنشور على موقع "آخر خبر أون لاين" بتاريخ 10/10/2020 https://cutt.ly/ovfZ6Ie

مقالات من تونس

تونس على حدود الشرعية الديمقراطية

كشفت التجربة التونسية في السنوات العشر الأخيرة أن "المنظومة" تتمتع بقدرة غير متوقعة على امتصاص الصدمات، وأن النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة تجد دوماً الوسيلة لكي تتأقلم مع التشوهات والمسوخ الذين...

للكاتب نفسه