نقاش لوظائف موكب نقل مومياءات الملوك والملكات في مصر

كان للموكب وظائف عديدة. وما حدث كان استعراضاً للحكم والمدينة والقدرة، وكان بمثابة التقاء لنقاط وخطوط يعتبرها النظام الحاكم إحدى منجزاته الكبرى. فلم تمر النعوش في صمت جنائزي، بل من خلال احتفال كبير، عبّرت عن اهميته الصورة والضوء والراقصون والراقصات، وإعادة إضاءة الميادين والطرق.
2021-04-08

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
موكب المومياءات وفي الخلف المتحف المصري

في مشهد مهيب، استعرضت الدولة المصرية قدراتها المختلفة في التنظيم والحشد والتعبئة.. والبذخ. اخترق موكب الملوك (جثامين بعض ملوك وملكات مصر القديمة الذين تمّ تحنيطهم بعناية) قلب ميدان التحرير، متجهاً جنوباً عبر شريط النهر ليصل إلى "المتحف القومي للحضارة المصرية" في عين الصيرة. لم تمر النعوش في صمت جنائزي، بل من خلال احتفال كبير عبّرت الصورة والضوء والراقصون والراقصات، وإعادة إضاءة الميادين والطرق عن أهمية الحدث. كان الحدث بمثابة التقاء لنقاط وخطوط يعتبرها النظام الحاكم إحدى منجزاته الكبرى. فالحدث لم يكن عبور الملوك فقط، ولكنه جسّد صورةً ضخمة عن الخطاب الذي يحاول النظام الحاكم إرساله للعالم وللداخل المصري.

كان للموكب وظائف عديدة. ما حدث كان استعراضاً للحكم والمدينة والقدرة. وللاحتفاليات الكبرى أهميةٌ بارزة في كل نظم الحكم سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية، وللطقوس والرمزيات أهميةٌ مركزية في النظم ذات الطبيعة الفاشية. فبشكل عام تعطي شعوراً بالامتلاء والزهو، وترسخ في عقول مشاهديها قوة السلطة وتعيد إنتاجها في المخيال العام. ولكن، وعلى وجه التحديد، يهتم نظام السيسي بالصورة والموكب والاحتفاليات الضخمة منذ يومه الأول. فمنذ أول ظهور للسيسي كحامل للسلطة، والصورة والرمز لا يفارقانه.

سوابق ومقارنات

كان إخراج مشهد الثالث من تموز/ يوليو 2013، حين أعلن السيسي الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، متقارباً مع ما حدث في شباط/ فبراير 2011 حينما تمت الإطاحة بمبارك. ولكن شتان بين إخراج المشهدين. فمشهد إزاحة مبارك جاء باهتاً، إذ خرج فيه عمرو سليمان نائب رئيس الجمهورية وقتها، ورئيس المخابرات العامة في ظل مبارك ليعلن للناس تنحي الرئيس عن الحكم، وتولي المجلس العسكري قيادة البلاد. كانت الرسالة شديدة الاقتضاب، وكان يقف خلف عمرو سليمان أحد ضباط المخابرات العامة فحسب. كان مشهداً هزيلاً، ولكنه أثار فرحةً عارمة في نفوس الذين ثاروا في ذلك الوقت على اختلافاتهم وتنوعهم، ذكراها باقية إلى اليوم.

بينما جاء المشهد في الثالث من تموز/ يوليو 2013 يعج بالرمزيات، وكان إخراجه محكماً. فقد وضع رأس المال الرمزي للوطنية المصرية كله في لوحة هرمية. السيسي كان رأس الهرم في زيه العسكري، وأضلاع المثلث حملت قادة الأفرع العسكرية ورؤوس الكنيسة والأزهر وبعض المثقفين/السياسيين من القوى المدنية. وكانت الرسالة شديدة الوضوح: قمة الهرم وأركان أضلاعه هو الجيش المصري، وهو ممثل وحامي الوطنية المصرية بمكوناتها المختلفة. والهرم نفسه، في ذاته، رمز وتجسيد لتراتبية السلطة وقوتها وإحكامها في شكل هندسي دقيق، وهو أحد رموز الدولة المصرية الحديثة منذ القرن العشرين. وعلى الرغم من تعثّر الحداثة المصرية في حل إشكاليات الهوية، إلا أنها نجحت في ابتلاع العديد من الرموز التاريخية، سواء الدينية أو المدنية، واستخدامها في تقديم صورة عن ذاتها. فصارت مثلاً المآذن والصلبان والأهرامات والنيل والمعابد، كلها رموز متنوعة في يد الدولة والحداثة المصرية ونخبها من العسكريين والمدنيين. ولم يكن مستغرباً أن يعود فن النحت، بل ويصبح هو نفسه جزءاً من الذاكرة الحديثة ورمزها مثلما هو الحال مع تمثال "نهضة مصر" الذي وضع أمام الجامعة المصرية التي هي بدورها أيضاً رمز لعمليات التحديث.

للاحتفاليات الكبرى مكانة بارزة في كل نظم الحكم، سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية. وللطقوس والرمزيات أهميةٌ مركزية في النظم ذات الطبيعة الفاشية. فبشكل عام، تعطي شعوراً بالامتلاء والزهو، وترسّخ في عقول مشاهديها قوة السلطة وتعيد إنتاجها في المخيال العام.

وقد انطبق الأمر نفسه على مشهد "التفويض"، والذي اتسم بصرامة ورمزية عسكرية شديدة، تجلت في اختيار السيسي لنظارة الشمس، ومخاطبة قطاعاته العسكرية والجماهيرية من موضع عالٍ، فيما تقف تحته قواته العسكرية. فالقائد فقط هو الذي يحق له ارتداء نظارة الشمس، مخاطباً الأدنى منه رتبة عسكرية.

وقد برز اهتمام هذا النظام بطقوس التتويج وأهمية الاحتفالات ودورها في حدثين سابقين أيضاً: يوم تنصيب السيسي رئيساً للجمهورية، ويوم افتتاح قناة السويس الجديدة. في الحدث الأول، أقيم حفل مهيب اتسم أيضاً بالبذخ الشديد واستعراض القوة ودعوة ممثلي الدول المختلفة. وتكرر الأمر نفسه في افتتاح قناة السويس الجديدة، وقد خرج يومها السيسي في حلته العسكرية الشرفية على الباخرة التاريخية والملكية "المحروسة" وهو ينظر منفرداً لعظمة إنجازه الجديد الذي أحاط به نقدٌ شديد لعدم جدواه، أو وهو يحتضن محمد بدران، الشاب اليافع الذي عين رئيساً لحزب "مستقبل وطن"، ثم همشه السيسي لاحقاً.

الإشكال اليوم

احتفالات التتويج ثم قناة السويس، وعلى الرغم من أهميتها بالنسبة للسلطة الحاكمة، ورمزية الاحتفاليتين وما دار حولهما من بذخ شديد، لم يثيرا الاشتباك الجماهيري والنخبوي والسياسي، والديني أيضاً، الذي حدث في الأيام الماضية مع موكب نقل ملوك وملكات الفراعنة. اقتصر مفعول ماكينة البروباغندا التي قام النظام بتفعيلها بقوة، عليه وعلى محبيه، ولم يصل تأثيرها الى قطاعات أوسع. ولعل النظام والاحتفالات السابقة حققت النجاح في وظيفتها الدعائية للسيسي، ولكن الموضوع لم يكن الاحتفالات نفسها ولذاتها. أما الحفل الذي أحاط بنقل المومياءات، والموكب ذاته، فقد كانا مدار اهتمام الناس.

كان مشهد الثالث من تموز/ يوليو 2013 يعج بالرمزيات، وكان إخراجه محكماً. فقد وُضع رأس المال الرمزي للوطنية المصرية كله في لوحة هرمية. السيسي كان رأس الهرم في زيه العسكري، وأضلاع المثلث حملت قادة الأفرع العسكرية ورؤوس الكنيسة والأزهر وبعض المثقفين/السياسيين من القوى المدنية. وقد انطبق الأمر نفسه على مشهد "التفويض". وتكرر الأمر نفسه في افتتاح قناة السويس الجديدة.

كان الموكب يجسد عملية نقل كبيرة، وتوسعاً في إدارة الدولة لمواردها السياحية، وعرضاً للمدينة. فالقطع نفسها التي تم نقلها هي في ذاتها محل اهتمام عالمي للدول والباحثين والمهتمين بالآثار والسياحة، وكلها فريدة ومهمة طبقاً للتاريخ المتاح عنها. وعلم المصريات في حد ذاته هو علم شديد التقدم، ويرتبط بماكينة أموال وثقافة وفنون وعلوم على المستوى العالمي والداخلي. وعلى الرغم من تضييق الدولة المصرية تاريخياً وإلى اليوم على أي بحث ميداني، إلا أنها تركت البعثات العلمية المختصة بالآثار وشأنها إلى حد بعيد، وتركت لها مساحةً كبيرة من الحرية بل والتأمين. والإجابة ببساطة لأن هذه العلوم تدفع عجلة السياحة إلى الأمام، وتدر عوائد مالية جيدة، وتعمق من شراكة النظام مع المؤسسات الدولية الكبرى المهتمة بالتراث العالمي، كما تمنح أدوات رمزية وسياسية حول الهوية والتاريخ وارتباط الماضي بالحاضر، وإن بشكل متخيل وليس واقعياً بالضرورة. ولهذا أيضاً فالنحت والجداريات جزءٌ أصيل من الفنون التي يهتم بها الجيش في عرض صورته وتخيله عن ذاته. فالجيش الحديث طبقاً لجدارياته التي تملأ العديد من المدن، وبالأخص القاهرة، وتحديداً طريق المطار حيث الكلية الحربية، هو امتداد وتواصل غير منقطع من مصر القديمة والعربات الفرعونية إلى "مراكب العبور" في 1973. وتستوعب هذه الرمزيات جميع تناقضات الهوية، ومراحل مصر التاريخية التي شهدت انقطاعات تاريخية حادة، لتنظم القطيعة إلى وصل وامتداد. فالذي يعطي إشارة عبور قناة السويس للقوات هو صلاح الدين – الكردي - وخلفه مخيال عن الماضي السحيق والمجيد، وأمامه القوات الحديثة والمركبات وآلة الحرب ورموزها الوطنية كما نعرفها اليوم.

المدينة والموكب

مر موكب المومياءات عبر ميدان التحرير، الذي تمت إعادة تجديده، ووضعت في وسط كعكته الحجرية المسلة، والتماثيل التي جيء بها من الأقصر لتصطف في دائرة تحيط بها. وقد أُفرغ ميدان التحرير من الجمهور مع بدء عمليات تجديده. وليس صحيحاً أنه قبل ذلك كان مفرغاً من الناس لأسباب سياسية. فالميدان كان يشهد وجود العائلات والشباب، ولكن بالطبع بلا مضمون سياسي أو محاولات للحشد والتظاهر. وبعيداً عن دلالات انتصار الدولة على ميدان التحرير السياسي، ورفعها علم مصر على سارية طويلة قبل وضع المسلة، باعتباره انتصاراً للوطنية المصرية، وانتصاراً للعسكري على الفوضى كما يرى نظام الحكم، رمزاً وقولاً وفعلاً، فقد تحول ميدان التحرير بعد تجديده إلى ميدان شديد التنسيق مبهر الإضاءة. وبعيداً عن الموقف البيئي والتراثي من المسلّة والدائرة التي وضعت حولها، فهي أضفت بعداً مهيباً وجمالياً على الميدان. وقد تعزز حضور الأمن الخاص ورجال المباحث والأمن العام منذ تجديده.

أما النقطة التي وصل إليها الموكب، "المتحف القومي للحضارة المصرية" بعين الصيرة، فهي تُعرف بمصر القديمة، وقد شهدت عمليات تطوير وإحلال عمراني وطبقي ضخمة. ولكن لم تتم إزالة المناطق غير النظامية التي كانت تعج بها هذه الناحية لصالح الموكب. فمشروع القضاء على ما يعرف إعلامياً بالعشوائيات هو أحد مشاريع السيسي الكبرى، وهو قيد التنفيذ في العديد من المحافظات وليس فقط في القاهرة. استفاد الموكب من هذا الأمر بشكل وظيفي وغير مباشر. فقد عرض النظام المدينة الجديدة كما يراها وتوزيع الأوزان فيها. فميدان التحرير يفقد الكثير من مركزيته لصالح العاصمة الإدارية الجديدة، وانتقال أغلب الأجهزة البيروقراطية منه، ونقل وتوزيع أجزاء من "المتحف المصري" القائم وسط ميدان التحرير إلى "المتحف القومي للحضارة المصرية" بعين الصيرة، و"المتحف المصري الجديد" بجوار الأهرامات. ولكن للميدان أهمية كبيرة في المدينة الجديدة، حيث من المتوقع أن تتحول منطقة وسط البلد إلى مركز سياحي فقط، وخالٍ من السياسة ومؤسسات الدولة أيضاً، وهو بطبيعته وما يحيط به من منشآت سياحية وفنادق ضخمة وصغيرة الحجم صالح لهكذا مشروع.

البهاء والنظام والأمن والتنظيم

استعرض الموكب الميدان في أبهى صوره، وإنما خالٍ من الجمهور الواسع، كما المدينة وهي خاليةٌ من السكان المزعجين ومنازلهم الرثة، وتحلت بحيرة عين الصيرة بعد تطويرها وتنظيفها، بالمراكب النيلية والأضواء المبهرة. هكذا استعرضت السلطة قدراتها على فرض النظام والأمن والتأمين. وهي رسائل واضحة للداخل والخارج، تسعى لترسيخ صورة عن قوة النظام الحاكم وقدرته على التطوير والإنجاز، وكذلك هي دعوة مفتوحة للسياحة بعد انتهاء موجة الوباء العالمي.

مرّ موكب المومياءات عبر ميدان التحرير، الذي جُدد بالكامل، ووُضعت المسلة في وسط كعكته الحجرية، محاطة بالتماثيل التي جيء بها من الأقصر. أُفرغ الميدان من الجمهور مع بدء تجديده، ولكنه قبل ذلك لم يكن مفرغاً من الناس، إذ كان مليئاً بالعائلات والشباب، وإن بلا مضمون سياسي أو محاولات للتظاهر. وتعزز حضور الأمن الخاص ورجال المباحث والأمن العام منذ تجديده. 

لم تتم إزالة المناطق غير النظامية التي كانت تعج بها ناحية "مصر القديمة" لصالح الموكب. فمشروع القضاء على ما يعرف بالعشوائيات، هو أحد مشاريع السيسي الكبرى، وهو قيد التنفيذ في العديد من المحافظات وليس فقط في القاهرة. استفاد الموكب من هذا الأمر بشكل وظيفي وغير مباشر. فقد عرض النظام المدينة الجديدة كما يراها وتوزيع الأوزان فيها.

وعلى الرغم من أهمية الموكب والحفل لنظام الحكم، إلا أن ماكينة البروباغندا التابعة له، تحلّت هذه المرة بـ"ذكاء" شديد. فقد عرضت إنجازات النظام دون أن يتحدث النظام مباشرة. فلم يخطب السيسي أو يقدم أي تعليق على ما يحدث. العرض كان هو البطل نفسه. ولأول مرة يستمع السيسي منصتاً باهتمام إلى مدني دون التدخل معه أو مقاطعته أو توبيخه، مثلما حدث في أكثر من موقف. فقد تجول السيسي صامتاً مع وزير الآثار الذي قدّم له عرضاً في جولته في متحف الحضارة المصرية. وقد كان منظمو الحدث ومخرجوه متقنين لخيار أن يقف السيسي وحده، منفرداً باستقبال الموكب، في صمت ودون أي خطاب أو حركة.

وأما في الاحتفالات السابقة، فقد غابت المدينة والمدنيين وحضرت السلطة والعسكرة. ما استثار ردود الفعل على تلك الاحتفالات ونقدها وحتى السخرية منها. في هذه المرة، كان أبطال المشهد من المدنيين. فالنظام - واعٍ أم غير واعٍ - جنب نفسه الكثير من النقد المباشر لقمته وعساكره، إذ كان العرض هو البطل، وتخيُّل السيسي عن إنجازاته في المدينة وعرضها هي بطل آخر لتجليات النظام.

العرض والجودة

ولأن السلطة لم تتدخل بشكل فج في العرض نفسه، فقد ذهب النقد والاحتفاء بعيداً عنها. أبطال العرض من المدنيين (الراقصين والراقصات، العازفين، الممثلات، المخرجين، المهندسين والمصممين، المايسترو، المغنين، المؤلف الموسيقي، المذيعات، وزير الآثار) لقوا صخباً شديداً لأول مرة منذ وقت طويل. فكل العروض السابقة كان بطلها الجيش والنظام. وقد عبر عن احتفاء شديد بجودة الموكب والاحتفالية، كانت مبعث فخر للقائمين عليه، وأسرهم ومعارفهم وأصدقائهم. وقد اكتفت بعض المعارضة بنقد الحدث ككل، باعتباره محطة وظيفية في ماكينة البروباغندا لنظام فاشي ومستبد. وهو ما زاد من حدة نقد أطراف كثيرة لهذا النوع من النقد، ودارت نقاشات حامية حول الفرح والابتهاج بإنجاز مصري قيّم ومهيب. ولكن تبدو المشكلة ذاتها ليست هنا. فأبطال المشهد أنفسهم، ليسوا محسوبين بجدية على ماكينة البروباغندا البغيضة لهذا النظام. وأغلبهم محترفون ولا ينتسبون بأي شكل سياسياً للنظام الحاكم، باستثناء بعض الممثلين والذين نالوا قسطاً كبيراً من النقد والسخرية. بينما نال العازفون والراقصون وحتى المذيعات المديح والاحتفاء الكبير. ولم يقدم الحفل أحمد موسى ولا أي أحد من رموز النظام الإعلامية.

على الرغم من أهمية الموكب والحفل لنظام الحكم، إلا أن ماكينة البروباغندا التابعة له، تحلّت هذه المرة بـ"ذكاء" شديد. فقد عرضت إنجازات النظام دون أن يتحدث النظام مباشرة. فلم يخطب السيسي أو يقدم أي تعليق على ما يحدث. كان البطل هو العرض نفسه! وأما في الاحتفالات السابقة، فقد غابت المدينة والمدنيين وحضرت السلطة والعسكرة.

سبق الموكب حدث شديد الأهمية على مستوًى عالمي، وهو تعويم الباخرة الضخمة التي علقت في قناة السويس. وبعد النجاح في التعويم، انطلقت قطاعات كبيرة من المجتمع تتباهى بهذا الإنجاز الضخم، ولم تكن صور السيسي وقيادات الفروع والعسكريين هي بطل هذا المشهد أيضاً، ولكن تصدرت صور أبطال من نوع آخر، وهم الفنيّون والعمال والمهندسون.

وقد تحرك النقاش في مساحة جديدة غابت كثيراً عن مصر، وهي الجودة والجدوى. فعلى الرغم من غياب الجمهور عن الحدث، إلا أنه قد حضر عبر الفاعلية والتأسيس له. فهذه المرة أشخاص مثل الجمهور ومنهم من صمموا الحدث ككل، وشاركوا في أصغر تفصيلاته حتى أكبرها. فدفاع قطاعات كبيرة من الجمهور عن الحدث هو دفاع عن المشاركة بصيغة أقرب إلى: نعم فليستغل النظام الحدث، وهو نظام سيقوم باستغلال أي حدث مهما كان، ولكن نحن الأبطال، فلا تعكروا صفو إنجازنا.

ولوضع الأمور في سياقها، وللصدفة البحتة، فقد سبق الموكب حدث شديد الأهمية على مستوًى عالمي، وهو تعويم الباخرة الضخمة التي علقت بقناة السويس. وبعد النجاح في التعويم، انطلقت قطاعات كبيرة من المجتمع تتباهى بهذا الإنجاز الضخم، ولم تكن صور السيسي وقيادات الفروع والعسكريين هي بطل هذا المشهد أيضاً، ولكن تصدرت صور أبطال من نوع آخر، وهم الفنيّون والعمال والمهندسون. وعلى الرغم من محاولة إخراج صورة السيسي كبطل خارق يحمل الباخرة على كتفيه ويقوم بانتشالها، إلا أن هذه الصورة كانت مدعاةً للسخرية، ولم تنل حظاً واسعاً من الانتشار أو الاحتفاء. في المقابل، ما نال الاحتفاء والتبجيل هي صورة هذا العامل المستلقي في تباهٍ وضحكة عريضة، منتشٍ بنصره، على أحد الأرصفة وخلفه باخرة، وصورة العامل الذي يرفع ذراعيه فرحاً بالنجاح، والتي قورنت ووضعت بجوار صورة هذا الجندي الذي يحتفل بعبور قناة السويس في حرب1973. وحتى رئيس هيئة قناة السويس، لم ينجح في ترميز نفسه كأحد أبطال المشهد.. ولهذا استاء قطاع كبير من المجتمع المصري من محاولات البعض نسب الفضل في انتشال الباخرة للشركة الهولندية. لم ينكر أحد أهمية دورها، ولكن ما لم يطق هو إنكار بطولة هؤلاء المصريين الماهرين والقادرين على تحدي حدث جلل بهذا الحجم.

وربما يصح القول أن الموكب والاحتفالية الكبرى التي دارت حوله، هي محطة من محطات الماكينة الحاكمة لنظام مستبد. ولكن ثمة تناقض داخل هذا الأمر. فهناك أبطال آخرون يحاولون بشدة انتشال النصر والإنجاز من العساكر. وهذا هو الحدث الثاني على التوالي. والصور والنقد أكثر الأشياء المعبرة عن ذلك الأمر. دار حديث طويل حول الجودة، والاختيارات، والجدوى والنفقات. وهو أمر آخر بعيدٌ كل البعد عن الشد والجذب والمكايدة التي تدور بين أتباع النظام ومعارضيه. وهذا جديد علينا منذ فترة طويلة. وتناقضات الحدث وما أثاره من نقاش، يوحي بأن ثمة أحداثاً أخرى يجب الالتفات لها، وفهمها بما يتجاوز البعد الفاشي لنظام السيسي. إذ هناك دفاع اجتماعي عن الجودة والإنجاز والحضور.

فالنقد مثلاً الذي دار حول الموسيقى والاختيار الأوبرالي للحفل، هو نقد رفيع المستوى للتطوير، وهو نقاش جاد حول الاختيارات وطبيعتها "الاستشراقية"، ولكن كان هناك إجماعٌ على الجودة والمهارة. وهو نقد يدفع نحو طرح أسئلة عميقة حول الحدث والتراث وتاريخنا الموسيقي وتطويره. كذلك ما دار حول اللغة المصرية القديمة. وإن كان محل نقد علمي شديد، ولكنه أيضاً يطرح أسئلةً جدية حول اللغة، وعلمية ما نعرفه عنها، وكيف وصلت إلينا أو لم تصل. فحتى نقد الترنيمة التي قدمت في الحفل ووصمها بأنها محض تدليس علمي، هو نقد مهم يدفع باتجاه أفق جديد، وفتح مسارات علمية حول هذا التراث كله.

شهدت الاحتفالية حضوراً بارزاً للنساء ودورهنَّ وجودة ما يقدمنه. وهو ما أثار عصاباً ذكورياً كبيراً، ورداً عنيفاً حياله. فالنساء يقلن بوضوح: سندافع عن حضورنا رمزياً وعملياً، وعن تأثير الجسد الأنثوي وفاعليته. وهو حضور لم يكن احتفائياً، ركيكاً، سطحياً او تبريرياً، ولكنه هذه المرة كان أساسياً. 

وأخيراً، قادت حالة التشنج التي أصابت الإسلاميين من الحدث، واتهامه بالكفر، وتدمير الهوية الإسلامية، إلى مزيد من دعم الموكب والاحتفالية اللذين أصبحا أداة لتكدير الإسلاميين من قبل الكثيرين. وبالطبع جاء الاعتداد الفرعوني، وأننا فراعنة، وتلك هي حضارتنا، وتلك هي هويتنا الخ.. كتشنج مضاد مليء بالعصاب والتخيل هو الآخر. ولكن المثير للاهتمام هنا هو أن نقد الإسلاميين، حتى وإن جاء متّسقاً مع العقيدة السنية، فهو لن يصمد أمام الانخراط الجاد العالمي وما حوله من أموال ومؤسسات وفاعلية لقطاعات اجتماعية ومهنية مختلفة، من المهندسين والمصممين، إلى القائمين على السياحة والآثار والفنيين والفنانين من قطاعات مختلفة.

والأمر نفسه ينطبق على حضور النساء. فالموكب والاحتفالية شهدا حضوراً طاغياً وبارزاً للنساء ودورهنَّ وجودة ما يقدمنه. وهو ما أثار عصاباً ذكورياً كبيراً. ورداً عنيفاً حياله. فالنساء يقلن بوضوح: سندافع عن حضورنا رمزياً وعملياً وعن تأثير الجسد الأنثوي وفاعليته. والرسالة كانت واضحةً أيضاً حول الجودة والدقة والمهارة، فحضور النساء لم يكن حضوراً احتفائياً، أو صورةً يجب تقديمها للعالم لنقول انظروا نحن نعطي للمرأة مساحة و"كوتا" ما في الحضور بشكل احتفالي ركيك، ولكنه هذه المرة كان حضوراً أساسياً وليس سطحياً أو قشرياً، ولهذا نالت جميع النساء اللواتي شاركن في الحفل والموكب الكثير من العصاب والاحتفاء والتبجيل.. والضيق أيضاً.

حدث الموكب وتعويم الباخرة، يستحقان التعامل معهما بقدر من التريث وعدم الاستخفاف بالنقد وابتذال الأمور بسبب الحنق على النظام الحاكم، الأمر المشروع طبعاً، ونقد هكذا نظام سلطوي بالغ الأهمية. وعلماء الاجتماع يعرفون جيداً أن ما ليس حاضراً في الحفل لا يقل أهميةً عما عرض بزهو. ولكن التناقض هذه المرة هو في ما حاول أن يظهر ويسيّد نفسه من داخل الحدث نفسه. بالمقابل يظل سؤال التكلفة والجدوى سؤالاً مركزياً لم تتم الإجابة عنه إلى الآن: فمن أين أتت هذه الأموال الضخمة؟ وما هو المردود المتوقع طبقاً لحسابات مالية دقيقة؟ وليس لردود عامة حول "صورة مصر أمام العالم".           

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

تفحص لبعض ملامح "يناير 2011"

أسئلة ما زالت مطروحة: هل كانت الثورة المصرية غير عنيفة بما يكفي للإطاحة ببنية النظام الحاكم والنظام الاجتماعي برمته؟ هل كان الحدث محضَ عفوي؟ هذه محاولة لرؤية وتقييم بعض ما...