عمارة كروغسون... فلينسبرغ

أكمل كل منّا ذكرياته، متنقلين ما بين مساقط رؤوسنا وأفئدتنا، شمال الجليل وجنوبه. هو يحدثني عن شاطئ حيفا وحي الألمانية، والمعارك اليومية ضد الاحتلال والماشتاب والمستعربين والمتعبرنين والتهويد والعنصرية، وأنا أحكي له عن بيروت وناسها وشوارعها، والاحتلالات والقمع وثقافة الإقصاء والطبقية والجندرية والعنصرية.
2021-03-18

عاصم ترحيني

كاتب من لبنان


شارك
حسان مناصرة - الأردن

لو أن لي موهبةً في كتابة الحكايا والقليل من الخيال الدرامي والحساسية الروائية، كتلك التي يمتلكها علاء الأسواني في رواية "عمارة يعقوبيان"، لكنت خلّدتُ اسم هذه العمارة المهترئة، التي أسكنها، هنا في فلينسبرغ، ولنقلتُ يوميات ساكنيها على الورق.

معظم العمارات هنا في هذه المدينة الألمانية الشمالية الباردة المنسية، بلا أسماء ولا لوحات ملصقة أعلى بواباتها. هي تتبع نظام الترقيم، فيوضع على مدخل كل عمارة منها رقم مذيّل باسم الشارع، مما يجهّل عمارتها البشرية، لكنه يسهل عمل البلدية البيروقراطي، ويمكّنها من أن تحصي بنظام دقيق وبانتظام يشتهر به العقل الألماني، أعداد ساكنيها، المواطنين والمقيمين والمهاجرين واللاجئين، وتراقب التزامهم بالقانون، وتجبي منهم الضرائب وأكلاف التدفئة وفواتير الكهرباء والماء وغيرها.

لا قطط شاردة في حديقة عمارتنا، ولا أشعة شمس تناطح أشجارها الباسقة، إنما غربان وسناجب تتقافز متوجّسة، وعتمة حتى في عز النهار، وأعقاب سجائر وبقايا قيء جارنا المخمور في حوض الزهور تحت الشبابيك.

أمضيت أشهر وحدتي وعزلتي المنزلية، منذ بدء الجائحة، خلف شباك غرفتي، أراقب المواسم والفصول تمضي، كما العمر، هباءً وحسرة، وانتظر صوت دحرجة عجلات حقيبتها، أو بريداً إلكترونياً يهنئني بقبولي في وظيفة ما. لا طيفها حل، ولا الحظ ابتسم، ولكم تمنيته أن يقول لي: "هنيئاً لك، زرعت فحصدت، تعبت وهذا أوان راحتك".

ما علينا... ركّز يا بني.

ليلاً، تصدح أغاني الميتال الألماني، يزمجر صاحب القيء كعادته، يلعن النساء وطليقته البولندية، ويتوعد بالانتقام، يضرب على الطاولة بقبضته، يعبُّ البيرة بشراهة اليائس، يلعق القطرات التي التصقت بالزجاجة، يصرخ ككلب يعوي في برية، يرفع سبابته في الهواء مهدداً، تنتفخ أوداجه، يثرثر، يتفتف، ويبصق على شبح أمامه، وأنا في الطرف الآخر من الحديقة، أقف قبالته، أتأمل بلاهته وعنفوانه الغبي، حاسداً الألمانيات وأطفالهنَّ، على قانون الأحوال الشخصية في بلادهم، الذي لا يشبه قوانين المحكمة الجعفرية عندنا.

لجاري "الصاط" المراكشي المقيم في الطابق العلوي، حكايا لا تنتهي، أولها، إيمانه الكوميدي بالسحر وبالملك والله. بفضله اكتشفتُ البصمات الأندلسية والأمازيغية في فن العمارة المغربية، وتعلمت منه إعداد الشاي المغربي "أتاي"، وتتبيل الطاجين والحكمة المغربية "الصاط بلا الصاطه، كالطاجين بلا بطاطا"، وبصحبته، انساقت أذناي خلف روح الموسيقى المغربية الأنيسة، واعتادت أصابعي على مصاحبتها بالنقر على الطاولة، أو صدى خبط قدميه على الأرض، انسجاماً وتفاعلاً والدقة المراكشية، والذي كان وقعه كزلزال أبوكالبتي. ليومي هذا، ما زلتُ أسمع دحمان الحراشي، وأدعو بالتوفيق للمرأة التايلندية، التي أنقذتني من دبكة "الميركافا"، قبل أن يغادر عمارتنا، ليعيش معها في شقتها.

قليلة هي المناسبات التي ألتقي فيها تلك الصهباء الأميركية.

تكثر الحديث على الهاتف، تصفر في ضحكتها كسيارة إسعاف، وحين تغضب تبدو كأنها تعوي، يعرف كل سكان العمارة أخبارها، بسبب صوتها "الملعلع" دائماً. إن صادفتها في يوم رضا على حبيبها، تكون لطيفة، بشوشة، صاخبة، ثرثارة، والعكس بالعكس، فتكتفي بأن تلقي عليّ Guten Tag وتمضي.

أسأل سيجارتي، أهكذا كنتُ في علاقاتي؟ فلا تجيب! ههه.

عليَّ إذاً أن أتخلص من هذه الأثقال والانكسارات، فأغدو كسنجاب حديقتنا، يتنقل خفيفاً بين أشجارها.

شردت مجدداً... ركّز يا بني.

في الطابق الأول، يعيش متحوّلٌ أو متنقل جنسي، لا أعرف بالضبط. لكل فترة من يومه رداء وجندر مختلف. يعجبني ذوقه في انتقاء الملابس والعطور، يعود من سهرته متأخراً، فتنتشر رائحة عطره في أرجاء العمارة، فأذوب بطيب عطره، لأن نشاطي الأنفي يطمئنني أني بعد لم أصب بعد بكورونا.

 ذات صباح تشجعتُ فدعوته لشرب فنجان قهوة لكنه "بخعني" ومضى ليومه غير عابئ.

أضع فنجان قهوتي على الطاولة، وأسأل سيجارتي: متى يمكنني أن أكون مثله، غامضاً، مجهولاً، أنيقاً، حازماً، ويبقى لي أثر طيب بعد الرحيل؟

من المفارقات الجميلة للغة الألمانية هي الكلمات المركبة، والتي تمكّن ناطقيها من التعبير عن مشاعرهم ومكنوناتهم بنجاعة. أستحضر وسيجارتي مصطلح " Futterneid" (فوتانايد) ويعني "حسد الطعام"، ذلك الذي يتجلى لحظة تدرك أنك تريد ما طلبه الآخر في المطعم. يطرح هذا المصطلح سؤالاً فلسفياً سيكولوجياً مفاده أننا كبشر نمضي معظم حياتنا، نحسد الآخرين على ما في صحونهم، أو أننا بلا دراية نسأل القدر الأماني الخاطئة.

أهكذا قضيتَ عمرك يا ابني؟ ركّز فقد شردت مجدداً.

مر على العمارة روسيات كثيرات، معظمهنَّ كنَّ أمهات وعاملات. تؤسس نساء شرق أوروبا المهاجرات روابط اجتماعية واقتصادية وثيقة، وتتكفل الصغيرات منهنَّ بمتابعة الأطفال وتعليمهم اللغة الروسية الأم، مع تعمق معرفتي بهنَّ، تبين لي أنهنَّ ينظمن بشكل دوري، هروب - نجاة بعضهنَّ من العنف المنزلي والقمع الاقتصادي والسياسي في بلادهنَّ.

أتابعهن من بعيد، مستعيداً توصيف رواية "الإخوة كرمازوف"، حول انتشار ظاهرة جنون النساء في أرياف روسيا القيصرية، حيث كانت النساء يدعين الجنون، هرباً من بطش أزواجهنَّ، وما أن تجثو أمام أعين الرب والمطران، حتى تعترف بخطيئتها وتطلب الغفران. مر على روسيا، القياصرة والبولشيفيك وصولاً إلى بوتين، وإلى يومنا هذا، ما زالت النساء يكافحن وحيدات.

ذات صباح آخر، كنت أنهي مكالمةً وصديقي اليمني فارع المسلمي مطمئناً على صحته بعد انفجار مرفأ بيروت، فعاجلني شاب انتقل حديثاً إلى العمارة بسؤال: إنتَ من لبنان؟

للمصادفات أثر درامي عميق، هو ما يصطلح بتسميته في قاموس التراجيديا الفلسطينية، "فلسطينيو الداخل"، الذين هُجّروا من قريتهم وهدمت بيوتهم وصودرت أرزاقهم، حتى اضطروا للعمل مياومين على أرض كانت يوماً ملكهم.

أكمل كل منّا ذكرياته، متنقلين ما بين مساقط رؤوسنا وأفئدتنا، شمال الجليل وجنوبه، هو يحدثني عن شاطئ حيفا وحي الألمانية، والمعارك اليومية ضد الاحتلال والماشتاب والمستعربين والمتعبرنين والتهويد والعنصرية، وأنا أحكي له عن بيروت وناسها وشوارعها، والاحتلالات والقمع وثقافة الإقصاء والطبقية والجندرية والعنصرية.

مقالات ذات صلة

ما بين حطام اليمن، ودمار بيروت، والألم الفلسطيني، تسعفنا اللغة الألمانية مجدداً بمصطلح "Weltschmerz" (ڤليت شميرتز) أي "ألم العالم"، وهو الألم والإحباط الذي يصيب الفرد، عندما يقارن تصوراته المثالية عن هذا الكون، وحقيقة أنه مليءٌ بالمعاناة والظلم.

إذاً ... فلنحزن سوياً يا أصدقائي.

بعد رحلة إلى هامبورغ، حملتُ معي بذور زنابق زرعتها في حديقة العمارة، مضى شتاء طويل، تخللته موجات صقيع وثلوج وعواصف غير مسبوقة. واليوم هلّت تباشير الربيع المنتظر في الحديقة، فأزهرت الزنابق من جديد، فنبتت لي ذكرى ملونة، لأجلها أشكر هذا العمارة الغريبة على استقبالي. 

مقالات من العالم

لا للحروب!

الدرس المتكرر - والمنسي دائماً – هو أنه لا يوجد نصر في الحروب. حتى عندما تتحقق الأهداف الموضوعة لها.

للكاتب نفسه

يسقط كل شيء

يوماً ما كتبتْ كفرنبل السورية "يسقط كل شيء". واليوم من بغداد إلى بيروت، تهتف حناجر الشرق الجديد الذي سنعبر إليه: يا حراس الهيكل وديكتاتوريات العصور الوسطى، يا حكم الأوليغارشية والتبعية...