"شعر" الخاكيين الجدد في العراق

لا تختلف أغلب النصوص المنتجة في مديح "الحشد الشعبي" عن نصوص شعراء حقبة البعث: اللغة والمفردات والثيمات ذاتها. لا يوجد غير المديح، وتمجيد الحرب، ودفع الشباب إلى الاحتراق في حطبها، وتخوين الآخر، وغياب تام للقيم الإنسانية والجمالية. وتَحضر أسماء السلاح في كل أشكالها، فالشعراء هنا ما زالوا يرقصون على صدى صوت الرصاص كما كان يفعل شعراء البعث.
2021-02-11

علي فائز

كاتب وناقد أدبي من العراق


شارك
شاكر حسن آل سعيد - العراق

"لا أعتقد أنَّ حكومة ثورية في أي مكان في العالم، أدخلت الشعر في جدول أعمال مجلس قيادة الثورة، ومناقشات مجلس الوزراء، وفي خطط التنمية والإعمار، مثلما فعلت الحكومة العراقية". هذه الكلمة التي ألقاها الشاعر نزار قباني في مهرجان المربد عام 1985، تشخّص بدقة ملامح الشعر السائد في زمن السلطة الشمولية.

الشاعر الذي صنعته الماكينة البعثية لم يكن صانع جمال، ولم تكن قصائده موجهةً للشارع والإنسان البسيط، بل كانت موجهة للحزب والسلطة، وكان يتغنّى بالحرب التي ولد من رحمها لتزدحم فيها كل معاني القبح.

فالقصائد كانت باختصار مجردةً من أي قيمة إنسانية أو جمالية أو إبداعية، كانت أغلبها "تعبوية"، تحاكي مشاريع الحزب والقائد واشتراطات الحرب، أمّا الوطن فأصبح ثكنة عسكرية كبيرة. حتى إنَّ الكلمات التي كان ينطق بها صدام حسين في لقاءاته ومهرجاناته سرعان ما كانت تتحول إلى فلسفة عند الشاعر والناقد، وتنظم شعرياً. فحين يقول صدام حسين "القلم والبندقية فوهة واحدة"، تلك الجملة التي كانت تطبع على أغلفة الكتب وجدران المدارس والجامعات، سرعان ما كانت تتحول إلى أصل معرفي في النقد والشعر والحياة. فمثلاً يرى الشاعر علي جعفر العلاق في معرض شرحه لهذه الجملة أن "قصيدة الحرب الحديثة في العراق قد قدمت إنجازاً يوازن بين ضرورات التعبئة واشتراطات الحداثة". أصبحت الجملة معياراً وأصلاً معرفياً. أما الشاعر حسن النواب فقد ترجم كلمة فوهة البندقية والقلم إلى نص شعري: "لكَ أن تأتي / مشتعلاً / بالشعر الخاكي/ أو تبقى في دوامة / نيران الحرب / ملاكاً أبداً".

وقف الشعر في تلك المرحلة إلى جانب المذبحة، وانخرط في العمل في إطار المشروع المؤسساتي، معلناً خدمته الدائمة للحرب، وأُفرغ تماماً من لغة المشاعر، فصار لا يحمل من الشعر إلا اسمه. كان خطاباً عسكرياً صُبَّ قسراً في قوالب الشعر، فشعراء تلك المرحلة يجدون في الحرب متعتهم وفي القتل هوايةً شخصية، ولم يتركوا طريقةً للقتل أو للإعدام أو للتعذيب إلا وضمّنوها في نصوصهم. لقد كانت موسيقاهم المفضلة صوت الرصاص و"الدوشكا" والمدفعية. يقول الشاعر كزار حنتوش: "القناصون المهرة/ ورماة الدوشكا/ عزفوا لحناً شعبياً"، ويقول شاعر السُلطة كاظم الحجاج: "في أم الرصاص/ رصاص الاغتيال/ لم نزل نذكر في البصرة موالاً يقول: خلْ عدوك يعبر الشط وانتظر/ مِن يصير بصفحتك/ لازم يموت/ ولهذا فاطمئنوا".

الشاعر الذي صنعته الماكينة البعثية لم يكن صانع جمال، ولم تكن قصائده موجهةً للشارع والإنسان البسيط، بل كانت موجهة للحزب والسلطة، وكان يتغنّى بالحرب التي ولد من رحمها لتزدحم فيها كل معاني القبح. وحينما تطالعها لا يتردد إلا سؤال واحد في ذهنك: "أي نص أكثر وحشية من غيره؟". 

تجتمع هذه النصوص الدموية بعدة ثيمات منها تمجيد الحرب، مدح القائد، تصوير الحرب على إنها جنة المأوى، ودفع الناس إلى المحرقة، انعدام قيم التسامح، تمجيد القتل والإعدامات في الساحات والشوارع، التفنن بالقتل والتعذيب، تخوين كل صوت يغرد خارج السرب، توظيف كل شيء لصالح الحرب. وهي نصوص تجتمع على مائدة الرداءة، وحينما تطالعها لا يتردد إلا سؤال واحد في ذهنك: "أي نص أكثر وحشية من غيره؟".

تبريرات.. وتزييف للحقيقة

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، برّر الكثير من الشعراء مواقفهم السابقة من النظام، وركوعهم الدائم أمام أقدام صدام حسين ومنظومته الحزبية. وكان التبرير الأكثر تكراراً هو أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، وأنَّ كتاباتهم هي عربون يُدفع للسلطة، ومن خلاله يضمنون حياتهم.

مقالات ذات صلة

في كتابه "الخاكية" يتساءل عباس خضر في ضوء هذه التبريرات "ألم يسمع بعضهم بمحمود البريكان في العراق، ألم يكن من الصامتين الذين عجزت وحشية السلطة عن استنطاقه لصالحها... والأمثلة من الثقافة العالمية كثيرة. الكثيرون ممن نعرفهم شخصياً، امتنعوا عن النشر في أروقة الحكومة وعكفوا على العمل الصامت، اختار البعض منهم مهناً أخرى، فقط للحفاظ على الذات من مشاركة الطاغية في إتمام الخراب". وعن تبرير الكتابة لأجل تحصيل لقمة العيش يقول خضر: "لا أظن بأن العراقيين يومها كانوا جميعاً من الأغنياء، ولم يكونوا قبلها ولا اليوم أيضاً، وليس الفقر شهادة براءة من الجريمة... وأغلب كتّاب العراق المعروفين بمواقفهم من الطاغية، جاؤوا من عوائل فقيرة، ولم يبيعوا أقلامهم بسبب الفقر، ولم يقطعوا بسكين الطريق على العابرين". ويعتقد خضر "أن حجة الحاجة والفقر في مثل هذه الحالة من أوهن الحجج ومن أكثرها مثاراً للسخرية، لا بد من الاعتراف أن خلف ركوع النص للطاغية، يوجد استعداد نفسي لبيع الذات يتمتع به هذا الأديب أو ذاك".

حذف واستحداث!

في كتابه "الجراحات والمدارات" يتحدث سليم دولة عما اسماه "المثقف الزئبقي"، فهو بحسب ما يصفه "يساري مثلًا على صعيد الشعارات التي يرفعها، سلفي السلوك، يميني الطموحات، أسطوري/ خرافي النظرة الى العالم...". هذا الوصف ينطبق تماماً على حالة الشعراء بعد 2003. فعلى سبيل المثال حينما نتتبع سيرة الشاعر العراقي كزار حنتوش، نجده قد وظف أغلب نصوصه لمديح الديكتاتور وتمجيد الحرب. وبعد سقوط النظام كتب القصائد للحزب الشيوعي في عام 2004، ومن ثم كتب الشعر في مديح الشخصيات الدينية، ومنهم مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري، في الوقت الذي كانت ميليشياته موغلة في دماء العراقيين.

ونجد شعراء أخرين حذفوا بعض الكلمات التي كانت ترتبط بالنظام السابق ونشروها على إنها قصائد جديدة، ومنهم عدنان الصائغ الذي يقول في قصيدته "ومكي/ أيدخل خيمتنا../ في المساء كعادته/ يحدثنا عن بطولات تشرين والقادسية" فقام الشاعر بحذف كلمتي تشرين والقادسية ووضع بدلاً عنهما كلمة "عذاباته". وبحسب عباس خضر "إن عدنان الصائغ فعل ذلك مع اغلب قصائده الخاكية بعد خروجه من العراق! وهناك بعض القصائد التي قام هذا الشاعر بحذفها تماماً من مجموعته "انتظريني تحت نصب الحرية" كقصيدة "أحاديث الموقد" التي يتغزل فيها بقناصة.

يتحدث الكاتب سليم دولة عما اسماه "المثقف الزئبقي"، فهو بحسب ما يصفه، "يساري مثلًا على صعيد الشعارات التي يرفعها، سلفي السلوك، يميني الطموحات، أسطوري/ خرافي النظرة الى العالم...".

وبعضهم لم يكلف نفسه كثيراً عناء التغيير، فقام بحذف كلمة صدام من قصائده ووضع بدلًا منها اسم أحد رجال المرحلة، سواء كان رجل دين صاحب نفوذ او سياسي يسيل لعابه أمام كلمات المديح.

الخاكيون الجدد..

في 10 حزيران/يونيو 2014، اجتاح مسلحو تنظيم "داعش" الموصل، ثاني أكبر مدن العراق بعد بغداد، وسيطروا عليها خلال ساعات، بعد انهيار قوات الجيش. وكان حدث سقوط الموصل متوقعاً بسبب إساءة استخدام السلطة من قبل رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، وطريقة تعامله مع أهالي المناطق الغربية بطائفية مقيتة، حيث استخدم السلاح والبراميل المتفجرة للقضاء على الحراك الاحتجاجي الذي نشأ هناك، كما أنَّ السلطة أصبحت وقتذاك مشخصنة، اندمجت كلياً بالمالكي، وأول من تأثر بهذه الشخصنة المؤسسة العسكرية التي تربت على الطائفية، ولم تتبلور فيها الهوية الوطنية.

لا يختلف أحد على أنَّ الحرب تحمل كل قيم البشاعة حتى وإن تغلّفت بمعاني القداسة. دور الشاعر والمثقف هو بيان تلك الحقيقة للناس، بيان بشاعة الحرب ومآلاتها، وألا يُشعل حرباً ثانية على أرض اللغة، ويوظف الشعر الذي هو اشتغال جمالي وإنساني ليقوم بدور في هذه المعركة. وبغير ذلك لا يصبح الشعر شعراً، ولا الشاعر إنساناً. في كتابه "خريف المثقف العراقي" يقول محمد غازي الأخرس "إنَّ منطق الثقافة العراقية بعد سقوط دولة البعث ظل كما كان عليه قبل الحدث المزلزل... الحال إن اللحظة السابقة استعيدت وسار اللاحقون على خطى السابقين حذو النعل بالنعل".

كلام الأخرس على صعيد الشعر نجده ماثلاً أمامنا إذا طالعنا ديوان "إلى فتية القمح.. تراتيل في حضرة الحشد المقدس" من إصدارات "منتدى أدباء وكتّاب المدينة" وبدعم من حركة حزب الله في العراق، والتي تمتلك جناحاً مسلحاً باسم "سرايا الجهاد" يعمل في العراق وسوريا.

بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، برّر الكثير من الشعراء مواقفهم السابقة من النظام، وركوعهم الدائم أمام أقدام صدام حسين ومنظومته الحزبية. وكان التبرير الأكثر تكراراً هو أنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، وأنَّ كتاباتهم هي عربون يُدفع للسلطة، ومن خلاله يضمنون حياتهم. 

ضمَّ الديوان 73 نصاً لشعراء عراقيين وعرب تغنّوا ببطولات "الحشد الشعبي" والفصائل المسلحة، وأشادوا بتضحيات العراقيين والقادة في مواجهة "داعش" في حروب التحرير. أبرز ما دفع الشعراء إلى المشاركة في هذا الديوان هو الجائزة المالية الضخمة للنص الفائز، وهي أربعون مليون دينار عراقي.

لا تختلف أغلب نصوص هذا الديوان عن نصوص شعراء حقبة البعث، اللغة والمفردات والثيمات ذاتها. لا يوجد غير المديح وتمجيد الحرب ودفع الشباب إلى الاحتراق في حطبها وتخوين الآخر وغياب تام للقيم الإنسانية، والجمالية. وتحضر أسماء السلاح في كل أشكالها، فالشعراء هنا ما زالوا يرقصون على صدى صوت الرصاص كما كان يفعل شعراء البعث. أغلب قصائد هذا الديوان هي من الشعر الموزون، الذي يتحمل هذه المهمة، مهمة المديح والذم والتعبئة، وإشعال الحرب في اللغة، والقيام بمجزرة ثقافية عمادها القتل الرمزي.

بعض القصائد كانت تَعد الشعراء بالحور العين وملامسة أنامل الرب مثل قصيدة الشاعر باسم الحسناي: "يصافحُ بالروح الشهيد ربهُ/ فلا شيء إلا ربه وأنامله/ فطوبى له إذ قاب قوسين إذ دنا/ وطوبى له إذ حورُه وخلائلهْ". أما الشاعرة جنان المظفر، فقد مثلت الدم بالإيقاع والنبض للقصيدة. تقول في قصيدتها "إيقاع الدم": "الدم إيقاع ونبض قصيدة/ تلك القصائد تشتهي أشعارها". وبعض الشعراء أضفى القداسة على "البسطال" (الحذاء العسكري) الذي يرتديه المقاتل في الحشد، واعتبر الرصاص كلام الله! "المانحون بساطيلاً مقدسة/ هذا التراب كرامات من السير/ هم النبيون جداً في تصورهم/ إن الرصاص كلام الله للكفر/ يطبرون رؤوس الداعشيين بما/ قد ألهموا من حسين الله بالفكر". أما الشاعر "زمن الجراح" فيقول في قصيدته متهماً الآخر بابن الزنا، وهي صفة غالباً ما يطلقها الصدرييون على خصومهم، ولها جذر في كتب التراث، "من وارث كرهة لحيدرةٍ/ غير ابن أمٍ زَنت ومأبون".

الشاعرة زينب الخفاجي، مثلت في قصيدتها الشباب، وهم يهرولون إلى الحرب برحابة صدر، ويتحول عندها التابوت إلى مهد، والأسى زغردة عرس. تقول في قصيدتها "وحشد الله/ يهرول نحو الشهادة/ بسعة صدر/ وطنًا يموت الموت/ ويتحول التابوت إلى مهد/ والأسى زغرودة عرسٍ". وهناك من الشعراء في هذا الديوان من يشرب نخبه دماً، مثل الشاعر سيروان محمد الذي يقول: "في الحرب نشربُ أنخاباً معتقة/ من الدماء فلا شلت أيادينا"، وهناك من يشبه موت الشباب بالذي يشرب التبغ بشفاه مبتسمة: "راحوا يلوكونَ تبغ الموت/ باسمةً شفاههمْ".

تحمل الحرب كل قيم البشاعة حتى وإن تغلّفت بمعاني القداسة. دور الشاعر والمثقف هو بيان تلك الحقيقة للناس، بيان بشاعة الحرب ومآلاتها، وألا يُشعل حرباً ثانية على أرض اللغة، ويوظف الشعر، الذي هو اشتغال جمالي وإنساني، ليقوم بدور في هذه المعركة. وبغير ذلك لا يصبح الشعر شعراً، ولا الشاعر إنساناً.

يقول الشاعر غانم العيساوي: "لو زغرد الشاجور كنت نشيدهُ/ لو يرقص الشاجور كان غنائي/ زفي إليه الموت مثل عرائس"، (والشاجور هو مخزن الرصاص في المسدس، بحسب اللهجة العراقية). وتشترك معه قصيدة شاعر آخر: "أناملُ اليافعين السمر تُشعلني/ على الزناد.. وتشدوني إذا عزفوا". ولم يسلم الأطفال الرضع من التوظيف للتعبئة الحربية في هذا الديوان، فتقول قصيدة محمد السويدي: "فطمنا على صوت الرصاص رضيعنا/ وأكبرنا ليس المنايا تقامره". وليس غريباً في ظل هذه الثقافة السائدة التي يتكئ عليها الشاعر أن نجد أحدهم يرغب بتعبيد الطريق بالجماجم بلغة عنيفة قد تزاحم وحشية خطابات "الجماعات الإرهابية"، فنجد في قصيدة وسام الحسناوي: "نعبّدُ درباً بالجماجمِ تارةً/ وأخرى دماً من نزفهِ نخنقُ النهرا/ نلاقي وحوش الذبحِ بالذبحِ أينما/ تخفوا وفي قيعانهم نحرزُ النصرا". ومن المضحك المبكي أنَّ أحد الشعراء كان يعاتب أباه لأنه لم ينجب له ألف أخ ينذرهم في طريق الموت، ويشاركونه القتال، كما تقول قصيدة ضياء الخاقاني: "كم كنتُ أحلم أن يضمَّ البيتُ ألفَ/ مقاتلٍ، لمَ يا أبي؟ هذا عتابي".

احتجاجات أكتوبر تُحرر الشعر من سجون الأيديولوجيا

وضعت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر التي انطلقت في عام 2019، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، حداً فاصلاً بين شاعر السلطة وشاعر الشعب، وذوبت المنطقة الضبابية التي تتيح للشاعر التأرجح بين هذه الثنائية. كما إنها جعلت الشاعر مراقباً، وفعّلت سلطة الضمير الأخلاقي، وأعطته رسالة: إنَّ من يسخر قلمه للسلطة يزول بزوالها، ويصبح لعنةً تتجدد على أفواه الناس، وإن مرحلة التنقل من دكان إلى آخر قد ولّت وانتهت. يقول عباس خضر واصفاً ذاك النمط من الشعراء" لم يدركوا أن الأرض قد دارت في الذهن البشري، فما زالوا للأسف يعيشون في عقلية البلاط والقوافي الملكية".

نلاحظ من خلال القصائد التي كتبت من وحي الاحتجاج التشريني، ما يشبه التأسيس لملامح جيل شعري جديد، يضع خطاً فاصلًا بين السلطة والناس، ويعزز من مفهوم المثقف المستقل، مبدياً احترامه للشعر ووظيفته الإنسانية.

حينما نطالع القصائد التي كتبت نراها تؤمن بالسلم، وتتبنّى قيم الجمال واحترام الآخر. فعلى الرغم من العنف الذي استخدمته السلطة والميليشيات، فإن القصائد لم تتغنَ بالموت مع أنها كانت في وسطه، ولم تعبئ الشباب وتدفعهم إلى المحرقة، ولم تدعو إلى رفع السلاح، والرقص على أصوات الرصاص. لقد كانت قصائد تمجد الحياة وتبين بشاعة الموت، وتحاول قدر الإمكان قرع أجراس الضمير في رؤوس القتلة.

وضعت احتجاجات تشرين الأول/أكتوبر التي انطلقت في عام 2019، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، حداً فاصلاً بين شاعر السلطة وشاعر الشعب، وذوبت المنطقة الضبابية التي تتيح للشاعر التأرجح بين هذه الثنائية. كما إنها جعلت الشاعر مراقباً، وفعّلت سلطة الضمير الأخلاقي، وأعطته رسالة: إنَّ من يسخر قلمه للسلطة يزول بزوالها.

حافظت هذه النصوص الشعرية على عمقها، ولم تقع في منزلق المباشرة والابتذال، مثلت مضامين الاحتجاج، لكنها لم تفقد خصوصيتها كقصيدة جمالية تصنع الحياة والوعي، ولها القدرة على إثارة الدهشة وعبور الزمان، وبذلك تمكنت من استعادة كرامة الشعر المهدورة بعد أن حررته من سجون الأيديولوجيات، وبثت فيه روح الإنسان وهمومه. 

______________

1- شاعر وكاتب عراقي مقيم في ألمانيا، صدر كتابه "الخاكية" عام 2005 عن "دار الجمل" في بغداد

2- شاعر وفيلسوف تونسي يُعد ممثلًا للفلسفة المنفصلة عن البحث الأكاديمي، صدر كتابه "الجراحات والمدارات" بطبعته الثانية عام 1993، عن "المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع"، في بيروت

3- كاتب وناقد وشاعر من العراق. يكتب في قضايا الثقافة والمجتمع العراقيين، صدر كتابه "خريف المثقف في العراق" عام 2011، عن "دار التنوير" في بيروت 

مقالات من العراق