ذلك اليوم، عندما انعطفنا يساراً..

لم تكن مدينة صفاقس "مهد الثورة" ولا الأكثر تضرراً من النظام القديم، ولا من قدمت العدد الأكبر من الشهداء والجرحى في انتفاضة 2011، لكن تحركها كان وازناً وحاسماً، ما يسمح بالقول إن صفاقس لعبت في ذلك اليوم دور الرافعة للانتفاضة.
2021-01-14

محمد رامي عبد المولى

كاتب صحافي من تونس


شارك
متظاهرون يحرقون مقر حزب بن علي "التجمع الدستوري الديمقراطي"، ويقتحمونه. صفاقس، 12 كانون الثاني/يناير 2011.

لا يحظى الشارع بسمعة جيدة في الثقافة العربية. فكلما أضيفت كلمة "الشارع" إلى كلمة أخرى، أصبح المعنى سلبياً: "أطفال الشوارع"، "بنات الشارع"، "تربية الشارع"، "أكل الشارع"، "كلام الشارع".. والقائمة تطول.

هذه العلاقة المتوترة مع الشارع في بلادنا لم تأتِ من فراغ. هناك تأثير لثقافة "السترة" والأبواب المغلقة والخوف من "العين"، وربط البيت/الفضاء الخاص بالحرمة والشرف والطهارة، مقابل وصم الشارع بالانحلال والدنس والقذارة وكل المخاطر. ومن جهة أخرى، رسّخت سياسات أغلب الأنظمة العربية هذا التوجس العام من الشارع، إذ لا يكفي أنها تحتكره وتمنع تنظيم أي نشاط سياسي/ ثقافي/ اجتماعي لا يكون في خدمتها، أو تحت إشرافها وسيطرتها، إلا أنها تغرقه بصور وأسماء وتماثيل وتواريخ انقلابات ورايات أحزاب الحكام، حتى لا ينسى أحدٌ أن "الأخ الأكبر يراقبك"، وأنه حيث ما تولي وجهك فثمة وجه السلطان. هذا دون الحديث عن الفقر العمراني/ المعماري الرهيب، ونقص النظافة والغياب شبه الكامل للحدائق والأماكن المخصصة للنزهة والراحة في أغلب شوارع المدن العربية.

بداية سنة 2011 المجيدة، مع تجذّر الانتفاضة التونسية، فُتح الطريق أمام سيرورة ثورية متعددة الموجات، ومختلفة المآلات في المنطقة العربية. طبعاً لم تكن انتفاضة تونس، وتلك التي ستليها في بلدان عربية أخرى، أولى الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية في تاريخ المنطقة المعاصر، لكنها محطةٌ في تطور العلاقة بالشارع وموازين القوى فيه. في هذه المرة لم تخترق الجماهير الشارع لمدة ساعات أو أيام قليلة من المواجهات، كما كان غالباً يحدث من قبل، بل "استقرت" فيه لأشهر طويلة وحوّلته - نسبياً ومؤقتاً وبتفاوت من بلد منتفض لآخر- إلى فضاء عام حقيقي للنقاش السياسي/ المجتمعي والعمل الثقافي والإبداع الفني.

****

كنت "محظوظاً" بأن نلتُ فرصة عيش اللحظات المبكرة لتحرير الشارع - ولو نسبياً - من قبضة الحكام، ومحظوظاً أكثر لوجودي في مدينة صفاقس (270 كم جنوب العاصمة تونس) يوم 12 كانون الثاني/ يناير 2011. كان يوماً تاريخياً، بمعنى أنه لن يُنسى بالنسبة للذين عاشوه، وكذلك بمعنى أنه أسهم في كتابة تاريخ جديد للبلاد والمنطقة.

قبلها بيوم، أعلن الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس (الفرع الجهوي لـ"الاتحاد العام التونسي للشغل"، المركزية النقابية العريقة والقوية) عن تنظيم إضراب عام في المدينة للتعبير عن انخراطها في الحراك الذي بدأت تعيشه البلاد منذ أيام، وخاصةً عن رفضها للقمع الدموي للاحتجاجات في محافظات سيدي بوزيد والقصرين، التي كانت سباقة إلى إطلاق المسار الثوري في العشر الأواخر من كانون الأول/ ديسمبر 2010، ودفعت أيضاً الثمن الأكبر من حيث عدد الشهداء والجرحى. سبق ذلك الإعلان بضعة تجمعات ومحاولات لتسيير مظاهرات في المدينة، لكنها جوبهت بالقمع وحوصرت سريعاً بحكم محدودية عدد المشاركين، وعدم وجود "غطاء" نقابي وسياسي صريح. لجوءُ قوات الأمن إلى القنص والقتل البارد لعشرات المحتجين - خاصة في محافظة القصرين - مع دخول الأسبوع الثاني من شهر كانون الثاني/يناير أجّجَ غضب الشعب، وأجبر المركزية النقابية وبعض الأحزاب المعارضة (اليسارية أساساً) على اتخاذ مواقف واضحة من القمع، والدعوة إلى التحرك فتوفر هكذا "المددُ" الشعبي والغطاء النقابي والسياسي، وتقرر الإضراب العام في عدة محافظات في أيام مختلفة، وكان موعد مدينة صفاقس يوم 12 كانون الثاني/يناير 2011.

في 2011، لم تخترق الجماهير الشارع لمدة ساعات أو أيام قليلة من المواجهات، كما كان غالباً يحدث من قبل، بل "استقرت" فيه لأشهر طويلة وحوّلته - نسبياً ومؤقتاً وبتفاوت من بلد منتفض لآخر- إلى فضاء عام حقيقي للنقاش السياسي/ المجتمعي والعمل الثقافي والإبداع الفني.

أهمية الإضراب العام في صفاقس بالذات كان ينبع من عدة عوامل مجتمعة. هذه المدينة الساحلية تقع في منطقة تماس بين ثلاثة أقاليم رئيسية في البلاد (الجنوب الشرقي والوسط الغربي والوسط الشرقي)، وهي ثاني أكبر محافظة في البلاد بقرابة المليون ساكن، جزءٌ كبير منهم قادمٌ من محافظات أخرى، منها سيدي بوزيد والقصرين حيث اندلعت الانتفاضة. كما تعتبر صفاقس العاصمة الاقتصادية لتونس، بنسيجها الاقتصادي المتنوع والمزدهر عموماً (صناعي وتجاري وزراعي ومالي)، بالإضافة إلى كونها قطباً جامعياً يحتضن عشرات آلاف الطلبة، وقطباً استشفائياً (عمومي وخاص) يقصده المرضى من عدة محافظات أخرى، ومن ليبيا أيضاً.

وللمدينة، عدا تلك المعطيات، تاريخٌ عريق في العمل النقابي والسياسي، وفيها حضورٌ ملحوظ لليسار، سواء الماركسي منه أو العروبي، في الجامعات والنقابات. وكان لها دورٌ مهم في الحركة الوطنية المقاومة للاستعمار الفرنسي، وفي الانتفاضات الاجتماعية بعد الاستقلال، خاصة في كانون الثاني /يناير 1978، وكانون الثاني /يناير 1984. وليست صفاقس بالتأكيد أفقرَ المدن التونسية، ولا أكثرها بطالةً ونقصاً في المرافق العمومية، بل تعتبر "محظوظة"، مقارنة بالمناطق الداخلية للبلاد، بنسيج اجتماعي تغلب عليه الطبقات الوسطى، مع تركز لعائلات ومؤسسات مؤثرة في الاقتصاد التونسي. إلتحاقُ هذه المحافظة بالحراك الثوري كان يعني من جهة أن فشل السياسات الاقتصادية - الاجتماعية لم تعد نتائجه وآثاره مقتصرةً على مدن "الداخل" المهمشة، بل أصبح يشمل المدن الكبرى في الواجهة البحرية/الشرقية للبلاد، ويعني من جهة أخرى دخولَ مطالب الحريات السياسية والمدنية، ودخول شرائح اجتماعية أخرى على الخط، مع دور أكبر للنخب في تأطير وقيادة الانتفاضة.
انتقال الاحتجاج إلى الواجهة البحرية للبلاد، حيث تتركز كل المدن الكبرى، يعني كذلك فك الحصار عن المحافظات الداخلية المنتفضة، وتجذير الانتفاضة وتوسعها على مستوًى وطني. وكان من الطبيعي أن تتجه أعين التونسيين، خاصةً المهتمين بالشأن السياسي، حاكمين ومعارضين، صبيحة 12 كانون الثاني/ يناير نحو صفاقس التي كانت في الموعد، ونفذت إضراباً عاماً ناجحاً رافقته مسيرة ضخمة فاق عدد المشاركين فيها الخمسين ألفاً.

لم تكن المدينة "مهد الثورة" ولا الأكثر تضرراً من النظام القديم، ولا من قدمت العدد الأكبر من الشهداء والجرحى في انتفاضة 2011، لكن تحركها كان، بإجماع أغلب المتتبعين لما حصل في تونس، وازناً وحاسماً، ما يسمح بالقول إن صفاقس لعبت في ذلك اليوم دور الرافعة للانتفاضة.

****

صبيحة ذلك اليوم استيقظت باكراً جداً، على غير العادة. الجو باردٌ والجامعة مغلقة، ولكنني قررت الالتحاق بمقر الاتحاد العام التونسي للشغل، والمشاركةَ في المسيرة التي ستخرج من هناك. في طريقي للخروج من البيت، أجد أبي في المطبخ يرتشف قهوته، ويدخن أولى سجائره الصباحية. لم يذهب إلى العمل بحكم الإضراب العام. يسألني عن وجهتي، فأجيب بأنني ذاهبٌ إلى المقهى. كنت أعلم أنه في الواقع يريد أن يسألني إن كنت سأذهب إلى وسط البلد، وأشارك في المسيرة. وكنت أعرف جيداً أنه سيحاول أن يثنيني عن ذلك.. هذه المرة ليس كسابقاتها، وليس الاعتقال أخطرَ ما يمكن أن يحصل للمتظاهرين.. الرصاصُ يُطلق بغزارة، ورائحة الموت تخنق البلاد. "باش نعمل قهوة مع صاحبي"، كذبت عليه حتى أريح قلبه ورأسي، وأسرعت في الخروج حتى لا يتطور السؤال إلى نقاش.

أهمية الإضراب العام في صفاقس ينبع من عدة عوامل مجتمعة. فالمدينة الساحلية تقع في منطقة تماس بين ثلاثة أقاليم رئيسية في البلاد، وهي ثاني أكبر محافظة في البلاد بقرابة المليون ساكن. كما هي العاصمة الاقتصادية لتونس، بنسيجها المتنوع والمزدهر عموماً (صناعي وتجاري وزراعي ومالي)، بالإضافة إلى كونها قطباً جامعياً وقطباً استشفائياً (عمومي وخاص). وللمدينة تاريخٌ عريق في العمل النقابي والسياسي.

مررت فعلاً بالمقهى، رشفت فنجاني على "الكونتوار" واقفاً، لم أكن أستطع الجلوس بسبب التوتر. خرجت أبحث عن وسيلة نقل، وكنت أعرف أنه لن تكون هناك حافلاتٌ بحكم الإضراب العام. لم يبق إلا التاكسي "بو بلاصة" (الجماعي) أو "الكونتور" (فردي بالعداد). لكن حتى سيارات التاكسي كانت نادرة، فلا أحد تقريباً سيذهب إلى وسط البلد مع إعلان الإضراب العام، وتوجس الناس مما قد يحدث. السماء كانت رصاصيةً صبيحةَ ذلك اليوم، سحابٌ كثيف وثقيل يكاد يلامس الأرض. أنظر إلى هاتفي، الساعةُ الثامنة ونصف. بدأت أقلق وأفكر في السير على الأقدام لمسافة تتجاوز 6 أو 7 كيلومترات. أشرع في تنفيذ قراري، فأسمع صوت منبه سيارة خلفي، ألتفتُ فأجد تاكسي "بو بلاصة" ما زال فيه مكانٌ شاغر واحد. معجزة. قبل أن أركب وضّح لي السائق قائلاً: سأتركك على بعد كيلومتر من وسط البلد ثم تتدبر أمورك. وافقت. أنظر عبر بلور النافذة إلى الشوارع شبه الخالية، والوجوه القلقة للقلائل الذين خرجوا للعمل أو لقضاء شؤونهم. يتساقط الرذاذ، ويتلبد السحاب أكثر فأكثر، وتصبح الدنيا بالأبيض والأسود. طقسٌ يليق بيوم ملحمي.

يوقفني التاكسي في بداية شارع "5 أوت"، فأبتسم وأعتبرها "إشارةً ربانية". هذا الشارع يخلّد ذكرى الاضراب العام الوطني يوم 5 آب/اغسطس1947، الذي نظمه الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة "فرحات حشاد"، وتحول في صفاقس إلى مواجهات عنيفة مع السلطات الاستعمارية الفرنسية أسفرت عن استشهاد 29 تونسياً، وجرح أكثر من 150 آخرين. أمرّ بنصب الشهداء. "صباح الخير يا وطناً"..

****
أصل "شارع الجيش" ومنه إلى شارع الحبيب بورقيبة في منطقة باب بحر، قلب المدينة، ثم نهج ألكسندر دوماس بالقرب من المبنى القديم للقنصلية الفرنسية الذي تحول إلى مركز ثقافي يتبع المعهد الفرنسي. عند ذلك الحد بدأتُ أدرك مدى ضخامة الحضور الأمني، وكذلك تدفق الناس نحو مقر الاتحاد الجهوي للشغل، وألتقطُ بعض الشعارات المرفوعة. تنتابني فرحةٌ طفولية ورعشة. أستذكرُ خارطة الأزقة والعمارات التي يمكن أن أعبر منها حتى أقتربَ أكثر ما يمكن من المقر دون أن يوقفني البوليس، وهذه خبرة سنوات الجمر. عند أقرب نقطة ألمح أستاذ فرنسية درّسني في المرحلة الثانوية، وكان نقابياً معروفاً ومعارضاً سياسياً يسارياً، ألوّحُ له أن ينتظرني حتى أضمن الوصول إلى وجهتي.

أمام مقر الاتحاد يستذكر الكهول أشهر "جانفي" (كانون الثاني/ يناير) سابقة 1978.. 1984.. 2008، ويستعد الشباب لصنع "جانفي" جديد بطعم آخر. صورة "فرحات حشاد" فوق مبنى الاتحاد شامخة. يتقاطر المحتجون، وتمتلئ الشوارع القريبة من الاتحاد. تتعالى أصوات الخطب والشعارات.. ثم تتحرك المسيرة.

يوقفني التاكسي في بداية شارع "5 أوت"، فأبتسم وأعتبرها "إشارةً ربانية". هذا الشارع يخلّد ذكرى الاضراب العام الوطني يوم 5 آب/اغسطس1947، الذي نظمه الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة "فرحات حشاد"، وتحول في صفاقس إلى مواجهات عنيفة مع السلطات الاستعمارية الفرنسية أسفرت عن استشهاد 29 تونسياً، وجرح أكثر من 150 آخرين. أمرّ بنصب الشهداء. "صباح الخير يا وطناً"..

في العادة كانت المظاهرات التي تخرج من مقر اتحاد الشغل - وأغلبها يتعلق بالقضية الفلسطينية واحتلال العراق والحروب الإسرائيلية على لبنان - تنطلق من شارع الحبيب ثامر نحو كورنيش "شط القراقنة" ثم تسير في شارع الحبيب عاشور وصولاً إلى التقاطع مع شارع علي البلهوان، وهو مكان يعبق بالتاريخ العريق والمتعدد للمدينة، فهناك كنيسةٌ كاثوليكية تحولت إلى قاعة رياضة، لكنها حافظت على معمارها ومظهرها الأصلي، وبالقرب منها الكنيسة الارثودوكسية اليونانية، التي ما زالت أبوابها مفتوحةً، و"السيناغوغ" (الكنيس اليهودي).. كل هذا على بعد أمتار من "باب القصبة"، أحد مداخل المدينة العتيقة ذات الطابع العربي – الإسلامي، والتي تأسست قبل أكثر من ألف عام. عند الوصول إلى ذلك المفترق، كانت قوات الأمن في العادة تشكل جداراً، وتجبر المتظاهرين على الانعطاف يميناً باتجاه شارع الجيش، ثم شارع الحبيب بورقيبة والعودة إلى شارع الحبيب ثامر حيث يوجد مقر الاتحاد الجهوي، أو بكل بساطة تعتدي بالعنف على المتظاهرين وتفرقهم.

شارع علي البلهوان- باب القصبة، صفاقس. الصورة من "غوغل إيرث".

في 12 كانون الثاني/يناير 2011 سلكت المسيرة درباً آخر، ومرت من شوارعَ وساحات كانت محرمةً على المحتجين، وعندما وصلت إلى التقاطع الذي أشرنا إليه، لم تنعطف يميناً، بل انعطفت يساراً فسار المتظاهرون نحو شارع "18 جانفي"، حيث يوجد مقر "أمن الدولة"، ومنه إلى شارع "7 نوفمبر"، شارع السلطة حيث يوجد مقر "الولاية" (المحافظة) وكذلك مبنى "لجنة التنسيق الجهوية" للحزب الحاكم آنذاك "التجمع الدستوري الديمقراطي".

أمام مقر الاتحاد يستذكر الكهول أشهر "جانفي" (كانون الثاني/ يناير) سابقة 1978.. 1984.. 2008، ويستعد الشباب لصنع "جانفي" جديد بطعم آخر. صورة "فرحات حشاد" فوق مبنى الاتحاد شامخة. يتقاطر المحتجون، وتمتلئ الشوارع القريبة من الاتحاد. تتعالى أصوات الخطب والشعارات.. ثم تتحرك المسيرة.

ونظراً للعدد الكبير جداً للمتظاهرين، فإن المسيرةَ أصبحت مسيرات، وتعددت الشعارات بين تلك المطالِبة بتشغيل العاطلين عن العمل والمنددة بالفساد السائد، وتلك المتضامنة مع المحافظات المحاصَرة والمطالِبة بإسقاط النظام. كان المتظاهرون يبتدعون شعارات تذْكر فيها أسماءُ الرئيس وزوجته وأصهاره وحزبه الحاكم بلا خوف ولا مواراة. وعندما شاهدت صورة زين العابدين بن علي تحترق، فهمت أننا قد دخلنا مرحلة جديدة في تاريخ البلاد. عند هذا الحد ستتطور الأحداث بشكل سريع حتى إنني لا أستطيع إلى اليوم ترتيبها زمنياً و"جغرافياً" بشكل دقيق. مقاطعُ ومشاهد عالقة في الذاكرة بينها حلقات مفقودة بسبب "فوضى الحواس".

****

يحتشد الآلاف أمام "مقرات السيادة" وتصبح الشعارات أكثرَ جرأة، ويبدو التوتر والخوف جلياً في أعين البوليس وتعابير أجسادهم. لم تتأخر المواجهة، وبدأت هراوات البوليس وقنابله المسيلة للدموع باستهداف المتظاهرين، لكن بلا جدوى. الجموعُ كانت غاضبةً وواعية بكثرتها وقوتها لذا لم تنسحب. فهمت قوات البوليس أن الوضع مختلفٌ عن العادة، وأن الأمور لن تحسم بالوسائل "التقليدية"، فانتقلت إلى استعمال الرصاص المطاطي والحي، وسقط أول شهيد بعد دقائقَ وأصيب آخرون. لكن النتيجة كانت عكسية.. رد المتظاهرون عبر حرق بناية "لجنة تنسيق" الحزب الحاكم الفاخرة. أصبحت المواجهات أعنف فغادر البعض المسيرة وتراجع جزءٌ منها نحو مقر اتحاد الشغل. ومع ذلك بقي الآلاف في الشوارع، أغلبهم شبابٌ من الطلبة والتلاميذ والعاطلين عن العمل. بدأت "حرب شوارع" وتتالت جولات الكر والفر.. بوليسٌ مدجج بمختلف أنواع الأسلحة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه، في مواجهة شباب أعزل إلا من الغضب والأمل. يقيم المتظاهرون متاريس "بدائية" بكل ما تقع أيديهم عليه: حاويات قمامة ولافتات إعلانية وعلامات مرور وصناديق بلاستيكية وكراتين وألواح قصدير. كانت تلك أول مرة أرى فيها متاريسَ بشكل مباشر لا عبر الصور والأفلام. اقتلع المتظاهرون حجارة الرصيف، كسروها وقذفوها على قوات "الأمن" التي ردت بوابل من القنابل المسيلة للدموع، بعضها ارتد نحوها بفضل ركلات ورميات رشيقة ودقيقة من قبل المتظاهرين. دخانُ القنابل أصبح خانقاً للنفس، وحارقاً للأعين، ومؤذياً للحلوق.. أغمي على البعض، وتراجع آخرون لاسترداد أنفاسهم. ثم أتت الحلول: حليبٌ وكوكا كولا لغسل الوجه في حالة التعرض المباشر للغاز. لا أعرف من نصح بهذه السوائل، وكيف علم بخصائصها "العلاجية"، لكنها فعالةٌ بشكل كبير.

(رابط فيديو للحظات من مسيرة 12 كانون الثاني/يناير2011 في صفاقس)

تمر الدقائق والساعات، ولا تتوقف الحناجر عن الصراخ "وزارة الداخلية وزارة إرهابية"، "يسقط حزب الدستور، يسقط جلاد الشعب"، "تونس حرة حرة وبن علي على برة".. الإجهادُ بدأ يظهر على الجانبين، لكن تستمر المعركة إلى أن دخل فاعلٌ جديد على الخط. بعيد الظهر بدأت عربات وآليات عسكرية تنتشر في شوارع المدينة. تنسحب قوات الشرطة تدريجياً، ويهدأ المتظاهرون.. يستبشر بعضهم بانتشار الجيش الذي طالما حيّد عن الشأن السياسي، ولم يخرج من ثكناته إلا في مناسبات قليلة ولمدة قصيرة.. يتوجس البعض الآخر من عسكرة الشوارع، لكنهم يتنفسون الصعداء أيضاً، فالمواجهات كانت مرهقةً وخطيرة..

****

عند الساعة الثانية أو الثالثة بعد الظهر، بدأت شوارع المدينة تخلو تماماً من الناس. فقط عربات الجيش وعددٌ صغير من المتظاهرين ظلوا يتناقشون، أو يبحثون عن وسيلة للعودة إلى بيوتهم. الدخان ما زال يتصاعد من بعض الأبنية، والحجارة وبقايا المتاريس تملأ الشوارع. لا حافلات ولا تاكسي، وحتى المتظاهرون الذين يمتلكون سيارات، فأغلبهم غادر وسط البلد منذ تسارع الاشتباكات بين الشباب والبوليس. لا خيارَ: سبعة كيلومترات سيراً على الأقدام. أمشي مرهقاً ومتخوفاً بعض الشيء من أن توقفني عربات البوليس التي ما زال بعضها يجول في المدينة. لا أجد أي مطعم أو مقهًى أبوابه مفتوحة، أغلب المحلات مغلقةٌ ما عدا المخابز وبعض البقالات وأكشاك السجائر. أشتري علبة سجائر "دزيري" (مهربة من الجزائر) وقارورة ماء لتعينني على الطريق.

يحتشد الآلاف أمام "مقرات السيادة" وتصبح الشعارات أكثرَ جرأة، ويبدو التوتر والخوف جلياً في أعين البوليس. لم تتأخر المواجهة، وبدأت هراوات البوليس وقنابله المسيلة للدموع باستهداف المتظاهرين، لكن بلا جدوى. الجموعُ كانت غاضبةً وواعية بكثرتها وقوتها لذا لم تنسحب. فانتقلت قوات البوليس إلى استعمال الرصاص المطاطي والحي، وسقط أول شهيد بعد دقائقَ وأصيب آخرون. لكن النتيجة كانت عكسية..

تمر سيارةٌ من حين لآخر، ولا تاكسي في الأفق. أشير بيدي "أوتوستوب" لعل وعسى. تتوقف سيارة بيضاء، ألتفت بتوجس وأتثبت في وجه السائق فأجده مألوفاً. أستاذ آخر من بين الذين درّسوني سابقاً. ركبت السيارة، شكرت الأستاذ على توقفه واستذكرنا قليلاً السنوات التي كنت فيها تلميذه. كان راديو السيارة يشتغل، ويبث نشرة الأخبار: إقالة وزير الداخلية، فرض حظر تجوال.. ننظر لبعضنا البعض بقلق، ونتناقش عما إذا كانت إقالته عقاباً له لأنه لم يتمكن من وقف الانتفاضة، أم هي تضحيةٌ به لتهدئة الأمور.

****

أجد أبي في غرفة الجلوس يتابع قناة الجزيرة أو فرانس 24، لا أتذكر. لم يعاتبني على "كذبتي" الصباحية. حدثته عن مسيرة اليوم بالتفصيل الممل. ألمح في عينيه شكاً وأملاً - وربما خُيّل لي ذلك.. بعض الفخر..

مساءَ اليوم نفسه، بدأتْ عدة أحياء شعبية في المدن الكبرى في التحرك، واتسعت رقعة الانتفاضة. استمرت المظاهرات في صفاقس ومدن أخرى في اليوم التالي، ولم ينجح الخطاب "الانهزامي" لبن علي الذي بثه التلفزيون مساء 13 كانون الثاني/يناير (وعود بضمان الحريات المدنية والسياسية، ومحاسبة الفاسدين، وتوفير مئات آلاف وظائف الشغل) في منع "حصول" 14 كانون الثاني/يناير2011.

****
مرت عشر سنوات بالضبط، وما زلتُ أحتضن في ذهني وقلبي ذلك اليوم الذي انعطفنا فيه يساراً. كأنه البارحة. رائحة القنابل وإفرازات العيون والروح، السماء الرصاصية ورصاص البوليس، الشوارع التي أصبحت فجأةً أوسع وأرحب، الناس الذين صاروا أجمل.. كلها تفاصيلُ أحملها كتعويذة أحتمي بها من وقع الخيبات والانكسارات التي سأعيشها وبقية "الحالمين" فيما بعد. الثورة ليست أصعب ما في الأمر، اليومُ التالي وما بعده أصعبُ بألف مرة. لكن لا بأس. تلك اللحظات التي رأيتَ فيها ببصرك وبصيرتك كيف يرتعد الطغاة ويتحرر المضطهَدون، ويستردون كرامتهم وإنسانيتهم "هي أشياء لا تُشترى"..

وجوه تونسيين "مجهولين" (والمقصود أنهم من بين الناس لا على التخصيص) تعتلي واجهة "لجنة تنسيق" حزب بن علي بعد الثورة. صفاقس، عمل فني من إنجاز المصور الفرنسي JR

مقالات من تونس

للكاتب نفسه

كوفيد-19 في تونس: انطلق الشوط الثاني..

ما الذي حدث في الصيف الماضي؟ خلال شهري تموز/يوليو، وآب/أغسطس، "يتخدر" أغلب التونسيين، ويهجرون الشأن العام، لينغمسوا في موسم الأعراس وحفلات الناجحين في البكالوريا، وعودة المهاجرين من الخارج، والاصطياف والتمتع...