الانتخابات المبكرة في العراق.. مصيدة "تشرين" الناعمة

بأي غرض تجري انتخابات مبكرة في العراق؟ لاخلاء ساحة الاحتجاج، وجعل عودة الاحتجاجات صعبة، بحجّة "إحتجوا وحصلوا على فرصة ومكاسب ففشلوا". كما أن اشتراك الشباب التشريني في الانتخابات، بقوائم وحركات تحمل اسم "تشرين"، سيُضفي شرعية أخرى على العمليتين الانتخابية والسياسية.. وهذا يعيد المقاطعة إلى الواجهة كخيارٍ احتجاجي.
2020-12-29

ليث ناطق

إعلامي من العراق


شارك
الانتخابات النيابية في العراق

في 30 تموز/ يوليو، أعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أن السادس من حزيران/ يونيو 2021 سيكون موعداً لإجراء الانتخابات المبكرة، كخطوة لتحقيق إحدى أهم وأبرز المهام التي تم تنصيبه من أجلها.

لم تتوانَ الأحزاب والتيارات السياسية الفاعلة عن الترحيب، حتى أن بعضها طالب بموعدٍ أبكر لإجراء الانتخابات المنشودة.. مع التزام بعضها الآخر بالصمت، في وقت كانت التيارات ذاتها تعيش انقساماً حول قانون الانتخابات الجديد، الذي اكتملت طبختُه في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، حين صوّت البرلمان على مشروعه، وصادق رئيس الجمهورية عليه مطلع كانون الأول/ ديسمبر، ويُعتَقَدُ أن القانون الجديد يتفوّق على "سانت ليغو" المعدّل (1) الذي كان معتمداً في التجارب الانتخابية السابقة.

هل هنالك فرق؟ 

حوّل القانون السابق – سانت ليغو المعدّل – والذي اعتُمِدَ في آخر انتخابات نيابية عام 2018، محافظات العراق الـ 18 كلّ واحدة إلى دائرة انتخابية، معتمداً التمثيل النسبي، الذي يتطلب الانخراط في القوائم الكبيرة ذات النفوذ. أي أن القوائم الانتخابية تتنافس فيما بينها على مستوى المحافظات ثم على المستوى الوطني. لكنّ القانون الجديد قسّم العراق إلى "دوائر متوسطة"، وهو ابتكارٌ نيابي توافقي راوغ الرغبةَ الشعبيةَ التي عبّرت عنها "تظاهراتُ تشرين" بـ"دوائر متعددة"، فصار العراق 83 دائرة انتخابية، موزعة على مقاسات الأحزاب الكبيرة. ويعتمد الفوز، حسب القانون الجديد، على حصد الأصوات الأكبر داخل الدائرة الواحدة.

من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار الفرق النوعي بين القانونين، على الرغم من الأصوات التي نادت باعتماد الدائرة الواحدة. ويمكن بكل بساطة تسويق القانون الجديد على أنه إنجاز سياسي يستجيب لرغبة الشارع، وهذا ما حصل فعلاً، حيث زفّ قادة العملية السياسية نبأ إقرار القانون الجديد على أنه "خلاص الأمة"، وقارِبُها الديمقراطي الذي سيعبر بها إلى ضفة العيش الكريم، والأهم من ذلك، أنه برهان على استجابة الطبقة الحاكمة لرغبات الجمهور التي عبّرت عنها "تظاهرات تشرين" خير تعبير.

وهم تنفيذ المطالب

ولكن الطبقة الحاكمة غفلت عن أركان أخرى، لن يكون قانون الانتخابات مجدياً من غيرها: مفوضية انتخابات مستقلة، مناخ انتخابي صالح، ومحاسبة الفاسدين والمتورطين بدم أبرياء "تشرين"، إضافةً لحصر السلاح بيد الدولة. بينما يبيّن ما يحصل على الأرض واقعاً مناقضاً، تتضخم فيه آلةُ القتل وينمو التوحّشُ ليمارسَ هوايتَه بحريةٍ أكبر من ذي قبل: قوائم مطلوبين من نشطاء "تشرين"، واغتيالات علنية، واختطاف وتعذيب بأساليب وحشية. كلّ هذا اللا - أمن، يُخْلي الساحة من أصحاب الصوت والرأي التشريني الناقد للفشل السياسي والأمني المتراكم، ويبرهن أن لا بيئةَ صالحة لعملية انتخاب نزيهة.

وتتطلب الانتخابات البرلمانية، وفق الدستور، وجود محكمة اتحادية نافذة الصلاحيات تصادق على نتائج الانتخابات، وهو فراغ آخر سببُهُ عدم اكتمال نصابها، وعجز البرلمان عن تمرير قانون جديد للمحكمة الاتحادية، فقدمت رئاسة الجمهورية مقترحاً جديداً: تسعة أعضاء للمحكمة الاتحادية، بمن فيهم خمسة قضاة، وخبيران في الفقه الدستوري، وخبيران في الفقه الإسلامي. ويبدو هذا الاقتراح الأقرب لرغبات الأحزاب السياسية، ما يرجّح احتمالية اعتماده.

أما تمويل العملية الانتخابية، فقد حسمَ مجلس النواب الجدل الذي أثارته الأزمة المالية/ الاقتصادية الدائرة، عندما أقرّ في 17 كانون الأول/ ديسمبر "قانون تمويل الانتخابات العامة المبكرة" بمقدار 329 مليار دينار عراقي، منها 195 مليار و700 مليون دينار اقتراضات.

يُضاف لكل ما تقدّم، تمسّك الأحزاب والتيارات السياسية بحصصها من التمثيل السياسي في البرلمان والمفاصل الأخرى، ما يُثير الشكّ بجدية إقدامها على انتخابات مبكرّة، ولا يوجد ما يُلزمها بحلّ البرلمان قبيل الانتخابات المقررة 6 حزيران/يونيو 2021.

احتجاجات تشرين.. ثوب بمتناول الجميع

رغم حاجة قارب الانتخابات المبكرة لقارب كي يعبر إلى ضفة الاقتراع النزيه، بدأت تحرّكات، في الظل ثم العلن، تعمل على خلق رأي عام يتقبل الانتخابات المبكرة بتشوّهاتها، وتحضّرُ من أجل كسب دعم شعبي يدفعها نحو كراسي البرلمان، وذلك من خلال تجنيد جيوش إلكترونية مهمتُها إنشاء صفحات ومنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، تبث محتوى يصب في هذا الاتجاه، إضافةً لإنشاء حسابات وهمية تؤيد هذا المحتوى وتسوّقه. ثم بدأت بعض الحركات السياسية تتبلور وتظهر للعلن، حيث أعلنت مفوضية الانتخابات أن عدد طلبات تسجيل الأحزاب وصل إلى 427 طلباً، يرتدي عدد منها ثوب "تشرين" ويرفع شعاراته.

حسب مصدر في مفوضية الانتخابات فإن 5 أحزاب/ حركات تعود لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تستعد لدخول صراع الانتخابات، جميعها يحمل صبغة "تشرين"، وتعمل على استقطاب شباب نشطوا في التظاهرات. يُضافُ لذلك عدد من الحركات والأحزاب التي يرتبطُ مؤسسوها بعلاقة قديمة مع شخصيات رئيسة بالمشهد السياسي العراقي منذ 2003، وأخرى مجهولة التمويل أو القيادة، تفتح جميعها الأبواب أمام انتماء ناشطي "تشرين".

السقوط في شباكهم

يتوجّس بعضُ شباب حراك تشرين - المهدّدين والملاحَقين - من دخول المعترك الانتخابي، في وقت لا يأمنُ أغلبُهم دخولَ بيته. والحقيقة، هو تردّدٌ مبرّر: "كيف سننافس قاتلنا المدجج بالسلاح والمال غير المحدود، ونحنُ عراةٌ إلّا من أملنا بعراق أفضل"؟

خمسة أحزاب/ حركات تعود لرئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تستعد لدخول صراع الانتخابات، جميعها يحمل صبغة "تشرين"، وتعمل على استقطاب شباب نشطوا في التظاهرات.

بعد تجربة الاحتجاجات التشرينية، أيقنت القوى السياسية - الشيعية على وجه الخصوص - أن جماهيريتها التي اعتبرتها ثابتاً لا يتزعزع في المناطق الشيعية، تزعزعت بالفعل، وأن فقدانها بات أقرب. لذا لم تدّخر طريقةً للتخلص من هذا الحراك بدءً بتشويهه وتخوينه، مروراً بقتل واغتيال شبابه. وآخر أطوار الإقصاء ستكون خلق حركات سياسية هشّة، مهمتها الأساس اصطياد الشباب التشريني، وايهامه بإمكانية اشتراكه في العملية السياسية، ثم التخلص منه بطريقتين محتملتين: إما خسارته في الصناديق غير الموثوقة وعدم وصوله، أو منحه مساحة ضيقة تكفي لتسويقها على أنها برهان ديمقراطي، ثم تشغيل آلة التشويه على طريقة "مُنحوا الفرصة واتّضح أنهم أكثر فشلاً".

المقاطعة كخيار

في ظل انفلات الدولة وتهشّم مؤسساتها بمقابل مؤسسات الأحزاب - على صعيدي السلاح والمال - فليس من المؤمّل أن تضحّي هذه القوى المتحاصصة بمكتسباتها وما تسيطر عليه. فهي لم تتوانَ عن قتل أكثر من 700 متظاهر، ومن الخطأ التعامل معها على أنها جهة تمتهن الغباء.

يتوجّس بعضُ شباب حراك تشرين - المهدّدين والملاحَقين - من دخول المعترك الانتخابي، في وقت لا يأمنُ أغلبُهم دخولَ بيته. والحقيقة، هو تردّدٌ مبرّر: "كيف سننافس قاتلنا المدجج بالسلاح والمال غير المحدود، ونحنُ عراةٌ إلّا من أملنا بعراق أفضل"؟

هناك مكسب آخر لمصيدة الحركات السياسية ذات الصبغة التشرينية، يتمثل بإخلاء ساحة الاحتجاج، حيث سيكفل سحبُ شباب "تشرين" إلى فشل العملية السياسية، صعوبةَ عودة الاحتجاجات بحجّة "إحتجوا وحصلوا على فرصة ومكاسب ففشلوا". والفشل في عملية سياسية هجينة، بلا رأس، كالعملية السياسية العراقية بعد 2003، نتيجةٌ محتومة. كما أن اشتراك الشباب التشريني في الانتخابات، بقوائم وحركات تحمل اسم "تشرين"، سيُضفي شرعية أخرى على العمليتين الانتخابية والسياسية.. ما قد يُعيدُ المقاطعة التي عصفت بانتخابات 2018 إلى الواجهة كخيارٍ احتجاجي.

______________

1- Sainte-Laguë طريقة في احتساب الأصوات يفترض بها أن تقلل من العيوب الناتجة عن عدم التماثل بين عدد الأصوات المعبر عنها وعدد المقاعد المتحصَّل عليها.

مقالات من العراق

للكاتب نفسه