الشرطة المصرية: «فــــي خدمة الشعب»؟

إصلاح جهاز الشرطة كان ولا يزال أحد أهم مطالب الثورة المصرية. ففي ظل حالة الطوارئ التي استمر العمل بها طوال سنوات حكم مبارك، قبل أن يعلن المجلس العسكري انتهاءها في أيار/ مايو 2012، كانت تحدث انتهاكات جسيمة ومنهجية، ولم تقتصر على معارضي النظام أو النشطاء السياسيين، بل شملت كذلك المواطنين العاديين.وهي تمثلت في التوقيف والاحتجاز تعسفياً، والتعذيب الذي أدى في حالات كثيرة إلى الموت،
2013-02-27

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
في ميدان التحرير (من الانترنت)

إصلاح جهاز الشرطة كان ولا يزال أحد أهم مطالب الثورة المصرية. ففي ظل حالة الطوارئ التي استمر العمل بها طوال سنوات حكم مبارك، قبل أن يعلن المجلس العسكري انتهاءها في أيار/ مايو 2012، كانت تحدث انتهاكات جسيمة ومنهجية، ولم تقتصر على معارضي النظام أو النشطاء السياسيين، بل شملت كذلك المواطنين العاديين.
وهي تمثلت في التوقيف والاحتجاز تعسفياً، والتعذيب الذي أدى في حالات كثيرة إلى الموت، والإيذاء المعنوي إلى جانب البدني داخل أقسام الشرطة وغيرها من أماكن الاحتجاز. فقمع المتظاهرين السلميين أدى إلى وقوع أكثر من 840 ضحية وجرح ما يزيد على 6000 شخص.

طلاء الجدران وتغيير الشعار

بعد الثورة، أعيد ترميم أقسام الشرطة التي تعرضت للهجوم والإحراق. أعيد طلاؤها وأعيد شعار «الشرطة فى خدمة الشعب» بعد أن كان قد تغير في عهد الوزير الأسبق حبيب العادلي إلى «الشرطة والشعب في خدمة الوطن». وأنشأت وزارة الداخلية صفحة على موقع فيسبوك كتبت أنها تهديها إلى «أبناء مصر الشرفاء مفجري ثورة يناير وإلى شهدائها الأبرار من الشعب والشرطة». حُلَّ جهاز مباحث أمن الدولة وأنشئ بدلا منه جهاز الأمن الوطني، وسط مخاوف من أن يكون دور هذا الجهاز الجديد يماثل دور الجهاز القديم مع تغيير التسميات. وأجريت تغييرات داخل الجهاز شملت إنهاء خدمة عدد من الضباط من أصحاب الرتب العليا، وحركة تنقلات على مستوى المحافظات المختلفة، واستُحدث قطاعان جديدان بوزارة الداخلية، أحدهما لحقوق الإنسان والآخر للتواصل الاجتماعي، ولكنها إجراءات تبدو شكلية، هدفها تهدئة الرأي العام، وليس تحقيق الإصلاح الحقيقي الذي طمح إليه المصريون.

Remake!
وبعيدا عن التصريحات المستمرة من جانب قيادات الداخلية، التي تؤكد أن عقيدة الشرطة قد تغيرت «تماما» بعد الثورة، وأن الشرطة باتت ملتزمة باحترام حقوق الإنسان، فقد جاء الأداء على الأرض مخيبا. فثمة انفلات أمني يعانيه الشارع المصري، وانتشار لحوادث البلطجة على أنواعها، بما فيها أشدها. إلى جانب ذلك استمرت الانتهاكات من قبل الشرطة على مدار عامين من الثورة وشملت بحسب تقارير حقوقية التعذيب في أماكن الاحتجاز واستعمال العنف البدني والنفسي ضد المحتجزين، ما أدى في بعض الحالات إلى الوفاة (هل سبق أن قرأتم الجملة هذه أعلاه؟ هذا ليس خطأ طباعي!!). شملت الانتهاكات مداهمة الشرطة لأحياء سكنية، كانت تنتهي أحياناً باعتقالات وتعذيب، يمارس في الشارع نفسه (لايف!) أو داخل أقسام الشرطة، أدت هي الأخرى إلى إصابات جسدية والموت أحياناً. ووقع اختطاف لنشطاء وتعذيبهم، وفض للاعتصامات والاحتجاجات بالقوة. وقد أكد عدد من المواطنين أنهم تعرضوا للاحتجاز والتعذيب والمعاملة غير الآدمية داخل معسكرات الأمن المركزي، وكان بينهم أطفال، وهو الأمر الذي نفته الداخلية كما نفاه المتحدث باسم النيابة العامة.

خمسة وزراء داخلية في سنتين

نظم أفراد وأمناء الشرطة مؤخرا وقفات احتجاجية في محافظات عدة أمام مديريات الأمن مطالبين بتحسين أوضاعهم الوظيفية، وبتسليحهم كي يتمكنوا من مواجهة أي اعتداء، وبالقصاص لشهداء الشرطة. واستجابة لمطالبهم، قررت وزارة الداخلية شراء 100 ألف بندقية. وكان قرار الوزير الحالي بعدم تسليح القوات إلا بالعصي والدروع والمياه وقنابل الغاز قد
أثار استياء وغضبا في صفوف رجال الشرطة الذين أكدوا أن ذلك يعرض حياتهم للخطر ويحرمهم من حق الدفاع الشرعي عن النفس، وهم يتعرضون للاعتداء بالحجارة وزجاجات المولوتوف والخرطوش والرصاص الحي، ومحاولات اقتحام أقسام الشرطة... مما أدى إلى سقوط قتلى في صفوفهم. وتؤكد الوزارة أن قرار التسليح جاء لمواجهة «العناصر الإجرامية» وليس المتظاهرين، بينما يستمر سقوط قتلى ومصابين بين هؤلاء، يرمى بمسئوليتهم على طرف ثالث مجهول! وتتكرر الإشارات إلى احتمال حدوث تغيير وشيك لوزير الداخلية الحالي الذي عٌيِّن في الرابع من كانون الثاني/ يناير الماضي، وهو خامس وزير للداخلية بعد الثورة

منظمات حقوقية طويلة اللسان

يؤكد تقرير أصدرته إحدى المنظمات الحقوقية («المبادرة المصرية للحقوق الشخصية») بمناسبة مرور عامين على الثورة، أن «تعامل قوات الأمن مع المظاهرات والاضطرابات العامة تراوح بين خيارين: إما القوة المفرطة التي وصلت إلى حد استخدام الأسلحة النارية كالرصاص الحي والخرطوش تجاه مواطنين عزل، كما حدث في شارع محمد محمود على سبيل المثال في نوفمبر 2011 والتي نتج عنها طبقا لتصريحات وزارة الصحة وفاة 45 شخصا على يد رجال الشرطة في اشتباكات استمرت على مدار 6 أيام، بالإضافة إلى أكثر من 60 إصابة في العيون. وقد استمر النهج نفسه في غير ذلك من أحداث، بينما في حالات أخرى لم تتدخل قوات الأمن إطلاقا لمنع الاشتباكات والاضطرابات العامة، مثلما حدث فى أحداث الاتحادية في 5 ديسمبر 2012 حين قتل 10 أشخاص في مواجهات عنيفة أمام القصر الرئاسي بين مؤيدي ومعارضي الرئيس، استمرت أكثر من 12 ساعة دون تدخل أمنى يذكر. كما سكتت قوات الأمن الموجودة خلال هذه الاحداث عن حالات احتجاز غير قانوني وتعذيب، قام بها مدنيون تحت مرأى ومسمع رجال الشرطة دون أن تقبض على المعتدين».

تبعات الإفلات من العقاب: مزيد من القتل

ألغي الحكم بإدانة الرئيس السابق حسنى مبارك ووزير داخليته حبيب العادلى في قضية قتل المتظاهرين. وهذا يعنى إعادة محاكمتها، كما قضت بذلك محكمة النقض. ويشير تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية (كانون الثاني/ يناير 2013) بعنوان «تفشي الإفلات من العقاب: لم تتحقق العدالة لقتلى ثورة 25 يناير حتى الآن»، إلى أنه رغم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي قامت بها قوات الأمن المصرية في معرض محاولتها سحق الانتفاضة (والتي تمثلت كما يذكر التقرير في استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه وبنادق الخرطوش والرصاص المطاطي والذخيرة الحية ضد المتظاهرين وتعمد عناصر قوات الأمن قيادة عرباتهم المدرعة باتجاه مجموعات المحتجين ودهسهم، والاعتداء بالضرب على المحتجين باستخدام الهراوات والعصي والركل...) لم تجر إدانة أي مسؤول رفيع المستوى أو ضابط كبير في أجهزة الأمن، أو معاقبته بطريقة عادلة لتسببه بشكل مباشر أو غير مباشر بمقتل المحتجين أو إصابتهم، حيث بُرأت عناصر جهاز الأمن وخصوصا كبار الضباط من المسؤولية بداعي نقص الأدلة، أو بعد أن ارتأت المحاكم أن المتهمين من رجال الشرطة كانوا يمارسون حقهم في الدفاع عن النفس، رغم أن العديد من المحتجين قتلوا في الميادين العامة بعيدا عن المناطق المحيطة بأقسام الشرطة. ويؤكد التقرير أن هذا الإفلات من العقاب أدى إلى مقتل مزيد من المحتجين، سواء خلال فترة حكم المجلس العسكري أو منذ تولى الرئيس مرسي مهام منصبه مع استمرار الإفلات من العقاب أيضا.

توصيات من منظمة العفو الدولية

حثت المنظمة العالمية السلطات المصرية على نشر نتائج وتوصيات لجنة تقصي الحقائق التي شكلها الرئيس مرسي في تموز/ يوليو 2012 للنظر في الانتهاكات المرتكبة بحق المحتجين، وتشكيل هيئة مستقلة للتصدي لأوجه النقص التي تواجهها عملية جمع الأدلة من أجل ضمان اكتمال التحقيقات في قتل المحتجين سواء أثناء ثورة 25 يناير أو بعدها، مع ضرورة أن تتمتع تلك الهيئة بصلاحيات الضبط والتفتيش واستدعاء الشهود والمتهمين رسميا، وضمان التعاون الكامل مع التحقيقات لجميع الجهات والأجهزة الرسمية، بما في ذلك وزارتي الداخلية والدفاع. وأوصت بمحاسبة الأفراد الذين يرفضون الإفصاح عن المعلومات، أو يعمدون إلى العبث بالأدلة أو إتلافها، واستحداث نظام تمحيص يضمن إيقاف عناصر قوات الأمن وغيرهم من المسؤولين عن العمل، وعدم نقلهم إلى مواقع أخرى جديدة تتيح لهم ارتكاب انتهاكات أخرى في حال الاشتباه بارتكابهم أو إصدارهم أوامر بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وذلك بانتظار اكتمال نتائج التحقيقات والإجراءات القضائية، مع ضرورة الإعلان عن الالتزام الصارم بإصلاح أجهزة الأمن والشرطة، وجعل التشريعات الناظمة لعملها وأنشطتها أكثر اتساقا مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال حقوق الإنسان .

لا حياة لمن تنادي

وكانت المنظمة قد أرسلت في تموز/ يوليو 2012 مذكرة مفصلة إلى الرئيس مرسي حثته فيها، من جملة أمور أخرى، على وضع قضية إصلاح الشرطة ومؤسسات الأمن في صدارة جدول أعماله. إلا أنها أكدت لاحقا أن «الرئيس لم يتخذ حتى الآن أية خطوات لإجراء الإصلاحات الكبرى الضرورية لضمان وضع إطار من شأنه أن يحمل الشرطة على العمل بموجب القانون وعدم تكرار انتهاكات الماضي». وتشدد المنظمة على أن «الإصلاح لا يمكن أن يبدأ إلا بتوفر الإرادة السياسية لوقف الانتهاكات والقضاء على التعذيب وضمان ألا يكون أى من أفراد قوات الأمن فوق القانون. فمن دون وجود إرادة سياسية واضحة وقوية لمواجهة التعذيب ووضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان فإن الإصلاح لن يتجاوز القشور». ومن غير المستبعد أن يجاب على هذا التقرير بأن «الغربيون» يتدخلون هنا في ما لا يعنيهم؟!

مقالات من مصر

للكاتب نفسه