وإذا المواهب سئلت بأي ذنب وئدت؟

خلال شهر تموز/ يوليو الماضي، أُعلنت في مصر نتيجة الثانوية العامة. وأعقب ذلك كالعادة بدء تلقي رغبات الناجحين للالتحاق بالكليات المختلفة، وهو ما يُعرَف بتنسيق القبول بالجامعات، الذي يجري على ثلاث مراحل حسَب المجموع الذي حصل عليه الطالب. ونظرا لطبيعة المقررات الدراسية ونُظُم التقويم، لا يمكن اعتبار المجموع مؤشرا صادقا على مستوى الطالب أو معبرا عن قدراته المتعددة، فهو لا يدل إلا على القدرة على
2014-08-26

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
(من الانترنت)

خلال شهر تموز/ يوليو الماضي، أُعلنت في مصر نتيجة الثانوية العامة. وأعقب ذلك كالعادة بدء تلقي رغبات الناجحين للالتحاق بالكليات المختلفة، وهو ما يُعرَف بتنسيق القبول بالجامعات، الذي يجري على ثلاث مراحل حسَب المجموع الذي حصل عليه الطالب. ونظرا لطبيعة المقررات الدراسية ونُظُم التقويم، لا يمكن اعتبار المجموع مؤشرا صادقا على مستوى الطالب أو معبرا عن قدراته المتعددة، فهو لا يدل إلا على القدرة على الحفظ والتذكر ساعة الامتحان. ومع حالات الغش وتسريب الامتحانات، تفقد العملية ككل مصداقيتًها.
لا يُتيح النظام التربوي والتعليمي كما هو قائم الفرصة لاكتشاف الفرد لذاته ومواهبه ومعرفة ميوله وقدراته، ولا يقدّم له التوجيه الذي يحتاجه – لاسيما في مراحل عمرية مبكرة - للمجال الذي يمكن أن يتميز فيه ويُبدع. فتتسم اختياراته بالعشوائية والتخبُّط.ّ في المدرسة يجد الطفل نفسه في صفّ مزدحم بعشرات غيره، لكلٍّ موهبته التي تنتظر أن تُعطَى الفرصة للظهور والنمو. تلك الفرصة التي لا تأتي أبدا. إذ تصطدم المواهب الغضّة بنظام تعليمي بائس يأخذهم في دوّامته التي تستهلك أهم سنواتهم وأجملها في حفظ معلومات جامدة تمتلئ بها الكتب المدرسية، ولَفظِها عند الامتحان. وتجري العملية التعليمية في اتجاه واحد، فيقتصر دور الطالب على التلقي السلبي مما يَحُول دون تنمية شخصيته وقدراته، خاصة مع غياب الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية وغيرها، فيتخرج وهو لا يعرف ماذا يريد ولا كيف يختار عندما تأتي لحظة الاختيار.
ثمّة ثقافة مجتمعية تتوارثها الأجيال، تعتبر أن معيار النجاح الدراسي مرتبط بالالتحاق بكليات معينة دون أخرى (تعرف ب"كليات القمة")، وأن هناك وظائف "أرقى" و"أفضل" من غيرها، وأن القسم العلمي في الثانوية العامة يدخله المتفوقون بينما الأدبي يدخله الضعاف دراسيّاً والكسالَى. ونحن إذا سألنا أي طفل أو مراهق عن مستقبله فستكون إجابته غالبا أنه يريد أن يصبح طبيبا أو مهندسا. وأحيانا ضابطا. وربما تحمل الإجابة قدرا من الاختلاف، فتكون لاعب كرة أو ممثل أو مذيعة. والإجابة الأخيرة لا تعكس في الغالب وعيا بموهبة رياضية أو فنية، وإنما التأثر بشخصية مشهورة، أو بحالة الشهرة والدخل الوفير. هذه الثقافة تجعل الأسر تُرسِّخ في أذهان أبنائها منذ الصغر أن النجاح لا يتحقق إلا بالالتحاق بكلية من "كليات القمة"، والنجاح هنا ليس فقط للأبناء ولكن أيضا للآباء الذين سوف يشعرون وقتها بأنهم قد "أدّوا رسالتهم على أكمل وجه"، وعلَّموا أبناءهم "أحسن تعليم". وهم بذلك يمارسون ضغطا نفسيّا على أبنائهم الذين يعتبرون إخفاقهم في الالتحاق بكلية من هذه الكليات بمثابة تقصير من جانبهم في حق الوالدين، إلى جانب بالطبع الشعور بالفشل الشخصي. وفي كثير من الأحوال لا يقتصر الأمر على الضغط النفسي بل يمتد لأبعد من ذلك. فبدلا من الحوار بين الآباء والأبناء حول مستقبل الأخيرين يقتصر فيه دور الأوّلين على إسداء النصح ويُترَك للأبناء حرية الاختيار، يُسفّه الآباء اختيارات أبنائهم ويقومون بأنفسهم بمهمة الاختيار على أساس أنهم "الأكثر خبرة وإدراكا لمصلحة أبنائهم". ويسير الابن وفق الخُطَّة التي يرسمها له أبواه، أحدهما أو كلاهما، مجبَرا، أو مستسلما لأنه لا يعرف ماذا يريد، فتكون البدائل أمامه سواء.
لذلك نجد الحاصلين على المجاميع الأعلى في الثانوية العامة يتوجهون مباشَرةً لـ"كليات القمة"، التي يكون الحد الأدنى للقبول بها مرتفعا (الطب والهندسة والصيدلة في القسم العلمي، والاقتصاد والعلوم السياسية والإعلام والألسن في القسم الأدبي). ويعتبر البعض أن تمكّنَهم من حجز مكان في تلك الكليات هو "الهدف الأسمى"، لذلك تأتي نتائجهم الدراسية فيما بعد مخيّبة. والبعض يرجِّح "كلية قمة" على أخرى لأسباب تتعلق مثلا بأيّهما يتطلب جهدا أقل ويوفر فرصة عمل بدخل أعلى. فبعض الطلاب يفضلون الصيدلة على الطب لأن عدد سنوات الدراسة بالأولى أقل، وهي تؤمّن للمتخرجين دخلا مرتفعا، وفي الوقت ذاته تمنح لقب "دكتور". ويمكن لأبناء المقتدرين ماديّا التوجه للجامعات الخاصة لتحقيق حلم الالتحاق بـ"كلية قمة"، حيث يقل الحد الأدنى عن المطلوب في نظيرتها الحكومية. وبوجه عام، فإن المعايير التي يعتمد عليها الطالب لاختيار كليته، إلى جانب المجموع، هي ما يتطلبه سوق العمل، أو مدى توافر وساطة في مجال معين يمكن الاعتماد عليها للحصول على وظيفة بعد التخرج. والبعض يخطط للحصول على "وظيفة مرموقة" (كالسلك القضائي أو الدبلوماسي أو الأكاديمي)، وهناك من يسير على خطى والده...
المشكلة لا تقتصر على الطلاب متوسطي أو ضعاف المستوى بل تطال أيضا المتفوقين، أو لنقل بالتعبير الصحيح إنها تشمل على السواء الحاصلين على مجاميع عالية ومنخفضة. فالجميع ضحية نظام واحد وثقافة واحدة. نقلت إحدى الصحف عن طالبة من أوائل الثانوية العامة هذا العام أن صلاة الاستخارة هي التي ستحدد ما إذا كانت ستلتحق بالطب أو بالصيدلة. وأخرى تطمح بدخول كلية الطب، رغم أنها تمتلك موهبة الرسم التي قالت إنها تمارسها في وقت فراغها. ومع ضغوط العمل والحياة والمسؤوليات التي تتزايد مع الزمن يقل الاهتمام بالموهبة شيئا فشيئا إلى أن يتلاشى تماما.
قد يرى البعض في مسألة "البحث عن الذات" نوعاً من الرفاهية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة ومعدلات بطالة مرتفعة، مما يُجبِر الطالب على البحث عما يحتاجه سوق العمل. وهناك من يتمسك بما يريد ولو بتحقيقه بعد حين، ولكن مثل هذه النجاحات تمثل حالات فرديّة.. استثناءات، بينما القاعدة أن يُحرَم الفرد من فرصة الإبداع وفرحته، وأن يُحرَم البلد من إبداعات أبنائه التي وُئدَت قبل أن تولَد. وأن تظلَّ مهدَرة طاقات ومواهبُ شتى.. بفعل فاعل!
           

مقالات من مصر

شهادة من أحمد دومة

2021-12-04

هذه الوقائع وغيرها تقول: مَنْ حاكمَ مَنْ؟ على ماذا؟ كانوا يحاكمون الثورة، وحكموا عليها، وهم القتلة المجرمون.

للكاتب نفسه

طفولة سمراء وحيدة في القاهرة

يُعرّف الأطفال غير المصحوبين بذويهم بأنهم أولئك الذين ليس معهم آباؤهم أو أي عضو آخر من أعضاء أسرهم، أما الأطفال المفصولون عن ذويهم فهم الذين ليس معهم آباؤهم ولكنهم مع...

وللاجئات نصيبٌ أيضاً: أصوات لم تُسمع في حديث العنف الجنسي في مصر

عادة ما يكون اللاجئون في البلدان المختلفة أكثر عرضة من غيرهم للانتهاكات الجنسية، إذ يُنظر إليهم كأغراب/مستضعَفين، كما أن أوضاعهم الاقتصادية الهشّة، وصعوبات اللغة والتواصل في المجتمعات المضيفة تزيد من...