قلوب مدارسنا متوقفة عن النبض

يعكس واقع الأنشطة المدرسية في المدارس المصرية حالة التخبط والعشوائية التي يعيش فيها النظام التعليمي ككل. فالنظام المعمول به يُعدّل من حين لآخر. وعند اختياره للنشاط، يكون التلميذ مقيداً بمدى توافر المدرّس أو الاختصاصي في مدرسته، وكذلك التجهيزات المناسبة. فمثلا هناك مدارس ليس فيها اختصاصي صحافة أو مدرّس موسيقى. وقد يوجد المدرّس أو الاختصاصي ولا توجد التجهيزات، فلا يتاح للطلاب الممارسة
2014-09-23

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
(من الانترنت)

يعكس واقع الأنشطة المدرسية في المدارس المصرية حالة التخبط والعشوائية التي يعيش فيها النظام التعليمي ككل. فالنظام المعمول به يُعدّل من حين لآخر. وعند اختياره للنشاط، يكون التلميذ مقيداً بمدى توافر المدرّس أو الاختصاصي في مدرسته، وكذلك التجهيزات المناسبة. فمثلا هناك مدارس ليس فيها اختصاصي صحافة أو مدرّس موسيقى. وقد يوجد المدرّس أو الاختصاصي ولا توجد التجهيزات، فلا يتاح للطلاب الممارسة العملية للأنشطة. فضلا عن أن توزيع التلاميذ على الأنشطة المختلفة يجري بطريقة عشوائية. ورغم أن مواد النشاط – وفقا لنظام التقويم التربوي الشامل المعمول به حاليّا - تعتبر "نظريا" مواد نجاح ورسوب (تضاف إلى المجموع في مرحلة التعليم الأساسي ولا تضاف في المرحلة الثانوية) إلا أن ما يحدث فعليا أن جميع الطلاب ينجحون فيها ويحصلون على درجات مرتفعة (بل نهائية)، وهو ما يعكس النظرة للأنشطة باعتبارها مواد هامشية.

المكتبات

وطبقا لما تنص عليه النشرة الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للمكتبات التابعة لوزارة التربية والتعليم، تعمل المكتبة المدرسية على تحقيق مجموعة من الأهداف التعليمية والتربوية منها خدمة المقررات الدراسية، حتى لا يصبح الكتاب المدرسي المصدر الوحيد للمعلومات، وتوفير مصادر المعلومات المختلفة (كتب – دوريات – مواد سمعية وبصرية – مراجع)، وتدريب التلاميذ على استخدامها، وتأهيلهم لاستخدام أنواع أخرى من المكتبات في حياتهم الحاليّة والمستقبلية، وإكسابهم مهارة التعلم الذاتي الذي يؤدي إلى التعليم المستمر.
وبعيدا عن أي كلام نظري يصاغ بإحكام أو بركاكة في وثائق رسمية تحدد الإطار العام للعمل أو تفاصيله، فإن ما يحدث على أرض الواقع دائما ما يكون مغايراً. فالمقررات الدراسية لا تربط المتعلِّم بالمكتبة، والاعتماد الكامل يكون على الكتاب المدرسي "الذي لا يخرج عنه الامتحان" (أو على مذكرات الدروس الخصوصية أو الكتب الخارجية والتي هي في النهاية صور أخرى للكتاب المقرر بمزيد من التبسيط والتوضيح والتطبيقات).
ورغم وجود منهج مكتوب للمهارات المكتبية (وهو منهج متدرج حسب المرحلة التعليمية) يفترض أن يقوم اختصاصي المكتبة بتدريسه للطلاب وتدريبهم عمليا على استخدام مصادر المعرفة المختلفة، إلا أنه غير مفعّل، ومن ثم يتخرج الطالب دون أن يكون ملماً بهذه المهارات (يتخرج الطالب مثلا وهو لا يعرف ما المقصود بكتب المراجع ولا كيف يستخدمها). كذلك، ليس هناك برنامج مخطط للقراءة ينخرط فيه الطلاب (يكون متدرجا أيضا بدءا من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية)، حيث تقدم خدمات الإرشاد القرائي بصورة عشوائية.
وتقوم الإدارة العامة للمكتبات بإعداد قائمة ببليوغرافية بالكتب المختارة لكل مرحلة تعليمية، كي تسترشد بها المكتبات المدرسية في عملية التزويد. ولسنا هنا بصدد تقييم ما تضمه هذه القائمة من عناوين، وما إذا كانت تُحدَّث بصورة دورية، ومدى وفائها بالاحتياجات التعليمية والتثقيفية للطلاب.. ولكنّ المتصفح لهذه القائمة سيلاحظ وجود أعمال لعبد الرحمن الكواكبي، جورج أورويل، شكسبير، عبد الوهاب المسيري، يحيى حقي، وغيرهم. ومن المؤكد أن نسبة كبيرة من الطلاب يغادرون المدرسة – وربما الحياة أيضا – دون أن يسمعوا ببعض هذه الأسماء، فضلا عن أن يقرأوا لها. وبعض الأسئلة يتعلق بمدى توافر الكتب المذكورة (المطبوعة وغير المطبوعة) التي تقتنيها المكتبات المدرسية كمّا وكيفا. وحتى في حالة وجود هذه العناوين أو بعض منها، فهل يجري توجيه الطلاب إلى استخدامها والاستفادة منها أم أنها توضع على الأرفف؟ وهل تجري العمليات الفنية من تصنيف وفهرسة وما إلى ذلك على الوجه الذي يسهل وصول المستخدم إلى المواد المطلوبة أم يؤدي إلى تنفيره؟ وماذا عن التجهيزات التقنية المتاحة بهذه المكتبات، خاصة مع قلة المخصصات المالية أو انعدامها التام.
ويرجع بعض الباحثين أسباب عزوف الطلاب عن التردد على المكتبات المدرسية إلى عدم قيام المدرس بإرشاد الطلاب إلى استخدام المكتبة (تفيد بعض الأبحاث أن هناك علاقة طردية بين قراءات المعلم وقراءات طلابه، فكلما كانت قراءاته كثيرة ومتنوعة كثرت وتنوعت قراءات طلابه، وارتفع أداؤه). كذلك عدم اهتمام الطلاب بمزاولة القراءة الخارجية (أي خارج المقررات الدراسية). وأن المدرسين لا يطلبون بحوثا تقتضي التردد على المكتبة (وإن طلبوا فالإنترنت هو الملاذ من خلال طريقة الـ copy paste السهلة والسريعة لإعداد الأبحاث ربما حتى دون قراءتها).

أرقام ومعطيات

ولما كانت المكتبة المدرسية في الغالب أول مكتبة يقابلها الطفل في حياته، فإن علاقته بالمكتبات الأخرى وبالكتب عموما وإدراكه لقيمة القراءة وأهميتها، تتوقف على علاقته بهذه المكتبة. ويمكن القول إن واقع القراءة في المجتمع المصري بوجه عام وعلى مستوى فئتي الأطفال والشباب بوجه خاص يعد الدليل الأكبر على أن المكتبات المدرسية لا تقوم بدورها. وقد أجرى "مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" بالتعاون مع كلية الآداب جامعة القاهرة في آذار/مارس 2009 مسحا لدراسة واقع القراءة الحرة لدى النشء والشباب في المجتمع المصري، وذلك على عينة من عمر 6 إلى أقل من 15 عاما، وأخرى من عمر 15 إلى 29 عاما. وقد أظهر المسح أن أسباب عدم إقبال النشء على القراءة ترجع إلى (على الترتيب) عدم تشجيع الأسرة، وكثرة القنوات التلفزيونية، وكثرة الأعباء المدرسية، وعدم تشجيع المدرسين، والجلوس لفترات طويلة أمام الإنترنت، وعدم وجود دعاية كافية عن الكتب، وعدم تخصيص حصة للمكتبة في الجدول الدراسي، وارتفاع أسعار الكتب. وتمثلت دوافع القراءة لدى النشء وفقا لنتائج المسح (التي سمح فيها بتعدد الإجابات) في: التسلية والترفيه وقضاء وقت الفراغ (47.8 في المئة)، والاطلاع والتثقيف (44.2 في المئة)، وإضافة معلومات مرتبطة بالمناهج الدراسية (45.6 في المئة). وفي ما يتعلق بنوعية الكتب التي يفضل النشء قراءتها، أتت القصص في المقدمة (52.5 في المئة)، تليها الكتب الدينية (46.5 في المئة). بينما جاءت الكتب التاريخية والعلمية في ذيل القائمة بنسبة 21.2 في المئة و18.1 في المئة على التوالي. وأن 75.7 في المئة ممن شملهم المسح يترددون على المكتبات المدرسية، ودوافعهم في ذلك قراءة الكتب والمجلات، يليه الحصول على معلومات عن موضوع معين، بينما مثل من يترددون على المكتبات المدرسية بهدف استعارة الكتب 10.6 في المئة. وأن النسبة الأكبر من النشء الذين يستخدمون الأنترنت يستخدمونه في الألعاب. وتمثلت الإجابات عن أهم العوامل التي يمكن أن تشجع النشء المصري على القراءة في: التوسع في إنشاء المكتبات، والتشجيع على القراءة من خلال وسائل الإعلام، مع ضرورة تخصيص حصص للقراءة في المدرسة. وأن الوالدين من أكثر الأشخاص قدرة على التأثير في النشء لتشجيعهم على القراءة حيث بلغت نسبة من أشاروا إلى ذلك 81.9 في المئة ثم الأصدقاء ثم الشخص نفسه.
أما عن اتجاهات القراءة لدى الشباب، فقد أظهر المسح أن الكتب الدينية تستحوذ على النصيب الأكبر من اهتمام الشباب حيث يحرص على قراءتها 64.7 في المئة من الشباب الذين يمارسون القراءة الحرة، تليها الكتب العلمية والتاريخية بنسب متقاربة، ثم الكتب الرومانسية والقصص والشعر. وأن 97 في المئة من الشباب يقرأون باللغة العربية و2.2 في المئة فقط يقرأون باللغة الإنكليزية.
وكان وزير التربية والتعليم قد أشار إلى أن عدد المكتبات المدرسية على مستوى الجمهورية يبلغ 24.840 مكتبة موزعة على 27 مديرية تعليمية، أي أن نصف المدارس بلا مكتبات. وإذا كان بعض التربويين يرون المكتبة "قلب المدرسة النابض الذي تفيض منه إلى التلاميذ والمدرسين دماء الإلهام والاستكشاف"، فإن عنوان النص إذاً لا ينطبق إلا على نصف عدد المدارس، أما النصف الآخر فهو – أصلا – بلا قلوب.
            
 

مقالات من مصر

الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

رباب عزام 2021-11-20

أقر مشروع قانون إنشاء "صندوق الوقف الخيري" بوزارة الأوقاف، الذي يتبع رئاسة الوزراء مباشرة وله شخصية اعتبارية. البند الثاني من القانون، الخاص بدعم أجهزة الدولة، مطاط إلى حد كبير، ما...

للكاتب نفسه

طفولة سمراء وحيدة في القاهرة

يُعرّف الأطفال غير المصحوبين بذويهم بأنهم أولئك الذين ليس معهم آباؤهم أو أي عضو آخر من أعضاء أسرهم، أما الأطفال المفصولون عن ذويهم فهم الذين ليس معهم آباؤهم ولكنهم مع...

وللاجئات نصيبٌ أيضاً: أصوات لم تُسمع في حديث العنف الجنسي في مصر

عادة ما يكون اللاجئون في البلدان المختلفة أكثر عرضة من غيرهم للانتهاكات الجنسية، إذ يُنظر إليهم كأغراب/مستضعَفين، كما أن أوضاعهم الاقتصادية الهشّة، وصعوبات اللغة والتواصل في المجتمعات المضيفة تزيد من...