التعليم الفني في مصر: بين إهمال الدولة ونظرة المجتمع المتعالية

وفقا لمعهد اليونسكو للإحصاء، فإن التعليم الفني والمهني هو التعليم المخصص أساسا لإكساب المشاركين فيه المهارات العملية والمعارف التي سيستخدمونها مستقبلا في حرفة أو مهنة ما أو مجموعة من الحرف أو المهن. وبينما يركز التعليم المهني على مهنة أو حرفة معينة، فإن التعليم الفني لا يستهدف مهنة أو حرفة معينة وإنما يعطي معرفة شاملة عن الأمور والمفاهيم الفنية. وعليه يمكن اعتبار كل برامج التعليم المهني
2014-02-05

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
(من الانترنت)

وفقا لمعهد اليونسكو للإحصاء، فإن التعليم الفني والمهني هو التعليم المخصص أساسا لإكساب المشاركين فيه المهارات العملية والمعارف التي سيستخدمونها مستقبلا في حرفة أو مهنة ما أو مجموعة من الحرف أو المهن. وبينما يركز التعليم المهني على مهنة أو حرفة معينة، فإن التعليم الفني لا يستهدف مهنة أو حرفة معينة وإنما يعطي معرفة شاملة عن الأمور والمفاهيم الفنية. وعليه يمكن اعتبار كل برامج التعليم المهني تعليما فنيا ولكن لا تكون بالضرورة كل برامج التعليم الفني تعليما مهنيا.

 ويعد هذا النوع من التعليم المصدر الأساسي لتزويد قطاعات الإنتاج والخدمات المختلفة بالقوى العاملة المدربة والمؤهلة على مستوى فئتيْ الفنيين والعمال المهرة. أما في مصر فهناك العديد من المشكلات التي تجعله قاصرا عن أداء هذا الدور.

نظرة عامة بالأرقام

بعد إتمام مرحلة التعليم الأساسي (الابتدائية ثم الإعدادية) يتوجه الطالب إلى أحد مسارين: تعليم ثانوي عام (3 سنوات) أو تعليم ثانوي فني ينقسم بدوره إلى نظامين : 3 سنوات (يمنح دبلوما فنيا، وهو النظام الأكثر انتشارا) و5 سنوات (يمنح دبلوما فنيا متقدما). ويمكن لمتخرجي النظامين الالتحاق بالتعليم العالي (معاهد متوسطة وكليات تكنولوجية وجامعات ومعاهد عليا) وفقا لتخصصاتهم ونتائجهم في الامتحانات النهائية. إلا أن هناك شروطا وقواعد معينة تحكم التحاق الحاصلين على الدبلومات الفنية بالجامعات والمعاهد العليا، مما يجعل فرصهم في ذلك قليلة مقارنة بفرص نظرائهم الحاصلين على الثانوية العامة.

وينقسم التعليم الثانوي الفني بشكل أساسي إلى 3 أقسام :

 صناعي، زراعي، تجاري وبكل منها شعب وتخصصات مختلفة. ولأن الحد الأدنى للقبول بالتعليم الثانوي الفني بنوعياته المختلفة يكون هو الأقل دائما فإن الملتحقين به يكونون في الغالب من الطلاب الذين لم تؤهلهم درجاتهم في المرحلة الإعدادية للالتحاق بالثانوي العام، فيتجهون "مضطرين" إلى الثانوي الفني. ومن هنا جاءت النظرة الدونية من جانب المجتمع لهذا النوع من التعليم وطلابه ومتخرجيه، باعتباره تعليما "درجة ثانية". كذلك تفضل بعض الأسر إلحاق أبنائها بالتعليم الفني لعدم قدرتها على تحمل مصروفات الثانوية العامة ودروسها الخصوصية ذات التكلفة الباهظة، وأيضا اختصارا للطريق والتخرج سريعا والحصول على شهادة الدبلوم ومن بعدها فرصة عمل تكفل دخلا، خاصة أن أغلب الطلاب ينتمون إلى مستويات اجتماعية واقتصادية منخفضة، وفي حالات أخرى يكون رب الأسرة صاحب حرفة أو لديه ورشة أو مشروع صغير ويرغب في مساعدة ابنه له في عمله فيلحقه بالتعليم الفني.

 ووفقا لوزارة التربية والتعليم، بلغ إجمالي عدد تلاميذ الثانوي الفني خلال العام الدراسي 2012 - 2013 أكثر من مليون و686 ألف تلميذ موزعين كالتالي: 856 ألف تلميذ بالثانوي الصناعي، 179 ألف تلميذ بالثانوي الزراعي، 651 ألف تلميذ بالثانوي التجاري. بينما يبلغ إجمالي عدد التلاميذ بالثانوي العام أكثر من مليون و390 ألف تلميذ، وذلك من إجمالي حوالي 18.3 مليون تلميذ في التعليم قبل الجامعي بمراحله المختلفة (باستثناء التعليم الأزهري) .
أما بالنسبة لعدد المدرسين في الثانوي الفني، فقد بلغ أكثر من 147 ألف مدرس (96 ألفا للثانوي الصناعي، 13 ألفا للثانوي الزراعي و 36 ألفا للثانوي التجاري)، أي بنسبة أكثر من 15 في المئة من إجمالي عدد المدرسين في التعليم قبل الجامعي والبالغ حوالي 933 ألف مدرس.

 وهناك 1929 مدرسة ثانوية فنية: 947 للثانوي الصناعي، و188 للزراعي، و794 للتجاري، بينما بلغ عدد مدارس الثانوي العام 2874 مدرسة، وذلك من إجمالي حوالي 47.5 ألف مدرسة على مستوى الجمهورية. وبينما بلغت نسبة المدارس الخاصة في الثانوي العام 31.3 في المئة (و11.5 في المئة من الطلاب)، فهي في الثانوي الصناعي 1.3 في المئة (و0.4 في المئة من الطلاب) وفي التجاري 27.1 في المئة (17.5 في المئة من الطلاب) بينما لا توجد مدارس خاصة للثانوي الزراعي.

 وبلغ متوسط كثافة الطلاب في الصف في الثانوي العام أكثر من 37 طالبا (39 في المدارس الحكومية و29 في المدارس الخاصة) وبلغ في الثانوي الصناعي حوالي  34 طالبا ، وفي الثانوي الزراعي أكثر من 37 طالبا ، أما في الثانوي التجاري فبلغ المتوسط  38 طالبا بالتقريب ، وهو التخصص الوحيد الذي ترتفع فيه الكثافة في المدارس الخاصة عن الحكومية (ما يقرب من 40 في المدارس الخاصة مقابل حوالي 37 في الحكومية).

 وبينما بلغت نسبة البنات إلى جملة التلاميذ خلال العام الدراسي نفسه في الثانوي العام 53.74 في المئة (والمعدل في الريف اعلى من المدينة: 54 في المئة)، بلغت في الثانوي الصناعي 35 في المئة، وقد سجلت البنات أقل نسبة في الثانوي الزراعي إذ بلغت 18 في المئة، وأعلى نسبة في الثانوي التجاري: 60 في المئة.

دراسات وتوصيات ولا تنفيذ

اهتم العديد من الدراسات بتناول واقع التعليم الفني في مصر وسبل تطويره، سواء أجرتها جهات محلية أم دولية. واللافت والمتوقع في الوقت نفسه، أنه على الرغم من المدى الزمني الذي يفصل بين هذه الدراسات نجد تشابها كبيرا بينها سواء بالنسبة للمشكلات التي رصدتها أم المقترحات والتوصيات التي خرجت بها.

 ولعل أبرز مشكلات التعليم الفني كما تشير هذه الدراسات، عدم وجود الربط الكافي بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، على الرغم من أهمية الجانب العملي في هذا النوع من التعليم الذي من المفترض أنه يُغلّب النواحي العملية على تلك النظرية.

 إذ لا تتاح للطلاب الفرصة للتدرب داخل المصانع والمزارع والمؤسسات الإنتاجية والخدمية المختلفة. وحتى بالنسبة للتدريب داخل المدارس نفسها، فيظل غير كافٍ نتيجة كثرة عدد الطلاب من جهة وقلة الوقت المخصص من جهة أخرى، ومن ناحية ثالثة وجود نقص في الآلات والأجهزة أو تقادمها وعدم تحديثها، وكذلك في المواد والخامات المطلوبة، وعدم توافر الخبراء اللازمين لتدريب الطلاب عمليا، مما يؤدي إلى أن يكون المتخرج محدود المعارف والمهارات ومن ثم غير قادر على المنافسة في سوق العمل داخليا أو خارجيا، حيث يعاني المتخرجون من ارتفاع معدلات البطالة بينهم والفشل في الحصول على فرص عمل في مجال تخصصهم الدراسي، لا سيما مع غياب تنمية اقتصادية حقيقية، صناعية كانت أم زراعية، من شأنها إتاحة عدد كبير من فرص العمل تستوعب نسبة عالية من المتخرجين.

 ويتسم المستوى العلمي لطلاب الثانوي الفني بشكل عام بالانخفاض الذي يصل في بعض الأحيان إلى درجة عدم القدرة على القراءة والكتابة (هذا على الرغم من ارتفاع نسب النجاح!) فضلا عن المشكلات والانحرافات السلوكية كالغياب عن المدرسة أو الهروب منها والغش في الامتحانات، والتدخين وتعاطي المخدرات وممارسة العنف داخلها. هذا إلى جانب المشكلات المعروفة التي يعاني منها التعليم المصري بمراحله وأنواعه كافة، والمتمثلة في انخفاض كفاءة المعلم وتخلف المناهج وقصور نظم التقويم وغياب الأنشطة وسوء الإدارة المدرسية وقلة المخصصات المالية. والمشكلة الأساسية والمتمثلة في غياب الرؤية الاستراتيجية.

 ويوصي الباحثون بضرورة تغيير سياسة القبول في التعليم الثانوي الفني الذي يجعل من مجموع الطالب معيارا وحيدا للالتحاق، وكذلك لاختيار التخصص في ما بعد، دون اعتبار لميوله ورغبته، حيث يلتحق الطالب بالشعبة التي أوصله إليها مجموعه من دون أن يعرف طبيعتها أو أهميتها أو المهن التي تُعده للعمل بها بعد التخرج.
لذلك من المهم أن يكون هناك تحديد وتوصيف للمهن التي يُعد لها كل قسم أو شعبة، مع ضرورة إدخال جوانب فنية ومهنية ضمن خطة الدراسة في مرحلة التعليم الأساسي لمساعدة التلاميذ على اكتشاف ميولهم ومهاراتهم وتوجيههم للاختيار الدراسي المناسب في المراحل التعليمية اللاحقة. وهو ما يعني أن إصلاح التعليم الفني وتطويره مرتبطان بإصلاح وتطوير المنظومة التعليمية بأكملها.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

طفولة سمراء وحيدة في القاهرة

يُعرّف الأطفال غير المصحوبين بذويهم بأنهم أولئك الذين ليس معهم آباؤهم أو أي عضو آخر من أعضاء أسرهم، أما الأطفال المفصولون عن ذويهم فهم الذين ليس معهم آباؤهم ولكنهم مع...

وللاجئات نصيبٌ أيضاً: أصوات لم تُسمع في حديث العنف الجنسي في مصر

عادة ما يكون اللاجئون في البلدان المختلفة أكثر عرضة من غيرهم للانتهاكات الجنسية، إذ يُنظر إليهم كأغراب/مستضعَفين، كما أن أوضاعهم الاقتصادية الهشّة، وصعوبات اللغة والتواصل في المجتمعات المضيفة تزيد من...