هل يحتاج المغرب حقاً إلى قطار فائق السرعة؟

في 22 تشرين الأول/اكتوبر 2007، قام نيقولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي آنذاك، وملك المغرب الحالي، محمد السادس، بالتوقيع على بروتوكول اتفاق بين الدولتين يتعلق بمشروع قطار فائق السرعة بين طنجة (شمالاً) والدار البيضاء، بكلفة تبلغ 3 مليارات يورو.قبل بضعة أيام من هذا اللقاء، ذكرت جريدة "لو فيغارو" الفرنسية، وهي كانت ناطقة شبه رسمية باسم الرئاسة الفرنسية، في معرض كلامها عن المشروع، أن السلطات المغربية
2012-08-08

سيون أسيدون

ناشط جمعوي من المغرب


شارك
شعار حملة "أوقفوا القطار السريع" في المغرب stoptgv.com

في 22 تشرين الأول/اكتوبر 2007، قام نيقولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي آنذاك، وملك المغرب الحالي، محمد السادس، بالتوقيع على بروتوكول اتفاق بين الدولتين يتعلق بمشروع قطار فائق السرعة بين طنجة (شمالاً) والدار البيضاء، بكلفة تبلغ 3 مليارات يورو.
قبل بضعة أيام من هذا اللقاء، ذكرت جريدة "لو فيغارو" الفرنسية، وهي كانت ناطقة شبه رسمية باسم الرئاسة الفرنسية، في معرض كلامها عن المشروع، أن السلطات المغربية كانت قد اختارت الطائرات الأمريكية الصنع ف–16 لتجهيز جيشها بدلا من الطائرة الفرنسية "رافال". ما يعني ضمناً أنه يتعين على المغرب "تعويض" فرنسا... بل هددت الجريدة صراحة بإلغاء أول زيارة رسمية للرئيس (المنتخب قبل قليل) إلى المغرب في حالة رفض هذا الأخير اقتناء التكنولوجية الفرنسية ( وتحديداً الـTGV، أو القطار الفائق السرعة). وذهبت الجريدة إلى حد "فرض" ضرورة ربط مراكش (التي، من فرط ما اشترى فيها فرنسيون أملاكاً، صارت تعرف بعاصمة فرنسا بالمغرب!) بالدار البيضاء (العاصمة الاقتصادية) وكذلك بمدينة الصويرة "السياحية"!
وبالفعل، وفي إطار هذه الصفقة، ترأس ملك المغرب يوم 11 كانون الأول/ ديسمبر 2010 مراسم التوقيع على ست اتفاقيات، خمس منها تتعلق بعقود مالية تثقل كاهل ميزانية المغرب بالديون تجاه كل من فرنسا والسعودية وأبو ظبي. أما بالنسبة إلى الاتفاقية السادسة، فكانت تخص التعاقد مع شركة ألستوم (ALSTOM) الفرنسية المزوِّدة لتجهيزات القطار الفائق السرعة.
ثم انخفضت الكلفة المعلنة في اليوم الأول، والمحددة بـ 3 مليارات يورو - أي ما يعادل 33 مليار درهم مغربي – إلى أقل من 2 مليار يورو. وكان جلياً أن هذا التغيير يهدف إلى التقليل من الكلفة المهولة للمشروع، قياسا بموارد بلد غير منتج للنفط... ولممارسة الخفض العجائبي، فقد غُيِّب جزء من المشتريات المقررة، والتي ليست لها علاقة مباشرة بالمشروع، لكنها تخص إصلاح القطارات بالمغرب. وتمَّ التغييب في الإعلان فحسب وليس في الواقع!
لم يسبق الدخول في هذا المشروع أي نقاش في الساحة العمومية المغربية، أقله لإخبار دافعي الضرائب بما سيترتب عن هذا التعاقد الجديد من التزامات مالية عليهم وعلى الأجيال المقبلة. إن لثقافة "السر"، في ما يخص المعلومة العمومية، تقاليد راسخة ببلداننا!
لكن، رغم التكتم، فمنذ لحظة تدشين الملك للورشة، في أيلول/سبتمبر 2011، بحضور الرئيس ساركوزي والأمير السعودي مقرن بن عبد العزيز، انطلقت حملة "أوقفوا ال TGV" بمبادرة من مجموعة جمعيات غير حكومية، تهدف إلى إلغاء المشروع، وتساءل السلطات على عدة مستويات :
- أولا عن الطريقة التي اتخذ بها القرار، وعن جدوى الأرقام المعلنة، وعن حق المواطنين في معرفة المعلومات الرسمية، وأيضا سؤال ضرورة مثل هذا المشروع، وأخيرا وليس أخراً، عن التعاقد في صفقة دون مناقصة مع شركة كانت الجامعة العربية قد قررت في الخرطوم عام 2006 مقاطعتها لمشاركتها في بناء "ترام الأبارتهايد" في القدس بمعية شركة فرنسية أخرى هي فيوليا (VEOLIA).
بالفعل، وحتى إذا قبلنا بالأرقام المعلنة رسميا، فإن نسبتها الى الناتج الداخلي الخام باهظة. ولعل المقارنة مع بلدان أخرى تساعد على تصور ثقل المشروع. فبالنسبة لفرنسا مثلا، وبالقياس، فإن مشروعاً كهذان وبالميزانية نفسها، يمكنه انشاء 1670 كلم من السكك الحديدية القادرة على تحمل قطارات فائقة السرعة، علما بأن فرنسا تمتلك حاليا 1850 كلم من سكك القطار السريع. ويمكن بالمبلغ نفسه بناء 18 مولد نووي للكهرباء – علما بأن فرنسا تتمتع حاليا ب19 منها. وكل تلك تجهيزات تطلب انجازها عشرات السنين. السكة الحديدية الحالية بين طنجة والدار البيضاء لا يتجاوز طولها 350 كلمتراً. لكن الرجوع إلى الوثائق القليلة المتوفرة، تبين أن السكة القادرة على تحمل قطار السرعة الفائقة لن تتجاوز 200 كيلومتر!! ما الصلة بين 1670 كيلومتر، هي امكانات الميزانية المقررة وكلفة المشروع لو انشأ في فرنسا مثلاً، و200 كلمتر هي ما سينشأ قي المغرب؟ الله أعلم!
وعلى اية حال، فمثل هذا المشروع في المغرب ضخم ليس مقارنة بناتجه الداخلي الخام فحسب، لكن مقارنة أيضا بالتجهيزات الاجتماعية الفقيرة، التي تجعل المغرب في ترتيب منخفض جدا ضمن المؤشر العالمي للتنمية البشرية (المرتبة الـ 130 من اصل 187 دولة في 2011، بينما يحتل لبنان المرتبة 71).
السؤال الذي يبادر الذهن هو ما هي منفعة مثل هذا المشروع؟ والمقصود هنا للمواطن المغربي الذي سيغطي تكاليفه، وليس للشركة الفرنسية المزودة؟

المبرر الأول لدى السلطات الرسمية أن مستعملي القطار الحالي بين طنجة والدار البيضاء سيقتصدون ساعتين و 35 دقيقة من الوقت (السفر بساعتين و10 دقائق بدلا من أربع ساعات و 45 دقيقة حاليا)، وأن تسريع التنقل بين هذه المدينتين اللتين لهما أهمية اقتصادية خاصة (الدار البيضاء هي العاصمة الاقتصادية التقليدية، وهي أول مركز صناعي في المغرب، بينما يقوم في طنجة ميناء ضخم جديد ومعمل رينو RENAULT للسيارات)، سيفيد كثيرا بالنسبة للأعمال، علما أن القطار السريع هو لنقل الأشخاص لا البضائع. وبالطبع فهناك تسهيل التنقل بالنسبة للسياح. وهنا يُطرح سؤال ثان: من سيتمكن من دفع ثمن التذكرة، خارج رجال الأعمال والسياح؟ وهل عدد المستعملين يبرر الاستثمار؟
هل المشروع مربح كما تدعي السلطات المغربية؟ هل يمكنه حقاً أن يستخرج فائضاً يسمح بسد الديون التي تسبب فيها؟ هذه الديون مضمونة من طرف الدولة، ما يعني أن استحالة الربح سيثقل على الميزانية العمومية حيث ستطرح ضرورة إخراج موارد لسد الديون، علاوة على ضرورة سد العجز الجاري لمشروع خاسر. لأنه بحسب المقاييس الدولية، فأي مشروع لقطار فائق السرعة ينقص عن 500 كلمتر هو بالضرورة مشروع خاسر. بل تضاف كلفة الخدمة وهي باهظة.
ستدفع ثمن القطار السريع في المغرب الأغلبية، بمن فيها هؤلاء الذين لن يصعدوا في أي قطار في حياتهم – لا سريع ولا بطيء - بينما لن تستفيد منه إلا الأقلية. وهو أصبح في نظر الحراك الشعبي المعارض في المغرب نموذجاً عن الهدر..الطوعي!

مقالات من الدار البيضاء

"لالة زينة وزادها نور الحمام"

حرمان المغاربة من الحمامات الشعبية التي أُغلقت خلال جائحة كورونا، أخرجهم إلى الاحتجاج في عز حالة الطوارئ! ما سر هذا الارتباط الروحاني بين المغاربة والحمام التقليدي؟