قـضـيــة قـومـيــة أم نـقــص فـي التـشـكـل الوطـنـي الحـديـث؟

مرت المسألة الكردية بمرحلتين خلال التاريخ العراقي الحديث، الاولى وافقت فترة ما قبل الدولة المركزية الحديثة، والثانية أعقبت قيام الدولة المركزية القسرية بعد عام 1921، وظهور الحركة الوطنية المعاصرة. في الحقبة الأولى لم تبرز أية مظاهر تميز قومي مستقل. ففي القرون الثلاثة الأخيرة الممهدة للعصر الحديث، اندرجت المنطقة الكردية ضمن الآليات والعوامل المتماثلة والموحدة، المتجهة نحو قيام مجتمع وكيان عراقيين.
2012-10-24

عبدالأمير الركابي

كاتب من العراق


شارك

مرت المسألة الكردية بمرحلتين خلال التاريخ العراقي الحديث، الاولى وافقت فترة ما قبل الدولة المركزية الحديثة، والثانية أعقبت قيام الدولة المركزية القسرية بعد عام 1921، وظهور الحركة الوطنية المعاصرة. في الحقبة الأولى لم تبرز أية مظاهر تميز قومي مستقل. ففي القرون الثلاثة الأخيرة الممهدة للعصر الحديث، اندرجت المنطقة الكردية ضمن الآليات والعوامل المتماثلة والموحدة، المتجهة نحو قيام مجتمع وكيان عراقيين. ويؤرخ لبداية هذه الآليات بالقرن السابع عشر، بعد فترة الانهيار الممتدة من القرن الثالث عشر إثر سقوط بغداد على يد هولاكو 1258. فقد شملت المنطقة الكردية وقتها التبلور نفسه، فقامت فيها الاتحادات القبلية التي نشأت جنوب العراق، مثل اتحاد المنتفك، والبومحمد، والخزاعل. فكان اتحاد آل بابان نظيرها في الشمال. كذلك كان الأكراد مندمجين ضمن عناصر الحكم. فقد ساهموا مرات عديدة بقواتهم في محاربة انتفاضات الجنوب، عبر التحالف مع الحكام المماليك، كما تدخلوا لنصرة هذا الحاكم المملوكي أو ذاك. ولم يحدث أن تعرضت المناطق الكردية لاضطهاد عراقي، بل كان هؤلاء يعانون من الصفويين والعثمانيين، ويوالونهم أو يخاصمونهم تكرارا، بحسب تغير موازين القوى. والشيء نفسه كان يصيب بقية أجزاء العراق، فبغداد والبصرة عانتا من تعاقبات الصفويين والعثمانيين وصراعهما على العراق، ومن حروبهما الهادفة لبسط نفوذهما المتعاقب عليه. وحين قامت الدولة الحديثة كان الأكراد حاضرين في قلبها، فنوري السعيد ابرز السياسيين العراقيين، وأكثرهم نفوذا في العهد الملكي، وجعفر العسكري صهره الذي اغتيل لاحقا، وبكر صدقي الذي قاد أول انقلاب عسكري في العراق، وربما في العالم الثالث عام 1936، ثلاثتهم أكراد. والأولان أسسا الجيش العراقي وجهاز الشرطة، ولن نعدد غيرهم ممن لعبوا أدوارا بارزة في الدولة والحياة العامة.
بعد العشرينات، وقيام الدولة المركزية القسرية الحديثة، بلورت الحركة الوطنية العراقية مفهوما جديدا تكرس فعليا منذ الستينات، وارتكز على مبدأ «حق الشعوب في تقرير مصيرها»، وهو ما كان شائعا ومتداوَلا في القرن الماضي، بُعَيد ثورة أكتوبر 1917 الروسية، ومن ثم، بعد الحرب العالمية الثانية، مع نهوض حركة التحرر الوطني العالمية. هذا المنظور حوَّل المسألة الكردية إلى « قضية قومية»، بعد أن كانت مدرجة ضمن ظواهر التشكل الوطني الحديث ومشكلاته، والرؤية الجديدة انعكاس له طابع الاستنساخ للمفاهيم الحديثة والعصرية، لا شيء يثبت انطباقه فعلا على الحالة المقصودة أو يجزم بصحته المطلقة.
بعد الاحتلال الأميركي وإسقاط الطغيان عام 2003، تغير طابع المسألة الكردية، وقد تحولت المنطقة إلى دائرة شبه مستقلة، ضمن حالة حكم طبعت الوضع العراقي ككل، برزت نتيجة انهيار الدولة الحديثة، حيث تغلب حضور حاسم لمكونات ما قبل الدولة، وقد توزع على دوائر ثلاث، هي أرض السواد، وغرب العراق، وشماله، يرْجَح في كل منها مكون رئيسي، مع اختلافات وتباين في الوسائل ومحركات كل حالة، اختصت المنطقة الكردية بالذات ب«الفيدرالية». فالعراق الذي يُصر من يحكمونه حاليا بأنه أصبح «ديموقراطيا»، يترجِم القادة الأكراد وضعهم ضمنه متحصنين بالفيدرالية، بينما يواصلون التصرف كقومية قريبة من «التحرر»، ويعتمدون سياسة التهديد بالانفصال كناظم لعلاقتهم مع المركز.
ويعكس هذا الوضع حالة «اللا انسجام» في التركيب المجتمعي العراقي كما يظهر اليوم تحديدا. فالمنطقة الكردية قد تَقدَّم وضعها من حيث الإدارة السياسية، فأصبح لها «شبه دولة» ضمن ثلاث محافظات. وهو وضع بدأ يتشكل منذ 1991 عندما فرضت واشنطن منطقة حظر جوي على الطيران العراقي، شملت الأكراد بحمايتهم بعد حرب الخليج الثانية، ليتحول هذا الجزء من العراق إلى «جيب» محمي، وخارج عن السلطة المركزية. بالمقابل، تراجع نفوذ الدولة في المناطق العربية، من «الدولة الحديثة» القسرية المركزية، إلى نفوذ مكونات ما قبل الدولة، طائفية وعشائرية وإثنية... وفي هذا المناخ، تتعرض مفاهيم كانت معتبرة حديثة وعصرية، مثل « حق تقرير المصير» الذي كان يضع الأكراد بمصاف حركات التحرر الوطني، لإعادة فحص. فمن الواضح أن تقدم الأكراد في نيل مزيد من «الحقوق»، أي اقترابهم من هدف التعبير عن الذات، يأتي على حساب حرية وسيادة غيرهم من العراقيين. فوضع الأكراد المتميز حاليا، هو نتيجة مباشرة للاحتلال والغزو الأمريكيين منذ 1991، أي فقدان العراق ككل لسيادته. وقد عبر عن هذا الموقف الزعيم الكردي جلال الطالباني في جلسة خاصة عام 1991 بعد عاصفة الصحراء وتراجع القوات العراقية من الكويت إذ قال « لا يرتفع رأس الأكراد إلا إذا انتكس رأس العرب». والقيادة الكردية هي أكثر القوى حرصا على بقاء الأمريكيين وزيادة نفوذهم في العراق. ولا يخفي هؤلاء رغبتهم هذه، بل يعلنونها مشفوعة بذرائع غير مقبولة، لا تخفي مثلا انزعاجهم من إعلان الأمريكيين الانسحاب من العراق حين هموا بذلك. فأية حركة تحرر هذه التي لا يتحقق تحررها إلا بشرط فقدان شركائها لسيادتهم ؟
تبدو هذه المفارقة مناقضة كليا لما درجت بعض القوى العراقية على تبنيه من مفاهيم أو مواقف خلال القرن الماضي، مما يضاف إلى العلل الكثيرة التي أدت إلى انهيار مشروع الحداثة العراقي، على مستويي الدولة وقوى الحركة الوطنية النامية في ظلها. ومع أن أسس رؤية أخرى للوطنية العراقية لم تظهر بعد، حتى نتيقن إذا كانت الحداثة ستستكمل بموجه تصورية مختلفة ومتقدمة مفهومياً وعمليا، أو إذا كان العراق بحاجة إلى مرحلة أخرى من مراحل تشكله الوطني، أو هو ينتظرها. فالظاهر، حتى الآن على الأقل، ينبئ بأن الطور المنهار من مشروع الحداثة كان يعاني من تجاهل المحركات الواقعية التي بررت مواقف القوى والكتل الاجتماعية، وجعلتها تنحاز لهذا الخيار أو ذاك على مستوى الدولة أو المعارضة.
من هذه المحركات، قضية التباين التضاريسي، وأثره على خيارات أو مزاج وتوجهات المواضع الثلاثة الرئيسية، الشمالية، والممتدة شمال بغداد وغربها، وأرض السواد. فمنطقة أرض السواد تمثِّل مجالاً منسجماً إنتاجياً ومفهومياً، له خصوصيته، وجوهر هذه الخصوصية هو المساواة وتعذر إنتاج دولة منفصلة عن المجتمع. بينما المناطق العليا العربية تعيش وضعا مغايرا، صحراويا ديمياً تتغير فيه نسبة الأمطار وتتداخل بالصحراء الرعوية والتموج، ما جعلها ميَّالة لخيارات في السلطة هي أقرب إلى قانون الغَلبة المحوَّر والقائم على الرغبة في الركوب بالقهر فوق منطقة السواد، مصدر الثروة الزراعية. وهو ما ظل يقاَبَل بمعارضة ورفض مستمرين وعنيفين، وما حرم الدولة في الوقت نفسه من القاعدة المجتمعية، وحصر سلطتها داخل المدن. وأما شمال البلاد فمختلف بنيوياً، ويكاد يكون أقرب إلى المجتمعات الإقطاعية التقليدية الجبلية، مع وجود طبقة المساكين القريبة من العبودية. وهذا الوضع يخالف كليا الوضع في أرض السواد، حيث تنعدم المُلكية تاريخيا، وتعود رقبة الأرض للدولة، ويمارَس الإنتاج في « الدِيَر» الزراعية جماعيا وديموقراطيا.
والغريب أن تاريخ التحرك الكردي القريب، أي «الثورة»المسلحة، قد بدأ في 1960 بعد ثورة تموز 1958 وانهيار النظام الملكي. وللأكراد موقع راجح في قيادة الحزب الشيوعي، أكبر حزب في البلاد ومدفعيتهم الدعائية والسياسية. واحتفظ كردي، هو عزيز محمد، بمنصب الأمين العام للحزب أربعين عاما. وتتكاثر التناقضات في الأسس المفهومية والمنهجية للمسالة الكردية، عندما يُعتبر هؤلاء «امة» مضطهدة من العرب الذين لم يُعترف لهم بداهة من قبل أوساط الماركسية الرسمية، سوى بأنهم امة في طور التشكل. هذا مع أن مضاعفات اعتبار الأكراد أمة ليست قليلة. فهذه الجماعة التي تقع بين ثلاث أمم كبيرة، لم يسبق لها أن عبَّرت عن نفسها في كيان، وعاشت مفتتة. كما انها ليست لها لغة، فاللغة الكردية هي فرع من اللغة الفارسية، مع تفرق لهجاتها. وبينما الأمم الثلاث، العربية والتركية والفارسية، امتازت إما بإمبراطوريات أقامتها كالترك، أو كانت لها ثقافة خاصة وأقامت امبراطوريات مثل الفرس، أو انشأت إمبراطوريات كبرى، ولها ثقافة كبيرة، وأنتجت ديانات ذات طابع كوني كالعرب، وهذه مجالات ليس للأكراد سجل فيها.
فهل القضية الكردية مسالة وطنية عراقية، تشير إلى احتياج العراق لحلقة أخرى من حلقات استكمال التشكل الوطني؟ أم أنها بالفعل مسألة قومية مستقلة لا تُحلّ بغير الانفصال؟ في كل تاريخ العراق الحديث لم يظهر أن القضية الكردية كانت فريدة، أو أنها خاضعة لفعل آليات لا يوجد ما يشابهها في مناطق أخرى من العراق. الأمر الذي يغري بالقول بان مفهوم القوميات الأوروبي، قد لا ينطبق على الحالة الكردية العراقية، وان عودة الأجزاء الثلاثة مجددا للحضور، بما يعنيه ذلك من تباعد بعد انهيار الدولة المركزية الحديثة، هو الذي أعاد هذه فعليا للظهور بشكلها الحالي.
والأمر الجدير بالاهتمام الآن هو بحث ما إذا ما كانت الحالة الراهنة مرشحة للديمومة، أم أنها ستتبعها حالة من الاندفاع لاستكمال صيغه جديدة أعلى من صيغ الوحدة واكتشاف الذات الوطنية العراقية. وما يمكن توقعه هنا هو الانتقال من الإكراهية إلى التوافقية في العلاقة بداية بين «العرب»، ما سيكون منطلقا لإرساء نظام سياسي متخلص من موروث الغلبة الذي هو غريب عن خاصيات العراق، بعد أن فقد مرتكزاته، ولم يعد بالإمكان إعادة إنتاجه، ما يجعل التوافق خيارا وحيدا. عندها يكون 85 في المئة من العراق قد أصبح موحدا، ومن حيث الأداء والأطر القانونية والمنظمة. وهو بهذا يصبح قادرا على فرض صيغته على البلاد برمتها، خاصة إذا أرفق بما يلزم من مفهوم وسردية، تعكس أسس الذاتية الوطنية. فإذا بلغنا هذه العتبة/النموذج، فان توجهات ومفاهيم قيادات الأكراد شبه الإقطاعية والتسلطية ستكون مرشحه للاختلال. وسيتأثر الكرد بالواقع الناشئ، بالأخص على المستوى الشعبي، ما يفاقم العقبات داخليا أمام مشاريع الانفصال،إضافة للعقبات الإقليمية والدولية. ومن شان كل ذلك تقوية نزعة أخرى هي تلك التي تحدث عنها جلال الطالباني في الستينات من القرن الماضي، أي « خيار الاندماج بالأمة العربية». وهذا يوافق ما نقله باسيل نيكتين في كتابه «الأكراد: أصولهم وتاريخهم» عن البروفسور مار، أحد اكبر علماء التاريخ الكردي الذي يقول «ان الأكراد لا يشعرون بان البلاد التي يقطنونها هي بلادهم، إلا في الأماكن التي يكثر فيها العنصر العربي، على العكس من الأتراك والفرس الذين لا تربطهم بالأكراد أية رابطة من التفاهم والتآخي». وقتها تكون قضية الأكراد قد عادت لتُدرج مجددا ضمن آليات استكمال التشكل الوطني العراقي.

مقالات من العراق

الديوانية: قصة مدينة نخر ضلوعها الفقر ورصاص الميليشيات

علي فائز 2021-10-16

كانت الديوانية المركز الروحي للسومريين، متمثلاً بـ"نيبور"، وزقورة الإله "أنليل"، وكانت تُعد العاصمة الدينية للعراقيين قبل خمسة آلاف عام، وفيها تعلم الإنسان القراءة والكتابة، وفيها استخدم الأختام. إلا أن هذا...

للكاتب نفسه

الثورة الأخيرة

كتب الكثير عن حدث 14 تموز 1958 العراقي، من دون أن تذكر الثورة، أو بالأحرى أن الثورة لم تجسَّد من حيث الوقائع الدالة عليها أو التي هي روحها. ربما تكون...