تحولات العقد الماضي

نشأت لدى فلسطينيي 1948 ظروف حياتية ناتجة عن استراتيجيات تشويه ممنهجة، حادّة ومُركّزة، مارسها الاحتلال الاسرائيلي، تقابلها مقاومة سياسية مرتبكة تتشتت بين التأثر بالمجريات السياسية (التي خرج المجتمع من دائرة التحكم بها لأنها ارتهنت بحركة الاحتلال)، وبين وقائع الحياة اليومية التي تحتم تواطؤا مع المؤسسة الإسرائيلية. لم يوجد يوما مشروع يوحد العرب الفلسطينيين في الداخل، لا سياسيا ولا ثقافيا، بل هي
2012-07-11

مجد كيّال

كاتب فلسطيني من حيفا


شارك

نشأت لدى فلسطينيي 1948 ظروف حياتية ناتجة عن استراتيجيات تشويه ممنهجة، حادّة ومُركّزة، مارسها الاحتلال الاسرائيلي، تقابلها مقاومة سياسية مرتبكة تتشتت بين التأثر بالمجريات السياسية (التي خرج المجتمع من دائرة التحكم بها لأنها ارتهنت بحركة الاحتلال)، وبين وقائع الحياة اليومية التي تحتم تواطؤا مع المؤسسة الإسرائيلية. لم يوجد يوما مشروع يوحد العرب الفلسطينيين في الداخل، لا سياسيا ولا ثقافيا، بل هي صيرورة تفاعلات في شتى المجالات يحكم مصير بقائها نسبة "تواطئها"، خاصةً في فترة الحكم العسكري التي اتخذت فيها الملاحقات السياسية أبشع أشكالها، وأكثرها مباشرة.
لا يمكن فحص الحركة الثقافية الفلسطينية على محورٍ واحد. فوظيفة الثقافة، المتمثلة بتفكيك البنى وإعادة تركيبها، يقطعها هنا محور آخر مرتبط بقوة الحضور الإسرائيلي. كان التواطؤ المشار إليه يتفاوَت بين الرفض القاطع، والتعايش مع التناقضات القائمة حول الهوية الوطنية وظروف الحياة تحت الاحتلال، وما يترتب عليها من تطبيع العلاقة عبر "المطالبة بالحقوق"، أي عبر اتخاذ الصراع منحى حقوقيا بدلاً من صراع الوجود ضد الاستعمار.

مراحل الحراك الثقافي في الداخل
وهي كثيرة. فالنكبة، ثم النهضة الناصرية، ثم النكسة، ثم يوم الأرض، ثم حرب لبنان الأولى..ولا يمكن بالطبع أن نفترض بدء تاريخ الحركة الثقافية من نقطة معينة. لكن بين سلسلة المحطات التاريخية هذه، تجدر الإشارة إلى فترة تمتد بين أوسلو وبداية الانتفاضة الثانية، حدثت فيها تحولات هامة وسريعة في الحياة الثقافية عند الفلسطينيين في الداخل. بدأت تلك التحولات بتراجع النموذج الفلسطيني المقاوم وصعود تيّار يراهن على التفاوض مع العدو ويقبل بحل الدولتين، وكل ما تمثّل بتعديلات الميثاق الوطني الفلسطيني وإسقاطاته على الساحة السياسية في الداخل. وحدث هبوط حاد في معنويات الحركة الثقافية والسياسية في الداخل، وحالة يأس لدى كل من كان ينتمي معنويا لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما وقع انحلال تطبيعي (لم يقتصر بالمناسبة على الفلسطينيين في الداخل أبداً)، انخرطت فيه وجوه ثقافية سرعان ما ذهبت تقدّم أعمالها الفنيّة أمام "أصدقائنا الجدد".
لكن النصف الثاني من التسعينيات اتخذ توجها جديدا كنتيجة مباشرة لمضغ النخبة حنظل أوسلو، والفهم (ولو متأخرا) لحجم الخيبة التي وقّعت عليها قيادة مشروع التحرر الوطني. ومن استيعاب الخيبة، أخذت النخبة تدرك أن الصراع لا يمكن أن يكون أبدا صراع حدود، بل صراع وجود. بالتالي، فإن قضية الأرض إنما هي بالأساس استعارة لقضية نفي الإنسان الفلسطيني وملامحه الثقافية.

من القرية الى المدينة
في فهم الصراع صراعا على الأرض، لطالما ارتبط الخطاب الفلسطيني بنكبة القرية وسرقة أرضها، وسط إهمال مكانة المدينة الفلسطينية ونكبتها. لكن التغيّر في وعينا للقضية، أنتج تحولاً في علاقة الحركة الثقافية بالقرية، فشهدت نهاية التسعينيات حالة من هجرة الحراك الثقافي إلى المدن المختلطة التي تسكنها شرائح واسعة من الفلسطينيين، رغم استيلاء اليهود على أغلبيتها. وحدث هذا في ظل غياب المدينة العربية في فلسطين: بين المدينة التي دمرتها العصابات الصهيونية في النكبة، وبين المدينة التي بقيت تحت حصار سياسات التخطيط الإسرائيلية، تتنفس ذهنية الاستعمار في رؤاها العمرانية، فتخنق المدينة وتصادر أرضها وتحاصرها بالمستوطنات، وتقتل أفق تطوّرها وتسد إمكانية الهجرة إليها، وتحوِّلها إلى قرى كبيرة يتقلص فيها هامش الحياة المدنية. لذلك، فإن المكان الذي نشأت فيه هذه الحياة إنما هو على هامش المدينة "الإسرائيلية" التي فرضها الصهيوني في عكا ويافا وحيفا. ولعل من أبرز رموز هذه المرحلة هو تأسيس مسرح "الميدان" في حيفا (1995)، مسرح "اللاز" في عكا (1995)، ومسرح "السرايا" في يافا (1998).
والمسرح في تلك الفترة اختلف عن مجالات أخرى لم تتطور بالوتيرة ذاتها، ولا بالنهج المؤسساتي الجدي ذاته. ورغم أن تلك الفترة لم تكن الأكثر ازدهارا في مجال الفنون الجميلة، إلا أن نموذجا هاما نشأ في مدينة "أم الفحم" (في منطقة المثلث الغربي - شمال فلسطين) هو مشروع غاليري "صالة العرض". وتكتسب التجربة أهميتها من كونها تجمع في تفاصيلها سؤال التعامل مع التمويل الحكومي والمؤسسات الإسرائيلية من جهة، وسؤال نشوئها في أهم معاقل التيار الإسلامي بعد أن كنت مدينة اشتد فيها عود الحزب الشيوعي، وتأسست فيها حركة "أبناء البلد" التي تتفق بأيديولوجيتها مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
على الصعيد الأدبي، الصيرورة طويلة، تمتد منذ "رابطة الأدباء والمثقفين العرب" التي شارك في تأسيسها الشاعر راشد حسين في العام 1957. وقد ساهمت الرابطة في إبراز شعراء مثل محمود درويش، سميح القاسم وحنا أبو حنا. إلا أن مرور الزمن أشار إلى فشل متكرر لمحاولة بناء مؤسسة بهذه الشاكلة. وتشهد نهاية التسعينيات تكثيفا في فردانية الإنتاج الأدبي وسط غياب تام لدُور النشر المختصة، امتد حتى السنوات القليلة الماضية.

المجتمع المدني
إضافةً إلى هذا، شهدت الساحة الفلسطينية في الداخل نموا في مؤسسات المجتمع المدني، ما شكَّل رافدا للحركة الثقافية سرعان ما انسجم معها وتشابك فيها. لقد كانت نهاية التسعينيات فترة أثّرت على الحاضر الفلسطيني. مؤسسات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: المركز القانوني "عدالة" (1996)، جمعية "السوار" النسويّة (1997)، إتحاد الجمعيات الأهلية "اتجاه" (1997)، التنظيم النسوي "كيان" (1998)، مركز "مساواة" الحقوقي (1998)، جمعية الثقافة العربية (1998)، جمعية "صوت العامل" للدفاع عن حقوق العمال العرب (1998)، جمعية "إعلام" (2000) وجمعية الشباب العرب "بلدنا" (2001). ولا بد نهايةً من ذكر مركز "مدى الكرمل" للدراسات الاجتماعية التطبيقية الذي له تجربة هامة في رفض التمويل المشروط والسعي خارج سياق الأكاديمية الإسرائيلية.
أتت الانتفاضة الثانية شاملة فلسطينيي الداخل، لتثبّت خطى هذه المرحلة، وتوضّح حجم التحوّل في حياة الحراك الثقافي في الداخل وسط تكاثر الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي شكلت في حالات كثيرة جسرا بين التيارات السياسية الفاعلة والحركة الثقافية.

 

 

 

مقالات من فلسطين

للكاتب نفسه

لحظة كل الممكنات وكل المخاطر

مجد كيّال 2021-05-26

الحرب العميقة تنطلق على مستويين. الأوّل هو المستوى الأمني، وقد بدأت إسرائيل تسعى إلى ترميم صورة "الوحش" التي كسرناها. ولكن هناك مستوى أخطر: حين تهدأ الأخبار، تبدأ المؤسسة الأمنيّة ببسط...

لحظة الممكن في فلسطين

مجد كيّال 2021-05-11

هذه هي لحظة المُمكن. اللحظة التي تدعونا لنقف على أقدامنا وننسج مرحلةً نحو الحريّة، في مواجهة سواد ذلٍ عظيم شهدناه في العقد الأخير.