في سابقة مفاجئة، دخل خمسة وسبعون معتقلاً ينتمون للحركة السلفية الجهادية في إضراب مفتوح عن الطعام بعد اعتقالهم إثر أحداث السفارة الاميركية بتونس العاصمة. وقد توفي منذ أيام، جراء اضراب عن الطعام لمدة 54 يوماً، الشابان «محمد البختي» و«بشير القلي». وهذا الاخير يتم الاستناد الى أقواله لتجريم «أبي عياض»، رأس «أنصار الشريعة»، التنظيم الابرز في الحركة السلفية الجهادية في تونس. احتل الخبر وسائل الاعلام ومنابر الحوار، مثيراً التساؤلات حول الحقوق العامة وقواعد الشرع الاسلامي من جهة، وحول مسؤولية السلطة التي أهملت المضربين تماماً، من جهة ثانية.
بعد هروب بن علي وانحسار التحركات الميدانية، تصدرت معارك الامعاء الخاوية الأدوات التي يُلجأ اليها في المطالبات. من في تونس لا يذكر العجوز ذا الثمانين عاما، «الحاج لخضر» الذي أعلن اضراباً عن الطعام مع زوجته «شهيدة»، مطالبين بالإفراج عن ابنهما الذي سُجن إثر حراك قرية «العمران» التابعة لمعتمدية «منزل بوزيان» من ولاية سيدي بوزيد. ولقد انتصر بإطلاق سراح ابنه وبقية المساجين الذين اضربوا بدورهم عن الطعام داخل زنزاناتهم. كان الحراك تحت عناوين يسارية، في منطقة تزدهر فيها أحزاب وحركات اليسار التونسي. ولا زال «الزاير جلالي»، الذي طُرد من عمله، مضرباً عن الطعام منذ أكثر من أسبوعين في مدينة الرقاب التابعة لولاية سيدي بوزيد، وكذلك بعض طلاب الجامعات من أجل تسجيلهم دون قيد او شرط في مرحلة الماجستير. كما لا بد من ذكر الاضراب الذي خاضته سجينة الرأي والمناضلة اليسارية «نجوى الرزقي» في شهر آذار/مارس الماضي، حتى أطلق سراحها. وهذه مواقف تستند الى إرث معروف ومتكرر بمواجهة آلة قمع في غاية القسوة. يذكر في هذا السياق الاضراب عن الطعام للاعتراض على مشاركة ارييل شارون في قمة المعلوماتية المنعقدة بتونس سنة 2005، والذي كان فاتحة انشاء «تحالف 18 اكتوبر» المعارضة، ناجحاً في توحيد جهود قوى يسارية وليبرالية وإسلامية. وأما اضرابات الطلاب، فابرزها ما قام به «الاتحاد العام لطلبة تونس» خلال سنوات 1997 و2003 و2005 و2007 و2008.
وبعد الاطاحة ببن علي، وقع الحراك السياسي/الاجتماعي المعروف باعتصام القصبة الاول والثاني، وهو كان ضد تسويات سياسية عجولة ارادت الاكتفاء باستبدال رأس النظام مع الإبقاء على كامل جسده، دون تدابير تُلاقي، ولو بالحدود الدنيا، الاسباب التي انفجرت الثورة من أجلها، وسقط الشهداء. وعندما أدرك شباب المناطق الداخلية والمهمشة أن ما يجري يحكم إغلاق طريق التغيير، دخلوا في ذلك الاضراب عن الطعام، بل وخاطوا أفواههم، في مشهد لا ينسى. وبعد هذا الاضراب والاعتصام، وبفضلهما، طويت أولى صفحات العهد القديم، بسقوط حكومة محمد الغنوشي، وتحقيق مطلب انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة دستور جديد للبلاد.
وأما المنتمون للسلفية الجهادية فإضرابهم عن الطعام حتى الموت يثير اشكاليات دينية حول الواجب الشرعي، إذ تحاول حركة النهضة الحاكمة القاء تهمة «نية الانتحار» المحرم شرعاً على المضربين. بينما يرد السلفيون الجهاديون باتهام النهضة بقمعهم إرضاء للأجندة الاميركية، بل يلفتون في بياناتهم وتصريحاتهم وصحفهم الى خلو محيط السفارة الاميركية عند توجه المتظاهرين اليها من أي حراسات، ومن الاحتياطات الامنية المعتادة، رغم ان تلك التظاهرة كانت تجري بعد مقتل السفير الاميركي في بنغازي، متهمين الداخلية التونسية بالتخطيط لـ«استدراج» حادث الهجوم على السفارة وإحراقها، كفخ نصب عمداً لتبرير ضرب حركتهم. ويشيرون الى وجود أكثر من تسعمائة معتقل منهم في ما يسمونه «السجون النهضوية».
وقد خضت وفاة الشابين الرأي العام الذي اكتشف إضراب العشرات من رفاقهم المعتقلين المنتمين لحركة السلفية الجهادية احتجاجا على اعتقالهم، وعلى ظروف سجنهم، وعلى تأخر المتابعة القضائية لملفاتهم، وعلى وجود جو عام من عدم الاكتراث الحقوقي بهم (والاعلامي، حيث لم ينتبه للأمر إلا عند وقوع المأساة)، علاوة على محاولات إحالة ملفاتهم الى القضاء العسكري، والى استناد تلك الملفات الى وسائل غير دستورية وغير قانونية كالتنصت على الهاتف والانترنت، معتبرين أن الامر برمته ملفَّق لهم.
اللجوء الى الاضراب عن الطعام حتى الموت (ما يسمى هنا «اضراباً وحشياً» بالضد من الاضراب الرمزي والمحدد المدة سلفاً)، يجعل هذه المجموعات الشابة تتجاوز ما يمليه «الواجب الشرعي» لتنتصر للوسائل المألوفة و«الدنيوية» في النضال الاجتماعي /السياسي.
مواضيع
الإضراب عن الطعام في تونس: تراث راسخ ومستجدات مثيرة

مقالات من تونس
زيت الزيتون في تونس: وفرة في الإنتاج، ولكن..
المعدل السنوي لإنتاج تونس من زيت الزيتون خلال فترة 2014 - 2024 هو في حدود 220 ألف طن، لكن مع فوارق مهمة بين مواسم تقل فيها الكمية عن 200 ألف...
الثورة التونسية والانتقال الديمقراطي: أين تعثّر المسار؟
منذ السنوات الأولى لِما بعد الثورة، ساد افتراض ضمني مفاده أنّ سقوط النظام الاستبدادي يضع البلاد تلقائياً على سكّة الديمقراطية، وأنّ الزمن كفيل باستكمال ما لم يُنجَز في اللحظة الأولى....
دار الجيلاني في جربة، جماليّة المعمار وصخب التراث
المشروع في جوهرهِ تجسيد واضح لمبادرة الاقتصاد الاجتماعي التضامني، التي ترمي إلى وضع استراتيجية واضحة تمكِّن من الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية، وتقاوم هنّات المنوال الليبرالي ونقائصه الفادحة على مستوى...
للكاتب/ة
السكن في تونس وأزمة الرهن العقاري
خلال الأربع سنوات الأخيرة، طرحت في تونس اسئلة "جديدة" تتعلق بالسكن: فهل أزمته مشابهة لازمة المليون عقار المعد للبيع دون مشترٍ في اسبانيا؟ الأرقام في تونس اشارت الى نصف مليون....
شباب الثورة في تونس: مجرم رغم أنفه
#«حتى أنا حرقت مركز»: أنا كذلك أضرمت النار في مركز للشرطة، وهو هاشتاغ انتشر في وسائط التواصل الاجتماعي بتونس، وفيه إقرار بارتكاب جريمة. لم يكن هناك فعل جرمي بل سخرية...
في مدينة "القطار"، المطلب الشعبي قطار للمسافرين
انعقد في 6 شباط/فبراير الجاري، يومٌ ناهَض فيه التونسيون العنف والاغتيال السياسي. وفي حديقة الشهداء وسط مدينة القطار في ولاية قفصة، ارتفعت أغان شبابية وتجمهر الأهالي. كانت تلك هي الحفلة...





