إعداد وتحرير: صباح جلّول
العالَم يغلي. قلِّبوا محطات التلفزة وصفحات وسائل التواصل، تجدوا مظاهرة بعد احتجاج، غضباً بعد اشتباك. ثمّة ما يتحرّك وما يحرّك الناس، الشباب والطلاب على وجه الخصوص، ولعلّه شعورٌ بالخوف بسلب ما تبقّى من قدرتهم على تقرير مستقبلهم، وبحالة طوارئ ترتبط باللحظة المتوحشة التي نجد أنفسنا (الغالبية العظمى من الناس) فيها، مختنِقين ومحاصَرين، وأمام أفقٍ يضيق حتى ليختفي في مختلف الأماكن حول العالَم.
هنا جولة على بعض التحركات الاحتجاجية التي تصاعدت في الأسابيع أو الأيام القليلة الماضية. نجيب على سؤال "لماذا انتفض الشباب؟"، ونتأمل القاسم المشترك بين هذه الانتفاضات.
فرنسا: "ما رأيكم بتمويل مدارسنا بدلاً من تمويل الإبادة؟"
انطلقت في أنحاء فرنسا موجة من الاحتجاجات الطلابية في أيلول/سبتمبر الماضي، بدءاً من مدارس ثانوية تقع في الضواحي الشمالية لمدينة باريس، التي تسكنها غالبية من الطبقة العاملة والفرنسيين من ذوي الأصول المهاجِرة. رفع الطلاب الصوت في باريس وبوردو ونانت وليون ومرسيليا وغيرها من المدن، احتجاجاً على نقص حاد في الطاقم التعليمي وتهالُك المرافق المدرسية واكتظاظ الفصول الدراسية بأعداد كبيرة من الطلاب، فأغلقوا مدارسهم، لا بغية التهرب من التعلّم، ولكن للمطالبة بتعليم أفضل، وانتظموا في الشارع، لتنضمّ إليهم تضامناً، مدارس وجامعات مميزة، لم يسبق لها الاعتصام والتظاهر، وكذلك مجموعات من مختلف الفئات العاملة، حاملةً مطالب اقتصادية ومعيشية ملحّة.
واجهت الشرطة الفرنسية المتظاهرين من الاولاد والمراهقين بعنف غير مسبوق، وأدى استخدام القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية إلى خسارة أحد التلامذة ليده، وإلى تشوّه فكّ تلميذ أخر وفقء عين ثالث وهكذا، مما أجّج الغضب، ولم يزد المحتجّين إلا إصراراً على النزول إلى الشارع، في تحركات تناسخت في طول البلاد وعرضها، وشهدت ذروتها يوم السبت الماضي.
"النار في حاويات النفايات تخيف الزبالة"
19-10-2026
خريف السخط: جذور انتفاضة تلاميذ فرنسا وأفقها
15-10-2026
هنا أوركسترا "العالم الجديد" من هواة ومحترفين، تعزف في ساحة الجمهورية (Place de la République)، وهناك طلاب ينظمون السير عفوياً لمرور سيارات الإسعاف، وهنالك خطاب لطالب ملتفحٍ بكوفية، يدعو دولته الى إيقاف إنفاقها على إبادة غزّة، والاهتمام بدلاً من ذلك بتحسين شروط حياة أولادها في المدارس... وفي الليلة التالية على هذه المظاهرة العارمة، رأى الشارع انفجاراً للعنف، تحطيماً لواجهات المحال التجارية وإحراقاً ونهباً، فكان ذلك كافياً لمسارعة الحكومة الفرنسية لاتهام للحركة الاحتجاجية، بل وتحديد حزب "فرنسا الأبية" بالاسم، كمحرِّض على أعمال الشغب في 17 تشرين الأول/أكتوبر.

حسب مقال في مجلة "ميديابارت"، تشكّك شهادات من داخل الشرطة والاستخبارات، بالإضافة إلى تصريح المدعية العامة في باريس، في الرواية الرسمية التي تُحمّل أقصى اليسار وحزب "فرنسا الأبية" مسؤولية أعمال التخريب، إذ لا توجد أدلة فعلية تثبت انتماء مرتكبيها إلى هذه الجهات. أكثر من ذلك، كشف مسؤول استخباراتي عن توجيهات وصلتهم لنسب أعمال الشغب إلى ذلك الحزب على الرغم من غياب دليل.
يرى مسؤولون أمنيون أن السلطة تحاول التغطية على فشلها في احتواء الأحداث، ورفضها للاستماع الى مطالب المتظاهرين، وتبني القمع لغة وحيدة، بل وأصلاً في ترك البؤس العام يتفاقم بلا أدنى التفات لأحوال الناس، والخلط بين الاحتجاجات المطلبية والطلابية المشروعة والعنف، متقصّدةً التهويل به، بغرض التمهيد لتجريم الحراك نفسه، كما حدث سابقاً مع حركة "السترات الصفراء" (gilets jaunes) عام 2019.
هذا خلف الكواليس القذرة، لكن في الواقع، كان المشهد هكذا: تجاوز عدد الموقوفين في ذلك اليوم 2400 شخص. رقص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته على شرفتهما الخاصة في حفل للمغنية سيلين ديون، بينما كانت الاحتجاجات تعمّ الشوارع. تواردت أخبار صادمة عن وقوع قتيلَين، وفي مقدمة كل ذلك: جيل "زد" ساخر وجدّي وشجاع في آن. جيلٌ لا يبدو أنه جاهزٌ للتخلي عن مستقبله كرمى لفشل مسؤولي البلاد.


"من يحمينا من الشرطة"، و"فرنسا تلتهم أبناءها". لافتات من شوارع باريس في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (المصدر: انستغرام المصوّر "باسكال كومت")
الهند: "الصراصير" تفاجئ مودي
كانت مزحة ساخرة أطلقها شبابٌ على الانترنت، لكن تبيّن أنّهم لم يكونوا يمزحون. سمّوا أنفسهم "كوكروتش جانتا"، أي "حزب شعب الصراصير"، مستعمِلين مصطلحاً أطلقه رئيس القضاة في الهند لوصف الشباب المعطلين عن العمل، الذين يكتبون نقداً للأوضاع في البلاد على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الصحف.
"صراصير وطفيليات"، قال، فحوّلوا محاولة إهانتهم إلى حركة شعبية غير متوقَعة، بمطالب في غاية الجدية، من إصلاح التعليم ومكافحة الفساد الإداري المرتبط بالامتحانات، والحدّ من تفشي البطالة، إلى محاسبة الفساد الانتخابي، إذ تبين أن 130 مليون اسم تمّ التلاعب بها في قوائم الناخبين، لصالح رئيس الوزراء اليميني "مودي". جدّدت فضيحة الانتخابات التظاهرات التي بدأت في تموز/ يوليو الماضي، مطالِبة باستقالة وزير التعليم، بعد فضيحة تسريب امتحانات كلية الطب، وهو ما حصل بالفعل وزاد في حماسة الشباب لرفع الضغط في الشارع.
كان رد فعل حزب مودي الحاكم ضربٌ مبرح بالهراوات واعتقالات بالجملة وقطع لشبكة الانترنت. قبض على قادة الحراك، وتوزع 90 ألف من رجال الشرطة في الشارع، وأغلقت 45 محطة مترو، ومنع الاحتجاج في ساحة "جنتر منتر" التاريخية، فتحدّى شباب "جيل زد" المنع ودخلوها متظاهرين.
شِعارهم: "هذا حزبٌ سياسيٌ للناس الذين نسي النظامُ أن يحصيهم".


"تظاهرات "جيل زد" تنقذ المستقبل"، لافتات من مظاهرات الشباب في نيو دلهي (الصور: أ.ف.ب)
البرازيل: "المعركة لم تُحسَم بعد!"
سادت حالة من الذهول بعد حلول فلافيو بولسونارو (ابن الرئيس البرازيلي اليميني السابق، المسجون حالياً، جايير بولسونارو) أوّلاً في الجولة الأولى من الانتخابات التي جرت في 4 تشرين الأول/أكتوبر الحالي، متقدماً على الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، بـ47 في المئة من الأصوات، مقابل 45 في المئة نالها دا سيلفا. لكن لعدم حصول أي من المرشحين نسبة تزيد عن 50 في المئة من الأصوات، لن تحسَم النتائج، وستذهب إلى إعادة في جولة انتخابية ثانية مقررة في 25 تشرين الأول/ أكتوبر.
في كامل القارة الأميركية الجنوبية، بدا أنّ اليمين يكتسح، ويقبض على رأس الدولة، بلداً بعد آخر، وتطلّع الجميع إلى البرازيل كـ"آخر الحصون" في القارة. لذلك كان لا بدّ من امتصاص صدمة الجولة الانتخابية، وكان أن ثار الشارع بعد تلقّي الصفعة الأولى من بولسونارو. أعلنَ: "لا نريد الأب، ولا نريد الابن!".
لماذا يهمنا ما يجري في البرازيل؟
10-11-2018
رُصّت الصفوف واستنفر الجميع للتحشيد قبيل جولة الإعادة، فرافق التظاهرات مقترح إصلاحي كبير لقوانين العمل، بالإضافة إلى إعادة هيكلة شاملة لحملة الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد أن اتهَمت حملته شركة "ميتا"، التي تملك منصات "فيسبوك" و"واتساب" و"إنستغرام"، بتقييد المحتوى الخاص به على منصات التواصل الاجتماعي. وقد حاولت "ميتا" ادعاء أن بعض الإعلانات الخاصة بحملة لولا قد أُوقِفت "عن طريق الخطأ بسبب مشكلات تقنية"، بينما بقيت إعلانات حملة بولسونارو سليمة.
يقود الطلاب الجماهير المتظاهرة، فهُم ومستقبلهم على المحكّ أكثر من أي فئة أخرى. لبسوا الأحمر دعماً لِلُولا، ورفعوا شعارات ترفض التدخلات الأميركية في الانتخابات، والدعم الأميركي لبولسونارو وعائلته. وقود الاحتجاج: الطلاب من جديد!


إلى اليمين، متظاهرون مؤيدون للرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا" يحملون صور رئيس "ميتا" التنفيذي "مارك زوكربيرغ" بهيئة شيطان، خلال مظاهرة أمام مقر شركة "ميتا" في ساو باولو، في 19 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وإلى اليسار، "إمبريالية اليانكي إلى خارج بلادنا!"، من اللافتات التي رفعها الطلاب. (الصور: أ.ف.ب)
ألبانيا: "بلدنا ليست للبيع"!
ثمة من يحاول "بيع" جزء من البلاد لصهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، عبر منحه أراضٍ شاسعة لبناء منتجعه الفاخر على جزيرة "سازان"، التي من المفترض أن تكون محمية طبيعية لطيور الفلامنكو والسلاحف والفقمات البحرية. ألبانيا غاضبة منذ شهور، وبدءاً من أيار/مايو الماضي، تصاعدت الاحتجاجات ضد الفساد وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع جودة التعليم وانعدام فرص العمل.
تحت شعار "ألبانيا ليست للبيع"، طالب المتظاهرون باستعادة بلدهم كلّه، من المحمية إلى صفّ التعليم. تجدّدت الاحتجاجات وتوسّعت لتصير انتفاضة يومية تتخللها مواجهات مع قوات مكافحة الشغب التي لم تتردد في استعمال الهراوات ومسيلات الدموع والعنف.
لم يعد الأمر مقتصراً على منتجع كوشنر الذي يُتوقع أن تصل كلفته لمليار دولار، فتلك كانت الشرارة للانتفاض على حالة البلاد بأكملها، قادتها هموم طلابها بشكل خاص.
في العاصمة تيرانا، أشعل الطلاب النار في مبنى وزارة التعليم وحاولوا اقتحام مكتب رئيس الوزراء والبرلمان، مطالِبين بإسقاط الحكومة. سمّوها "ثورة الفلامنكو"، نسبة للطائر وردي اللون الذي يستوطن الأراضي الساحلية التي اشتراها كوشنر.


"ألبانيا ليست للبيع" (الصورة: getty images).
المستقبل هو الآن..
هذه أمثلة فقط عن أهمّ الاحتجاجات التي ملأت الشوارع خلال الأسبوع الماضي، وثمة أخرى، في إيطاليا والبرتغال وصربيا، وتحمل مطالب مشابهة. من السهل تبيّن القاسم المشترك بينها جميعاً: كلها تُقاد من الشباب من طلاب المدارس والجامعات، من يسمونهم "جيل زد"، وكلّها تحدث في زمن لاحق لشهادتنا جميعاً على إبادة غزّة الفظيعة والمستمرة، وعلى تآكل كلّ أطر حماية حقوق البشر وحرياتهم.
كون الصغار صغاراً لا يعني أنهم لا يفهمون مقدار المخاطر المحدقة بعالَمنا وبمستقبلهم. هذه لحظة مشحونة، تقع على مفترق كلّ الطرق، في عالمٍ يُطبّع مع سحق الفئات العاملة ومع الخطاب الامبريالي ومنطق "الربح بأي ثمن"، ومع الإبادات والعنف المطلق. لن تمرّ هذه اللحظة بتجاهل التحركات حتى تختفي وحدها.
هذه اللحظة التي فيها كلّ شيء على المحكّ، والأولاد واعون تماماً لذلك.



