إعداد وتحرير: صباح جلّول
في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، أُعلن عن فوز القاضية في محكمة العدل الدولية، الجنوب أفريقية نافانيثيم (نافي) بيلاي، بجائزة نوبل للسلام. في اليوم التالي، 10 تشرين الأول/أكتوبر، فاز الصحافي الفلسطيني المستقلّ محمود أبو حمدة بجائزة "بايو" (Prix Bayeux)، لفئة التصوير الفوتوغرافي للمراسلين الحربيين عن مجمل أعماله في غزة.
في الظاهر، لا تبدو الجائزتان متصلتين، فهما مختلفتان في طبيعتهما، وإن كانت، كلّ من موقعها، تعتبر إحدى أهمّ الجوائز العالمية، إلا أن هناك ما يجمعهما في الواقع، وهو انشغال الفائزَين بهما بالعمل على موضوع الإنسان في غزّة، حياته، وحقوقه التي تُنتهك، في ظلّ الإبادة الجماعية (المستمرّة) التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.
نوبل للسلام تثير أعصاب إسرائيل.. وترامب
في حالة نافي بيلاي، وهي المفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، وقاضية حالية في محكمة العدل الدولية، ارتبط عملها الذي حازت عنه بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، بلجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي اتهمت إسرائيل رسمياً بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. التصويت لنافي بيلاي واختيارها لجائزة نوبل للسلام هو اعتراف بجهودها، وبأهمية الموضوع الذي تناولته وحققت فيه إنجازاً، لكنّه يتجاوز التكريم الشخصي. فهو تصويت لإعادة الاعتبار للقانون الدولي وحقوق الإنسان، بعد كلّ ما تعرضت له المؤسسات والهياكل المرتبطة به من تدمير ممنهج، وتصغير وتفريغ لأدوارها، على يد جرائم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ومن خلال الجرائم الممارَسة علناً (وبافتخار يثير الجنون) في غزة.
ثلاث سنوات.. أو ثلاثة دهور!
07-10-2026
على موقع جازة "نوبل"، جاء أن اللجنة تكرِّم "بيلاي" تقديراً لجهودها "في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها في تطوير آليات محاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية". وتحمل سيرة بيلاي نفسها معنى إضافياً في هذا السياق، فبيلاي نشأت في جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، وعملت في الدفاع عن مناهضيه، قبل توليها مناصب قضائية دولية.

في تعليق لها على فوزها بالجائزة، قالت "بيلاي" إن العالم "يعيش حقبة يتعرض فيها القانون الدولي لهجمات سياسية"، واعتبرت أن جائزتها تأتي في سياق حماية وضمان استقلالية المحاكم الدولية في وجه ذلك. أمام عدسات الكاميرا، صفق لها الصحافيون بعد أن تلقّت نبأ فوزها، فمازحتهم قائلة: "إذا صفّقتم أكثر، فقد أقوم بمقاسمة جائزتي مع ترامب"، في تلميح إلى هوس الرئيس الأميركي بالحصول على نوبل للسلام، رغم إثارته للحروب واعتماده سياسات صقرية منتهِكة للقوانين الدولية. أمّا ردّ ترامب، فكان "أستحقّ 8 جوائز نوبل للسلام، ولن ننسى يا نرويج!"، على أساس زعمه بأنه أوقف 8 حروب في العالم... فماذا يُمكن أن يُقال في هذا الإطار سوى السخرية؟
في دولة الاحتلال، لم تتأخر ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة. فقد هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (المدان بارتكاب إبادة جماعية)، جائزة "نوبل" ولجنتها، قائلاً عبر حسابه على منصة "إكس" إن لجنة "نوبل" "فقدت بوصلتها الأخلاقية"، وساهمت في "شيطنة اليهود". أما وزارة الخارجية الإسرائيلية، فقالت "لو كانت هناك جائزة تُمنَح للكذب والكراهية والافتراء لكانت بيلاي في صدارة المرشحين لها"، وزادتنا من الشعر بيتاً، إذ قالت إن "غوبلز" (وزير الدعاية النازية) "يصفّق لها من الجحيم"! واعتبر مسؤولون إسرائيليون أن منحَ "نافي بيلاي" الجائزة هو "إهانة لنوبل للسلام"!
لقد تغيّر العالَم كثيراً في نظر دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي باتت تفقد أعصابها عند كلّ دليلٍ على ذلك التغيّر، ولم تستوعب إسرائيل بعد مدى احتقارها شعبياً (وأحياناً رسمياً، على الرغم من النفاق الدولي)، ربما لأنها ماضية على أرض الواقع، في ممارسة جرائمها دونما رادع، فهذا ما لم يتغيّر بعد، وما يجعل كلّ تقدّمٍ للرواية الفلسطينية يبدو وكأنّه صراخٌ في عدم.
غزّة صورةُ العالم بأكمله؟
"هذا التكريم بالنسبة لي ليس مجرد جائزة، بل اعتراف بقوة الصورة وقدرتها على حمل أصوات الناس من غزة إلى العالم، وبمسؤولية الاستمرار في التوثيق مهما كانت الظروف قاسية. أهدي هذا الإنجاز إلى عائلتي التي كانت دائماً مصدر قوّتي وإيماني، وإلى غزة التي منحتني الرسالة والمعنى، وإلى كلّ من آمن بعملي وساندني في إيصال صوتها وصورتها إلى العالم"، كتب محمود أبو حمدة على صفحته على انستغرام، تعليقاً على فوزه بجائزة "بايو" المرموقة للمراسلين الحربيين.

إلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حمدة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر بعنوان "ما تُخَلّفه الحرب". ويركّز أبو حمدة في عمله الفوتوغرافي على ظروف معيشة الناس اليومية، ويهتمّ بشكل خاص بحياة الأطفال الذين خسروا واحداً أو أكثر من أطرافهم. تحاول صوره التقاط مروحة من المشاعر التي قد تبدو متضاربة للوهلة الأولى، من داخل عالمٍ يُباد، لكنها بواقعيتها تحرّر مواضيع صورِه من حبسِ الصورة الواحدة لغزة: صورة المأساة ببعدٍ واحد.
إلى جانب محمود أبو حمدة وعمله، أولت جائزة "بايو" اهتماماً لأكثر من مشروع من غزة أو عنها، ففاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بجائزة "بايو" الإذاعية عن تقرير تناوَل انتشال جثامين الشهداء في غزّة، وفاز مصور وكالة "أسوشيتد برِس" جهاد الشرافي بجائزة "المراسل الشاب" للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته المصوّرة "حرب ودمار لا ينتهيان في غزة"، وقد أثارت إحدى صوره الجدل في فرنسا في آب/أغسطس الماضي، لإظهارها مباراة كرة قدم في ملعب محاط بالدمار، حيث كانت معروضة في مهرجان للصور الرياضية في مدينة "دوڤيل" الفرنسية، ثم "اختفت" بعد تلقّي البلدية احتجاجات حولها ممّن ادّعوا أنها لا ترتبط بالرياضة، قبل أن تعود وتُعرَض بأمر من محكمة فرنسية.
هل تخيف صور غزّة بفجاجتها إلى هذا الحدّ؟ أم هو العار الذي يتملك المرء حين يلتفت: لعلّ هذه باتت صورة عالمنا بأسره اليوم.

في كلّ الأحوال، ليست صدفة أن يكبر حضور غزّة في الجوائز والاعترافات الدولية. لقد شهد الرأي العام العالمي تحوّلاً، جعل من فلسطين محلّ اهتمام لدوائر لم تكن مهتمة في معرفة ما يجري في المنطقة، أو أنها كانت مأخوذة بالرواية الإسرائيلية، فهالها ما شاهدته على امتداد ثلاث سنوات. تبدّل شيءٌ ما، وسارعت المؤسسات المرموقة إلى اللحاق بمشاعر الناس، لا العكس، وانتبهوا إلى المسؤولية تجاه الإبادة، إما جدّياً، أو شكلياً فحسب. لكنّ التغيّر وقَع.
ما لمْ يلحق بالمشاعر والرأي العام بعد هو القدرة على التغيير على الأرض، القدرة على تبديل السياسات وإيقاف المقتلة، وهو أهم معيار لتبدل شيءٍ جدّي في عالمنا، ودونه الهلاك. فالفجوة مرعبة بين الاعتراف بالمعاناة والقدرة على وقفها، بين الاحتفاء بالصحافة المؤثرة أو التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان ووقف الجريمة على الأرض.
من المهمّ أن تكرِّم الجوائز والمؤسسات الساعين لكشف الحقيقة، فذلك ليس أمراً غير ذي معنى. من المفيد أن يفهم الاحتلال من خلال هذه المؤشرات، أنه مكشوف أمام العيون، وأن تستمرّ الأعمال الحقوقية والفنية وما بينهما تتحدّث عن غزّة. لكنّ جبلاً من الجوائز في نهاية المطاف لن يأوي عائلة قضت الصيف وتستعدّ لقضاء الشتاء في خيمة.
لتكن إذاً كلّ جائزة وكلّ ذِكرٍ لغزّة في المحافل الدولية فرصة للتذكير بأن الإبادة مستمرة، وبأن عملاً كثيراً ينبغي أن يُصنَع حتى يتحقق الشرط الأخير لإيقاف المجزرة وإنهاء الاحتلال.. للخروج من قهر العجز المحلّي والعالمي.



