نشر هذا النص على موقع MENADEFENSE ANALYSES بتاريخ 27 /08/ 2026
I. المناخ هو من يفرض القواعد الآن
ستستمر حرائق الغابات في التفاقم في حوض المتوسط. وكذلك الفيضانات. ولأسباب مختلفة لكنها متراكمة، ستزداد في العقود المقبلة أيضاً الضغوط الناجمة عن الأوبئة والحوادث الصناعية والمخاطر الزلزالية على الدول.
المؤسسات التي ورثناها عن القرن الماضي ستكون مضطرة إلى التعامل مع هذا الواقع، سواء استعدت له مسبقاً أم لم تفعل.
ويقدم صيف 2026 دليلاً لا يحتاج إلى كثير من التأويل. ويجب قول الأمر من دون خوف: قد يكون هذا الصيف، على الأرجح، من أكثر فصول الصيف اعتدالاً مقارنة بما ينتظر المنطقة في السنوات المقبلة.
تطور المناخ في الجزائر وآثاره
27-09-2022
فالجزائر تخوض منذ مطلع يوليو واحدة من أصعب حملات مكافحة الحرائق في تاريخها الحديث. وفي الوقت نفسه، تواجه فرنسا ما وصفه رئيسها بأنه أسوأ موجة حرائق منذ عام 1945، بعدما احترق أكثر من 42 ألف هكتار حتى منتصف يوليو، وامتدت النيران إلى غابة فونتينبلو للمرة الأولى منذ عقود.
وفي إسبانيا، يجري إحصاء الضحايا بالقرب من ألميريا: نحو اثني عشر قتيلاً مؤكداً وحوالي عشرين مفقوداً، في وقت تعمل فيه وسائل الإطفاء الجوية بوتيرة محدودة بسبب خروج عدد من الطائرات من الخدمة.
ثلاث دول، موسم واحد، صدمة واحدة.
حوض كامل ينتقل إلى مستوى أعلى من المخاطر، وسيستمر في هذا الاتجاه.
ومن هذه المقدمة تخرج نتيجة بسيطة: إذا كان الخطر يرتفع بصورة هيكلية على المستوى الإقليمي، فلا يمكن أن تكون الاستراتيجية الصحيحة مجرد التكيف من صيف إلى آخر.
الدولة التي تبني اليوم قدرتها على الصمود أمام النار والمياه والزلازل لا تمارس الوقاية فقط. إنها، سواء أرادت ذلك أم لا، تتموضع في سوق عالمية آخذة في التوسع.
وهذه هي الطموحات التي تسعى هذه المساهمة إلى طرحها بالنسبة إلى الجزائر: ليس مجرد تدارك التأخر، بل تحويل ضرورة مناخية إلى موقع استراتيجي ومصدر للدخل.

II. ماذا بنت الجزائر فعلياً؟ وما قيمته مقارنة بالآخرين؟
قبل توجيه أي نقد، لا بد من وضع حصيلة قلما يُعرض بها النقاش الجزائري بالأرقام الصحيحة: منذ 2021، عوضت البلاد جزءاً كبيراً من التأخر الذي كانت تعاني منه، والنتيجة تتجاوز ما قد يتوقعه المرء من ميزانية دولة نامية.
لكن لا بد من قياس ذلك بصدق، من دون تضخيم ما تحقق، ومن دون التقليل مما لا يزال يتعين إنجازه.
نقطة الانطلاق

يبقى صيف 2021 المرجع الأساسي.
أكثر من 100 ألف هكتار احترقت، أي ما يعادل 261 في المائة من متوسط العقد السابق. وبلغت الحصيلة البشرية نحو 90 قتيلاً، بينهم 33 عسكرياً من الجيش الوطني الشعبي حاصرتهم النيران في تيزي وزو أثناء محاولتهم إجلاء مدنيين.
في ذلك الوقت، كانت القدرات الجوية الوطنية تقتصر عملياً على ست مروحيات.
واضطرت الجزائر إلى طلب المساعدة من الخارج، حيث أُرسلت طائرتان فرنسيتان عبر آلية الحماية المدنية الأوروبية، التي أصبحت اليوم جزءاً من منظومة rescEU.
وهناك تفصيل ينبغي الاحتفاظ به لما سيأتي لاحقاً: الجزائر، رغم أنها ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي، استطاعت طلب تفعيل هذه الآلية بصفتها دولة ثالثة، وحصلت على المساعدة فعلاً.
أما حملة 2025، فقد اعتمدت على أكثر من 19 ألف عنصر من الحماية المدنية، و505 وحدات تدخل، و65 رتلاً متنقلاً، وست مفارز إقليمية، واثنتي عشرة طائرة Air Tractor AT-802 تشغلها شركة Tassili Travail Aérien، وطائرتي Beriev Be-200 برمائيتين، وست مروحيات ثقيلة Mi-26 تابعة للجيش الوطني الشعبي.
ومن جهة المديرية العامة للغابات، شملت القدرات 544 مركبة تدخل أولي، و497 برج مراقبة، و40 رتلاً غابياً متنقلاً، و35 طائرة مسيّرة عملياتية.
كما تتوفر الحماية المدنية على ست مروحيات خفيفة من نوع AgustaWestland AW139 للربط والإسقاط المائي، وهي تشارك بانتظام في عمليات مكافحة الحرائق منذ عام 2019 على الأقل.
نفذت هذه المنظومة 1,563 عملية إسقاط جوي خلال عام 2025، منها 1,219 عملية بواسطة طائرات AT-802 وحدها، أي 78 في المائة من إجمالي النشاط الجوي.
وهذا رقم يستحق التوقف عنده.

فليست طائرات Be-200 ولا مروحيات Mi-26 هي التي تتحمل العبء الأكبر في الهجوم الأولي، بل هذه الطائرات الصغيرة والمرنة. ولا تكمن فعاليتها في حجمها، بل في قربها من بؤر الحرائق، وسرعة دوراتها العملياتية، وقدرتها على التدخل قبل أن يخرج الحريق عن السيطرة.
وكانت الحصيلة النهائية التي أعلنتها المديرية العامة للغابات في مارس 2026، وأكدتها مصادر مستقلة، هي احتراق 5,289 هكتاراً طوال العام، بانخفاض يقارب 90 في المائة مقارنة بمتوسط العقد السابق.
وعند جمع الحمولة الموثقة لكل وسيلة، نحو 3,070 لتراً لكل AT-802، و12 ألف لتر لكل Be-200، و15 ألف لتر لكل Mi-26 مجهزة بخزان VSU-15، نصل إلى قدرة نظرية إجمالية تقارب 151 ألف لتر إذا حلقت الطائرات والمروحيات العشرون في الوقت نفسه بكامل حمولتها.
هذا الرقم سقف نظري اسمي لم يتحقق قط في ظروف عملياتية حقيقية، وسيكون من غير النزيه تقديمه على نحو آخر.
لكن مقارنة هذا الحجم بـ4.1 ملايين هكتار من الغطاء الغابي الرسمي في الجزائر يضع البلاد في موقع أفضل بكثير مما يُتصور عادة.
ومع ذلك، تبقى المقارنة ناقصة ما لم نعرف نسبة الجاهزية الحقيقية لكل طائرة، وموقع تمركزها، والزمن الفعلي الذي تحتاجه للوصول إلى المناطق الأكثر عرضة للخطر.
الجيش الجزائري لاعب اقتصادي بارز
27-11-2013
وفي 2026، كانت جميع الوسائل الجوية متاحة حتى الآن. كما أن تجهيز مدارج انتشار لطائرات AT-802 منذ 2024 بالقرب من المناطق الأكثر تعرضاً جعل زمن التدخل الجوي العاجل يقل، في حالات كثيرة، عن ساعة واحدة.

ماذا تكشف المقارنة الدولية فعلياً؟
مقارنة الأساطيل الوطنية مفيدة، لكنها قد تكون مضللة إذا لم نأخذ حدود المؤشرات في الحسبان.
فالعدد الإجمالي للطائرات لا يقول الكثير إذا لم نعرف توزيعها الجغرافي، ونسبة جاهزيتها التقنية، وطول موسم الحرائق، وطبيعة التضاريس، وقدرات التزود بالمياه والوقود.
ومع أخذ هذه التحفظات في الاعتبار، يمكن استخلاص عدد من النتائج.
لا يضم الأسطول الدائم للأمن المدني الفرنسي سوى عشرين طائرة مخصصة لمكافحة الحرائق: اثنتا عشرة Canadair CL-415، كان نصفها تقريباً خارج الخدمة، وثماني طائرات Dash 8 Q400، إضافة إلى ثلاث طائرات Beechcraft للتنسيق من دون قدرة على إسقاط المياه.
ومع استئجار ست طائرات Air Tractor، ارتفع العدد إلى 26 طائرة خلال صيف 2026.
وأسطول Canadair الفرنسي بات متقادماً بشكل واضح، إذ تجاوز عمر أقدم الطائرات ثلاثين عاماً، في حين توقف المصنع عن إنتاج هذا الطراز في 2015. وفي ذروة الأزمات، لا تتوفر عملياً إلا ثماني أو تسع طائرات من أصل اثنتي عشرة معلنة.
وقد وُقع في يونيو 2026 عقد للحصول على ست عشرة Canadair جديدة بحلول 2032-2033.
وإذا قورنت هذه القدرات بـ17.6 مليون هكتار من الغابات الفرنسية، فإن كثافة الطيران لكل مليون هكتار تصبح قريبة من الجزائر، بل ربما أقل بحسب طريقة الحساب.
أما إسبانيا، فتعتمد على 56 وسيلة جوية تابعة للدولة، سجلت 8,742 ساعة طيران و47,664 عملية إسقاط خلال عام 2025 على 447 حريقاً.
لكن تقريراً صحفياً نشر في 11 يوليو 2026 كشف أن سبع طائرات فقط من أصل عشر طائرات برمائية ثقيلة معلنة لذلك الصيف كانت صالحة فعلياً للطيران، بينما بقيت ثلاث طائرات في الصيانة.
وهذا يذكرنا بقاعدة أساسية في كل نقاش حول الأساطيل: الطائرة المسجلة في القوائم ليست بالضرورة طائرة متاحة للعمل.
والحالة الإسبانية أكثر تعقيداً في ما يتعلق بمروحيات Kamov Ka-32 الثقيلة، القادرة على سحب ما بين ثلاثة وأربعة أطنان من المياه في دقيقة واحدة، والتي كانت من أكثر الوسائل كفاءة في المنظومة الإسبانية.
منذ 2024، بقيت مروحيات Ka-32 الإسبانية العشر على الأرض بسبب العقوبات الأوروبية على روسيا، التي عرقلت توريد قطع الغيار وتدخل الفنيين الروس اللازمين للصيانة.
وعُلقت شهاداتها، ورُفضت طلبات مدريد للحصول على استثناءات. كما قوبل طلب برلماني لتخفيف جزئي للعقوبات برد حكومي واضح: القرار يعود إلى المجلس الأوروبي في بروكسل وليس إلى مدريد.
وفي النهاية، بيعت المروحيات إلى الصين.
وفي عز موسم 2026، كانت عشر مروحيات قادرة من الناحية التقنية على العمل لا تطير، بينما تُجلى عشرات الآلاف من السكان.
هذه الحالة توضح، أكثر من أي نقاش نظري، المخاطر الاستراتيجية للاعتماد على معدات لا تملك الدولة السيطرة على سلسلة إمدادها ولا على سيادة صيانتها.
البرتغال تبقى البلد الأكثر كثافة في الوسائل الجوية بالمنطقة، مع 81 وسيلة جوية مقررة عند بلوغ مستوى التأهب الأقصى في 2026، وأكثر من 15 ألف عنصر و3,463 مركبة.
مقارنة بـ3.2 ملايين هكتار من الغابات، يبلغ المعدل نحو 25 وسيلة جوية لكل مليون هكتار، مقابل 4.9 في الجزائر.
الفارق خمسة إلى واحد، وهو مؤشر واضح على حجم الجهد الذي لا يزال مطلوباً من حيث الانتشار الجغرافي.
لكن ينبغي أيضاً التذكير بأن أكثر من 90 في المائة من رجال الإطفاء في البرتغال متطوعون، وهو ما يجعل المقارنة العددية المباشرة محدودة الدلالة ما لم يؤخذ هذا العامل في الحسبان.
أما إيطاليا، فتقدم أسطولها على أنه الأكبر في حوض المتوسط، ضمن منظومة ذات مستويين تجمع بين الدولة والأقاليم، بينما تتولى شركة SoREM الخاصة التشغيل والصيانة بموجب عقد.
وتشغل الشركة طائرات Canadair بواسطة طياريها، 60 في المائة منهم على أساس دائم و40 في المائة كتعزيز موسمي، بل وتمتلك أسطولها الخاص من طائرات CL-215 المعاد إدخالها الخدمة.
اليونان تجمع بين أسطول وطني وطائرات مستأجرة، بإجمالي يتراوح بين 80 و85 طائرة من مختلف المهام في 2025.
أما تركيا، فأعلنت في العام نفسه عن 27 طائرة و105 مروحيات، أي 132 وسيلة جوية مأهولة، بقدرة معلنة على حمل 438 طناً من المياه.
إنها منظومة ضخمة ومركزية، لكن يصعب التحقق بصورة مستقلة من التوزيع الدقيق لهذه الوسائل بين مهام الإطفاء والمراقبة والنقل.
وخارج الحوض المتوسطي، تتغير المقاييس جذرياً.
مقارنة الجزائر بكندا أو الولايات المتحدة أو روسيا أو أستراليا بالعدد الخام للطائرات ليست ذات معنى كبير.
فكندا تعتمد أساساً على قدرات المقاطعات وعلى شركات خاصة مثل Conair وAeroflite وAir Spray، التي تمتلك أساطيلها وتؤجرها للمقاطعات بحسب الموسم.
ومقاطعة مانيتوبا، مثلاً، أسندت تشغيل طائراتها لإطفاء الحرائق إلى Babcock عبر مناقصة، مع احتفاظ الحكومة بملكية الطائرات.
أما الولايات المتحدة فتجمع بين مصلحة الغابات الفدرالية، وأساطيل الولايات، والعقود الخاصة، وثماني طائرات C-130 عسكرية مجهزة بنظام MAFFS، لكنها ليست مخصصة للهجوم الأولي على الحرائق.
وتعتمد أستراليا على نحو 175 وسيلة جوية متعاقد عليها لموسم 2025-2026، غالبيتها طائرات خفيفة للاستطلاع والمراقبة.
أما روسيا، فتستخدم الطيران بدرجة كبيرة لنقل فرق الإطفاء المظليين إلى مناطق نائية، وهي عقيدة تتلاءم مع 815 مليون هكتار من الغابات، أي نحو مئتي ضعف المساحة الغابية الجزائرية.
هذا الاستعراض يؤكد وجاهة الاختيار الجزائري القائم على بناء منظومة مركزة من ثلاث عائلات متكاملة من الطائرات والمروحيات بدلاً من محاولة الوصول إلى أعداد ضخمة لا يمكن تحملها.
لكن هذا لا يعني أن المنظومة أصبحت كافية.
فحملة 2026، التي شهدت وجود 120 بؤرة حريق نشطة في الوقت نفسه موزعة على 15 ولاية، تذكر بأن القدرة على معالجة أزمات متعددة بالتوازي هي المعيار العملياتي الحقيقي.
خصوصية صيف 2026
لكن الواقع الحالي يمنع أي نوع من الرضا عن النفس.
منذ الأول من مايو، سجلت الحماية المدنية 3,719 حريقاً، مقابل 1,501 خلال الفترة نفسها من 2025.
ومنذ الأول من يوليو وحده، اندلع 1,460 حريقاً، مع تسجيل أكثر من 120 بؤرة نشطة في الوقت نفسه في الشمال والشمال الشرقي، وسط درجات حرارة بلغت محلياً 55 درجة.
وحتى 21 يوليو، تأكدت وفاة ستة أشخاص.
كما دُمر نحو 1,666 هكتاراً منذ بداية الموسم، مقابل 467 هكتاراً قبل عام.
لا يمكن تجاوز هذه الأرقام.
لكن فرنسا وإسبانيا والبرتغال تعيش في الوقت نفسه مواسم تصفها سلطاتها نفسها بالتاريخية.
وما يوضحه صيف 2026 هو أن المناخ يتغير بوتيرة أسرع من قدرة منظومات الاستجابة على التطور، في كل مكان، وليس في الجزائر وحدها.
الاختبار الحقيقي لأي منظومة لمكافحة الحرائق لا يتمثل في صورة جماعية للأسطول في بداية الموسم.
واقع التعامل مع التغيرات المناخية في الجزائر
08-12-2022
بل في قدرتها على الصمود طوال حملة استثنائية من دون انهيار، وفي نسبة الجاهزية الحقيقية خلال اللحظات الحرجة، ومتوسط زمن التدخل، ونسبة الحرائق التي يتم احتواؤها قبل أن تتحول إلى كوارث واسعة.
هذه مؤشرات لا تنشرها الجزائر حتى الآن.
وهذا النقص بالتحديد يجعل أي تقييم جاد أمراً بالغ الصعوبة، سواء من الخارج أو من الداخل.
III. العقيدة قبل كل شيء: لماذا يجب البدء بالتنسيق؟
هناك إغراء متكرر في سياسات الحماية المدنية، في الجزائر كما في غيرها: عندما تقع الكارثة، نشتري.
بعد حرائق 2021، اشترت الجزائر طائرات. وكان ذلك مبرراً.
لكن لا توجد طائرة يمكن أن تعوض غياب وثيقة تحدد من يقرر ماذا، ومتى، وبالتنسيق مع من، ووفق أي بروتوكول.
تاريخ الكوارث الكبرى في حوض المتوسط خلال العقدين الأخيرين مليء بدول كانت تمتلك الوسائل ولم تكن تمتلك العقيدة العملياتية، وفقدت أرواحاً لهذا السبب بالتحديد.
ما المقصود بالعقيدة العملياتية؟ ولماذا لا توجد بعد في الجزائر؟
العقيدة العملياتية ليست مخططاً تنظيمياً إضافياً في بلد يميل أصلاً إلى تكديس الهياكل الإدارية.
وليست نصاً تنظيمياً آخر يوضع في درج.
إنها وثيقة تجيب عن أسئلة عملية بالترتيب نفسه الذي تظهر به في الميدان.
من يكتشف الحريق أولاً، وكيف ينقل المعلومة؟
من يتخذ قرار إقلاع الطائرة؟
من ينسق بين الطائرات عندما تعمل ثلاث أو أربع منها فوق الحريق نفسه؟
متى يستطيع الوالي تسخير وسائل المديرية العامة للغابات؟
ومتى تنتقل القيادة من المديرية العامة للغابات إلى الحماية المدنية، ثم إلى الجيش الوطني الشعبي؟
من يأذن بإسقاط المواد المثبطة للحرائق، عندما تبدأ الجزائر باستخدامها، إذا كانت فرق الإطفاء موجودة على الأرض في المنطقة نفسها؟
من يخاطب السكان؟ وبأي وتيرة؟ وعبر أي قناة؟
ومن يقرر إخلاء قرية؟
في الجزائر اليوم، لا توجد، على الأقل علناً، وثيقة موحدة تجيب عن كل هذه الأسئلة لجميع المتدخلين.
كل مؤسسة تعمل وفق إجراءاتها الداخلية.
والتنسيق يقوم على العادات العملية، وربما على العلاقات الشخصية بين المسؤولين، وعلى حلول ارتجالية أثناء الأزمة، وهي حلول تنجح أحياناً ولا ينبغي إنكار ذلك.
لكن نجاحها في 2025، وهي سنة كانت أكثر ملاءمة مناخياً، لا يعني قدرتها على الصمود دائماً.
وقد ظهرت حدودها في 2026 عندما اندلع 120 حريقاً في 15 ولاية في الوقت نفسه من دون وجود قيادة موحدة قادرة على إدارة هذا التزامن.
ماذا تعلمنا ثلاث تجارب دولية؟
كاليفورنيا 1970: عندما يقتل الارتجال
في أكتوبر 1970، اجتاحت حرائق متزامنة جنوب كاليفورنيا، فقتلت 16 شخصاً وأحرقت أكثر من 200 ألف هكتار ودمرت 700 منشأة.
كانت كاليفورنيا تمتلك آنذاك أحد أكبر أساطيل مكافحة الحرائق في العالم.
لم تكن المشكلة في الوسائل.
كانت المشكلة أن الوكالات الموجودة في الميدان لم تكن قادرة على التحدث إلى بعضها بعضاً.
كل جهة تستخدم تردداتها اللاسلكية الخاصة، ومصطلحاتها الخاصة، وتسلسل قيادتها الخاص.
كانت سيارات إطفاء تنتظر أوامر لا تصل لأن أحداً لا يعرف على وجه الدقة من المسؤول عن ماذا.
كما نُفذت عمليات إسقاط جوي من دون تنسيق كاف مع الفرق الأرضية، ما عرض رجال الإطفاء لمخاطر غير ضرورية.
لم يكن الرد شراء المزيد من الطائرات.
بل إنشاء نظام قيادة موحد لجميع الجهات، بغض النظر عن المؤسسة التي تنتمي إليها: نظام قيادة الحوادث، Incident Command System أو ICS.
يحدد هذا النظام هيكلاً موحداً للقيادة، ومصطلحات معيارية، وترددات اتصال مشتركة، وأدواراً محددة لكل متدخل، وسلسلة قرار واضحة تبدأ من أول رجل إطفاء يصل إلى الموقع وتنتهي بقائد الحادث.
وفي 2003، جعلت وكالة FEMA هذا النظام إلزامياً لجميع الجهات الفدرالية وجهات الولايات والسلطات المحلية.
وتبنته كندا بالكامل.
وطورت أستراليا نسختها الخاصة منه.
واعتمدته السويد في 2004.
وأهم ما يجعله مناسباً نموذجاً للجزائر هو مرونته.
فهو يعمل بالطريقة نفسها في حريق صغير تعالجه مجموعة من ثلاثة رجال إطفاء، وفي كارثة وطنية يشارك فيها آلاف العناصر من عشرين مؤسسة مختلفة.
يتوسع الهيكل أو ينكمش بحسب حجم الحادث، من دون إعادة اختراع المسؤوليات في كل مرة.
البرتغال 2017: عندما يصبح فصل الاختصاصات قاتلاً

في 17 يونيو 2017، اندلع حريق في منطقة بيدروغاو غراندي.
وخلال أقل من ست ساعات قتل 66 شخصاً، من بينهم 47 لقوا حتفهم داخل سياراتهم على الطريق الوطني 236، بعدما حاصرتهم النيران التي تقدمت بسرعة أكبر من المتوقع.
وفي أكتوبر من العام نفسه، قتلت موجة ثانية 45 شخصاً إضافياً.
مئة وأحد عشر قتيلاً في عام واحد.
ولم تكن البرتغال محرومة من الوسائل.
كان أسطولها الجوي من الأكثر كثافة في أوروبا، وكانت طائراتها عملياتية، ورجال الإطفاء مدربين وبأعداد كبيرة.
لكن لجنة التحقيق حددت إخفاقات عقائدية وتنظيمية دقيقة، وليس نقصاً في المعدات.
فالهيئة المسؤولة عن الغابات وهيئة الحماية المدنية الوطنية كانتا تستخدمان نظامي معلومات غير مترابطين.
ولم يكن هناك بروتوكول يحدد اللحظة التي تنتقل فيها قيادة الحادث من جهة إلى أخرى.
كما لم يكن دور السلطات المدنية في الأقاليم محدداً بوضوح في السلسلة العملياتية.
فاتخذ بعض المسؤولين قرارات أحادية بإجلاء السكان من دون التنسيق مع رجال الإطفاء، ما أدى إلى اختناقات مرورية على طرق كانت النيران على وشك قطعها.
وأطلقت مصالح الأرصاد الجوية تحذيرات من مستوى خطر شديد قبل أيام.
لكن هذه التحذيرات لم تؤد آلياً إلى نشر وسائل إضافية، لأنه لم يكن هناك بروتوكول يحدد ما الذي يجب أن ينتج عملياً عن بلوغ مستوى الإنذار الأقصى.
بعد ذلك أنشأت البرتغال الوكالة الوطنية للإدارة المتكاملة للحرائق الريفية، Agência para a Gestão Integrada de Fogos Rurais، وأعدت خطة وطنية للإدارة المتكاملة للحرائق الريفية.
وتحدد هذه الخطة، لكل مستوى من الإنذار الجوي، الوسائل التي يجب نشرها مسبقاً، ومن يقود ماذا، وكيف تنتقل القيادة بين المؤسسات.
واستغرق إعداد الخطة وتجريبها عامين.
وهي اليوم من أكثر الوثائق العقائدية اكتمالاً في أوروبا.
اليونان 2018: عندما لا يمتلك أحد الصورة الكاملة
في 23 يوليو 2018، قتل حريق 102 شخص في ماتي، وهي منطقة ساحلية تبعد 27 كيلومتراً عن أثينا.
كانت الكارثة الأكثر دموية بسبب الحرائق في أوروبا منذ سبعينيات القرن الماضي.
كانت اليونان تمتلك عدداً كبيراً من الطائرات ورجال إطفاء مدربين وأنظمة إنذار.
لكن لجنة التحقيق كشفت نوعاً دقيقاً من الفشل: لم يكن أحد يمتلك صورة شاملة للحادث.
كانت الرياح عنيفة ومتقلبة، تدفع النار في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه.
وكانت وحدات الإطفاء تغطي قطاعاتها من دون معرفة ما يجري في القطاعات الأخرى.
لم يكن هناك قائد يملك رؤية كاملة لمسار جبهة النار.
وأُرسلت أرتال من رجال الإطفاء في اتجاهات كانت النيران ستعبرها، من دون أن يمتلك أحد السلطة أو المعلومة لتحويل مسارها في الوقت المناسب.
كما تمت عمليات إسقاط جوي من دون تنسيق كاف مع الوحدات الأرضية.
إن غياب مركز قيادة ميداني موحد قادر على جمع معلومات الوحدات الأرضية والطائرات في الزمن الحقيقي كلف أرواحاً كان يمكن إنقاذها بالوسائل المتوفرة أصلاً.
ومنذ ذلك الحين، فرضت اليونان شهادة خاصة لقائد الحادث على كل ضابط قد يتولى إدارة حريق كبير، واستثمرت في أنظمة القيادة المتكاملة.
كما تنظم تدريبات مشتركة بين المؤسسات كل عام قبل موسم الحرائق.
المبادئ السبعة لدليل عمليات جزائري
تتقاطع التجارب الثلاث في العيوب نفسها تقريباً، والحوادث نفسها، والحلول نفسها.
وينبغي لأي دليل عمليات جزائري أن يغطي سبعة مجالات على الأقل.
المبدأ الأول: سلسلة القيادة بحسب مستوى الحادث
الحريق الذي يبقى دون خمسة هكتارات يظل تحت قيادة المديرية العامة للغابات.
بين خمسة وخمسين هكتاراً، تتولى الحماية المدنية القيادة العملياتية، بينما تضع المديرية العامة للغابات وسائلها تحت تصرفها.
فوق خمسين هكتاراً، أو بمجرد امتداد الحريق إلى ولاية ثانية، يُعين قائد وطني للحادث تكون له سلطة على جميع الوسائل الموجودة في الميدان، سواء كانت تابعة للحماية المدنية أو المديرية العامة للغابات أو الجيش الوطني الشعبي أو أي مؤسسة أخرى.
يُبلغ الوالي ويُستشار في قرارات إجلاء السكان، لكنه لا يكون جزءاً من التسلسل العملياتي لقيادة وسائل مكافحة الحريق.
الفصل بين السلطة الإدارية والقيادة العملياتية أساسي.
وفي البرتغال عام 2017، ساهم الخلط بينهما مباشرة في الاختناقات المرورية القاتلة على الطريق 236.
المبدأ الثاني: بروتوكول استباقي مرتبط بالأرصاد الجوية
لكل مستوى إنذار تحدده مصالح الأرصاد الجوية الوطنية، يجب أن ينص الدليل على إجراءات آلية غير خاضعة للاجتهاد اللحظي: نشر عدد محدد من الطائرات في قواعد متقدمة، تفعيل الأرتال الاحتياطية، ووضع فرق مراقبة إضافية في حالة تأهب.
هذه القرارات لا تُترك لتقدير المسؤول في تلك اللحظة.
يتم تفعيلها بمجرد تجاوز عتبة معينة في درجات الحرارة أو سرعة الرياح أو مؤشر جفاف التربة، من دون الحاجة إلى انتظار شخص يقرر إن كان الوضع خطيراً بما يكفي.
هذا بالضبط ما كان مفقوداً في البرتغال عام 2017: التحذيرات الجوية كانت موجودة، لكن القرارات التلقائية لم تكن موجودة.
المبدأ الثالث: مصطلحات مشتركة
تستخدم الحماية المدنية والمديرية العامة للغابات والجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني وسونلغاز اليوم مصطلحات وأكواد اتصال مختلفة.
ينبغي للدليل أن يحدد قاموساً موحداً وإلزامياً في جميع الاتصالات المشتركة أثناء الحوادث.
وهي واحدة من أكثر الدروس وضوحاً من حرائق كاليفورنيا عام 1970: رجلان من فرق الإطفاء لا يستخدمان اللغة العملياتية نفسها لا يستطيعان التنسيق حتى لو كانا يتحدثان اللغة نفسها.
المبدأ الرابع: بروتوكول التنسيق بين الجو والأرض

يجب أن يحدد الدليل بدقة طريقة اتصال الطيار مع الفرق الأرضية قبل الإسقاط، ومناطق الأمان، ومن يمنح الإذن بالإسقاط عند وجود رجال إطفاء في المنطقة، وكيف يحدد المنسق الجوي الأهداف عندما تعمل عدة طائرات على الجبهة نفسها.
من دون ذلك، يرتجل كل طيار طريقته الخاصة.
وهو ما يزيد خطر التصادم بين الطائرات واحتمال تنفيذ إسقاطات في مواقع خاطئة، وهما حادثان عرفتهما مسارح عمليات متوسطية خلال السنوات العشر الأخيرة.
المبدأ الخامس: بروتوكول إعلام السكان
يجب أن يحدد الدليل من يحق له التحدث علناً أثناء الحادث، وبأي وتيرة، وعبر أي قنوات.
سمفونية جزائرية غير مكتملة
07-01-2021
في 2021 كما في 2026، انتشرت معلومات متناقضة بين تصريحات الولاة وبيانات الحماية المدنية وما ينشر على شبكات التواصل، ما خلق ارتباكاً صعب عمليات الإجلاء وأثار الذعر أحياناً في مناطق لم تكن مهددة مباشرة.
وشاهدنا حتى تدخلاً جوياً بدأ على الهواء مباشرة إثر اتصال من مسؤول.
تعيين متحدث رسمي واحد فور تفعيل قيادة الحادث هو القاعدة في الأنظمة التي تعمل بكفاءة.
المبدأ السادس: مراجعة إلزامية بعد كل حادث
في غضون 48 ساعة من انتهاء أي حادث واسع النطاق، يجب عقد جلسة استخلاص خبرة منظمة تجمع قادة جميع المؤسسات التي شاركت.
وتدخل خلاصاتها في قاعدة بيانات وطنية متاحة للجهات المعنية، وتستخدم لتحديث دليل العمليات سنوياً.
من دون هذه الحلقة، تتكرر الأخطاء نفسها من موسم إلى آخر.
ومن أكثر ما لفت الانتباه في التحقيقات البرتغالية واليونانية أن عدداً من أوجه الخلل التي ظهرت بعد كوارث 2017 و2018 كان قد سُجل في حوادث سابقة، لكنه لم يُحول إلى دروس مؤسسية ولم يُصحح.
المبدأ السابع: تدريب واعتماد قادة الحوادث
لا قيمة لأي دليل إذا كان المكلفون بتطبيقه لم يتدربوا عليه عملياً.
ينبغي فرض برنامج اعتماد خاص بقائد الحادث لكل ضابط في الحماية المدنية أو المديرية العامة للغابات أو الجيش الوطني الشعبي قد يتولى قيادة حريق واسع.
ويجب أن تشمل هذه الدورة تدريبات محاكاة مشتركة بين المؤسسات، يتدرب خلالها ضباط الأجهزة الثلاثة على العقيدة نفسها في سيناريوهات افتراضية قبل اضطرارهم إلى تطبيقها في الواقع.
كما ينبغي فرض تمرين واسع النطاق كل ربيع في كل ولاية عالية الخطورة قبل بدء موسم الحرائق.
اليونان فرضت هذا الاعتماد بعد 2018.
والبرتغال أدرجته في خطتها الوطنية بعد 2017.
وفي البلدين، يعتبر المسؤولون العملياتيون اليوم أن التدريب المشترك السنوي من أكثر الاستثمارات مردودية في سياسة الوقاية بأكملها.
لماذا يجب أن تسبق هذه الوثيقة أي استثمار كبير؟
سيكون إغراء قلب الأولويات قوياً.
وقد فعلت اليونان والبرتغال ذلك، وفي الحالتين سبقت كارثة الإصلاح العقائدي.
حتى الحجة الاقتصادية تؤكد المنطق نفسه.
فالاستثمارات المادية الكبرى تكلف عشرات بل مئات الملايين من الدولارات.
في المقابل، فإن الاستثمار في إعداد دليل عمليات، وتكوين قادة حوادث معتمدين، وربط أنظمة الاتصال اللاسلكي، وإنشاء مركز قيادة وطني دائم، يمكن أن يعطي مكسباً عملياتياً فورياً باستخدام الوسائل الموجودة أصلاً، من دون انتظار وصول طائرات جديدة.
القاعدة بسيطة: وسيلة واحدة منسقة جيداً أفضل من وسيلتين تعمل كل واحدة منهما بمعزل عن الأخرى.
وتاريخ الكوارث المتوسطية يؤكد ذلك باستمرار.
الدول التي استخلصت أعمق الدروس من أسوأ مواسمها ليست تلك التي سارعت إلى الشراء بعد الكارثة، بل تلك التي أعدت وثيقة يطبقها الجميع، ودربت الضباط عليها، وأجرت تمارين مشتركة قبل أن تجبرها النيران على الارتجال.
IV. ما الذي لا يزال ناقصاً؟ عقيدة جوية ووسائل إضافية
لم يُحل بعد العجز الكمي في الطائرات الثقيلة.
سيكون خطأً اختزال النقاش في عدد الطائرات، لكن سيكون من الخطأ أيضاً تجاهل الاحتياجات المادية الحقيقية.
المجال الحقيقي للتقدم عقائدي ومادي في الوقت نفسه، وينبغي معالجة الاثنين معاً.
العمل الذي يقوم به الطيارون الشباب في القوات الجوية الجزائرية على طائرات Be-200 استثنائي من حيث الجودة والجرأة العملياتية. لكن سلامتهم أولاً، ثم سلامة الطائرات، يجب أن تبقيا في صدارة الأولويات.
عقيدة الاستخدام الجوي: الرافعة المجانية التي لا نستغلها
في عشرات البرقيات والتقارير المتعلقة بحملة 2026، لا توجد إشارة إلى استخدام مواد كيميائية مثبطة للحريق.
كل التقارير تتحدث عن إسقاط المياه.
ولا يوجد ذكر لطائرة استطلاع تسبق الهجوم، ولا لدور تنسيقي واضح عندما تعمل عدة طائرات على الحريق نفسه.
تعمل المنظومة الجزائرية وفق منطق رد الفعل: تقلع الطائرة، تلقي المياه على اللهب المرئي، ثم تعود للتزود.
هذه الطريقة فعالة مع الحرائق الصغيرة.
لكنها تبلغ حدودها بسرعة عندما تتحرك جبهة النار بسرعة.
فالماء يبرد الوقود النباتي لدقائق، ثم تعود النباتات إلى الاشتعال عندما ترتفع حرارتها من جديد.
أما المواد المثبطة للحريق فتغير كيمياء الاحتراق وتحمي منطقة لساعات، ما يسمح بإنشاء خطوط دفاع أمام الجبهة بدلاً من مطاردة اللهب.
ولا تستخدم إسبانيا وفرنسا هذه المواد بدافع العادة، بل لأن إسقاط المياه وحده يظل عملاً موضعياً محدود الأثر التراكمي على تقدم الحريق.
طائرة استطلاع، حتى لو كانت خفيفة، تستطيع خلال دقيقة أو دقيقتين تقدير حجم الحريق واتجاه الرياح والعوائق وتحديد نقطة الهجوم قبل تدخل القاذفات.
وعندما تعمل عدة طائرات على الجبهة نفسها، كما حدث هذا الصيف في عنابة وبجاية وسكيكدة بمشاركة Be-200 وMi-26 وAT-802 في الوقت نفسه، يمنع المنسق الجوي تكرار الإسقاطات على النقطة نفسها ويقلل مخاطر التصادم.
التسلسل الذي ينبغي أن تقننه عقيدة جزائرية واضح:
دوريات وقائية مسلحة في أيام الخطر الأقصى، حيث تحلق طائرات الإطفاء بخزانات ممتلئة فوق الكتل الغابية المعرضة وتهاجم فوراً أي بداية حريق ترصدها.
اكتشاف وإنذار في غضون عشر دقائق.
استطلاع منهجي قبل أي هجوم.
هجوم أولي بالطائرات الخفيفة والمرنة، بهدف رقمي يتمثل في احتواء كل حريق قبل تجاوزه خمسة هكتارات.
إنشاء خطوط من المواد المثبطة أمام الجبهة إذا فشل الهجوم الأولي.
تنسيق متعدد الطائرات بواسطة طائرة أو مركز مخصص.
تنسيق مع الوسائل الأرضية للاستفادة من النافذة التي يفتحها كل إسقاط.
ثم مراجعة بعد العملية تعتمد على مؤشرات أداء منشورة.
كما أن استخدام طائرات إرشاد المسار، التي تحدد لقاذفات المياه خط الإسقاط لتقليل الحوادث والأخطاء، أصبح أكثر من ضروري.
ويمكن القيام بهذه المهمة بواسطة طائرات موجودة أصلاً لدى القوات الجوية أو الحماية المدنية.
باختصار، لا يحتاج الجزء الأكبر من ذلك إلى شراء طائرات جديدة.
ما يحتاجه هو عقيدة مكتوبة، ومخزون من المواد المثبطة، وقدرة لوجستية على تحميلها بسرعة، وتخصيص طائرة أو اثنتين من الأسطول الموجود لمهام التنسيق.
إنه استثمار في التدريب والتنظيم أكثر منه استثماراً في الشراء.
الحاجة إلى وسائل إضافية تبقى حقيقية
تؤكد حملة 2026 الأمر بوضوح: عندما تنتشر الحرائق في 15 ولاية في الوقت نفسه، تصل حتى المنظومة المنسقة جيداً إلى حدودها إذا لم يكن عدد الطائرات المتاحة كافياً.
ينبغي للجزائر مواصلة اقتناء قاذفات مياه ثقيلة، مع دراسة مسارين بحسب الظروف الصناعية.
المسار الأول هو مواصلة طلبات Be-200.
لقد أثبتت الطائرة كفاءتها في عمليات البحر المتوسط، وأصبحت الجزائر تمتلك خبرة في لوجستياتها وصيانتها.
لكن المشكلة الأساسية تتعلق بمحركات D-436TP التي تأثر إنتاجها بالسياق الصناعي الروسي الأوكراني.
وقد يتطلب الأمر إما ترتيبات إنتاج بديلة أو اعتماد محرك بديل إذا استمرت المشكلة على المدى المتوسط.
والخبر الإيجابي للجزائر أن روسيا بدأت في تصنيع نسخة محلية من المحرك، وهي تخضع حالياً لعمليات الاعتماد للاستخدام في البيئات المائية والمالحة.

المسار الثاني هو AVIC AG600، أو TA-600 في نسخته التجارية، وهي طائرة برمائية صينية ثقيلة لا تزال في مرحلة الاختبارات ويمكن أن تصبح بديلاً جدياً في الفئة نفسها.
وعلاقات الجزائر الصناعية والعسكرية مع الصين قائمة بالفعل، ما قد يسهل التفاوض بشأن نقل التكنولوجيا والصيانة.
لكن ينبغي دراسة هذا الخيار بجدية من دون اتخاذ قرار متسرع قبل أن تثبت الطائرة موثوقيتها خلال عدة مواسم عملياتية.
أما مسار Air Tractor فهو ربما الأكثر جاذبية في الأجل القصير.
الطائرة متوفرة في السوق، منخفضة التكلفة نسبياً، مرنة وسهلة الصيانة، ومن المفيد بناء أسطول أكبر منها خلال فترة قصيرة.
حل مشكلة الانتشار الجغرافي
يدور المعدل الجزائري حول 4.9 طائرات لكل مليون هكتار.
لكن هذا الرقم يخفي حقيقة أهم: المطلوب أن توجد وسيلة خفيفة على بعد 20 أو 30 دقيقة من أي كتلة غابية عالية الخطورة.
وحملة 2026، مع حرائق متزامنة في نحو 15 ولاية، جعلت هذا النقص ملموساً.
أما في مجال الطائرات المسيّرة، فقد كان الهدف السياسي الوصول إلى 140 طائرة خلال 2026، لكن حتى 22 يونيو كان المتوفر 35 طائرة عملياتية فقط، مع 80 أخرى قيد الاقتناء.
المشكلة الأساسية ليست في الرقم المجرد، بل في غياب هندسة ثلاثية المستويات.
المستوى الأول مخصص للكشف واسع النطاق، بواسطة طائرات MALE من طراز CH-4 أو Anka-S الموجودة أصلاً في الترسانة العسكرية الجزائرية.
ويمكن تخصيصها جزئياً أو استخدامها بصورة مشتركة للمراقبة الغابية في الكتل الأكثر عرضة، بما يوفر مراقبة مستمرة لا تستطيع أبراج المراقبة الثابتة ولا الطائرات المأهولة توفيرها بالاستمرارية نفسها.
المستوى الثاني للدوريات المحلية المتكررة بواسطة منصات أخف وأرخص، من طراز Aurès 700 مثلاً، لدعم 497 برج مراقبة ثابتاً.
أما المستوى الثالث فهو للتأكيد التكتيكي والتدخل القريب بواسطة طائرات ذات حمولة أكبر، مثل SANAD-32، قادرة على تأكيد موقع بداية الحريق واتجاه انتشاره قبل وصول AT-802.
وتشير تقديرات تقريبية مبنية على أنظمة مماثلة، في غياب أسعار رسمية منشورة، إلى أن تكلفة بنية متكاملة من هذا النوع قد تتراوح بين 15 و55 مليون دولار، بحسب استخدام طائرات MALE الموجودة أصلاً أو اقتناء منظومات إضافية.
وهو مبلغ لا يقارن بتكلفة طائرة Be-200 إضافية واحدة.
وتحقق هذه الهندسة فائدة ثانية أيضاً: المراقبة المستمرة تساعد في الكشف السريع عن الحرائق المتعمدة.
وقد وُضع عدد من الأشخاص أخيراً رهن الحبس في قسنطينة بسبب حرائق إجرامية، وتمت متابعتهم بموجب المادتين 87 مكرر و87 مكرر 1 من قانون العقوبات، أي أحكام مكافحة الإرهاب، إضافة إلى تهمة الإضرام العمدي للنار في الممتلكات الغابية.
لكن الأدلة المستخدمة، بحسب ما هو متاح، لا تزال في الغالب فيديوهات ظرفية، من دون مؤشرات واضحة على وجود شرطة علمية متخصصة في التحقيق في الحرائق، وتحليل أنماط الاحتراق، والكشف عن المواد المسرعة، وإعادة بناء نقطة بداية الحريق، كما هو الحال في الولايات المتحدة لدى ATF.
تغطية جوية مستمرة بالطائرات المسيّرة يمكن أن تقلل هذا الغموض في الزمن شبه الحقيقي.
ومن المهم أيضاً التذكير بأن إحدى القضايا تعلقت برجل ضُبط وهو يشعل النار في كابلات نحاسية لاسترجاع المعدن.
أي أن جزءاً من الحرائق المشبوهة قد يكون مرتبطاً بجريمة اقتصادية عادية، وهو تمييز ينبغي أخذه في الحسبان في السياسة الجنائية.
الشفافية العملياتية شرط لكل ما سبق
لا تنشر السلطات الجزائرية حالياً أي مؤشرات أداء عملياتية تفصيلية.
لا متوسط زمن التدخل الأول.
ولا نسبة الحرائق التي تمت السيطرة عليها قبل خمسة هكتارات.
ولا نسبة الجاهزية التقنية الحقيقية للطائرات.
إسبانيا تنشر ساعات الطيران.
والبرتغال توثق تطور ميزانية جهازها الخاص منذ 2016.
من دون هذه البيانات، لا يستطيع أحد قياس مدى فعالية استخدام المال العام، ولا معرفة ما إذا كانت العقيدة الجديدة تحقق نتائج أفضل من موسم إلى آخر.
ومن دون معرفة عدد الطائرات المتاحة فعلياً خلال الأيام الأكثر خطورة، يستحيل تحديد ما إذا كان عجز القدرة قد عولج أم لا يزال قائماً.
V. من TTA إلى منافسة Conair: طموح صناعي لعشر سنوات
هنا يتغير النقاش جذرياً.
هناك سوق عالمية ناضجة تجارياً لمكافحة الحرائق جواً، قيمتها مئات الملايين من الدولارات في كل موسم، مع موسمين سنوياً في نصفي الكرة الأرضية.
وهذه السوق ستنمو تلقائياً مع ارتفاع المخاطر المناخية.
الجزائر غائبة عنها تماماً، رغم امتلاكها مؤسسة تتوفر فيها البذور الأولى لدخولها.
لكن الدخول الجدي يحتاج إلى جهد صناعي وتنظيمي لا ينبغي التقليل من حجمه، ويحتاج قبل كل شيء إلى رؤية استراتيجية للدولة.
كيف تعمل السوق؟
تقوم السوق على نموذجين رئيسيين.
الأول هو التأجير الموسمي مع الطائرة والطاقم، wet lease، حيث يُستأجر الطيران والطيارون لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر من دون امتلاك الطائرات أو ضمان استمرارها في الموسم التالي.
هذا هو نموذج Conair في كندا.
وهو أيضاً نموذج Plysa في إسبانيا، التي تشغل عشرين طائرة Thrush 710P من مدارج قصيرة، وقد استخدمتها الجزائر بالفعل خلال عامين أو ثلاثة.
واستخدمت فرنسا النموذج نفسه عندما استأجرت أربع Air Tractor من Titan Aerial Firefighting في 2023 مقابل 6.2 ملايين يورو لمدة ثلاثة أشهر.
وهذا بالضبط نوع العقود التي تقع الجزائر اليوم في جانب المشتري فيها.
أما النموذج الثاني فهو أكثر عمقاً: تتعاقد الدولة مع شركة متخصصة لتشغيل أسطول عام تظل ملكيته للدولة، بينما تتولى الشركة الخاصة الصيانة والتشغيل وفق التزامات تعاقدية صارمة بشأن الجاهزية.
هذا ما تفعله إيطاليا مع SoREM.
وهو ما فعلته مانيتوبا عندما كلفت Babcock بتشغيل قاذفات المياه السبع التابعة لها.
ما الذي تمتلكه TTA بالفعل؟
تقوم شركة Tassili Travail Aérien، وهي مؤسسة عمومية، بتشغيل طائرات AT-802 الاثنتي عشرة في الأسطول الجزائري، وقد اشترت الدولة ستاً منها بتوجيه رئاسي مباشر بدلاً من الاستمرار في استئجارها.
تمتلك الشركة مركز صيانة معتمداً وفق معايير دولية في حاسي مسعود، وهي عضو في Flight Safety Foundation، وتعمل وفق معايير BARS وIOGP المعتمدة في قطاع النفط العالمي.
كما تعزز أسطولها للإجلاء الطبي بطائرتين Cessna SkyCourier، في سابقة على مستوى القارة الإفريقية.
أما خبرتها في مكافحة الحرائق فتعود إلى 2009، عندما كانت شركة Tassili Agro Aérien تدرج هذه المهمة ضمن أنشطتها.
هذا الأساس من الاعتمادات الدولية نقطة انطلاق حقيقية.
لكن اعتماد قطاع النفط لا ينتقل تلقائياً إلى سوق مكافحة الحرائق الدولية.
إذا أرادت TTA منافسة Conair أو Babcock بجدية، فعليها إثبات نسب جاهزية مرتفعة خلال عدة مواسم فعلية، وتوثيق خبرة في القيادة الجوية لعمليات الإطفاء، وبناء قدرة صيانة قابلة للنشر خارج البلاد، وتكوين عدد كاف من الأطقم، والحصول على شهادات معترف بها لدى الدول الأوروبية التي قد تصبح زبائن، وتأمين العمليات عبر شركات تأمين دولية.
وقبل كل شيء، يجب أن تمتلك أسطولاً فائضاً فعلياً عن الاحتياجات الوطنية.
لا يتوفر أي من هذه الشروط بالكامل اليوم، لكن جميعها في متناول الشركة إذا وُجد القرار السياسي.
طموح لعشر سنوات
الهدف الواقعي ليس أن تنافس TTA شركة Conair في الموسم المقبل.
الهدف هو بناء فاعل جزائري موثوق في السوق المتوسطية خلال خمس إلى عشر سنوات، حيث تمثل القرب الجغرافي من مناطق الأزمة وتكاليف التشغيل التي قد تكون أقل من الشركات الأمريكية الشمالية ميزتين حقيقيتين.
يمكن أن تكون خارطة الطريق كما يلي:
أولاً، تثبيت الأداء الوطني وتحقيق نسبة جاهزية مرتفعة ومنشورة خلال عدة مواسم متتالية.
ثانياً، الحصول على الاعتمادات الدولية الخاصة بمكافحة الحرائق التي تقبلها المناقصات الأوروبية.
ثالثاً، تطوير قدرة صيانة يمكن نشرها خارج الجزائر، وهي شرط أساسي للعمل بعيداً عن حاسي مسعود.
رابعاً، المشاركة في بعثات تعاون ثنائية تكون في الوقت نفسه إثباتاً للقدرة وموطئ قدم تجاري أول.
وخامساً فقط، دخول المنافسة على العقود التجارية في أوروبا المتوسطية.
هناك رافعتان يمكن أن تسرعا هذا المسار.

الأولى اقتناء طائرات ذات حمولة أكبر من AT-802، مثل Dash 8 Q400 القادرة على حمل نحو عشرة آلاف لتر والتي لا تحتاج إلى عملية التقاط المياه من المسطحات المائية. وللعلم فإن Tassili، الشركة الشقيقة السابقة لـTTA، تمتلك أصلاً طائرات Dash 8.
أما الرافعة الثانية، والأكثر جذرية، فهي شراء شركة صغيرة موجودة بالفعل في السوق، تمتلك الاعتمادات والعقود والأطقم المدربة.
هذا نموذج تلجأ إليه المجموعات الصناعية عادة عندما تدخل سوقاً منظمة بدلاً من بناء كل شيء من الصفر.
إنه خيار مكلف، لكنه قد يقلص الجدول الزمني بدرجة كبيرة.
إنتاج مثبطات الحريق محلياً كميزة تجارية
شركة تستطيع أن تعرض في العقد نفسه الطائرة والطاقم ومادة الإطفاء المصنعة محلياً ستحصل على ميزة لا يمتلكها تقريباً أي منافس حالي، لأن غالبية المشغلين يشترون هذه المواد من الموردين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم Perimeter Solutions.
الجزائر لا تنتج حالياً مثبطات حرائق مخصصة للطيران، ولا يبدو أنها تستخدمها عملياتياً، إذ تعتمد Be-200 على المياه.
لكن البلاد تمتلك على المستوى الصناعي معظم المواد الكيميائية الأساسية اللازمة لتصنيعها.
Fertial، التابعة لمجمع Asmidal، تنتج نحو مليون طن من الأمونيا سنوياً في عنابة وأرزيو، مع خطوط مرتبطة بالمركبات الفوسفاتية.
وتملك FERPHOS احتياطيات من الفوسفات الخام تكفي الاحتياجات الوطنية مع فائض قابل للتصدير.
كما تحتل الجزائر المرتبة الخامسة عالمياً في احتياطيات الغاز الطبيعي، وهو المادة الأولية الأساسية في تصنيع الأمونيا.
المشكلة ليست في المواد الخام، بل في التركيبة.
فالمثبط ليس مجرد فوسفات أمونيوم مخفف.
إنه خليط يضم مادة صمغية لزيادة اللزوجة والتحكم فيها، ومثبطات للتآكل لحماية خزانات الطائرات، وصبغة حمراء من أكسيد الحديد لتحديد مكان الإسقاط بصرياً، مع توازن دقيق بين هذه المكونات تحتفظ به شركات مثل Perimeter Solutions كسر صناعي.
وتضاف إلى ذلك مرحلة اعتماد جوي عبر اختبارات إسقاط فعلية، وهي ضرورية لكي يقبل المنتج في العقود العمومية الأوروبية.
يمكن إطلاق برنامج بحث وطني على غرار البرنامج الفرنسي PREFIBIO، الذي يدرس بدائل حيوية بالتعاون مع شركة Bioex.
وقد يسمح ذلك بتحويل القاعدة الكيميائية الجزائرية إلى منتج معتمد خلال ثلاث إلى خمس سنوات.
ويمكن أن تصبح TTA الزبون المؤسسي الأول، والمسؤولة عن التخزين والتوزيع على القواعد المتقدمة والتصدير.
سوق المواد المثبطة ستتوسع مع ازدياد حرائق الغابات عالمياً.
والدولة التي تمتلك قاعدة بتروكيميائية فائضة تملك ميزة تكاليف هيكلية مقارنة بوافد يبدأ من الصفر، شرط إكمال مسار الاعتماد حتى النهاية.
تصدير الخبرة: خيار واقعي لكنه مشروط
تنشر روسيا بصورة منتظمة طائرات Be-200 التابعة لوزارة الطوارئ EMERCOM خارج حدودها للمساعدة الدولية، غالباً خارج موسم الحرائق الروسي.
يمكن للجزائر أن تتموضع في المجال نفسه، ولكن بعد امتلاك فائض في القدرة يتجاوز احتياجاتها الوطنية.
وهذا الشرط غير متحقق بعد في 2026.
وتبقى أوروبا المتوسطية الهدف الأكثر واقعية في الأجل القريب، بحكم وجود علاقات عملياتية سابقة وازدياد الطلب على التعزيزات الموسمية.
VI. إصلاح الدولة في مواجهة المخاطر
لن يصمد أي من هذه الطموحات إذا بقيت الهندسة المؤسسية على حالها.
الحماية المدنية تتبع وزارة الداخلية.
المديرية العامة للغابات تتبع وزارة الفلاحة.
الدعم الجوي الثقيل يتبع وزارة الدفاع.
لا توجد ميزانية موحدة.
ولا توجد قيادة واحدة تستطيع التحكيم بين أزمات متزامنة.
رأينا ذلك في تيزي وزو عام 2021، عندما حوصر عسكريون في غياب تنسيق مدني عسكري جرى اختباره مسبقاً بالشكل الكافي.
ونراه مجدداً هذا الصيف، عندما أعيد نشر الأرتال المتنقلة على عجل من ولاية إلى أخرى في غياب عقيدة انتقال محددة مسبقاً.
وإنشاء خلية أزمة وطنية بصورة طارئة وإسنادها إلى مسؤول عُين للمناسبة يعكس الرد التلقائي للنظام: إنشاء بنية مؤقتة أثناء الأزمة بدلاً من تفعيل منظومة دائمة أُعدت قبلها.
أحياناً يكون التعزيز المؤقت مناسباً.
لكن عندما يتكرر الارتجال نفسه مع كل موجة كبيرة، فهذه علامة على غياب بنية دائمة.
هيئة مستقلة بدلاً من وزارة جديدة
قد يكون الإغراء الطبيعي إنشاء وزارة لحالات الطوارئ.
وهو خطأ ينبغي تجنبه.
وزارة إضافية تعني طبقة بيروقراطية جديدة من دون ضمان حل المشكلة الأساسية.
ستبقى تنازعات الاختصاص مع الداخلية والدفاع.
وسيظل التنسيق يحتاج إلى تفاوض أثناء كل أزمة.
وستظل الوسائل موزعة على هياكل مختلفة من دون قيادة موحدة.
الجزائر لا تحتاج إلى مخطط تنظيمي جديد.
تحتاج إلى سلطة قيادة حقيقية.
الحل الأكثر فاعلية هو إنشاء وكالة وطنية لإدارة الأزمات وحالات الطوارئ، هيئة مستقلة مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، لها ميزانية مستقلة مصادق عليها على حدة، وتمتلك قانونياً سلطة القيادة على جميع الوسائل المدنية والعسكرية بمجرد إعلان حالة أزمة.
هذه الهيئة لا تدير رجال الإطفاء أو الغابات أو القوات المسلحة في حياتهم اليومية.
لكنها تفعل قيادة موحدة بمجرد تجاوز عتبة محددة للخطورة، وتصبح سلطتها غير قابلة للنقاش بينما تتقدم النيران.
الميزة الحاسمة مقارنة بوزارة جديدة هي أنها لا تنشئ ازدواجية دائمة مع الداخلية والدفاع، ولا تضيف سلماً إدارياً بين الميدان والقيادة السياسية العليا، وتظل خفيفة بالقدر الذي يسمح لها بالتحرك بسرعة.
ويتم تفعيلها أثناء الأزمات تلقائياً وفق العتبات نفسها المحددة في دليل العمليات.
أما في الظروف العادية، فتكون مهمتها التخطيط والتدريب وتحديث البروتوكولات، لا الإدارة اليومية للمصالح القائمة.
بنية من هيئتين: فصل القيادة عن التقييم
مهما كانت الصيغة المؤسسية المختارة، يجب الفصل بين من يدير الأزمة ومن يقيم المخاطر.
هذه مسألة غير قابلة للتفاوض.
الجهة التي تنفذ وتقيّم نفسها في الوقت نفسه تميل في نهاية المطاف إلى التقليل من نقاط ضعفها، ليس بالضرورة عن سوء نية، بل بفعل طبيعة البناء المؤسسي.
لذلك ينبغي إنشاء وكالة مستقلة لدراسة المخاطر والوقاية منها، بضمانات قانونية، ومنهجيات شفافة، وكفاءات علمية معترف بها.
ويجب التصويت على ميزانيتها بصورة منفصلة.
كما ينبغي أن تكون ملزمة قانوناً بنشر نتائجها سنوياً.
استقلاليتها لا تتحقق بمجرد التبعية الإدارية، بل أساساً بهذه الضمانات العملية.
ومن الأفضل أن تغطي جميع المخاطر لا حرائق الغابات فقط، بما يسمح بتجميع خبرات موزعة اليوم بين المديرية العامة للغابات، والديوان الوطني للأرصاد الجوية، والوكالة الوطنية للموارد المائية، والوكالة الوطنية للسدود، ومركز البحث في علم الفلك والفيزياء الفلكية والجيوفيزياء CRAAG، وهيئات أخرى مختصة بالمخاطر الصناعية.
المديرية العامة للغابات: تعزيزها لا ابتلاعها
يجب أن تبقى المديرية العامة للغابات تحت وصاية وزارة الفلاحة، لكن مع منحها وسائل أكبر بكثير.
هيئة هندسة غابية خاصة بها ومعدات أشغال عمومية مخصصة لشق وصيانة الخنادق والممرات المضادة للنيران.
شبكة أكثر كثافة من نقاط المراقبة الثابتة، مدعمة ببالونات مربوطة في الكتل الغابية الأكثر عرضة.
وشبكة وطنية من الكاميرات وأجهزة الاستشعار الزلزالية والصوتية مترابطة بتقنيات Mesh وLoRa.
إضافة إلى منظومة الكشف ثلاثية المستويات المذكورة سابقاً.
وتظل قدرة التدخل الطارئ لدى المديرية محدودة بوضوح بالهجوم الأولي على حريق غابي لم يتحول بعد إلى أزمة واسعة.
لكن لا بد من وضع معيار انتقال مكتوب مسبقاً نحو وكالة القيادة المتكاملة، بدلاً من التفاوض عليه وقت الكارثة.
مساحة معينة للحريق، امتداده إلى ولاية ثانية، أو طلب قائد المديرية في الميدان.
بمجرد تجاوز أحد هذه المعايير، تنتقل القيادة رسمياً إلى المستوى الأعلى وتوضع وسائل المديرية تحت سلطته العملياتية طوال مدة الأزمة.
دفعت البرتغال ثمن غياب هذه الآلية عام 2017 بأكثر من مئة قتيل وإنشاء بنية تنسيق على عجل بعد الكارثة.
المخاطر الصناعية والزلازل والصحة والبنية التحتية

أدى انفجار مجمع الغاز الطبيعي المسال K1 التابع لسوناطراك في سكيكدة في 19 يناير 2004، الذي أوقع 27 قتيلاً و74 جريحاً، إلى دفع الدولة لاعتماد القانون 04/20، وهو ما يقابل في الجزائر إلى حد بعيد توجيه Seveso الأوروبي.
الجزائر لا تعاني من فراغ قانوني.
بل من مشكلة في التطبيق.
فقد وقعت حادثتان أخريان في سكيكدة نفسها عامي 2005 و2013.
ووجود مساكن مبنية بمحاذاة أنابيب الغاز في عدة ولايات، 778 مسكناً في بجاية، و516 في باتنة، و480 في تبسة، و466 في الجزائر العاصمة، و246 في سطيف، يكشف تناقضاً عمرانياً مماثلاً لما نراه عند أطراف الغابات.
زلزال الأصنام عام 1980: أكثر من 2,600 قتيل.
زلزال بومرداس عام 2003: أكثر من 2,300 قتيل و10 آلاف جريح.
تملك الجزائر منظومة مؤسسية ناضجة نسبياً في مجال المخاطر الزلزالية، من CRAAG إلى CGS وCTC.
لكن تحليل دمار بومرداس يحمل درساً واضحاً: غالبية المباني المنهارة كانت هياكل ذاتية الثبات مع بناء حجري أو آجري منفذ بطريقة سيئة.
أي أن المشكلة لم تكن دائماً في التصميم، بل في التنفيذ.
القانون كان موجوداً.
أما مراقبة تطبيقه فلم تكن كافية.
وهذا هو النمط الذي يتكرر في معظم الملفات التي تتناولها هذه المساهمة.
قانون Seveso الجزائري قائم منذ 2004، ومع ذلك عرفت سكيكدة حوادث جديدة.
قواعد البناء المضاد للزلازل قائمة منذ 1981، ومع ذلك فقدت بومرداس أكثر من 2,300 شخص في 2003.
مصلحة علاج الحروق الكبرى في ورقلة تمولها سوناطراك ولم تفتح بعد، بينما أدى حريق في حاسي مسعود قبل ثلاثة أسابيع، في كارثة صناعية مرت تقريباً من دون اهتمام، إلى نقل 25 مصاباً بحروق من الدرجة الثالثة إلى مستشفى عام.
المشكلة نادراً ما تكون الجهل بالخطر أو غياب الإطار القانوني.
المشكلة في التأكد الحقيقي من التطبيق على الأرض.
والسبب واضح: غياب المساءلة، وغياب الحصائل، وغياب التخطيط المسبق، وغياب التنسيق.
الإفلات من المحاسبة وانعدام المسؤولية المؤسسية آفة حقيقية.

وفي مجال إنذار السكان، لا توجد مؤشرات على وجود نظام Cell Broadcast في الجزائر.
ما ظهر في تقارير هذا الصيف هو الاعتماد المتكرر على انتقال عناصر الحماية المدنية من منزل إلى آخر.
هذه التكنولوجيا ضرورية.
فهي تسمح بإرسال رسالة من هوائيات شبكات الهاتف إلى جميع الأجهزة الموجودة في منطقة جغرافية محددة، من دون تطبيق، ومن دون إغراق الشبكة.
الفلبين شرعت منذ 2014 قانوناً يلزم شركات الاتصالات بإرسال هذه التحذيرات مجاناً.
لكن القانون وحده غير كاف.
نحتاج إلى جهة مخولة بإطلاق الإنذار، ورسائل موحدة، وتحديد جغرافي دقيق، وحماية من التنبيهات الكاذبة، واختبارات منتظمة، وحملة لتعريف السكان بالنظام.
إنه مشروع يمكن إنجازه خلال أشهر، وتكلفته لا تقارن بمعظم الاستثمارات الأخرى في مجال الحماية المدنية.
VII. عقيدة وطنية متعددة المخاطر: جرد الموارد قبل الأزمة
لا يمكن أن تقتصر العقيدة الوطنية على حرائق الغابات.
المبادئ نفسها الخاصة بالقيادة والتنسيق والاستعداد تنطبق على الفيضانات والزلازل والحوادث الصناعية والأزمات الصحية.
وفي جميع هذه الحالات، لا يتعلق السؤال فقط بمن يقود، بل أيضاً: بأي وسائل؟
الاستجابة لكارثة واسعة لا تعتمد فقط على جودة المتخصصين.
بل على القدرة على تعبئة موارد موجودة أصلاً في البلاد خلال ساعات قليلة، لكنها لم تُحصَ مسبقاً في زمن السلم.
وهذا درس تكشفه الكوارث دائماً بعد فوات الأوان.
في البرتغال عام 2017، احترقت سيارات على طريق وطني لأن أحداً لم يخطط مسبقاً لمسارات إجلاء بديلة.
وفي الجزائر عام 2021، حوصر جنود جزئياً لأن مواقع المياه الصالحة لاستخدام المروحيات لم تكن موحدة في خرائط متاحة لكل المتدخلين.
جرد الموارد القابلة للتعبئة
ينبغي أن تكون المهمة العملية الأولى لوكالة الوقاية المستقلة هي إعداد خريطة شاملة، ولاية بولاية، للموارد التي يمكن تعبئتها وقت الأزمات، بصورة منفصلة ومتكاملة مع خطط التدخل القائمة.
وتشمل الخريطة أربعة مجالات على الأقل.
موارد المياه
البحيرات، السدود، الحواجز المائية الصغيرة، الشواطئ، الموانئ، ونقاط المياه التي يمكن للمروحيات أو صهاريج الإطفاء الوصول إليها في نطاق خمس عشرة دقيقة طيران من المناطق الأكثر خطورة.
هذه الخرائط أساسية بالنسبة إلى Be-200 وMi-26، إذ تعتمد فعاليتهما العملياتية على وجود مصدر مياه في نطاق قريب.
ويجب تحديثها كل سنة وفق مستوى امتلاء السدود والظروف المناخية.
القواعد اللوجستية المتقدمة
مهابط المروحيات المدنية والعسكرية، المطارات الثانوية، الموانئ التي يمكنها استقبال سفن دعم، والساحات ومواقف السيارات التي تصلح كمناطق انتشار للأرتال والمركبات الثقيلة.
يجب تحديد هذه المواقع مسبقاً، وتوثيق طاقتها الاستيعابية، وإعداد ترتيبات التسخير القانونية قبل الأزمة، حتى لا تضيع الساعات في المفاوضات الإدارية بينما تتقدم الكارثة.
كما يمكن للسفن الساحلية التابعة للقوات البحرية أن تلعب دوراً لوجستياً خلال أزمات الساحل، وهي قدرة لم يتم تأطيرها رسمياً حتى الآن.
أماكن استقبال السكان الذين يتم إجلاؤهم
القاعات متعددة الرياضات، وقاعات الحفلات، والصالات الرياضية، والداخليات والجامعات التي تفرغ في الصيف، والمنشآت الفندقية القابلة للتسخير.
يجب أن تكون لكل موقع بطاقة فنية محددة مسبقاً تتضمن طاقة الاستقبال، والتجهيزات الصحية، والاستقلالية في المياه والكهرباء، والأساس القانوني للتسخير.
إحصاء هذه المنشآت في زمن السلم، لا أثناء الكارثة، هو السبيل الوحيد لضمان إجلاء منظم بدلاً من الفوضى.
الثروة الحيوانية والموارد الزراعية في المناطق المهددة
هذا من أكثر الجوانب إهمالاً في خطط الأزمات الجزائرية.
في حرائق 2021 و2026 نفقت قطعان كاملة لعدم وجود مسارات إجلاء معدة سلفاً للحيوانات.
وهذه ليست مأساة إنسانية للمربين فقط، بل خسارة اقتصادية طويلة الأمد في مناطق تعاني أصلاً من النزوح الريفي.
ينبغي أن تتضمن كل خطة ولائية ممرات لإجلاء الماشية، ومناطق تجمع مؤقتة، وبروتوكولات تنسيق بين الحماية المدنية والمصالح البيطرية.
نظام وطني لإدارة حركة المرور وقت الأزمات
من أكثر دروس كارثة البرتغال عام 2017 وضوحاً ما يتعلق بحركة المرور.
الأشخاص الـ47 الذين ماتوا على الطريق الوطني 236 لم تفاجئهم النار أثناء حياتهم العادية.
كانوا يهربون منها.
لكن النار لحقت بهم على طريق لم يتم إغلاقه ولا تحويل حركة المرور عنه في الوقت المناسب.
لا تمتلك الجزائر نظاماً وطنياً لإدارة حركة المرور أثناء الأزمات يستطيع خلال دقائق تغيير مسار التدفق على الطرق الرئيسية في منطقة منكوبة.
تعتمد أوامر الإجلاء على الإعلام وشبكات التواصل والاتصال المباشر بالسكان، من دون تحديد ممرات خروج آمنة وإبلاغها في الزمن الحقيقي.
وقد تجد سيارات الإطفاء والأرتال المتنقلة نفسها عالقة في الحركة نفسها مع المدنيين الفارين، فتضيع دقائق لا ترحم فيها الحرائق أحداً.
نظام إدارة شبه فوري للحركة، متصل بمراكز قيادة الدرك والأمن الوطني، يمكن أن يغلق بعض المحاور آلياً، ويفتح مسارات أحادية الاتجاه للإنقاذ، ويبلغ السائقين عبر اللوحات الإلكترونية ورسائل Cell Broadcast.
هذه ليست تكنولوجيا خارقة.
إنها ربط لأنظمة موجودة أصلاً، واختيار معماري، وبروتوكولات جاهزة للتفعيل.
أما تكلفة غيابها فتقاس بالأرواح، كما أظهر البرتغال عام 2017، وكما قد يحدث في ليلة حرائق كبرى مقبلة في القبائل أو الأوراس.
مخزونات طوارئ مسبقة في كل ولاية
لا يمكن لإدارة أزمة فعالة أن تعتمد بالكامل على سلسلة لوجستية وطنية تبدأ العمل بعد اندلاع الكارثة.
عندما تتضرر عدة ولايات في الوقت نفسه، كما حدث في يوليو 2026، تصبح قدرة المركز على تزويد الجميع بسرعة محدودة بحكم الحاجة إلى وسائل النقل نفسها في أكثر من منطقة.
الحل معروف: مخزونات طوارئ موضوعة مسبقاً في كل ولاية، محفوظة في حالة جاهزية دائمة ومجددة وفق جدول ثابت.
ويجب أن تغطي أربعة أنواع من الاحتياجات على الأقل.
المستلزمات الطبية العاجلة: ضمادات، سوائل وريدية، أدوية إسعاف أولي، أكسجين، معدات لعلاج الحروق الخفيفة والمتوسطة، بما يكفي لأول 48 ساعة قبل وصول التعزيزات.
وحادث حاسي مسعود، الذي أرسل 25 مصاباً بحروق خطيرة إلى مستشفى عام، يوضح هذا النقص تماماً.
ثم تجهيزات خط الإطفاء الأول: بدلات مقاومة للنار، أقنعة، أدوات إزالة الأعشاب، مولدات كهربائية متنقلة لمراكز القيادة المتقدمة.
ثم الأغذية والمياه المخصصة للسكان الذين تم إجلاؤهم، بما يكفي لأول 48 ساعة في مراكز الاستقبال المحددة مسبقاً، من دون الاعتماد على وصول الإمدادات من العاصمة.
وأخيراً معدات الاتصال الاحتياطية: أجهزة راديو محمولة قابلة للتشغيل المشترك، ومحطات تقوية متنقلة، ومولدات للحفاظ على عمل مراكز القيادة إذا انقطعت الكهرباء، وهو أمر يتكرر في الحرائق الكبرى عندما تتضرر خطوط سونلغاز.
ولا ينبغي أن تمول هذه المخزونات من ميزانيات التسيير السنوية للولايات، لأنها أول ما يتعرض للتخفيض عند شح الموارد.
بل يجب إدراجها ضمن صندوق دائم للوقاية من المخاطر، مع إلزام قانوني بتجديد المخزون وإخضاعه لتدقيق سنوي من وكالة الوقاية المستقلة.
VIII. ماذا يقول احتراق الأحراش عن الدولة؟ التهيئة الإقليمية والتخلي عن الريف
هناك سبب أساسي للحرائق في الجزائر لا يحظى تقريباً بأي نقاش عام، لأنه لا يملك جاذبية طائرة تلقي المياه ولا صور جبهة نار مصورة بالهاتف.
لكنه موثق منذ نصف قرن وهو سبب هيكلي: جزء كبير من الأحراش التي تحترق كل صيف في منطقة القبائل نما مكان زراعة لم تعد موجودة.
أدى النزوح الريفي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى إفراغ الجبال من جزء من زراعتها المعيشية.
ثم جاءت العشرية السوداء لتستنزف الغابات والجبال من رأسمالها البشري.
واجتذبت الوظائف الصناعية والإدارية والعسكرية عائلات بأكملها إلى المدن، تاركة الأراضي الزراعية خلفها لتستعيدها الأحراش تدريجياً.
انخفاض عدد القطعان التي ترعى الغطاء النباتي السفلي يعني، ببساطة، زيادة كمية الوقود النباتي المتراكم.
وهذه الظاهرة نفسها موثقة في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، حيث يعد تراجع الرعي التقليدي عاملاً يزيد خطر الحرائق بقدر ما تفعل موجات الجفاف.
جغرافيا النار تتبع جغرافيا الهجر.
في المجتمعات الريفية التقليدية، تظل النار أداة لإدارة الأرض: حرق محدود لتنظيف المراعي أو الأرض قبل الزراعة.
وهي ممارسة قديمة كانت تعمل في بيئة تتم فيها السيطرة على النباتات، لكنها تصبح خطرة عندما تتراكم المواد القابلة للاشتعال لعقود.
معالجة الأمر جنائياً فقط تعني تجريم ممارسات زراعية عمرها قرون من دون معالجة السبب.
وقد اختارت فرنسا طريقاً مختلفاً: الحرق الزراعي المنظم في الجبال لا يحظر بصورة مطلقة، بل ينظم ضمن فترات جوية محددة، مع تصريح مسبق وتأطير تقني.
ربما يكون الإجراء الأكثر مباشرة والأقل تكلفة بين كل المقترحات الواردة هنا هو دعم عودة النشاط الزراعي الرعوي في المناطق العازلة المحيطة بالكتل الغابية الخطرة، ليس كسياسة اجتماعية ثانوية، بل باعتباره سياسة وقاية من الحرائق.
فالقطيع الذي يرعى الأحراش يؤدي باستمرار ومجاناً الوظيفة نفسها التي تؤديها الآلات عند إنشاء الخنادق المضادة للنيران.
وينبغي أن يصبح رسم خرائط الأراضي الزراعية المهجورة عند حدود الغابات مؤشراً أساسياً لدى وكالة الوقاية، تماماً مثل درجة الحرارة أو رطوبة التربة.
هذه المعلومة لا توجد حالياً في أي من المنظومات التي تم تناولها.
أما بناء المساكن عند حواف الغابات من دون تخطيط عمراني يأخذ خطر الحرائق في الاعتبار، فيخلق منطقة تماس بين السكن والغابة تعقد التدخل الجوي والأرضي.
وتفرض فرنسا منذ 2002 إزالة الأعشاب والنباتات القابلة للاشتعال إجبارياً حول المنازل الموجودة في المناطق عالية الخطورة.
ولا توجد في الجزائر حتى الآن منظومة مماثلة شاملة.
IX. ما بعد اللهب: ماذا نفعل بالأرض؟ ماذا نقول للناس؟ وكيف نتعاون؟
الأرض المحترقة ليست أرضاً محايدة.
في الأسابيع والأشهر التي تلي حريقاً كبيراً، تفقد المنحدرات العارية قدرتها على امتصاص المياه، وتنتج سيولاً عنيفة عند أول أمطار غزيرة.
وفي حوض المتوسط، كثيراً ما تتسبب الانهيارات الطينية والسيول بعد الحرائق في أضرار تفوق أحياناً أضرار النار نفسها.
وتجعل تضاريس القبائل والونشريس والأوراس هذا الخطر ملموساً جداً.
لكن لا تشير المصادر المتاحة إلى وجود بروتوكول جزائري منهجي لمراقبة الأحواض المائية التي تعرضت للحريق قبل موسم الأمطار.
وبصورة عامة، لا تحظى الأنهار والمجاري المائية بالعناية الكافية من السلطات، وهو موضوع يستحق نقاشاً منفصلاً.
أما تعويض المتضررين فيتكرر وفق السيناريو نفسه كل موسم.
وقد أعطى الرئيس عبد المجيد تبون تعليمات بتسريع إحصاء أضرار حملة 2026، مع هدف إتمام العملية قبل الدخول الاجتماعي.
لكن السؤال المفتوح هو ما إذا كان هذا الإحصاء سيؤدي يوماً إلى إنشاء آلية دائمة، مثل نظام تأمين فلاحي منظم أو صندوق كوارث يمول بصورة مستمرة، أم سيظل مجرد استجابة ظرفية تتكرر كل صيف.
أنشأت فرنسا منذ 1982 نظام CatNat لتعويض الكوارث الطبيعية، ويمول عبر رسم إضافي على عقود التأمين.
وبعد أكثر من أربعين عاماً، لا توجد في الجزائر آلية مماثلة تخص حرائق الغابات تحديداً، رغم وجود التأمين الإجباري للسكن ضد مخاطر أخرى كفيضانات والزلازل والظواهر الجوية وحركات التربة.
في عام 2021، حصلت الجزائر بالفعل على مساعدة دولية عبر آلية الحماية المدنية الأوروبية rescEU.
وأرسلت فرنسا طائرتين لمدة 72 ساعة إلى منطقة القبائل، بينما تكفلت المفوضية الأوروبية بما يصل إلى 75 في المائة من تكاليف النقل.
وهذه نقطة مهمة للغاية: الجزائر، رغم عدم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، استطاعت الوصول إلى الآلية بصفتها دولة ثالثة طالبة للمساعدة.
والباب لا يزال مفتوحاً.
كما حصلت الجزائر على مساعدات من دول أخرى، منها روسيا التي أرسلت طائرة Beriev تابعة لـEMERCOM.
لكن التعامل مع التعاون الدولي كحل طارئ يتم تفعيله من الصفر في كل مرة يضيع وقتاً.
إبرام اتفاق إطار مسبق مع آلية rescEU يحدد عتبات التفعيل وشروط التمويل مقدماً قد يسمح بطلب المساعدة خلال ساعات بدلاً من أيام.
وفي حريق يستطيع مضاعفة مساحته خلال ليلة واحدة، هذا الفارق مهم.
X. جعل كل مواطن جزءاً من المنظومة: التعليم والتطوع والاحتياط البلدي

مهما بلغت قوة الجهاز المحترف، فإنه يبقى مصمماً أساساً لموسم عادي.
أما حملة 2026، التي تجاوزت 3,700 بداية حريق منذ الأول من مايو ووصلت إلى أكثر من 120 بؤرة متزامنة، فهي مستوى لا تستطيع أي قوة دائمة امتصاصه وحدها.
في المدرسة الابتدائية، بين السادسة والحادية عشرة، يمكن أن تكون التوعية مبسطة وتفاعلية: تمارين إخلاء بسيطة، تعليم التصرفات المنقذة للحياة، وزيارات إلى مراكز الحماية المدنية.
الهدف ليس تكوين مسعفين صغار، بل بناء ثقافة للمخاطر قبل أن تترسخ اللامبالاة أو الخوف.
وهو أيضاً عمر ينقل فيه الطفل ما يتعلمه إلى والديه، فتصل الرسالة المدرسية إلى بالغين قد لا تصل إليهم حملة رسمية.
في التعليم المتوسط، بين 11 و15 عاماً، يمكن إدماج مبادئ مبسطة للإسعافات الأولية ضمن دروس التربية المدنية، وإضافة وحدات حول الوقاية من المخاطر الطبيعية والصناعية بما يتناسب مع جغرافية كل ولاية، وتنظيم محاكاة فعلية لبدايات الحرائق بالتعاون مع المديرية العامة للغابات.
في الثانوية، بين 15 و18 عاماً، يمكن إنشاء شهادة في السلامة والحماية المدنية تمنح قيمة إضافية في بعض مسارات التعليم العالي، وتنظيم تربصات صيفية عملية مع الحماية المدنية أو المديرية العامة للغابات في الفترة التي تكون فيها الحاجة إلى اليد العاملة أكبر.
بعد البكالوريا، من 18 إلى 25 عاماً، يمكن إنشاء خدمة مدنية اختيارية بديلة عن الخدمة الوطنية، على ثلاثة مستويات:
الدعم والوقاية من دون التعرض المباشر للخطر.
تدريب مؤهل في الإسعافات الأولية وقيادة المركبات الخفيفة.
ثم احتياط قابل للتعبئة عند حدوث أزمة كبرى.
أما لدى البالغين العاملين، فيتطلب الاحتياط البلدي حل المسألة الحاسمة: كيفية الجمع بين العمل والتطوع.
المشكلة التي تحد من التطوع في معظم دول العالم ليست غياب النية الحسنة، بل رفض صاحب العمل السماح لموظفه بالمغادرة.
ضمان قانوني لحماية الوظيفة خلال فترات التعبئة، ومنح علامة “صاحب عمل شريك” للمؤسسات التي تمنح موظفيها الاحتياطيين إجازات مدفوعة، هما الفارق بين قائمة طويلة من الأسماء واحتياط يمكن تعبئته فعلاً.
أما المتقاعدون، فلديهم أدوار غير عملياتية لكنها لا تعوض: التوجيه، والدعم اللوجستي، وإدارة الاتصالات، والأهم نقل معرفة ميدانية لا يملكها أي درون ولا أي متطوع شاب.
ينبغي أن يكون احتياط الإنقاذ والإغاثة البلدي موجوداً في كل بلدية عالية الخطورة، مرتبطاً وظيفياً بالمديرية العامة للغابات وإدارياً بالمجلس الشعبي البلدي.
ومن الأخطاء المتكررة الاعتماد على الحركة الكشفية وحدها.
فالعمل الكشفي في مختلف البلدان يميل هيكلياً إلى أن يكون ظاهرة حضرية ومن الطبقة الوسطى، بينما تتركز مخاطر الحرائق في المناطق التي يكون فيها النسيج الجمعوي أضعف، أي القرى الجبلية في القبائل والأوراس.
عن حياة ومقتل جمال بن سماعين الملياني
26-08-2021
الهياكل الأكثر انتشاراً في الريف موجودة في أماكن أخرى: المدرسة العمومية، وهي المؤسسة الوحيدة الموجودة حتى في أبعد البلديات؛ والمنظمات الزراعية والتعاونيات واتحادات الفلاحين، التي تصل مباشرة إلى السكان الأكثر تعرضاً؛ والهياكل القروية التقليدية، وعلى رأسها تاجماعت في منطقة القبائل، التي أثبتت في 2021 قدرة تلقائية على التنظيم المحلي قبل وصول المساعدة الرسمية أحياناً.
يمكن لهذه الهياكل أن تكون قنوات للتوعية والتعبئة، لكنها لا يمكن أن تشكل الإطار القانوني للاحتياط، الذي يجب أن يبقى محترفاً ومحايداً سياسياً وشاملاً للجميع.
أما الحوافز الفعالة فهي واضحة ومحددة، لا تحتاج إلى استعراض:
تعويض يومي خلال أيام التعبئة الفعلية.
تغطية اجتماعية وتأمينية كاملة للحوادث أثناء الخدمة.
تكوينات مهنية معتمدة، من بينها رخصة قيادة الشاحنات اللازمة لمركبات الغابات.
اعتراف محدود وشفاف بهذا الالتزام في بعض مسابقات الوظيفة العمومية.
ومنافسات بين البلديات في مجالات الاستعداد والإنقاذ، على غرار ما ساهم في جعل فرق bombeiros البرتغالية مؤسسات اجتماعية محلية حقيقية.
في معظم الدول، تكون ميزانية الوقاية أول ضحية عند حدوث ضائقة مالية.
إنشاء صندوق دائم مخصص لها، على غرار صندوق Barnier الفرنسي الممول من رسم إضافي على عقود التأمين، سيجعل تمويل الوقاية أقل تبعية للدورات السياسية والسنوية.
الخلاصة: المطلوب هو جمع ما هو موجود أصلاً
الجزائر ليست في حاجة إلى من يشرح لها معنى حريق الغابات.
لقد فقدت 90 شخصاً في 2021، بينهم 33 جندياً ماتوا وهم يحاولون إنقاذ آخرين.
لكنها بنت منذ ذلك الحين منظومة جوية معتبرة لا تستطيع دول أغنى منها بكثير أن تدعي دائماً امتلاك ما يضاهيها عند مقارنتها بالمساحة الغابية.
هاتان الحقيقتان قائمتان معاً، ويجب عدم التضحية بإحداهما لصالح الأخرى.
ما حاولت هذه المساهمة إظهاره هو أن اللبنات الأساسية لشيء أكبر موجودة بالفعل.
لكنها موزعة بين إدارات لا تتواصل بما يكفي، ومؤسسات صناعية لا تعمل ضمن رؤية موحدة، وقدرات عسكرية تتدخل في الدعم من دون إطار قانوني عملياتي شامل.
تمتلك Tassili Travail Aérien الأسس التي تسمح لها، خلال عشر سنوات، بأن تصبح فاعلاً جدياً في السوق المتوسطية لمكافحة الحرائق جواً.
تمتلك Fertial وAsmidal القاعدة الكيميائية اللازمة لإنتاج مواد مثبطة للحرائق لا تستخدمها الجزائر حتى الآن.
ويمتلك CRAAG وCGS والمديرية العامة للغابات عقوداً من الخبرة كل في مجال اختصاصه.
وأثبتت تاجماعت في منطقة القبائل عام 2021 أنها تستطيع تنظيم المجتمع محلياً وتلقائياً قبل وصول المساعدة الرسمية.
المشكلة ليست في غياب الموارد.
المشكلة في غياب البنية التي تجمعها.
وكالة وطنية لقيادة الأزمات مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية، توحد القرار في وقت الكارثة من دون إنشاء طبقة بيروقراطية إضافية.
وكالة مستقلة للوقاية تقول الحقيقة بشأن الوضع الفعلي لنقاط الضعف.
عقيدة وطنية متعددة المخاطر تحصي الموارد القابلة للتعبئة قبل وقوع الأزمة.
مخزونات طوارئ موضوعة مسبقاً في كل ولاية.
نظام لإدارة حركة المرور يسمح بإجلاء السكان قبل أن تقطع الطرق.
عقيدة جوية مكتوبة حتى لا تبقى الطائرات تطارد اللهب فقط.
مخزون من المواد المثبطة يسمح ببناء خطوط دفاع بدلاً من الاكتفاء بإلقاء المياه.
ومؤشرات أداء منشورة حتى نعرف أخيراً ما الذي يعمل وما الذي لا يعمل.
لا تحتاج أي من هذه الإجراءات إلى ميزانية استثنائية.
بعضها لا ينتظر سوى قرار سياسي.
أما البقية، وفي مقدمتها صعود TTA، وإنتاج مواد الإطفاء محلياً، وبناء قدرة تصديرية، فتحتاج إلى التزام صناعي جاد يمتد لعشر سنوات.
سيؤدي تغير المناخ إلى فصول صيف أكثر قسوة في حوض المتوسط.
السؤال لم يعد ما إذا كان صيف جديد شبيه بصيف 2021 سيأتي.
السؤال هو: عندما يأتي، هل ستكون الجزائر قادرة على تجاوزه بوسائلها الخاصة، وتحويل هذه القدرات إلى مصدر دخل، ثم مساعدة جيرانها على مواجهة الخطر نفسه؟


