د. أحمد فاتح محمد | العالم الجديد | 14-06-2026
لعقود خلت، حصرنا نقدنا في “السلطة” الحاكمة ومراكز قرارها، متوهمين أن العطب يكمن هناك حصراً، بينما أشحنا بوجوهنا عن الأزمة العميقة التي تضرب “السياسة” ذاتها كفعل وممارسة تتولاها نخبنا، سواء في الموالاة أو المعارضة. اليوم، تتجلى أمامنا حقيقة قاسية تفقأ العين: لقد سقطت هذه النخب في مستنقع “تفاهة” بنيوية، وانعزلت في جزر أيديولوجية بعيدة تماماً عن حركة التاريخ ونبض المجتمع وتحدياته.
علامات العصر الجديد
08-01-2026
لم يأتِ هذا الانحطاط من فراغ، بل هو النتيجة الحتمية لاستسلام النخبة لأمراض فتاكة شلت قدرتها على التفكير والتدبير. فعلى المستوى الفكري، سقطت النخب في ارتماء مريض بأحضان الجمود العقائدي؛ حيث يُقدس “النص” (أيديولوجياً كان أم مقدساً) باعتباره الحقيقة المطلقة، بينما يُرفض الواقع المتغير ويُخوّن. هذا الفقر في الفهم السياسي ولّد مواقف “قصووية” وعدمية تتأرجح بين طلب المستحيل أو الرفض المطلق لكل الممكنات، والنتيجة هي تفريغ السياسة من محتواها الإصلاحي التراكمي، وتحويلها إلى مجرد بلاغة لغوية جوفاء لا تبني وطناً.
أما في ميدان الممارسة، فقد تخلت النخبة عن دورها التنويري القيادي لتنزلق نحو الانتهازية والشعبوية. بات “الزعيم” يلهث وراء غرائز الجماهير المتقلبة بدلاً من ترشيد وعيها، وصار العمل الحزبي أداة باردة للمساومة على المكاسب الضيقة. وحين تفقد السياسة بوصلتها الأخلاقية ورؤيتها الاستراتيجية، يطغى الارتجال، وتصبح “التفاهة” هي المعيار، والمصلحة الفردية هي المحرك الوحيد للفعل الجماعي.
وتتجلى أخطر صور هذه التفاهة في الهياكل الحزبية التي تختبئ خلف قشرة رقيقة من الحداثة، بينما تديرها عقلية القبيلة. إن ما نعيشه اليوم هو حالة من “البدوقراطية”؛ ذلك المزيج الهجين والمشوه بين البداوة السلوكية والبيروقراطية المركزية المتصلبة. فالولاء المطلق للشيخ أو القائد، والشِللية الضيقة، وإقصاء الدماء الشابة، هي آليات تقتل الإبداع وتعيد إنتاج الاستبداد داخل الكيانات التي تدعي محاربته.
إن الخروج من زمن التفاهة يفرض علينا إطلاق ورشة نقدية جذرية قاسية؛ ورشة لا تكتفي بإلقاء اللوم على السلطة، بل تملك الشجاعة لتشريح الذات ومراجعة المنطلقات. إن استعادة معنى السياسة تمر حتماً عبر تحطيم الأصنام الأيديولوجية، والعودة إلى أرض الواقع، والعمل الجاد على بناء “الدولة الوطنية” كإطار قانوني وأخلاقي يحتضن الجميع. فالسياسة إما أن تكون فعلاً عقلانياً أخلاقياً يهدف لخدمة الصالح العام، أو ألا تكون سوى عبث يكرس الانحطاط التاريخي الذي نكابد مرارته اليوم.





