إعداد وتحرير: صباح جلّول
من قلب زنزانته، أملى المناضل البرازيلي تياغو أفيلا على محاميته رسالة إلى ابنته، تيريزا. قال فيها:
"عزيزتي تيريزا،
أنا آسف لعدم وجودي معكِ في بيتنا الآن.
للأسف، أدرك والدكِ ووالدتكِ وكثيرون حول العالم المهمة التاريخية التي تقع على عاتقنا. اليوم، يعاني أكثر من مليون طفل من الإبادة الجماعية، ُيجوَّعون حتى الموت، تُبتر أطرافهم دون تخدير. يتألمون بسبب أفكار بغيضة وحاقدة، رغم أنهم صغار لا يعلمون ما هي الصهيونية وما الإمبريالية.
أنا متأكد من أنكِ تشتاقين إليّ كثيراً، وجميع آباء وأمهات الأطفال الفلسطينيين كذلك يشتاقون إليهم بشدة، ويتمنون لو ينعم أطفالهم بحياة مليئة بالحب والسعادة والفرح، وهي حقوق يستحقها كل إنسان، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو أصله أو أي صفة أخرى.
ستعيشين في عالم أكثر أماناً لأن العديد من الآباء قرروا التضحية بكل شيء لبناء هذا العالم الأفضل لكِ.
أتمنى أن تُدركي يوماً ما أنه، لشدة حبي لكِ، لم يكن هناك ما هو أخطر عليكِ وعلى الأطفال الآخرين من العيش في عالم يقبل الإبادة الجماعية.
أرجو منكِ أن تَذْكري والدكِ كذلك الذي كان يغنِّي لكِ ويعزف على الغيتار لتنامي. وعندما تكبرين، ستخبرك والدتك أيضاً أن والدك كان ثائراً، وأنه حتى في مواجهة أبشع الأشخاص في هذه الحياة - دونالد ترامب، وبنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير - ظل ثابتاً على إيمانه ببناء عالم أفضل.
وأرجوكِ، لا تنسي فلسطين!
مع كلّ حبي.
تياغو أفيلا"
****
تلك رسالته الكاملة. صغيرة وبسيطة، ولكنها تقول كلّ الحكاية بجلاء ناصع: كان يجب أن يقف أحد في وجه أحقر البشر وأخطرهم على مستقبل أطفالنا، ففعلوا. صفاء أخلاقي في وجه الوسخ الأخلاقي الذي يُراد له أن يصير عادياً وحاكماً لمنطق الدنيا…
أسطول الصمود: لم تنتهِ المهمّة
09-10-2025
هكذا انتهى المطاف بالمناضلَين البرازيلي تياغو آفيلا والإسباني سيف أبو كشك في السجن الإسرائيلي، بعد أن اقتحمت البحرية الإسرائيلية قاربهما في 30 نيسان/ ابريل الماضي، قرب جزيرة كريت، وفي المياه الدولية، بشكل غير قانوني، وفصلتهما عن سائر الناشطين على متن الأسطول، واختطفتهما إلى الأراضي المحتلة.
صباح يوم الثلاثاء في الخامس من أيار/ مايو الحالي، مددت المحكمة الإسرائيلية في عسقلان حبس المناضلَين لستة أيام إضافية، وذلك بعد أن كشف محاموهم ومركز عدالة لحقوق الإنسان عن تعرضهما للتعذيب الجسدي والنفسي، بما فيه التهديد بالقتل والإبقاء في السجن "لمئة عام".
تأكيد ممارسة التعذيب والترهيب
في مقابلة مع قناة الجزيرة، يتحدث المحامي حسن جبَّارين، مدير مركز عدالة الحقوقي، عن شتى الانتهاكات وأنواع الترهيب التي تعرض لها الاثنان، بدءاً بالتحقيق الذي كان يكرر عليهما الأسئلة نفسها التي أجابوا عليها من قبل، ثم تمديد المحكمة سجنهم دون أساس، ليومين، ثم لستة أيام إضافية، بتهم لا أرضية قانونية لها: "التماثل مع تنظيم مصنف "إرهابي"، مساعدة العدو في وقت الحرب، وتقديم مساعدات لمؤسسة إرهابية". بل إن مجرد اعتقال الناشطين هو أمر مخالف للقانون، لتواجدهم حينها في المياه الدولية.
يروى جبَّارين أنهما عندما اختُطفا من المياه الدولية، تطلّبت الرحلة البحرية حتى عسقلان يومَين من الإبحار، أُجبر فيهما أفيلا وأبو كشك على التمدد على بطنيهما على ظهر السفينة. ليومين كاملين، كانا ممنوعَين من التحرك ومعصوبَي العينين، كما عمد الجنود الإسرائيليون إلى سكب المياه عليهما بين الفينة والأخرى.
الطريق إلى غزة.. يوميات رفيق عن بعد
13-10-2025
"مادلين" تتحدى الحصار
07-06-2025
يوم الاثنين في الرابع من أيار/ مايو الحالي، اتضحت ظروف حبسهما لمركز عدالة، بعد التمكن من التحدث معهما. يقول المحامي حسن جبَّارين إن غرفة الاعتقال باردة جداً، وإن إضاءة قوية جداً موجهة عليهما في كلّ الأوقات، بحيث تمنعهما من النوم. يؤكد المحامي أنهما في الحبس معصوبا الأعين طوال الوقت. حتى عندما عُرض أحدهما على طبيب عيون، بقي معصوب العينين. هذا بالإضافة للتهديد المستمر بهدف كسرهما: "لن تخرجوا من هنا أحياء أبداً. سنقتلكم. لا أحد يعرف أين أنتم، ولن يسأل عنكم أحد…"


أثمان… بمواجهة القبح كلّه
هذه بعض الأثمان لمواجهة القبح الذي يهدد العالم أجمع، ولمساندة غزة التي تباد… وهي فعلاً معادلة نفوسٍ نبيلة في مقابل نفوس أرذل ما على وجه البسيطة. لفهم وضاعة هؤلاء، يكفي النظر إلى قالب حلوى عيد ميلاد إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، المزيَّن بمجموعة من المسدسات والمشانق التي يتوعّد بها الأسرى الفلسطينيين.

يريد الاحتلال جعل مجرد التفكير بدعم المضطهَدين، وإن سلمياً، جحيماً على من يُقْدم عليه، فيثنون المناضلين ويرعبون سواهم ويطفئون جذوة الأمل.. أو يحاولون.
في المقابل، أضرب المناضلان آفيلا وأبو كشك عن الطعام منذ لحظة اختطافهما، احتجاجاً على احتجازهما غير القانوني من قبل البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية. تقول سالي أبو كشك، زوجة سيف، المتحدث باسم أسطول الصمود العالمي، إنّ زوجها عُزِل منذ لحظة دخول الإسرائيليين إلى السفينة، مع أنه كان من المفترض أن ينزل من الأسطول في اليونان ويتابع التنسيق من هناك مع المركب، إلا أنهم اختطفوه إلى أسدود.
تضيف زوجته إنه تعرض للتعذيب على متن القارب، ووُضِع في غرفة انفرادية معصوب العينين ومقيد اليدين بشكل أفقده الإحساس بيده، وعانى من صعوبة في التنفس، وتعرض للركلات. ويذكر الناشطون الآخرون على المركب أنه عندما أُخذ انفرادياً، كان صوت الصراخ من الغرفة بفعل التعذيب الاسرائيلي يملأ كل القارب. أدلى الناشطون الذين أُطلِقوا في كريت بشهاداتهم حول تعرّضهم للضرب والاعتداء والركل، وكان عليهم آثار كدمات وجروح، وأحياناً كسوراً في الأضلع.
أما أبو كشك، فعندما ظهر بعد اعتقاله في المحكمة الإسرائيلية، كانت آثار الإنهاك والكدمات بائنة على وجهه، كما لم يُسمَح له أن يكلم ابنته الصغيرة يوم عيد ميلادها. تقول زوجته سالي إنها لم تستطع أن تُخبر ابنتها بأن والدها في السجن الإسرائيلي، وأنها تنتظر: "ابنتي يافا صورتها عن والدها هي صورة البطل الذي يفعل ما بوسعه للدفاع عن الفلسطينيين ضد الأشرار الإسرائيليين، ويحمل للأطفال الطعام والأدوية والهدايا"..
للمناضل تياغو آفيلا أيضاً عائلة تنتظره بشوق. رسالته إلى ابنته يُستشَفّ منها قلقه على مصيره، وعليها، في حال حدث أي شيء له. مع العلم أن المحامين نقلوا عنه أنه أُغمي عليه مرتين جراء التعذيب. يتحدث تياغو في رسالته عن نفسه بصفة الغائب، ولكن بنفس الإصرار على تحمّل نتائج فعلٍ يؤمن به تماماً: ثورةٌ على أبشع من في الحياة، من أجل عالمٍ أفضل.
لم ترحم الأقدار تياغو، الذي خسر والدته تيريزا (وهو كان سمّى ابنته الوحيدة على اسمها) يوم الأربعاء الماضي في السادس من أيار/ مايو، وهو ما يزال في السجن. رفاقه في أسطول الصمود أشادوا بهذه الأم المكافِحة، وتقدموا لزميلهم تياغو بأحرّ التعازي، قائلين "لا يسعنا إلا أن نتخيل مدى الحزن الذي سيُصيب تياغو عندما يعلم بوفاة والدته الحبيبة. نعتمد على تضامن الجميع لتعزيز شبكة الدعم هذه، ولتأكيد المطالبة بالإفراج الفوري عن تياغو وسيف".

في غزة.. تَرتفع صورهم
هذه التضحيات وهذا الحزن، من أشخاص سعوا من آخر الأرض إلى فلسطين، لا تذهب هباء. فـ"ما ينفع الناس يمكث في الأرض"، ومهمات الأسطول تراكمية، تتعلم كل منها مما كان قبلها.
"لن نناشد.. سنتصرّف"
26-03-2026
غزة تعرف هذا الأسطول وأهله: أشخاص يتكلمون بألسن متعددة، آتون من بعيد وقريب في هذه الدنيا.. ما يجمعهم بقضية فلسطين وأهل غزة رابط أعمق بكثير من الانتماء الديني والقومي وسواهما. مبدأ إنساني رافض للظلم والعدوان، ناصر للمظلوم. مبدأ يريد العالم أن يوهمنا أنه "ساذج"، وأن نتائجه لن تكون سوى وبالاً على المناضل وبقاء الظلم على حاله، فنقعد جميعاً متفرجين عاجزين.
لكنّ الأساطيل تتجدد وتَعِد دائماً بالعودة.
تعرف غزّة عزوتها وأبنائها الذين لم يولدوا فيها. اجتمع بعض جرحاها على شاطئ البحر، رافعين صور سيف أبو كشك وتياغو آفيلا. "غزّة معكم"، تقول بعض لافتاتهم. لا بدّ أن هذه الصور وأخبار التضامن من غزة ستنعش قلبَي المناضلَين.


من صفحة عبود بطاح عن فيسبوك.
على صفحته على فيسبوك، أرفق الصحافي عبود بطاح صور التجمع التضامني بتعليق:
"غزة التي لا تنسى المعروف،
غزة التي تحفظ الوجوه وتخلِّد المواقف،
غزة التي تردّ الجميل ولو بعد حين،
غزة التي تعرف من وقف معها ومن خذلها،
غزة التي تكتب الوفاء في زمن النسيان".



